المسرة !

استهللت يومي ببداية غير موفقة بالمرة، كنت قد انضممت في الصباح إلى اجتماع أكاديمي خرجت منه خاسرا، لم أخسر الهدف والغاية لكني خسرت الأسلوب والوسيلة، ورغم صدق النوايا إلا أنني ارتكبت في سبيلها أخطاء وضعتني موضع الغلط. لابد أن أشكر ذلك العبقري الذي نحت عبارة “الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة”.

ولأني أعترف بالهزيمة كما أقبل النصر رضيت بالخسارة وأنهيت النصف الأول من اليوم باعتذار لمن أضرهم حرارة الدفاع الغلط عن مبدأ ظننته (ولا أزال) صوابا.
بنفسٍ محملة بالخسارة مضيت إلى نصف يومي الثاني في شبرا، نزلت من المترو في محطة “المسرة”. فكرت مليا ولأول مرة في معنى الاسم ، سألت اثنين من كبار السن في الشارع فلم يفيدوني بشىء، أعجبتني أسماء الأماكن في الشارع من محال ومبان: راتب، عادل جرجس، سمعان، الليسيه فرنسيه. ارتحت لتجاور المئذنة مع برج الكنيسة، ورغم أني شعرت بالسلام والمحبة إلا أن النشاط الذى دب فجأة في نفسي أشعرني بالجوع.

توقفت أمام عربة “ذرة مشوي” فاشتريت “كوزا” طريا متوسط الشواء وما زال ساخنا. وضعت جاكيت سترتي البنية التي تنتمي للاجتماع الصباحي على يدي اليسري ومنحت نفسي التهاما حرا لكوز الذرة المشوي متصالحا فيه مع نفسي. اعتدل مزاجي وضحكت لتلك المصادفة التي داخلني فيها السرور أمام محل يحمل عنوان “بيرة استيلا”.
لم أجد مشقة في أن أتخلص من “قولحة” الذرة الخشبية البيضاء الناصعة بعد أن فرغت من التهام حبيباتها، فالشارع مرصع بسلال المهملات على الجانبين وأمام المحال التجارية، ارتاحت نفسي أكثر حين شعرت بالنظام والنظافة.
تنقلت بين الطرقات حتى أنست لتلك العمائر التي يقاوم لونها الأصفر الجميل عوادم السيارات الهبابية، تأملت تصميمها المعماري وشرفاتها ذات المعمار الشرق أوروبي، تسلل إلى نفسي شعور قوي بالمقاومة (لم أعد أتذكر كثيرا من خسارة الصباح).

صعدت الطابق الثامن في بيت صديقي الذي ينتظرني وقبل أن أجلس سألته ماذا يعني اسم هذا الحي: “المسرة” ؟ قص علىَّ تاريخ مبسط للمكان وكيف أنشئت فيه أولى دور السينما والمسارح في شبرا مما جعله متنزها أعطى للمكان اسما على مسمى: هنا المسرة والترويح عن النفس (لم أجادله في أصل مسيحي للمعنى..فلابد أنه أدرى مني وهو المسيحي المثقف المفكر). زادني صديقي أنسا ومرحا بروحه الطيبه فعدت إلى بيتي أكثر توازنا وتصافيا.
في نهاية اليوم آمنت أن البدايات لا تقدم بالضرورة للنتائج والنهايات، وأن الله عنده العوض، وأننا لا يجب أن ننسحب أبدا في منتصف النهار.