حمدان.. قراءة متجددة (1)

إعداد وتحرير

عاطف معتمد

الفكرة الأولى

روح المكان وشخصيته 

هل للمكان كلمة سر؟

واحدة من الأفكار الرئيسة في عمل حمدان الموسوعي عن شخصية مصر تلك الفكرة التي جاءت في مستهل الجزء الأول تحت عنوان ” في الشخصية الإقليمية” (الصفحات من 11 إلى 67). ونلمس هنا بوضوح تأثير الرؤيتين البيولوجية والاجتماعية في النظر إلى الأماكن الجغرافية باعتبارها أقرب إلى بشر لهم شخصيات وملامح وصفات. ونجد هنا شخصية الإقليم مثل شخصية الفرد تنمو وتتطور وقد تتدهور.

ينطلق حمدان في معالجة هذه الفكرة من خمسة نقاط أساسية هي:

  • أن علم الجغرافيا مهتم في المقام الأول بدراسة التباين بين الأقاليم وما يجمعها من تشابه وما يفرق بينها من عناصر اختلاف، وحين تكون للأماكن صفات مميزة متفردة ينضج المكان إلى مرحلة نسميها ” شخصية الإقليم regional personality“. ومنطلق هذه الفكرة أنه كما أن التاريخ لا يكرر نفسه فإن الجغرافيا لا تعيد نفسها، ولا الإقليم يكرر نفسه.حين ينظر الجغرافيون والمؤرخون والفلاسفة إلى الأماكن ذات الصفات المميزة المتفردة فإنهم ينظرون نظرة وصل لا قطع، لا يغرقون فقط في التشريح والتحليل، بل يمرون عبر آلاف التفاصيل ودقائق الجزيئات وركام المعلومات إلى نظرة عالمية، شمولية ، كلية. والأساس هنا أن المكان ليس جامدا ساكنا بل كائن حي فوَّار نابض بالحياة.
  • هناك ثلة قليلة من علماء الجغرافيا – الذين تسلحوا بالخبرة وسعة الإطلاع والتأمل – بوسعهم بلوغ هذه القمة التي تسمح لهم برؤية الأماكن وفقا لخصائص التفرد بما يتجاوز ملامح الإقليم الخارجية لتخترق “روح المكان” بهدف أن تستشف ما في المكان من ذكاء نادر أو “عبقرية المكان genius loci“. وبوسع هؤلاء العلماء الخبراء أن يعرفوا “كلمة سر” المكان ومفتاحه أو بالأحرى “شفرته”.
  • لا تقتصر دراسة الشخصية الإقليمية على الحاضر وإنما لابد من متابعة تطور هذه الشخصية عبر التاريخ. وهنا يصك حمدان واحدة من عباراته الشهيرة التي يقول فيها: البيئة قد تكون في بعض الأحيان خرساء، ولكنها تنطق من خلال الإنسان، ولربما كانت الجغرافيا أحياناً صماء، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها. ولقد قيل بحق أن التاريخ ظل الإنسان على الأرض. بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان، بينما يضيف قول آخر أن معظم التاريخ إن لم يكن “جغرافية متحركة”، فإن بعضه على الأقل “جغرافية متنكرة”].
  • أن جمال حمدان في بحثه في شخصية الإقليم ليس بدعا من الباحثين والمفكرين وهو نفسه يُذَكِرنا بأن هذا النهج قد سبقه إليه آخرون أشهرهم:

     – سيريل فوكس في مؤلفه المشهور “شخصية بريطانياThe Personality of Britain

      – حسين مؤنس في “مصر ورسالتها” شفيق غربال في “تكوين مصر”.

      – صبحي وحيده في  “أصول المسألة المصرية”

      – حسين فوزي في “سندباد مصري”.

     – فيدال دي لابلاش في مقدمته القيمة لكتاب لافيس عن تاريخ فرنسا “شخصية فرنسا الجغرافية”

      – أندريه زيجفريد في كتابه “سيكولوجية بعض الشعوب” ماكيندر في “بريطانيا والبحار البريطانية”سليمان حزين في دراساته عن البيئة والموقع في مصر عبر التاريخ.

أية جغرافيا يقصد حمدان؟

يلفت حمدان نظرنا إلى أن الجغرافي بين المتخصصين في العلوم الأخرى وحده القادر على أن يجمع معا عدة مناهج وطرائق، وربما كان كذلك أرحب آفاقاً حيث يجمع تلقائيـــاً بين الزمان والمكان ابتداء من الجيولوجيا حتى الآركيولوجيا ومن الفلك حتى الأنثروبولوجيا.

ويحدد لنا حمدان أن المستهدف من هذا النوع من الدراسات والمعالجات الفكرية هو “المثقف العام” و”المواطن العادي” الساعي إلى معرفة جوهر وطنه. ويساعد الجغرافي في ذلك أنه أخصائي يضرب بحرية في كل العلوم، يربط الأرض بالناس، والحاضر بالماضي، والمادي باللامادي، والعضوي بغير العضوي.

والجغرافيا التي يقصدها حمدان هي جسر يربط بين العلوم الطبيعية والاجتماعية، وتصل ما فصل التخصص الأكاديمي الضيق. ويصك هنا حمدان واحدا من مقولاته المتفردة فيقول

الجغرافيا هنا ليست علم “من كل بستان زهرة omnium gatherum“، ولا الجغرافي هو “حاشد محتطب بليل rag-and-bone intellectual“. وحتى إن بدت الجغرافيا على السطح علماً موسوعياً، فإنها في الجوهر وبالفعل علم ملحمي على موسوعيته، علم العالم لا علم العلوم].

ولا يعني هذا أن الجغرافيا علم معقد، الجغرافيا التي يقصدها حمدان هي وفقا لقوله:

[علم في جوهره الفلسفي بسيط أساساً، بل بسيط للغاية، نكاد تقول غريزياً أو فطرياً، وان شئت فقل هي بين العلوم علم الفطرة كما أن الإسلام بين الأديان دين الفطرة. والفطرة هنا هي أساساً فكرة الإقليم]

كما وينفي حمدان هنا التهمة التي قد يطلقها البعض على الجغرافيا من أنها علم “ناقل فضولي متطفل على سائر العلوم جميعاً، مجرد علم تسجيلي وثائقي”. وفي ذلك يقول:

[الجغرافيا بالدرجة الأولى علم “ميتابولي metabolic” أي علم تَشَّرُب وهضم وتّمَّثُل ثم إعادة إفراز وتشكيل وتخليق. هي علم تصنيع لا تعدين، إن أردت تشبيهاً ميكانيكياً بدل البيولوجي. وحقاً، قد لا تكون بهذا أو بذاك علماً خالقــاً على مســتوى الحقائق والمعلومات، غير أنها بوظيفتها الأساسية من الربط ورصد العلاقات تخلق جديداً بالتأكيد على مستوى الأفكار والأنماط. علم ناقل إذن كمعرفة، خالق كفكر. ولكن حتى عند ذلك قد يعترض البعض قائلاً: بل إعادة خلق هو أكثر منه خلقاً أولياً مطلقاً. ولكن، حسناً، يبقى مع ذلك أنه خلق في حدود إعادة الخلق].

إلى جانب آخر في معنى شخصية المكان يأخذنا حمدان: حين يؤكد أن “فن” تناول المادة العلمية لا يكفي وحده للتشخيص الإقليمي، بل لابد كذلك من إطار من “فلسفة المكان” يحدد تلك الشخصية. ومن ثم فإن المقصود هو “فلسفة المكان”، لأن الفكرة الجغرافية هي “نوع من فلسفة الإنسان باعتباره الساكن الرئيسي للكوكب الأرضي”. ويؤكد حمدان أنها ليست فلسفة غامضة كتلك الفلسفات التي يعاني بعض القراء من عدم فهمها بل  فلسفة المكان لديه هي:

[ فلسفة عملية واقعية ترتفع برأسها فوق التاريخ لكن تظل أقدامها راسخة في الأرض، فلسفة تحلق بقدر ما تحدق. والواقع أنه لا انفصال للجغرافيا بحال عن صــيغة فلسفية ما منذ قال سترابو عنها إنها من عمل الفيلسوف إلى أن قال كون “إنما الجغرافي الجيد فيلسوف. ولئن بدا أن هذا يجعل للجغرافيا منهجاً خلاسياً متنافراً يتأرجح مابين علم وفن وفلسفة، فإننا نبادر فنذكر بأن الجغرافيا نفسها وبطبيعتها علم متنافر غير متجانس في مادته الخام، وليس غريباً أن يكون كذلك في منهجه. ماكيندر، مثلاً، يعتبر الجغرافيا بوضوح فناً وفلسفة معاً. هذا بينما يحسم ستامب لنا الموقف بإيجاز أبلغ من كل إطناب حين يقول “إن الجغرافيا في نفس الوقت علم وفن وفلسفة”. ويمكن أن نضيف للتوضيح: علم بمادتها، فن بمعالجتها، فلسفة بنظرتها].

والجغرافيا الحقة ليست عملا مكتبيا وقراءة صامت في المراجع بل الجغرافيا الحقة عند حمدان هي “الجغرافيا الحية”، أو “جغرافية الحياة”.

الحاجة إلى دراسة جغرافية مصر

في المشروع الوطني لدراسة جغرافية مصر ينبهنا حمدان إلى أربعة ملاحظات رئيسة ما تزال صالحة (رغم مضي أكثر من ثلاثين عاما على ما كتبه) :

  • صدرت عدة  أعمال عن جغرافية مصر بمختلف اللغات الأجنبية، إلا أنه على قيمة هذه الأعمال وخطروتها إلا أنها مجرد نواة متواضعة نسبياً أو شظايا متناثرة هنا وهناك، والكل لا يعدو قطره من محيط إذا كان المستهدف مكتبة جغرافية وطنية بالمعنى العالمي.
  • ليس في المكتبة العربية مرجع علمي واحد عن جغرافية مصر، مرجع جامعي أو فوق جامعي جدير بالكلمة. الجغرافيا التي نحتاجها في مصر ليست بالضرورة “عن البلاد النائية الغريبة”، وإنما هي ببساطة حولنا، نحيط بنا، ونحن فيها، كالهواء نتنفسها. الجغرافيا – كالإحسان – تبدأ ببيتك، “بجغرافية الوطن home geography“. فكل شبر من أرض مصر، كل قرية، كل حقل، كل تربة في الوادي، وكل جبل أو صخرة في صحارينا، ينبغي أن تغطى بمونوجراف مفصل مكثف على حدة.
  • وإذا كانت هذه أزمة على المستوى الأكاديميً، فإن الأمر على مستوى الثقافة العامة بائس حتى صرنا بلا مواربة مواطنين عاديين جهلة جداً بمصر. إن أقل من يعرف عن مصر – ولنقلها ولا نخف – المصريون! والنتيجة المتوقعة من هذا الجهل والتقصير هي “تخبط التخطيط، وإحباطه وإجهاضه في عديد من المجالات وعلى معظم المستويات، إذ لا تخطيط البتة أياً كان نوعه بلا جغرافيا. وحين يفشل التخطيط لابد من أن يسير معه التخلف المادي والاقتصادي والحضاري العام، فضلا عن تردي السياسة الخارجية وتدهورها وانحرافها. إن ثقافتنا الوطنية –يمضي حمدان– قاصرة محدودة، وحتى عند ذلك فنحن نأخذها بطريقة عاطفية فجة أكثر منها علمية ناضجة. ونحن –حرفياً- ندفع لذلك كله ثمناً باهظاً في كل جوانب ونواحي حياتنا بلا استثناء.

والحاجة ماسة للاهتمام بجغرافية الوطن ولعدة أسباب أهمها:

  • أننا الآن أحوج ما نكون إلى فهم كامل معمق موثق لوجهنا ووجهتنا، لكياننا ومكاننا، لإمكانياتنا وملكاتنا، ولكن أيضا لنقائصنا ونقائضنا –كل أولئك بلا تحرج ولا تحيز أو هروب. ففي هذا الوقت الذي تأخذ مصر منعطفاً خطراً ولا نقول منحرفاً خطأ– فكل انحراف مهما طال أو صال وجال إلى زوال، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح، في هذا الوقت الذي تتردى مصر إلى منزلق تاريخي مهلك قومياً ويتقلص حجمها ووزنها النسبي جيوبوليتيكيا بين العرب وينحسر ظلها، نقول في هذا الوقت تجد مصر نفسها بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر والتفكير في كيانها ووجودها ومصيرها بأسره: من هي، ما هي، ماذا تفعل بنفسها، بل ماذا بحق السماء يفعل بها، إلام، وإلى أين … الخ … الخ؟ وبالعلم وحده فقط، لا الإعلام الأعمى ولا الدعاية الدعية ولا التوجيه القسري المنحرف المغرض، يكون الرد.إن مصر تجتاز اليوم أخطر عنق زجاجة وتدلف أو تساق إلى أحرج اختناقة في تاريخها الحديث وربما القديم كله.
  • إن هناك انقلاباً تاريخياً في مكان مصر ومكانتها، ولكن من أسف إلى أسفل وإلى وراء، نراه جميعاً رأي العين ولكنا فيما يبدو متفاهمون في صمت على أن نتعامى عنه نتحاشى أن نواجهه “في عينه” ووجهاً لوجه، ونفضل أن ندفن رؤوسنا دونه في الرمال. لقد تغيرت ظروف العالم المعاصر والعالم العربي من حولنا، فلم يعد الأول بعيداً نائياً ولا عاد الثاني مجرد “أصفار على الشمال”.
  • في عصر البترول العربي الخرافي، نخدع أنفسنا وحدنا إذا نحن فشلنا في أن نرى أن وزن مصر وثقلها، حجمها وجرمها، قامتها وقيمتها، قوتها وقدرتها، بين العرب وبالتالي أيضا في العالم ككل، قد أخذت تتغير وتهتز نسبياً في اتجاه سلبي وان كانت هي ذاتها في صعود فعلياً. ولم تعد مصر بذلك تملك ترف الاستخفاف والاستهتار بمن حولها من الأشقاء أو الانعزال المريض المتغطرس العاجز الغبي الجهول الذي يغطي عجزه وتراجعه وارتداده وترديه بكبره المغرور وصلفه الأجوف وعنجهيته القزمية، والذي يعوض مركب نقصه باجترار الماضي وأمجاده وتمجيد العزلة والنكوص باستثارة أدني غرائز الشوفينية البلهاء.
  • من هنا فان مصر في وجه هذه المتغيرات بحاجة ماسة جداً إلى إعادة نظر حادة في ذاتها وإلى مراجعة للنفس أمينة وصريحة، بلا تزييف أو تزويق، بلا غرور أو ادعاء، بلا زهو ولا خيلاء، ولكن كذلك بلا تهرب أو استخذاء، وبلا تطامن أو استجداء.