The Idea of Europe

فكرة أوربا The Idea of Europe
“يمثل الإقليم الذي نطلق عليه أوروبا الآن الجزء الغربي من الكتلة الأرضية الأوراسية. وليس هناك حدود محددة بوضوح لأوروبا، خاصة في الشرق، ولكن يمكن قراءة تاريخ الإقليم كمحاولة مستمرة لتحديد ماذا يعنى أن تكون أوروبيا، وتثبيت تلك الهوية على الخريطة. وقد ولدَّت هذه العملية سلسلة من “الأغيار” غير الأوروبيين، الذين يُعرّف الأوروبيون أنفسهم في مواجهتهم.
ومصطلح “أوروبا” مشتق من كلمة Europa، وهي شخصية أنثوية في الأساطير الإغريقية. وليس للكلمة معنى جغرافي بالنسبة للحضارات التقليدية التي قامت في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، وأهميته قليلة بالنسبة للإمبراطورية الرومانية. وهذه الكلمة ليست موجودة في الإنجيل، ولكنها كانت تستخدم فى “العالم المسيحي” في أوائل فترة العصور الوسطى لوصف المنطقة التي انتشرت فيها المسيحية، وحيث كانت النخب المتعلمة تشترك في لغة لاتينية مشتركة. وكانت أوروبا تصور على خرائط عالم العصور الوسطى كمنطقة صغيرة غير متباينة داخليا، ومعرَّضة للاجتياح من الأقاليم الإسلامية في آسيا وأفريقيا، والتي كانت بمثابة المكون الأول “للآخر” بالنسبة لأوروبا.
وكان توسع أوروبا إلى الأمريكتين منذ أواخر القرن الخامس عشر، سبباً ونتيجة للتغيرات الفكرية والتقنية المرتبطة بالنهضة الأوروبية، مما أثار عملية إعادة تقييم كبرى لمكانة أوروبا في عالم لا يزال يعتبر من خلق السماء (Wintle, 1999, 2008). وكذلك أدى فتح الأمريكتين، إلى ظهور نظام اقتصادي جديد يقوم على تجارة الأطلنطي بعيدة المدى، ونظام سياسي جديد يقوم على الدول القومية الأوروبية، التي كانت مصالحها تتصادم باستمرار في أوروبا والأمريكتين خلال انهيار الوحدة الهشة للكنيسة المسيحية عقب “الإصلاح”. ومع تفكك “العالم المسيحي” إلى مركب معقد من المجتمعات الكاثوليكية والبروتستانتية في العالمين القديم والجديد، فقدت كلمة “أوروبا” مضمونها الديني. وفي أعقاب معاهدات ويستفاليا (1648) التي أنهت الحروب الدينية الأوروبية، كانت أوروبا تعرف بأنها الإقليم الذي يمكن أن يعمل فيه “توازن القوى” بين الدول القومية المتنافسة من خلال التوافق المتبادل.
وظهرت الحدود الجغرافية لهذا الترتيب بصورة واضحة في التصميم الكبير Grand Design الذي أعده دوق دي سولي Duc de Sully في منتصف القرن السابع عشر للوحدة الأوروبية. إذ كان سولي يرى أن الإمبراطورية العثمانية ليس لها دور في “مجموعة أوروبا”، لأن الاتفاقيات الدولية تعتمد في النهاية على القيم المسيحية. وكانت روسيا المسيحية مستبعدة أيضا، لأن الشعب الروسي كان يعتبر آسيويا أساساً، ومن ثم كان يعتبر متدنياً ثقافياً. وقد أصبح لدى أوروبا الآن “أغيار” اثنين، هما العدو الديني التقليدي في الجنوب الإسلامي، وعدو ثقافي جديد في الشرق الآسيوي.
ويوضح تعريف سولي الثقافي لأوروبا وجود سخرية جوهرية في قلب الجدل الأوروبي. ففي الوقت الذي كانت أوروبا تعرف فيه سياسيا بأكثر المصطلحات تنويريا على أنها منطقة يمكن فرض السلام الدائم فيها باتفاقية دولية، كانت تعرف جغرافياً أيضا باستبعاد شعوب الأقاليم الأخرى التي كانت تعتبر بلا قيمة على أسس ثقافية أو حضارية.
وكانت شرعية فرض حدود جغرافية على حقوق الإنسان العامة موضع جدل حاد خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ولكن الحرية التي حققها الأوروبيون المتعلمون لأنفسهم (بما في ذلك أولئك الذين استقروا خارج أوربا) في معاركهم التي انتصروا فيها بصعوبة ضد طغيان الحكام غير المنتخبين في أوروبا، لم تنتقل إلى الشعوب المحلية في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. إذ كان مصير هذه الشعوب يتحدد من خلال الأوروبيين المستعمرين. حيث سطعت قيم الديمقراطية المستنيرة لامعة في أوروبا في القرن الثامن عشر وأمريكا الشمالية الأوروبية المستقلة حديثا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن بقية العالم كان مظلما في نفس الوقت.
وخلال القرن التاسع عشر، الذي كان يمثل قمة الإمبريالية الأوروبية، أعيدت صياغة المعايير الثقافية المستخدمة في تعريف أوروبا ثانية، ولكن هذه المرة من خلال مصطلحات عنصرية وبيولوجية تستند إلى نظريات الداروينية والحتم البيئي السائدة. ولم يكن الأمر يقتصر على اعتبار أن الشعوب الأوروبية قد “اكتسبت” مستوى مرتفعا من الحضارة، بل إنها تملك تفوقا عنصريا “موروثا”، وذلك نتيجة لبيئتهم الطبيعية الكريمة بصورة فريدة. وهذا يفسر ويبرر السيطرة الأوروبية على العالم.
ومع تناقص آخر المناطق غير المستعمرة المتبقية من العالم تدريجيا، تزايدت التوترات بين الدول الأوروبية المختلفة، مما أطلق العنان لفترة متصلة بصورة أو بأخرى من حالة الحرب داخل أوروبا من عام 1914 إلى عام 1945. حيث انتهي هذا مع محاولة سلطات ألمانيا النازية القضاء على مجتمعات أوروبية مستقرة منذ زمن بعيد، خاصة اليهود، وذلك باسم أوروبا “النقية” عنصرياً. فلو كانت هناك “قارة مظلمة” فعلا، فمن المؤكد أنها كانت أوروبا فيما بين عامى1914 و1945.
وانقسمت أوروبا عام 1945، حيث أصبح الجزءان الغربي والشرقي من الإقليم تحت سيطرة القوتين العظميين عسكرياً: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الترتيب. وتطورت إجراءات جديدة لدعم التكامل الاقتصادي على الجانبين خلال الحرب الباردة من خمسينيات إلى ثمانينيات القرن العشرين، وذلك بصورة ناجحة للغاية من خلال المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) وخليفتها المجموعة الأوروبية (EC)، والتي شملت فعلا معظم الاقتصادات الوطنية لأوروبا الغربية. وقد حقق هذا نجاحاً اقتصادياً ملحوظاً، ولكن مع مناقشة إضافية بسيطة حول المعنى الأساسي لأوروبا، وذلك لأن الإقليم الذي كان يُعتبر أوروبا سلفاً كان يبدو مقسما بصورة دائمة. وكان تداول كلمة “أوروبا” قليلا في أوروبا الشرقية في هذه الفترة، بل إنها اكتسبت معنى اقتصادياً محدوداً في أوروبا الغربية.
وقد تحققت عودة التئام أوروبا الشرقية والوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة توحيد ألمانيا بسرعة ملحوظة، ووسط نجاح اقتصادي متواصل. ويشمل الاتحاد الأوروبي (EU) الموسع الآن 27 دولة يصل مجموع سكانها إلى 500 مليون نسمة. وهناك 12 دولة منها يزيد إجمالي سكانها عن 300 مليون نسمة، تشترك في عملة واحدة (اليورو) ظهرت عام 1999. وقد بدأت هذه التطورات الزلزالية في توليد انعكاسات جديدة على الفكرة الجوهرية لأوروبا، ولكن يجب الانتظار لنرى مدى قدرة أوروبا الموسعة على تطوير هوية متميزة في القرن الحادي والعشرين، بحيث تظهر كقوة سياسية واقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة. ومع ذلك، تظل نقطة ما إذا كانت أوروبا الجديدة تحتاج إلى هوية “تشبه الأمة” موضع نقاش، لأنه قد يكون من الأفضل أن تتحدد كمجموعة من القيم والتطلعات التي ترفض بصورة واعية جغرافيات الماضي المطلقة”.

المصدر : ديريك جريجوري وآخرون: القاموس الموسوعي في الجغرافيا البشرية ، ترجمة عاطف معتمد، عزت زيان، محمد علي، لطفي عزاز، ومراجعة محمد الشرنوبي. يصدر قريبا عن المركز القومي للترجمة.