لقاء أخير مع عيسى الدندراوي!

لقاء أخير مع عيسى الدندراوي!

نشر بتاريخ 8/9/2017

لقاء أخير مع عيسى الدندراوي!

عدت فجرا من مطار القاهرة، ودعت عيسى الدندراوي إلى هجرته التي تردد فيها كثيرا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. كان يمزقه الحنين للبقاء في تراب وطنه أو قبول عرض تلك الجامعة الأوربية للفرار، ذلك الفرار الذي نسميه تأدبا هجرة أو نزيف العقول. أعرف عيسى منذ ربع قرن، تزاملنا معا في الجامعة حين جاء مهاجرا (أيضا) من أقصى الصعيد. عيناه اللامعتان وملامحه السمراء الدقيقة وبقائه ساعات طويلة في مكتبة الجامعة كانت كلها تفضح مستقبلا مبهرا ينتظره، وهو ما تحقق بالفعل حين صار اليوم واحدا من أفضل أساتذة إحدى الجامعات المصرية.

خلال ربع قرن كان عيسى يسافر دوما في أهم المحافل العلمية الدولية، وحين كان يُطلب منه البقاء كان يرفض بطريقة تثير شفقة مستمعيه: ” أجننتم !..هل تعرفون أي وطن تريدون أن أترك!؟”
قدت سيارتي عائدا للبيت بعد أن اختلط في وداعي مزيج من الأمل في أن يجد عيسى نفسه الحائرة (دوما) والألم في خسارة تلاميذه ومحبيه. حاولت طرد كل الأشباح التي أمسكت برأسي مفسرة السبب الأخير الذي دفعه للرحيل، حاولت عدة مرات رفض القبول بالهزيمة لأنني دوما كنت أشجعه على خياره بالبقاء هنا.

عيسى….خسارتك فشل حقيقي لي!

على الطريق الدائري من المطار انعكست على المقعد المجاور أضواء إحدى الشاحنات (تلك التي ما إن تراها حتى تلهث بالشهادتين بعد أن يصيبك ضوئها المبهر بعمى مؤقت يستمر عدة ثوان) أظهر ضوء الشاحنة في عتمة الليل دفترا أزرق اللون من تلك الكراسات العتيقة التي كان عيسى يحب الكتابة فيها (من نوع “كشكول الشمرلي”).

لاحظت أن عيسى كان يؤرجح بهدوء ذلك الدفتر طيلة رحلة الذهاب للمطار وكأنه يهم أن يخبرني عنه بشىء. وحين شجعته على الكلام بسؤالي مرة أو مرتين أجاب: “كعادتك ..تستعجل كل شىء…انتظر وسأحدثك عنه”.

“عيسى ..نسيت دفترك الأزرق في السيارة (لم أكن متعجلا.. أنت الذي تعاني طلائع زهايمر مبكر)..عل أية حال سأرسله لك دي إتش إل ..اكتب لي عنوانك البريدي حين تستقر..ربنا يحميك ”
تركت الدفتر ودخلت متلصصا إلى المطبخ حتى لا يسمعني أحد من النائمين لأعد كوبا من “شاي بحليب” الذي أفضله صباحا…لكن فضولا قاتلا دفعني لأن أعود لأفتح ذلك الدفتر، خاصة بعد ما شغلني عنوانه، لماذا يعتذر عيسى لأبي جهل ..رباه!

استجمعت قدرات الإنسان الخبيث الذي يرقد داخلي (ذلك الذي يرافقني منذ الصبا وأدفعه دوما لأن يتواري بعيدا)

واستعرت منه كل صفات خيانة الأمانة و…فتحت الدفتر في أول صفحة قرأت:

“عاطف..ربحت رهاني على فضولك…هذه القصصات الورقية ملك لك ..قصها شفاهة..أو انشرها مكتوبة….أو اعدمها ..أو افعل بها ما تشاء..اتمنى لك استمرار المقاومة في المحروسة …قبلاتي لابنتيك الجميلتين”

اكتب تعليقًا