ضاعت في موسكو ووجدتها في المنيا!

ضاعت في موسكو ووجدتها في المنيا!

نشر بتاريخ 24/2/2018

ضاعت في موسكو ووجدتها في المنيا!

تاتيانا Татья́на اسم تحمله ملايين النساء في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، يعود نسب الاسم إلى قديسة مسيحية استشهدت إثر التعذيب الروماني كي تترك المسيحية خلال القرن الثالث الميلادي (قبل أن تعتنق روما المسيحية لاحقا).

في الإطار النظري (وليس بالضرورة في الحياة العملية) تأمل الفتاة التي تحمل هذا النوع من الاسم في حياة قائمة على شقين: استلهام الرعاية الدينية من هذه القديسة أو تلك، وفي نفس الوقت ملازمة المواساة والصبر في مواجهة مشاق ومصاعب الحياة الروسية القاسية.

بعد فترة من العمل المشترك في شؤون بلدينا، سمحت لي تاتيانا أن أناديها باسمها المختصر “تانيا”. كنت ألتقى تانيا في أحد أبنية الوزارات الروسية الشهيرة في موسكو، حيث نجلس في صفين متقابلين مع وفود بلدينا.
كنا نتدخل بلطف وهدوء في الوقت المناسب لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، أو لتصويب ترجمة بند في الاتفاقية، أو لحث الطرفين على مخاطبة الجهات التنفيذية لتحويل الطموحات المدونة على الورق إلى عمل حقيقي على الأرض.

مواقف طريفة ولا منطقية كانت تحدث خلال العمل مع العقلين الإداريين المصري والروسي (وبين العقلين تشابه في أمور كثيرة..ويبدو أن البيروقراطية المصرية الحديثة تعلمت في المدرسة السوفيتية..ويبدو أن العقل الروسي به جذور شرقية بالغة العمق).

ولأني أيضا أحمل من اسمي نصيب، كانت التصرفات اللامنطقية تصيبني أحيانا بالدهشة التي تستغرقني فأظل أتمتم في سري بكلمات غير مفهومة كمن أصابه مس من جن . بعد انتهاء اللقاءات كانت تأتي تانيا لتهون عليّ وتخفف من إحباطي بأمثلة وحكم من الحياة الروسية أو من الثقافة الغربية.
لا أنسى ذات مرة قالت لي: “بدلا من أن يصيبك الوهن ويمتعض لون وجهك وتسبب لنا في كل مرة حرجا ..ابتسم واحمد الرب”. ولما قلت لها بتعجب ساذج “أحمد الرب على ماذا؟” قالت ” ياعزيزي.. ابتسم وقل في نفسك الحمد لله الذي لم يخلقني مثلهم”.

صحيح أني أعرف أن تانيا مثقفة من نوع فريد، زاوجت بين الثقافة الروسية والاطلاع على المصادر الأوربية، مما جعل هذه الوزارة المهمة تعتمد عليها في شؤونها الدولية، لكن حدسي كان يقول لي دوما إن هذه الحكمة ليست غريبة على أذني، وقد جاهدت لأتذكر أين سمعتها أول مرة …لكني فشلت.
الأسبوع الماضي تشرفت بالجلوس في لقاء تعارف ودود على ضفة النيل الغربية مع عدد من الشباب المُشرِق (والُمشَّرف أيضا) في جامعة المنيا، وقد هداني الله فجلست إلى جوار د. أحمد حلمي مدرس الأدب والبلاغة في الجامعة. بذكاء ملحوظ يعرف أحمد حلمي أن كرم الضيافة لابد أن يبدأ بحديث شيق مفيد. ومن ثم فقد عاجلنا بأمثلة طريفة من نوادر الأدب العربي، وكان من بينها نادرة في تأويل ما نسمعه من كلام.. ظاهره معنى وباطنه مغزى مغاير وغير متوقع. وحين سألته عن مصدر تلك النادرة أخبرني أنها وغيرها كثير في كتاب “أخبار الحمقى والمغفلين ” لابن الجوزي.

في طريق العودة بالقطار للقاهرة فتحت حاسوبي الصغير ودلفت إلى الانترنت وحصلت على نسحة مجانية، لم أقرأ في الكتاب سوى أول صفحتين ثم توقفت، إذ وجدت العبارة التي تاهت مني في موسكو. فابن الجوزي – كي يدلل على الهدف من تدوينه هذا الكتاب الساخر الذي قد يظن البعض أنه فكاهة ومضيعة للوقت – يقول إن الاطلاع على أحوال هؤلاء تجعلك تبادر إلى أن تقول “الحمد لله الذي لم يخلقني مثلهم”.

أجمل ما في الكتاب أنه لا يتكلم عن الحمقى من عوام الناس، فهؤلاء معذورون، بل عن فئة أخرى لا يتوقع أن يصدر منها ذلك (انظر العنوان الفرعي في أول تعليق).

عذرا لأني أطلت عليك…نهارك سعيد ..به قليل من الحمقى والمغفلين (لا تحلم بأن يكون يومك خاليا تماما منهم..هذا وهم كبير ..كن واقعيا ياعزيز

اكتب تعليقًا