أول تصور مصري عن الكون والجغرافيا

أول تصور مصري عن الكون والجغرافيا
“صور المصريون القدماء الكون على شكل صندوق شكله ما بين بيضاوي ومستطيل، ويتجه قطره الأكبر من الشمال إلى الجنوب، بينما يتجه قطره الأصغر من الغرب إلى الشرق. وتشكل الأرض – التي توجد مصر في مركزها – قاع الصندوق المسطح أو المقعر قليلا، في الوقت الذي تحيط فيه سلسلة من الجبال بالجوانب والأطراف، أما سطح الصندوق فتترامى فيه سماء الكون.
وقد تخيل المصريون السماء عبارة عن سقف من حديد، يدعمها من الجهات الأصلية الأربعة قمة شاهقة تبرز من سلاسل الجبال التي تشكل جوانب وأطراف الصندوق. وافترض المصريون القدماء أنه يوجد على الجانب العلوي من القبة السماوية الحديدية عالم آخر كبير مثل عالمنا، ومشابه لعالمنا، ولكنه مأهول بأجناس غير معروفة للإنسان.
وافترض المصريون القدماء أنه بمحازاة الحافة التي تحيط بجانبي وطرفي الصندوق – وعند مستوى أعلى قليلا من مستوى سطح السلسلة الجبلية – يتدفق نهر سماوي كبير حول الأرض؛ وكانوا يفترضون أن هذا النهر السماوي يجري بين ضفتين مسطحتين مفتوحتين، من قرب أعلى قمة جبلية في الشرق مرورا بالجنوب ووصولا إلى قرب أعلى قمة جبلية في الغرب، ولكن على مقربة من القمة الغربية كان النهر السماوي يمر عبر الشمال في واد عميق مملوء بالظلال الكثيفة.
واعتبر المصريون القدماء أن النيل يتفرع من النهر السماوي، وأن مياهه تنزل إلى الأرض في شلال كبير عند نقطة انحناء النهر السماوي الجنوبية. وهكذا كان الجنوب يمثل للمصريين نقطة الاتجاه الرئيسة، التي كانوا يوجهون أنفسهم من خلالها، حيث كانوا يضعون مشرق الشمس على يسارهم ويضعون غروبها على يمينهم.
وتخيل المصريون القدماء الشمس والقمر والكواكب آلهة محمولة على قوارب مستقلة تبحر بمعدلات مختلفة حول الأرض على مياه النهر السماوي. وكان إله الشمس عبارة عن قرص من نار على قارب يبحر مع التيار ويحمله حول الأرض بصورة دائرية مرة في اليوم؛ وعندما كان ينتقل من الشرق عبر الجنوب إلى الغرب، بين الضفتين المسطحتين، كانت أشعته تضيء الأرض كلها فيُخلق النهار، ولكن عندما ينتقل من الغرب عبر الشمال إلى الشرق، داخل الوادي العميق المذكور سلفا، فإن أشعته كانت تحجب من الوصول إلى الأرض بسبب الأرض المرتفعة الحاجزة، ويُخلق الليل.
وفسروا أن الشمس تصل إلى أعلى خط منتصف النهار في الصيف مقارنة بالشتاء بتخيل أن النهر السماوي يفيض عن ضفتيه سنويا مثل النيل، وأن قارب الشمس يطوف دائما حول تلك الضفة من النهر السماوي التي تكون أقرب إلى الأرض؛ وعندما تفيض مياه النهر السماوي عن الضفاف المسطحة في الجنوب، فإنها تحمل القارب الذي يحمل الشمس معه، مما يرفعه ويجعله أقرب إلى الأرض أيضا، ولكن عندما يتراجع الفيضان ويتراجع القارب مع المياه المنخفضة إلى القناة العادية للنهر السماوي، فإن الارتفاع يقل وتزيد المسافة من الأرض.
وافترض المصريون القدماء أن كسوف الشمس ناتج عن تعرض الشمس أحيانا لهجوم ثعبان عملاق يعيش في النهر السماوي. وكانت مراحل القمر تفسر على أنها ناتجة عن موت إله القمر وولادته من جديد اثنتي عشرة مرة في السنة. وعندما يكون القمر مكتملا، أي حوالي اليوم الخامس عشر من الشهر، كان يفترض أن ثمة عدو يجسده خنزير يسقط على القمر حتى يتلاشى تدريجيا ويختفي لأيام؛ لكن الشمس – توأم القمر في هذه الحالة – تنطلق مباشرة للعثور على القمر والقيام بدوره حتى يتعافى ببطء ويستعيد سطوعه. وفسر المصريون خسوف القمر بأنه ناتج عن أن الخنزير المذكور سلفا يبتلع القمر أحيانا، ولكن الآلهة كانت تجبره على لفظ القمر قبل أن يلفظ أنفاسه.
وكانت الكواكب المعروفة للمصريين القدماء تعتبر آلهة أيضا، ولتفسير حركتها الظاهرية، كان يفترض أن كواكب المشترى، زحل، وعطارد تبحر بقواربها للأمام مباشرة في النهر السماوي، بينما المريخ، الكوكب الأحمر، كان يبحر أحيانا للخلف، وكانوا يعتبرون أن الزهرة لها شخصية مزدوجة، حيث تكون أحيانا نجمة السماء الوحيدة التي تظهر قبل أي نجم آخر، وفي أحيان أخرى تكون بمثابة الإله الذي يسبق الشمس قبل شروقها ويبشر ببزوغ فجر اليوم.
وافترض المصريون القدماء أن النجوم عبارة عن مصابيح معلقة بأسلاك قوية في السماء الحديدية، وأنها لم تكن منتشرة عشوائيا، ولكنها مرتبة في مجموعات أو تجمعات، وبعضها لا يغادر السماء أبدا ويظهر كل ليلة في نفس المكان تقريبا، بينما هناك مجموعات أخرى تسير بحركة بطيئة وتمر سنويا وراء حدود الرؤية، وتظل غائبة لشهور في المرة الواحدة.
ويمثل التوضيح في الشكل المرفق – والمنسوخ من عمل الأستاذ ماسبيرو – سلفا محاولة لتمثيل العالم كما كان يدركه المصريون القدماء، ويفترض أن هذا المقطع مأخوذ في هرموبوليس، أي الأشمونين الحالية. ويظهر على اليسار قارب الشمس على النهر السماوي.
——-
النص بقلم جون بول (1942) وترجمة عاطف معتمد وعزت زيان وستصدر الترجمة العربية في كتاب قريبا بإذن الله.