تؤمرني بإيه يا كبير !؟

تؤمرني بإيه يا كبير !؟

نشر بتاريخ 25/2/2018

تؤمرني بإيه يا كبير !؟

أمام جامعة القاهرة يوجد حي صغير خطير اسمه بين السرايات..إن أردت أن تمسك بأهم جناة تدهور التعليم في هذه الجامعة فستجدهم هناك..على مرأى ومسمع من كل السلطات القانونية والتنفيذية.
هنا يتحول العلم إلى برشامة للغيبوبة، وتصاب المناهج بمسخ، ويجد الفاسدون ضالتهم في إعداد الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه.

لكن جغرافيا التناقض والتقابل في مصر تبهرك دوما، فخلف الصفوف الأولى لهذا الحي يمكنك أن تجد روح شوارع بسيطة هادئة بعيدا عن أحبار الطباعة ورائحة الوجبات الطلابية السريعة.
أكثر تلك الأماكن قربا لقلبي هنا تلك الممتدة بين شارع المرور والمركز القومي للبحوث، وهناك أتردد على مقهى “البرنس”، عادة قبيل المحاضرة الصباحية الأولى من يوم الثلاثاء.

ما إن أجلس حتى يبادرني رجب القهوجي – الذي يعرف أنني سأطلب “شاي بحليب” – بسؤاله المعتاد: “تؤمرني بإيه يا كبير! ؟”

ورغم أنني أعرف أن رجب سيقول نفس العبارة لجلال العجلاتي، وحسن موظف الضرائب، وأمجد (باشا) أمين الشرطة إلا أنني انتظر منه في كل ثلاثاء “تؤمرني بإيه ياكبير” متغافلا عن منحها لغيري.
قليلا ما أسأل نفسي: ألا أعرف أن رجب بيَّاع كلام؟ ونصَّاب محبة؟! هل أحتاج إلى كلامه الواهب لسلطة مؤقتة مزيفة لا تتجاوز نصبة الشاي وحجارة المعسل ومقاعد الخيزران!؟
تنتهي محاضرات ثلاثاء هذا الأسبوع فأذهب مساء إلى مسجد شهير في حي الدراسة لأداء واجب العزاء في أستاذ كبير في الجامعة، أختار مكانا مجهولا في زاوية يزهدها الجميع، أتصنع الورع محاولا أن يكون حضوري تذكرة لنفسي بالموت لا مجاملة لأسرة الراحل.

تفشل كل محاولاتي لاستلهام الورع والتقوى، إذ لم اتخلص بعد من تلك العادة اللعينة التي ترافقني فأمضي في مراقبة وجوه الناس وطقوس العزاء، تلك الطقوس التي تحولت من مأتم وسواد وحزن وعبرة إلى ستائر حمراء وكراسي قطيفة كما في أفراح الأحياء الشعبية.

لا حول ولا قوة إلا بالله ..ماذا دهاني؟ لم أعد أقدس الآيات التي تتلى، فصوت قارئ القرآن صار مرعبا منذ أن تم الاستعانة بمكبرات صوت “دي جي”، التي تحول لك القرآن إلى صفارات قطار وشخاليل مولد وصدى صوت مجاذيب وذوق غريب لأغاني يفرضها عليك عنوة وإرهابا سائقي التوكتوك.

في أضواء العزاء المبهرة التي تعمي الأبصار (والقلوب) ينصرف فجاة انتباه المعزين إلى وصول زميلنا في الجامعة الدكتور إيهاب أبو زاهي الذي اختير قبل فترة قصيرة وزيرا. تفسح له أماكن كثيرة ليمنح شرفا وزاريا للمكان، يقف إيهاب ثانيتين كعادته قبل أن يتخذ قرارا يحدد فيه أين سيجلس، يلمح الزاوية المهملة فيأتي إليها ويجلس بجواري.

لا يحترم الناس رغبته في احترام العزاء، فيأتون إليه بهمسات وتزلفات ضاربين بقارئ القرآن الكريم عرض الحائط. أسمح لنفسي – بما أن إيهاب هو الذي جاء إلى جواري – بأن أستمع الى أغلب ما يقولون، ثم أعود فاتمتم في نفسي “استغفر الله العظيم”.

كان كل شىء قابلا للاحتمال بدرجة أو بأخرى، إلى أن جاء فجأة الدكتور “منتهى نصار” وهمس في الأذن اليسرى للسيد الوزير “لا أريد شيئا… فقط أود أن أؤكد لك أنك من يومك كبير وابن كبير، ولابد أن تعرف أنني في كل مكان أقول لمن حولي أنك أعظم من أن أنجبت مصر .. لم يأت لهذه الوزارة مثلك في تاريخ البلاد …ربنا يخليك لمصر”.

ولأن منتهى نصار ينام (وربما يدخل دورة المياه) وفي يده هاتفه المحمول انتظارا لمن سيخبره بأي منصب في المحروسة المدهوسة فإنني نظرت إلى وجه معالي الوزير الذي أعرف ملامحه جيدا فإذا به منشرح الوجنات وقد مسته الكلمات المزيفة وأطربت أذنيه.

وقبل أن “أرمي إيهاب بحجر” وضعت عيني في الأرض قد لا يكون مهما ما الفارق بين “الدكتور” منتهى نصار و”المعلم” رجب القهوجي، لكن الذي شاغلني هو الفرق بيني وبين إيهاب…لقد انتظر كل منا هذه الجرعات المزيفة من الإطراء.

هل نحن بهذه الهشاشة النفسية؟هل نحن بتلك القابلية للاستمتاع بالخداع والتزييف!؟

اكتب تعليقًا