الحياة تدب في الشريان المتآكل “طريق الحرير الجديد.. الوصل الثقافي والاقتصادي”

الحياة تدب في الشريان المتآكل “طريق الحرير الجديد.. الوصل الثقافي والاقتصادي”

نشر بتاريخ 25/5/2004

الحياة تدب في الشريان المتآكل
طريق الحرير الجديد.. الوصل الثقافي والاقتصادي

من أرض الشرق حيث الفلسفة والأرض التي أنبتت خيرات لم يألفها الغرب تدفقت عبر مسار بري طويل امتد من سواحل الصين إلى قلب أوروبا سلع ومنتجات جاء على رأسها الحرير وأهمها، والثابت أنه مع التوابل والتجارة والحرير انتقلت أصناف عديدة من الثقافات الشرقية وألوان كرنفالية من الفنون إلى الغرب، وطريق الحرير ليس طريقاً واحداً كما يعتقد بل عدة طرق ومسالك قطعت القارتين الأوروبية والآسيوية من شرقها لغربها.
وكان أكثر أجزاء هذا الطريق وضوحاً ذلك الجزء الذي يبدأ من العاصمة الصينية القديمة تشانجان، ومنها يتفرع إلى فرعين أحدهما ذو مسار شمالي والآخر ذو مسار جنوبي، وكلاهما يمر عبر آسيا الوسطى متفادياً في كلا مساريه صحراء تكلامكان الموحشة التي تعرف (بأرض الموت) التي لم يجد الرحالة الذين جابوا الأرض من حولها خيراً يذكرونه عنها.
ثم يتحد المساران معاً ويتقابلا في الهضبة الإيرانية ليتجهان في طريق واحد إلى موانئ السواحل الشرقية للبحر المتوسط كميناء إنطاكية القديم وصور، بل ووصلت إلى روما.
ومن المحطات التاريخية المهمة لطريق الحرير تلك الفترة الممتدة من أوائل القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي حينما حكمت الصين أسرة هان، وكذلك فترة حكم أسرة تانج (أوائل القرن السابع أوائل القرن العاشر الميلاديين) كما ازدهر الطريق خلال فترة حكم الخانات المغولية (القرن الثالث عشر الرابع عشر الميلاديين) وقد حفظت الإمبراطورية المغولية المسار الشمالي لطريق الحرير المار عبر أو راسيا ودعمته.
ورغم اتفاق غالبية الباحثين على أن طريق الحرير يقصد به الطريق البري المار عبر أوراسيا (أوروبا وآسيا)، إلا أن بعض الباحثين يميل إلى اعتبار طرق النقل البحري التي ازدهرت في عهد أسرة هان الصينية جزءاً من طريق الحرير حينما كانت السفن الصينية تمخر عباب بحار شرق آسيا، وقتما كانت الصين تتاجر مع ممالك جنوب شرق آسيا ومع كوريا واليابان.
ورغم المظهر العام لسير الرحلة على هذا الطريق التي كانت عادة تؤلف من سلسلة متتابعة من قوافل الجمال والعربات (الكرفانات)، إلا أن الباحثين متفقون على ان أهم فضائل هذا الطريق بمساراته المختلفة انه كان موصلاً جيداً للحضارات التي ضمها العالم إبان تلك الفترة من حضارات صينية ومغولية تترية، وكورية يابانية، وهندية، وفارسية، ووسط آسيوية، وعربية، وبحرمتوسطية.
وهناك العديد من الإبداعات العلمية والتقنية المهمة التي اخترعت في تلك الأزمان وانتقلت وتبادلت بين شعوب البلدان التي مر الطريق بأرضها.
ويذكر المؤرخون أن من أهم هذه الاختراعات هي البنادق البارودية والبوصلة، وورق الطباعة، والحرير، وقوانين العلوم الرياضية والطبية وغيرها، كما تم تبادل الأدوات الموسيقية بل وأصناف الموسيقى ذاتها بين الشرق والغرب.
ومن أهم صور التبادل الثقافي أن امتزجت أفكار وتبادلت مبادئ دينية على طول هذا الطريق الذي عرف الديانات الطاوية، والكونفوشيسية، والبوذية، والمانوبة Manichaeans والزرادشتورية Zoroastrianism والنستورية Nestorian، والمسيحية، واليهودية والإسلام.
وحسب كل عقيدة ومذهب ديني شيدت المعابد والمساجد والكنائس على طول المحطات المهمة بهذا الطريق.
وكثير منها اندثر تحت الرمال حينما جاء القرن الخامس عشر ليكتب نهاية حياة طريق يعده الباحثون أول طريق عابر للقارات عرفه التاريخ بإجمالي طول يتعدى في دائرته المغلقة 17.000 كم.
اندثار الطريق :
وجاء اندثار الطريق لعدة أسباب في مقدمتها تطوير التجار المسلمين طريق النقل البحري من الخليج العربي عبر المحيط الهندي وصولاً إلى شرق آسيا.
كما أدى اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح من قبل الأوروبيين الساعين إلى احتكار التجارة، والساعين فيما بعد إلى استعمار دول آسيا إلى هجر طريق الحرير اعتمادا على أن قوة الاستعمار الأوروبي تكمن في قوته وأساطيله البحرية أكثر من الانتشار الاستعماري في وسط آسيا بمخاطره العديدة.
ويميل الباحثون الشرقيون إلى القول: إن الشرق هو الذي أعطى وأمد الغرب ليس فقط بالبضائع بل بالأفكار والفلسفات والاختراعات العلمية بينما لم يقدم الغرب سوى بعض السلع كالقمح والزيوت والزجاج والصوف.
بل إن بعض الباحثين يرى استعمار الشرق من قبل الدول الأوروبية سببه جغرافية طريق الحرير وما قدمته من معلومات أغرت الغرب بالعدوان.
ويرتبط طريق الحرير بالصين ارتباطاً عضوياً، لذلك فهي أكثر الدول اهتماما بإحياء الطريق ولديها مشروعات ودراسات متعمقة لتطوير طريق الحرير بمفاهيم العالم المعاصر.
إحياء طريق الحرير:
تمضي الآن جهود حثيثة على قدم وساق لإحياء طريق الحرير.
والسعي إلى هذا يتم على مستويين: ثقافي واقتصادي.
* الإحياء الثقافي: أفضت التطورات الثقافية التي مر بها العالم خلال عقد التسعينيات إلى شيوع مفاهيم على شاكلة صدام الحضارات، وما تلاها من مفاهيم مضادة دعت إلى حوار الثقافات.
وقد تبع ذلك تطوير مفاهيم ثقافية سياسية أخرى كان هدفها التقريب بين الثقافات لأغراض سياسية واقتصادية.
ومن أشهر هذه المفاهيم حوار الثقافات البيني Intercultural Dialogue الذي اتخذته هيئة اليونسكو عنواناً للقيام بحملة عالمية لإحياء طريق الحرير منذ مطلع التسعينيات.
وقد تركزت جهود اليونسكو لإحياء الطريق في المجالات التالية:
دعم دراسة اللغات وجمع وتحليل الوثائق القديمة المرتبطة بالطريق
تمويل بعثات علمية لتتبع مسارات القوافل على طول الطريق ورسم خرائط دقيقة
رصد النقوش الأثرية في آسيا الوسطى التي سجلت أحداثا تاريخية مهمة عن طريق الحرير
جمع القصص والملاحم الشعبية المرتبطة بالترحال على الطريق
الاستعانة بتقنية الاستشعار عن بعد لدراسة المواضع الأثرية (استخدام الرادار في اختراق الرمال التي تغطي مناطق واسعة من آسيا الوسطى التي مر بها الطريق واستكشاف ما تحتها)
إصدار الكتب والمؤلفات عن ديانات وثقافات آسيا الوسطى والصين
تنظيم المعارض الفنية التي تعرض المقتنيات الأثرية والمخطوطات المرتبطة بتاريخ طريق الحرير عقد الندوات والمؤتمرات الثقافية لتأكيد مبدأ حوار الثقافات.
* الإحياء الاقتصادي: بعد ردح طويل من الزمن يفوق الخمسة قرون أعيد النظر في طريق الحرير، وسعت القوى الاقتصادية إلى إعادة إحيائه وبث الروح إلى جسده القديم.
ويبدو أن الأسباب التالية تقف خلف هذا الاهتمام:
1- انهيار الاتحاد السوفيتي وتداعي ستاره الحديدي الذي مثل عائقا أمام التلاحم والتشابك الاقتصادي بين أوروبا وآسيا
2- تزايد استيعاب روسيا في الاتحاد الأوروبي وفتح مجالات التبادل الاقتصادي بين أوروبا والعديد من الدول الأوروبية.
كما تم في مايو 2002 قبول روسيا عضوا في حلف الناتو (وإن كان بوضعية خاصة) وهو ما مثل نقلة غير متوقعة في التقارب الأوروبي الآسيوي وفتح آفاقا جديدة لمزيد من التعاون الاقتصادي.
وعلى الجانب الآخر تتنامى الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول آسيا الوسطى كأوزبكستان وتركمنستان، وكذلك مع دول القوقاز وبصفة خاصة التعاون الأمريكي الأذربيجاني والأمريكي الجورجي.
3 -حرص الدول الأوروبية على ملء الفراغ الذي خلفه اختفاء القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا التي مثلها الاتحاد السوفيتي السابق، وفي نفس الوقت عدم السماح لروسيا بوراثة الهيمنة الاقتصادية في هذا الفراغ.
ومن زاوية أخرى هناك توجه غربي لتنمية دول وسط آسيا ودعمها لمواجهة محاولات القفز على السلطة من قبل الجماعات والأحزاب الدينية الأصولية، وما يمكن أن يسببه ذلك من قلاقل وعداوة مع الغرب.
4 – تحذير بعض الاقتصاديين العالميين أمثال لاروش La Rouach من الركود الاقتصادي العالمي (الذي يرى أنه يفوق ركود الثلاثينيات) وأنه لابد لإنعاش الاقتصاد العالمي البحث عن كافة السبل لتفعيل الترابط التجاري ودفع حركة التجارة إلى أقصى درجة ممكنة.
5- وقد تبنى لاروتش ما صار اصطلاحاً ينسب إليه وهو الجسر البري الأوراسي Eurasian Landbridge .
تنامي القدرات الاقتصادية لمنطقة بحر قزوين خاصة ثروات النفط والغاز المتوقع تدفقها إلى أسواق غرب أوروبا والخوف من تملك بعض القوى الإقليمية لمقدرات هذه الثروات خاصة روسيا وإيران وتركيا.
ومن ثم يعد إحياء حركة التجارة عبر أوراسيا بمثابة نوافذ شرعية تطل منها المصالح الغربية على المنطقة.
ومن زاوية أخرى فإن البعض يرصد الزيادة الملحوظة في عدد القواعد العسكرية الأمريكية في دول آسيا الوسطى قبل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 باعتبارها جزءاً من الصورة الجديدة للسيطرة على قلب آسيا: المسرح الجغرافي لطريق الحرير.
6- تنامي التقارب الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين وعقد شراكات تنبئ بحدوث تغير تاريخي في موقف المواجهة السياسية بينهما.
هذا في الوقت الذي نجد فيه ما يمكن تسميته بالحمى الصينية لفتح أسواق جديدة في كل مكان من العالم لتنمية مناطقها وخاصة في الغرب الصيني الفقير.
ولذا يمكن القول: إن الصين هي أكثر دول العالم اهتماماً بإحياء طريق الحرير القديم لا لمرجعيتها التاريخية بهذا الطريق، ولكن لآمالها بالتوغل في آسيا ثقافيا وسياسيا واقتصادياً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.
الجسر الأوراسي الأول
ويرى الروس أنه كان من الممكن تفعيل شبكات البنية الموجودة بالفعل، فالعالم يعرف واحداً من أهم خطوط النقل القارية وهى السكك الحديدية العابرة لسيبريا TransSiberianالتي تصل روسيا الأوروبية بالشرق الأقصى، وأهم محطات هذه الخط سان بترسبرغ موسكو أومسك نوفاسيبرسك اركوتسك خابارفسك فلاديفاستوك ناخودكا، والأخير ميناء روسي على بحر اليابان وعلى الحدود مع كوريا الشمالية.
والأطراف الشرقية لهذا الخط يمكن ربطها بسهولة بشبكة السكك الحديدية في الصين.
وقد بني هذا الخط في العهد القيصري في الفترة من 1891 1905، وقد أدخلت على الطريق تعديلات وتحسينات خاصة خلال فترة الحرب الباردة. ويعرّف العلماء هذا الطريق باعتباره ) الجسر الأوراسي الأول، ورغم أهمية هذا الخط إلا أنه يقع بأسره داخل الأراضي الروسية.
وهنا مشكلتان (إضافة إلى مشكلة تجمد ميناء ناخودكا عدة شهور من السنة، ومرور الخط في بيئة تتجمد مواردها المائية في فصل الشتاء) هاتان المشكلتان هما: الأولى أن بناء الجسر الأوراسي بتطوير خط سيبريا سيحقق مزيداً من المزايا لروسيا، وهو ما لا يتمناه الغرب.
والثانية أن فكرة تطوير الاقتصاد العالمي بإشراك أكبر قدر ممكن من دول آسيا وأوروبا على طول هذا الجسر البري تصبح غائبة بهذا الشكل.
ويأخذ العلماء الصينيون على هذا الخط أنه يعمل دون الطاقة الاستيعابية.
وتعمل الإدارة الروسية على إقناع الكوريين والصينيين بربط شبكة النقل في بلادهم بخط سيبريا، أو على الأقل ربط هذا الخط بشبكة البنية السياسية التي ستمتد مع الجسر الأوروآسيوى.
مشروعات الربط..
ومن المشروعات المهمة لربط اقتصاد آسيا وأوروبا، ذلك المشروع الذي تلقف به الاتحاد الأوروبي دول القوقاز وآسيا الوسطى في أعقاب استقلالها عن الاتحاد السوفيتي وهو مشروع التارنسيسا TRANSECA.
والمشروع يهدف إلى إنشاء ممر مواصلاتي Transport Corridor من غرب أوروبا إلى البحر الأسود عبر القوقاز إلى بحر قزوين، ومنه إلى دول آسيا الوسطى.
ولا يهدف هذا المشروع إلى إنشاء شبكات جديدة من السكك الحديدية والطرق البرية، بل إلى ربط ما هو قائم منها مع بعضه البعض في شبكة قارية واحدة.
أما الجديد في طرق النقل فهو الاهتمام بشبكة الأنابيب لنقل ثروة بحر قزوين إلى سوق غرب أوروبا.
وعلى الجانب الآخر أثمر التنسيق الذي قامت به الحكومة الصينية بين وزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي، ووزارة تكنولوجيا المعلومات في تشكيل (مجموعة تنسيق طريق الحرير الجديد China New Silk Road Coordinating Group).
وقد استطاعت هذه المجموعة أن تنشط إعلامياً لترويج الأفكار الهادفة إلى إحياء طريق الحرير القديم عبر أطياف متباينة من الجهود لعل على رأسها مشاركة الأمم المتحدة وبعض من هيئاتها، وعلى رأسها اليونسكو والبرنامج الإنمائي UNDP، وكذلك الاتحاد الأوروبي والعديد من المنظمات غير الحكومية NGOs.
وكانت أفضل صور هذه الجهود عقد البحوث واللقاءات بمشاركة كافة دول آسيا الوسطى وروسيا وعدد من الدول الأوروبية لتطوير التعاون مع الصين لإنشاء الشبكة الأساسية لهذا الطريق على المستوى الإقليمي أي بوصل شبكات البنية الأساسية في الدول التي يمر بها الطريق ببعضها البعض، والشروع في إتمام غير المكتمل منها، أو رفع جودة وكفاءة تلك الطرق التي لا تصل إلى المستوى الفني المطلوب لكي تربط بالشبكة الكبرى لمواصلات درب الحرير الجديد.
وكان من أهم المبادئ التي أرسى عليها التعاون الأوراسي الجديد هو تبادل المعلومات والتعاون البيني لتطوير تكنولوجيا المعلومات لبلدان طريق الحرير.
من طريق الحرير إلى الجسر الأوراسي تدريجياً تحول الاهتمام العالمي من مجرد إحياء طريق الحرير القديم إلى تطوير هذا الطريق ليتناسب مع حجم التجارة العالمية الضخمة بعد نحو ألفي عام على قصة إنشائه، وحتى لا يقترن الاسم بمجرد سلع وبضائع تم تطوير المفهوم ليصبح الجسر الأوراسي البري.
وقد بدأ ذلك التطوير منذ بداية عقد التسعينيات بعدما كثرت المؤتمرات العلمية المتعلقة بتطوير التجارة بين آسيا وأوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة.
وكانت هناك شخصية علمية بارزة في علم الاقتصاد أسهمت في توسيع الفكرة ونشرها في أنحاء متفرقة من العالم، ألا وهو الاقتصادي الأمريكي ليندون لاروش La Rouach، وقد جاءت إسهامات لاروش الأولى من خلال طرحه لفكرة (مثلث الإنتاج Productive Triangle) التي صاغها 1989 في أعقاب سقوط حائط برلين، وأضلاع هذا المثلث تمتد بين باريس وبرلين وفيينا.
ويحوى المثلث أعلى درجة تركيز للقدرة الصناعية والعمالة الماهرة في العالم، وقدم لاروش خططاً تفصيلية لمد أذرع (من طرق النقل والمواصلات وخطوط الطاقة iإلخ) من هذا المثلث إلى شرق أوروبا للنهوض باقتصادها.
وتصل هذه الأذرع إلى موسكو وسان بترسبرغ في الشمال وكييف في الوسط والبلقان والبحر الأسود في الجنوب.
وتشير دراسات عديدة إلى أن الهدف المباشر لهذه الفكرة هو النهوض بشرق أوروبا في الوقت الذي كانت تخرج فيه عن الطوق السوفيتي وتدخل المرحلة الليبرالية الجديدة، أما الهدف الأبعد فهو النهوض بالاقتصاد العالمي الذي يعيش فترة من الكساد تعد الأسوأ منذ فترة الثلاثينيات.
وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي طور لاروش من فكرته لتصل آسيا بشرق أوروبا بمثلث الإنتاج بغرب أوروبا.
وفى نفس الوقت كانت الصين، نتيجة تطورها الصناعي الكبير، تبحث عن توسيع أسواقها وتنمية بقية مناطقها في الغرب وتهدف إلى ربط اقتصادها بالاقتصاد العالمي عبر طريق الحرير الذي تعتبره مشروع القرن.
مشروع القرن
وتقيم هيلجا لاروش الوضع الصيني بوصف الاقتصاد الصيني بأنه أسرع اقتصاد في العالم نمواً.
ومع هذا النمو، ومع إدراك أن الصينيين يتوقعون انغلاق السوق الأمريكي في وجه بضائعهم بالتدريج فإنهم يبحثون عما يمكن تسميته (التوجه نحو الغرب) نحو وسط آسيا، الشرق الأوسط، أوروبا.
ولهذا تُبذل جهود لتفعيل الخطط الاقتصادية الرامية إلى زيادة شبكة الطرق والمواصلات بما يفوق 10.000 كم ( تصل إلى 90.000 في عام 2010).
وكذلك زيادة عدد الطرق السريعة وشبكات السكك الحديدية السطحية وتحت السطحية، وبناء أكثر من مائة مطار وميناء.
وهناك خطط لبناء نحو 200 مدينة جديدة خلال ربع القرن المقبل لاستيعاب أعداد السكان المتزايدة والمتوقع زيادتهم خلال هذه الفترة بنحو 200 مليون نسمة.
أضف إلى ذلك شبكات البنية الأساسية من محطات توليد الطاقة الكهربائية، وقنوات الري لنقل المياه من الجنوب الغني إلى الشمال قليل المياه، وإنشاء أربع محطات طاقة نووية في السنوات العشر المقبلة، وباختصار يطلق على مشروعات البنية الأساسية (مشروع القرن).
وسواء في الصين أو في روسيا أو في دول آسيا الوسطى والقوقاز فقد صارت المناقشة العلمية لا تدور حول خطوط من السكك الحديدية أو الطرق البرية أو أنابيب النقل فحسب بل ارتقى النقاش إلى مستوى الجسور التنموية.
وقد قدم لاروش فكرة ممرات التنمية الاقتصادية ليؤكد على أن الجسر الأوراسي لا يهدف إلى مجرد ) نقل السلع والبضائع) بل إلى تنمية الأقاليم والدول التي سيمر بها في آسيا وأوروبا.
وتبنى فكرة الممرات التنموية على وجود نطاق أرضي يتراوح اتساعه بين 100 إلى 150 كم، وفي وسط هذا النطاق خط رئيس للسكك الحديدية فائقة السرعة (التي تقل تكلفة النقل بها عن أي وسيلة أخرى، وهي الأكثر أمانا) وعلى جانبي هذا الخط أنابيب نفط وغاز، وقد يتفق هذا مع وجود قنوات نقل مائي كالأنهار أو القنوات الاصطناعية، ثم بالتوازي خطوط اتصالات عالية الجودة، التي تستخدم فيها تكنولوجيا الخلايا الضوئية.
وهذه الخطوط تمد بحيث تتوسط مناطق الانتشار العمراني القائم أو المتوقع إنشاؤه من مدن ومحلات سكنية، ثم في النهاية شبكة من طرق النقل البري تربط المراكز العمرانية بالطرق الرئيسة في هذا المحور.

 

اكتب تعليقًا