همس الحيطان!

همس الحيطان!

نشر بتاريخ 21/3/2018

همس الحيطان!
في عام 1968 صدرت لي المجموعة القصصية الثانية “المثلث الفيروزي” متضمنة قصة بنفس العنوان، حول رسام شاب دأب على التقدم بلوحاته إلى مسابقة تنظمها جمعية فنية معروفة. كانت محاولاته على مدى عدة سنوات تُمنى بالفشل حتى تولاه اليأس من الفوز، وهو لا يعرف أسباب فشله، غير أن الناقد المهم بين أعضاء اللجنة صارحه بأن لوحاته ينقصها “الميتافيزيك” ولم يعرف ماذا تعنى الكلمة، وكانت اللوحة التي تقدم بها إلى المسابقة آخر مرة تعبر عن اغترابه في المدينة، وتحمل رمزا للعودة إلى باطن الأرض من خلال شجرة تمد جذورها في العمق، وثمة وجه امرأة ريفية يخيم على فضاء اللوحة، ولم تكن تلك المرأة سوى أمه الحقيقية التي تركها في القرية البعيدة . حلمه الكبير بالفوز كان يرجع إلى أن الجائزة هي رحلة إلى أوروبا لزيارة المتاحف والمعارض والتعرف على الفن العالمي. في أحد الأيام جاءه خبر وفاة أمه، أصابته الصدمة بحالة فقدان مؤقت للذاكرة. حاول – دون جدوى – أن يتذكر وجه أمه، أخيرا تذكر لوحته التي تحمل ملامحها. انطلق إلى الجمعية ليرى اللوحة ويستعيد وجه الأم، فوجئ هناك بفوزه بالجائزة. لم يبال بكلمات التهنئة والحفاوة التي قوبل بها لأول مرة، حتى من الناقد الكبير الذي سبق أن أحبطه. كل ما أراده هو أن يملأ عينيه من وجه أمه التي كان يحلم بأن يهدي إليها أول نجاح يحققه فيكون فوزه حفيدها البكر. عندما اقترب منه الناقد قائلا: أبشر يا عمر…أوروبا مرة واحدة..غمغم لنفسه
قائلا: وما جدوى ذلك؟ إنهم هناك لا يعرفون أمي!”

الفقرة السابقة تجدها في المقدمة التي كتبها الفنان والناقد المصري الكبير عز الدين نجيب في الكتيب التعريفي الذي تستلمه مجانا بحضورك معرضه الفني المهيب في دار الأوبرا قاعة “الباب سليم”. المعرض

بعنوان “العًيْش والحُلم”.

في ختام مقدمة كتيب أعماله الفنية يمضي عز الدين نجيب يقارن عام 1968 بتاريخ افتتاح هذا المعرض في فبراير 2018 فيقول:

واليوم وأنا أستقل القطار مقتربا من محطتي الأخيرة بدون أن أضع الريشة والقلم من يدي أكاد أجدني – بعد هذا العصر – نفس الفنان الشاب في قصة “المثلث الفيروزي” أبحث عما كان يبحث عنه: عن الأرض والجذور، وهمس الحيطان، وأرى الأمل بين طيات الظلمة وغلظة الواقع، وأحلق بأجنحة الحب والحرية”

اكتب تعليقًا