أنزلي الستائر علينا !

أنزلي الستائر علينا !

نشر بتاريخ 28/3/2018

أنزلي الستائر علينا !

لا أذكر كم مرة سافرت بطائرة هنا وهناك. في كل المرات كنت من ركاب الدرجة الثانية، تلك التي يسمونها تأدبا الدرجة “الاقتصادية”. تتعلق عيناي دوما بتلك الستائر التي سرعان ما تنزل حجابا بيننا وبين ركاب درجة “رجال الأعمال”. لماذا يعطونها ذاك الاسم وركابها من الفنانين والسياسيين والأثرياء؟ لم أكن مهتما بالتفرقة بين الأثرياء الشرفاء وغير الشرفاء، هل تربيت على أن الأثرياء دوما ورثة مال الدولة والقطاع العام؟

ماذا يدور في الدرجة الأولى؟ هل يجلس معهم كابتن الطائرة؟ هل تغازلهم المضيفات وتتودد إليهم!؟ لماذا يفرقون بيننا؟ لو سقطت الطائرة ألن نكون شركاء في الموت جميعا؟!

في تلك المرات التي ينسى فيها المضيفون إغلاق الستائر وأرى بعضا مما يحدث في عالم الدرجة الأولى أكاد كالمخبول أنادي عليهم: افتحوا الستائر …قولوا للكابتن يأتي إلينا ويتحدث معنا أيضا، نريد مضيفات مبتسمات جميلات مثلهم، الطائرة لم تتحرك بعد وتعطونا قطعة حلوى بلاستيكية بعشرة قروش بحجم عقلة الأصبع بينما تخيرونهم بين حلويات من الشرق والغرب مع فنجان قهوة! أين العدل في هذه الطائرة!؟ مرتان فقط دبر لي القدر أن أجد نفسي في الدرجة الأولى. في أول مرة صرت أضحوكة “رجال الأعمال” لأني كنت أنظر بين الحين والآخر إلى الخلف لتعتذر نظراتي إلى مئات من رفقاء الدرب من أناس لا أعرفهم لكني كنت أجلس معهم في رحلاتي السابقة. حتى الأطعمة والأشربة كنت مترددا في تناولها، نزلت في بطني سما زعاقا لأن رفقاء الدرب في الخلف لم يحصلوا على شىء مثلي.

في المرة الثانية صار الموقف أكثر هدوءا، بدأت أنظر في وجوه من حولي: ما أجمل ركاب رجال الأعمال! يالهم من أناس محترمين عليهم طلة بهية تفيض ملامحهم أصالة وعراقة. رأيت ملامح الذكاء والشطارة في أعينهم. كم كنت مخطئا حين ظننتهم أثرياء بلهاء أو فاسدون ورثوا مال الشعب. أنا معهم الآن، لابد أنني ذكي مثلهم، لو لم أكن تعبت وعرقت ونجحت لم أكن لأجلس بينهم، أنا منهم..أنا معهم.. وبهم.

ما أجمل الشعور بالقوة، ها هو الكابتن يلقي علينا تحية الصباح ويرحب بنا بنفسه، صحيح أنه سلم شخصيا على السيد الوزير وعلى الفنان محمود عبد العزيز والمغنية اللبنانية التي مالت بكتفها الأيمن تجاهه فكشفت عما لا يجب، وربما ما يجب، كشفه؛ لكن لا بأس ..هذه المرة نظر إلىّ من بعيد وقال
رحلة سعيدة..المرة القادمة سيسلم عليّ..هي مسألة وقت…مسألة وقت.

تابعت بابتسامة كلها ثقة المضيفات الشابات وهن يتحركن بيننا، بينما تنسحب المضيفات اللائي تجاوزن الأربعين إلى الدرجة الثانية في هدوء.
في هذا الكرسي الأثير الوثير المثير أجلس وحدي لا يزاحمني أحد بكتفه، أتطلع من نافذة طائرة وحدي..هذا العالم لي دون سواي، ها أنا على مقربة من القيادة الحكيمة للطائرة، ينتظرني مستقبل مشرق مع كبار القوم من رجال الأعمال. كلها مسألة وقت. مسألة وقت.
لا داعي للأسئلة الخائبة التي تطارد عقلي، أنا هنا لأنني أستحق ..أنا الأكثر ذكاء ..أنا من كافحت وتخطيت هؤلاء الذين يجلسون في المقاعد الخلفية ..أولئك الذين يصدرون أصواتا شعبوية أسمعها، للأسف، من حين لآخر.

بعض الجهلاء من ركاب الدرجة الخلفية يتهكم على الكابتن وسوء قيادته للطائرة. هؤلاء العوام في الخلف يعترضون لمجرد الاعتراض ..هم لا يعرفون قدر التحديات التي تحيط بنا..وبالكابتن، عواصف ورياح غير مواتية..ثلوج ومطبات هوائية …لو كانوا ينشغلون بما هو مفيد..لو كانوا يصمتون أو يصلون لربهم كي نصل بأمان.
لماذا يتسع العالم لكل هؤلاء الحمقى في الدرجة الخلفية؟ ما هي حكمة خالقهم في وجودهم في حياتنا؟ الكابتن في حاجة إلى تركيز وهدوء، ونحن في الدرجة الأولى في حاجة أيضا إلى راحة من تعب….لقد جلسنا هنا لأننا تعبنا أكثر..نحن الأكثر ذكاء وشطارة..لا أنكر أن من في الخلف تعبوا أيضا مثلنا…لكنه تعب الحمير والبغال….نحن تعبنا تعب الصقور والنسور…وشتان بين السماء والأرض!.
حين جاءت واحدة من المضيفات من الخلف إلينا غفلت عن دون قصد في إنزال الستار الحاجب بيننا، فصعرت لها خدي وقلت لها بلهجة آمرة، كما لو أن أمي ولدتني في الدرجة الأولى: ما هذا ؟!….أنزلي الستائر علينا من فضلك!

اكتب تعليقًا