طبرقة !؟

طبرقة !؟

نشر بتاريخ 27/2/2018

طبرقة !؟

لا أذكر في أي مدينة تونسية قابلته؟ مضى على ذلك أكثر من عشر سنوات. هل كانت “بنزرت”؟… ألم تكن “طبرقة” !؟ بلى بلى ..تذكرت، كنت قد أمضيت ليلتي السابقة في “عين دراهم” على الحدود الجزائرية، لا يمكن إذا إلا أن تكون طبرقة.

لكن..هل التقيته حقا في مدينة!؟ كل ما أذكره أنني مسافر منذ أسبوعين من الجنوب الصحراوي الملحي إلى الشمال الساحلي. تداخلت في ذاكرتي المشاهد وازدحمت. ولم لا؟ لم أكن قد تعلمت حينها نصيحة باولو كويلو:”لا تحاول أن ترى العالم في أسبوع”.

كل ما أذكره أن مقعدي كان خلف مقعده في تلك الحافلة الصغيرة التي نسميها ميكروباص ويسمونها في تونس “لواج”.

هل أذكر ملامحه؟! كل ما في عقلي صورة غائمة يجلس فيها في قميص سماوي وبنطال أزرق.
أتذكر نصفه الأيمن فقط، لم أكن أرى من خلف المقعد سوى نصفه الأيمن …وثلاثة أرباع رأسه.
كنت أنظر مليا في رأسه مستغلا فارق الطول لصالحي، تأملت الاستعمار الواثق الذي حققته وفود الشعر الأبيض، كانت متجبرة تعرف أن القدر معها والمستقبل لها.

من شرفة الحافلة كنت أتابع جيوش حدائق الزيتون في بطون الوديان بين الجبال. تذكرت عمليات الإعدام التي شاهدتها بعيني قبل ثلاثة عقود في الساحل التلالي الأبيض الممتد من الإسكندرية إلى مطروح، حين جاءت جرافات أزالت الغابات وخدعت البدو بتعويضات أزاغت أبصارهم وزرعت مكان حدائقهم غابات أسمنتية لمنتجعات سياحية يسكنها الأثرياء بضعة أيام في السنة، وتبقى بقية العام مدن أشباح، الأشباح طردت الزيتون والليمون والتفاح. حتى الآثار الرومانية اختفت دون مراقبة من أحد تحت أسنان الجرافات وتراب الحفر والردم.

أيام قليلة وأغادر تونس “الخضراء” ..لم تشبع عيناي بعد من الغابة، لم يتبق في بلادي سوى غابة واحدة …هناك في جبل علبة، بعيدا أسفل مدار السرطان على البحر الأحمر.

في منتصف الطريق توقف اللواج لاستراحة. لا أطيق البقاء في الحافلة، لما لا أغادرها طالبا التسكع في هواء طلق وإفاقة بمشروب ساخن بعد ساعات من سفر مجهد؟ ماذا انتابني؟ هل رهنت قراري بقراره؟ ها هو متسمر في مقعده، انصرف الجميع وبقيت في مكاني خلف مقعده. استجمعت أنفاسي مترقبا صمته، وبهدوء أطلقت على الصمت رصاصتي، أخبرته باسمي وبلدي وما جاء بي هنا …وتعارفنا.
خلافا لظني ترك نفسه يتكلم، عرفت أنه جزائري فر من قريته الجبلية إلى فرنسا خلال الحرب الأهلية. محطات شقاء عدة كانت في انتظاره في بلاد المفر، حتى نجح أخيرا في أن يعمل في مدرسة بضاحية قرب باريس جليسا في فصل لرعاية أطفال ذوي احتياجات عقلية خاصة.

كان يريد أن يحكي عن كل شئ: عن حب مشرد، عن الجزائر، الحرب، فرنسا، كان مشتتا في حديثه بين الجزائر وتونس، سألني إن كنت تابعت في كل المدن التي مررنا عليها الصور الجدارية الضخمة لزين العابدين بن علي، تلك التي تنظر فيها عيناه إلينا ..تطاردنا وتقول لنا “إني أراكم كما يراكم الله”.
شردت منه برهة…كنت أحلم بيوم أسافر فيه إلى جبال بلاده، الجبال التونسية هنا لا ترضي خيالي، كنت أود أن أجد في بلاده اختبارا لما يقوله أنصار الحتم البيئي زاعمين أن سكان الجبال أكثر حبا للحرية، وأصحاب قابلية للتنوع وقبول الاختلاف، ولديهم حس أصيل للإبداع واحتضان الثراء الإنساني مقارنة بغيرهم من سكان السهول.هل حقا لدى سكان السهول والصحاري رؤية أحادية؟ وعوز في الأفكار؟ هل حقا يبدو العالم في بلد مثل بلدي مسطحا؟ هل ذلك مسؤول عن شح مواهب الرسم وضعف مهارات العزف الموسيقي.

لماذا نضرب في دروس الحتم البيئي الخلاق سويسرا مثلا دون غيرها ، لابد أن الجزائر كذلك. لكن حديث هذا الرجل عن القتل والذبح والتشريد يذهب بفكرتي سدى؟! سقط من قبل الحتم البيئي المبدع في جبال لبنان، وها هو يخبرني عن فشله في الجزائر، وسيفشل في المستقبل في سوريا وأفغانستان والعراق كما فشل من قبل في اليمن….قاتل الله الجغرافيين!

انتزعني من شرودي حين سألني مرتين: هل تسمعني؟! منتفضا عدت إلى حديثه. لم تكن نصف ساعة تلك التي سمعته فيها ..ربما كان عمرا لاثنين اعتادا أن يبوح أحدهما وينصت الآخر، لماذا يبوح لي الناس من أول لقاء؟!..لما أنا ..كيف لي أن أتحمل كل هذا البوح؟!.

من نافذة اللواج لمحت كيف بدأ الركاب يستعدون لمغادرة أماكنهم عائدين إلينا، وقد ظهرت عليهم من بعيد بعض علامات نشاط وإفاقة.

قبل أن أفقده في زحمة الرحلة سألته بذلك الشغف الذي يسوق صحفي مبتدئ، وباحث نزق، ومدرس جامعي منعزل: أي مكان تعده وطنك سيدي؟

أطلق ضحكة مكلومة جمع فيها السخرية مع الألم وتساءل دون أن ينظر إليَّ: وطني؟!!
ثم قام فجأة واستدار ناحيتي بطريقة أخافتني قبل أن يمد يديه ويمسك مقعده، يكاد يخلعه من حديده، هاتفا كالمسحور: “ربما كان هذا وطني…. وطني لا مستقر له…لا أعرف لوطني وطنا”.

اغتال الركاب عالمنا، قتلوا صمتنا، وتعالت بالتدريج أحاديثهم التي دنست ما كان قبل قليل صلاة اعتراف.
عاد اللواج يكمل طريقه منطلقا إلى المدينة التي لا أذكرها. ..هل كانت بنزرت؟! لا لا ..كانت طبرقة!!
هذا المقعد وطني !..فشلت كل القواميس في أن تقرب العبارة إلى عقلي، حين أعياني التفكير عدت إلى ما كنت قد شغلت به نفسي قبل أن أتعرف عليه، إلى الأخضر الداكن للغابات التي تحيط بالطريق، إلى ثلاثة أرباع رأسه من خلف المقعد: حيث الشعر الأبيض يستوطن متجبرا مساكن الشعر الأسود.

اكتب تعليقًا