حمدان.. قراءة متجددة (2)

إعداد وتحرير

عاطف معتمد

الفكرة الثانية

الوثنية الجغرافية

يؤكد حمدان أن عمله الحالي هو عن شخصية مصر لا الشخصية المصرية. والفارق حاسم كما هو دقيق. فرغم قدر من التداخل الحتمي منطقياً ومن حيث المبدأ، ورغم فكرة الجغرافيا كجغرافية الإنسان التي نصدر عنها هنا منهجياً، ورغم تركيز الجزء الأكبر من مادة هذا الكتاب فعلاً على أبناء مصر وأهل مصر وسكان مصر بالضرورة عملياً، فان هذه أساساً دراسة لشخصية مصر البلد والإقليم لا لشخصية المصري أو الإنسان المصري من حيث هو.

ويمضي حمدان يحذرنا من سوءات الرغبة الجمعية في خداع الذات وعبادتها، وهي مشكلة يمكن تفكيك عناصرها إلى ما يلي:

أولا: وعي مزيف وذات منخدعة

تتلخص تحذيرات حمدان هنا فيما يلي:

  • أننا شعب لا نحب فقط أن نمجد ونطرى أنفسنا بحق وبغير حق، ولكننا أيضا نحب أن نسمع عن أنفسنا ما يرضينا ويعجبنا أو يرضي إعجابنا بذاتنا الوطنية وبشخصيتنا القومية. أياً ما كان، فنحن معجبون بأنفسنا أكثر مما ينبغي وإلى درجة تتجاوز الكبرياء الصحي إلى الكبر المرضي. ونحن نتلذذ بممارسة عبادة الذات في نرجسية تتجاوز العزة الوطنية المتزنة السمحاء إلى النعرة الشوفينية الساذجة البلهاء أو الهوجاء.
  • أننا لنكره أشد الكره أن نسمع عن عيوبنا وشوائبنا ونرفض بإباء أن نواجهها أو نواجه بها. ولا تكاد توجد فضيلة أو ميزة على وجه الأرض إلا وننسبها إلينا، وأيما رذيلة– إن هي وجدت على الإطلاق! – فلا نعترف بها.
  • حين يرجع الباحثون المصريون إلى كتابات الرحالة والمؤرخين العرب في العصور الوسطى أو الكتاب الأجانب المعاصرين، ينتخبون منها فقط تلك الإشارات الطيبة والمرضية ويحشدونها حشداً ضمن “فضائل مصر”، مهملين كل الإشارات العكسية التي أوردها الكتاب نفسه والتي قد تكون أضعاف الأولي كماً وكيفاً!
  • ويبدو أنه كلما زاد جهلنا بمصر كلما زاد تعصبنا لها، بل الملاحظ أننا كلما ازددنا هزيمة وانكساراً كلما زدنا افتخاراً بأننا شعب محارب، وكلما زدنا استسلاماً وتسليماً كلما زدنا تباهياً بأننا شعب سلام متحضر…الخ. أهو نوع من الدفاع الطبيعي عن النفس للبقاء، أم خداع للنفس قاتل، أم هو الأول عن طريق الثاني؟
  • وحين نظر للمستقبل، فنحن إما متفائلون بإسراف يدعو إلى السخرية والإشفاق أو متشائمون إلى حد متطرق قابض للنفس. باختصار، مصر إما “بخير” دائماً، أو “في خطر” أبداً. وكلا الحكمين لا يرى أو يضع الحقائق في حجمها الطبيعي السليم بل جنوح إلى المغالاة والتطرف. فمصر إما أم الدنيا وإما فتات التطور، إما صانعة التاريخ وإما “راووق” التاريخ.

وتسبب الوعي المزيف وخداع الذات – يخلص حمدان – إلى نشأة مركب عظمة، وهذا المركب هو مقتل حقيقي كامن للشخصية المصرية. فمن المحقق الذي لا يقبل جدلاً أن كل مركب عظمة هو تعويض مريض عن شعور بعدم الثقة، بالعجز والقصور، باليأس والضمور، والإحباط والانحدار.

وفي ظل ذلك قد تتحول المقولة الساخرة “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”، إلى تحريف أكثر قسوة هو “يا أمة ضحكت من جبنها الأمم”.

ثانيا: إرهاب المفكر الناقد

في ظل تلك الأجواء لا يمكن لكاتب أو عالم أو مفكر – يذهب حمدان – أن يوجه إلى مصر نقداً موضوعياً بنَّاء صادقاً ومخلصاً إلا وعد عدواً بغيضاً أو حاقداً موتوراً إن كان أجنبياً، وخائناً أعظم أو أحقر إن كان مصرياً، ذلك لأن المصريين أكبر جداً من النصح، ومصر فوق النقد.

وهذا هو حرفيا إرهاب فكري وأكبر ضامن للتدهور والانحدار الوطني والتجمد والتخثر والتعثر القومي، لأننا بمنطقه مطلوب منا ببساطة أن نصور مصر والمصريين كيوتوبيا على الأرض، كفردوس أرضي. فالخطر كل الخطر في وجه هذا الموقف أن قد يصبح خط المقاومة الدنيا هو الطريق السهل، خط الديماجوجية والنفاق الوطني وتملق ودغدغة غرائز الشعب وإرضاء غروره بتزيين عيوبه وتضخيم محاسنه.

حينئذ يمسي الكاتب، كشاعر القبيلة في الجاهلية، “صنَّاجة” الوطن وبوق الشعب كيفما كانت حقيقتهما ومهما كانت هذه حقاً أو باطلاً. وبذلك يفقد الكاتب تواً وظيفته الاجتماعية ومبرر وجوده الوطني.

الخيار الآخر لاذي يراه حمدان حيال ذلك هو ما قد يقع فيه البعض من صمت كظيم يفرضه على نفسه المفكر في اغتراب ونفي ذاته عن حمأة الشعوبية ولا نقول الشعب، أو أن يلوذ بالمنطق الوحيد المفتوح أمامه، المنطق الانتقامي والانهزامي معاً للأسف أو الانتحاري باختصار، وهو منطق “خير عقاب لهذا الشعب هو ما هو فيه”!

المثير، والمؤسف أكثر، أن على رأس هؤلاء الأعداء لمصر بالجهل والجهالة وضيق الأفق يأتي غالباً ولا نقول دائماً الحكم والحاكم. فالسياسي، الذي – بالتعريف – يبيع الوطنية للمواطن، لا يملك إلا أن يقدم الأوهام الوطنية والمخدرات التاريخية للجماهير، فمصر “أم الدنيا، أم الاختراع، أم الحضارة، فاتحة التاريخ، فوق الجميع، خير أمة أخرجت للناس”، (“أم العرب” أيضا) … الخ.

يذهب حمدان إلى أن القاعدة عند كل حاكم أننا – بزعمه – نعيش دائماً في عصره أروع وأمجد فترة في تاريخنا وحياتنا بلا استثناء. كل عصر عند صاحبه هو، وهو وحده، عصر مصر الذهبي. تلك نغمة أزلية وبضاعة مزجاة يكررها كل حاكم منذ الفراعنة في نقوشهم وسجلاتهم الهيروغليفية على جدران الآثار حتى اليوم في أبواق الدعاية ووسائل الإعلام العميلة التي لا تتحرج ولا تخجل.

ولأن الحاكم، بالنظرية أو بالتطبيق، بالوراثة أو بالممارسة، يتوهم مصر دائماً ملكاً له، ضيعته أو قريته الكبرى، هو الدولة وهو الوطن، والولاء للوطن هو وحده الولاء للنظام، فإنه يعتبر أن كل نقد موجه لمصر إنما هو موجه إليه شخصياً، وبالتالي فهو خيانة وطنية، خيانة عظمى. باختصار، النظام أو الحاكم هو بالضرورة والواقع العدو الطبيعي لناقد مصر الموضوعي أياً كان. والغالب أنه يتخذ من المفكر الناقد لمصر “صبي الضربwhipping-boy” التقليدي وكبش الفداء الدوري على مذبح الشعبية الرخيصة ومداهنة الشعب (وإرهابه أيضا).

الغريب المؤسف أن الشعب المخدوع الساذج نصف الجاهل قد يستأسد ويبطش بابنه ناقده الوطني الذي يريد له الخير والسيادة فيدينه ويسلمه تسليماً لسوط الحكم، وذلك بالقدر نفسه الذي يخنع فيه ويخضع ويستكين تحت هذا السوط. وهكذا للغرابة والدهشة قد نجد الشعب المسكين المضلل (ولا نقول الخائف المروع) يتبادل مع قيادته العاجزة الفاشلة الباطشة غالباً وجلاده الغاشم الخائن أحياناً أنخاب خداع النفس وعبادة الذات، الأول يتغابى عن عيوبه الجسيمة بل ويتغنى بها، والثاني يلهيه ويخدره عن استبداده وقهره أو خيانته وغدره بأحاديث المجد والوطنية والأصالة … الخ.

ولقد يشارك بعض زواحف الكتاب الانتهازيين والمأجورين والعلماء العملاء في هذه المحاورة المخزية أو الديالوج المدمر، فتمجد كل سلبياتنا ومثاليتنا بأي منطق، بل وقد تزين لنا العبودية في الداخل و/أو في الخارج أي للحكم الغاشم أو للعدو الغاصب على الترتيب. ولئن كان منطق عملاء الطغاة الزائف ليس إلا منطق العبيد، إلا أن الناقد المثقف المفكر الوطني الحق يجد نفسه هكذا في النهاية محاصراً – للغرابة والدهشة أكثر- بين قوسين من الإرهاب والترويع الفكري والجسدي، الحاكم الطاغية المغتر من جهة والشعب المكبل المقهور المغلوب على أمره من الجهة الأخرى. وهكذا يعود الناقد الوطني مرغماً مرة أخرى إلى المنطق المعكوس المرفوض، منطق “عيوب هذا الشعب وأمراضه ومآسيه ومآله ومصيره هي جميعاً عقابه الطبيعي المستحق”.

ثالثا: عبادة الذات

يأخذنا حمدان إلى تنبيه جديد يقول فيه إن التجربة أثبتت بالفعل أن أكثر ما يهدد دراسة “جغرافية الوطن” إنما هي الشوفينية (أي النعرة الوطنية) والشوفينيون، سواء منهم الدعاة وأنصاف الكتاب المحترفين الذين يتعاملون في الحماسة ويبيعون المبالغات والإثارة أو طبقة الحكام ممن لا يريدون تقليدياً إلا كل مدح وتعظيم للوطن.

والمؤسف أن هذه المزايدة أو المبالغة منهم في التعصب لمصر، يتوقعون منك أن تمجد كل حجر في أرض مصر وكل حقيقة تحت سمائها، بالغة ما بلغت من الرثاثة أو الركاكة، وأن تقدس حتى كل الأخطاء والخطايا، حتى تثبت أن “مصر فوق الجميع”، وهذا هو هدفهم الأصيل أو الخبيء إن لم يكن شعارهم المعلن بالفعل.

هم إذن يريدون أن يحيلوا جغرافية الوطن إلى نوع جديد من “الوثنية الجغرافية” التي تتمثل رقعة أرضه وترابه صنماً جباراً يعبد ويؤله باسم الوطنية، وبهذا يفرضون حجراً وإرهاباً فكرياً على النقد العلمي النزيه للوطن، ويخضعون العلم في النهاية للوطنية لا الوطنية للعلم. ولكنهم بهذا إنما يحاولون عبثاً أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء قروناً -فالشوفينيون ينتمون أساساً إلى الماضي.

وكأنه سيعرف الخطأ الذي سيقع فيه اللاحقون حين يقرأون كتابه فيحذرهم قائلا:

” غير أن هذا ليس كتاباً لمن يحبون أو يرجون خداع النفس أو الغير. ليس هذا كتاباً في النرجسية أو عبادة الذات الوطنية ولا هو محاولة شوفينية للتمجيد. ليس قطعة من “الغزل العلمي” ولا هو موسوعة في “فضائل مصر”. ليس دفاعاً بالحق والباطل عن مصر، ولا هو هجوم عليها أيضا. وإنما هو تشريح علمي موضوعي يقرن المحاسن بالأضداد على حد سواء، ويشخص نقاط القوة والضعف سواء بسواء.”

” وبغير هذا لا يكون النقد الذاتي، بل ولا يكون العلم. فليس في العلم “شعب مختار” ولا “أرض موعودة”. وكما أنه لا حياء في الدين، لا حساسية في العلم. وكما أن الوطن فوق الجميع، فإنه أيضا ملك للجميع، ولا فضل لحاكم على محكوم إلا بالصدفة. وقد لا يرضي هذا الدعاة والسطحيين والإمعات، لكنا لهذا ندعم مناقشتنا دائماً وبغزارة بالمصادر والأسانيد الواضحة والمراجع القاطعة.

كلا، لقد اعتمدنا أكثر مما ينبغي على تاريخنا وأمجاده (علماً بأن هناك اليوم خطراً من أن نجرد من افتتاحيه هذا التاريخ على الأقل بفضل جهود بعض الآركيولوجيين النشطة والدائبة ضد مصر!). ولعلنا كنا نستعمل تاريخنا المجيد وحضارتنا العريقة كسلاح سياسي ضد الاستعمار تأكيداً لذاتنا ورفعاً لروحنا المعنوية في الصراع. وهذا حق مشروع وواجب، إلا أننا أسرفنا على أنفسنا في استعماله حتى بتنا في خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي بانتظام. فنحن ما زلنا نعيش على أطلال وأحداث تاريخية، “كأم الدنيا” و”أم الحضارة” … الخ، وما زلنا نتعاطى هذه المكيفات التاريخية وندمن هذه المخدرات المعتقة التي أصبحت تستثير إما السخرية أو الإشفاق إما من الأعداء أو من الأصدقاء (وحديثاً أيضا من الأشقاء).

وليست هذه بالتأكيد دعوة إلى نبذ روائع ماضينا أو إلقاء أمجادنا القديمة في البحر، ولكن هذا الإدمان ما عاد يجدي في القرن العشرين وأمام متغيرات العصر. كذلك فنحن ما زلنا نتباهى بالأصالة ونمجد كل القيم المتوطنة الرثة المتهرئة وتقاليد وأخلاقيات القرية المتهالكة المتهافتة المتخلفة المتحجرة التي لا تمثل إلا رواسب الطغيان والذلة وقيم العبودية وأخلاقيات العبيد وتقاليد الرياء والنفاق … الخ.

وهذا كله لا يعكس إلا إفلاساً فكرياً وحضارياً وسياسياً مروعاً، حتى تكلست مصر وأصبحت كجثة راكدة خامدة خاملة وصارت بالإجماع تقريباً “دولة – مشكلة”. ومهما اختلفت الآراء بين الرضا والرفض وبين التهويل والتهوين، فلن تختلف على أن مصر اليوم ليست في أحسن أحوالها بالقطع، إن لم تكن في أسوئها. ولا داعي ولا جدوى من خداع النفس.

ويختم حمدان قوله في هذا الموضوع دعوة ينادي فيها قائلا:

“كفانا إذن حديثاً عن مزايانا ومناقبنا، فهي مؤكدة ومقررة وهي كفيلة بنفسها، ولنركز من الآن على عيوبنا، لننظر إلى عيوبنا في عيونها في مواجهة شجاعة، لا لننسحق بها ولكن لنسحقها، لا لنسئ إلى أنفسنا ولكن لنطهر أنفسنا. فعيوب الشخصية المصرية خطيرة وليست بالهينة أو الشكلية، فهي التي أوردتنا مورد التهلكة في الماضي ووسمت أو وصمت وسودت تاريخنا بالعبودية للطغيان في الداخل دائماً وللاستعمار في الخارج غالباً، وهي التي تهدد حاضرنا بنفس الشكل بالخضوع للديكتاتورية الغاشمة في الداخل وبالركوع للعدو الأجنبي الغاصب في الخارج”.