فلسفة التناقض!

فلسفة التناقض!

نشر بتاريخ 26/3/2018

فلسفة التناقض!

قبل عشرين عاما كنت أطهو طعامي في مطبخ مشترك في المدينة الجامعية لطلاب الدكتوراه بمدينة سان بطرسبرغ الروسية، تلك المدينة الغارقة في الثلوج غير بعيد عن الدائرة القطبية الشمالية. كان هذا المطبخ نموذجا مصغرا للأمم المتحدة، قابلت فيه بشرا من كل لون ودين (ولا دين) سواء من خارج روسيا أو من أقاليمها البعيدة. لا أنسى زميلي الكوري الذي كنت اتلكأ حين أراه في المطبخ حتى أنال نصيبي من سمك مطهو في السكر، ولا زميلي الصيني الذي كنت أفر من المطبخ هربا حين يشرع في طهي حوافر خنزير صغير ليجهز منها “شوربة كوارع”.

ذات مرة – ونحن وقوف أمام مواقد الطهو – سألت باحثة الدكتوراه في علم النفس الوافدة من المدينة الروسية خباروفسك (على المحيط الهادئ قرب اليابان) عن سببب طهيها ثمار التفاح وحبات البطاطس في إناء واحد، فأجابتني مندهشة: ما أغربك ياعزيزي !! انظر إلى صديقك الفلسطيني الذي يجهز لكم الغذاء فيضع الزبادي فوق الباذنجان وقطع اللحم (في ذلك اليوم كان رامي الغزاوي دارس الطب يحضر لنا وليمة “المقلوبة” الشهيرة التي التهمها في ربع ساعة طلاب من مصر واليمن وسوريا والعراق وفلسطين).

لماذا أسترجع هذه الذكريات؟ ربما السبب أن هذا الأسبوع جاءتني هدية من أحد الأصدقاء وهي عبارة عن “شيكولاته بالفلفل” وقال لي ” عاطف..خذ منها قطعة قبل النوم وستمنحك هدوءا وسكينة..وستصحو نشيطاً قويا  !”.
حاولت تجاوز مسلسل التناقض هذا الأسبوع لولا أن زميلي أستاذ الفلسفة طرح أمامي كتابا صدر حديثا في فلسفة الدين سائلا إياي الرأي في جدوى ترجمته… فتحت الكتاب فوجدت المؤلف يستفتح أولى صفحاته بالعبارة التالية:

يقولون إني متناقض…وما العجب؟…نعم أنا متناقض..فهذا دليل على أني واسع وعميق ..اتساعي وعمقي يحويان التناقض ….تناقضي ليس تنافرا…بل يجمع الكل معا …ويعطيني دفعا للغد”.
والآن ياصديقي العزيز ..هل يصدمنا التناقض أم نعتبره علامة اتساع وعمق!؟
هل يجب أن نغادر العالم اعتراضا على التناقض؟! ..أم نكمل الطريق وعلى وجوهنا ابتسامة سخرية ؟!

اكتب تعليقًا