فاكهة البلاد الجنوبية !

فاكهة البلاد الجنوبية !

نشر بتاريخ 2/4/2018

فاكهة البلاد الجنوبية !

هذا هو فبراير من عام 1998، مضى شهران منذ وصلت هذه المدينة المقطوعة في كتلة من الجليد. لم أرَ في “سان بطرسبرغ” شمسا، أرفع رأسي كل صباح مناديا السماء دون استجابة: قليل من الشمس هنا يا إلهي!

تعجبتُ ..لماذا تحتاج جهنم إلى حمم ولهيب؟ يكفي من العذاب زمهرير هذه المدينة. لساني ثقيل في فمي، لا من برد بل من عجز عن تعلم لغة لا تشبه لغتي، الحروف منحبسة في حلقي لا تجمع كلمة مفيدة. أعيش بالإشارة، أتعبت البائع في المتجر القريب من سكني الجامعي، في أول أيامي كنت حين أشترى بيضا انتزع ورقة من دفتر تدريبات قواعد اللغة لأرسم له دجاجة تضع بيضها، حين أريد سلعة أشير بيدي على الأصناف المعلقة على الأرفف مرددا بحروف طفل يتعلم الكلام “إيتا …ني إيتا…إيتا” (هذا….ليس هذا…بل ذاك)، أطلب منه بطاطس فيعطيني بطاقة اشتراك في المواصلات العامة (لم أكن قد ميزت بعد بين كلمتي “كارتتشكا” و “كارتوشكا”).

استسلمت أخيرا لنصيحة فيكتور أليكسندروفيتش مدير قسم الطلاب الوافدين في الجامعة الذي نصحني قائلا: “ليس أمامك سوى أن تتخذ رفيقة من فتيات بلادنا، ستسقيك اللغة صباح مساء، ومعها تنحل عقدة لسانك، أو أن تسكن مع عائلة تؤجر غرفة في منزلها، وهناك تشاركهم حياتهم وتعرف لغتهم”.

على هذا النحو، تركت السكن الجامعي ونقلت كتبي وأوراقي إلى غرفة استأجرتها في بيت عائلة السيدة جالينا نيكالايفنا. تطل غرفتي على زقاق ضيق متصل بشارع “ماراتا” المنتهي بدوره إلى الشارع الكبير”نيفسكي براسبيكت”، البيت هنا غير بعيد عن موقف الترام رقم 7 الذي يوصلني للجامعة في غضون 20 دقيقة.

تبدو جالينا طيبة كريمة رغم شرودها، استهلت أول يوم في معيشتي في بيتها قائلة “يمكنك أن تناديني”جاليا”، كل شىء في البيت رهن تصرفك، الجالس هناك في المطبخ ابني سيرجيه…أرجو ألا تنزعج من غرابة أطواره وجفاء سلوكه هذه الأيام، لقد استدعوه للتجنيد هذا الشهر، أظنك تتابع الحرب في الشيشان…كثير من رفقاء سيرجيه ممن سبقوه إلى هناك إما وقعوا في الأسر أو لقوا حتفهم في الكمائن التي نُصبت لهم في جروزني.. قلبي يحدثني أنه إن ذهب لن يعود”.

منذ رحيل سيرجيه إلى الشيشان الأسبوع الماضي وجاليا حبيسة غرفتها لا أسمع لها صوتا. بدأ الجيران يتوافدون للتخفيف عنها، جلبوا معهم أصنافا من طعام وشراب وفاكهة. يعرف من عاش في هذه البلاد أن أغلى هدية يمكن أن يجلبها ضيف إلى بيت روسي شتاءً هي فاكهة البلاد الجنوبية. تبدو هذه الفاكهة على المائدة رُسلا من الفردوس وثمارا من الجنة.

دعتني جاليا لمشاركتهم الجلوس في المطبخ: قدس أقداس البيت الروسي. المطبخ هو ذاته غرفة طعام، وهو ملتقى الحديث حول المدفئة، وهو التئام شمل الأصدقاء. رأيت في مطبخ جاليا السَّماور الذي تعلمنا اسمه ورسمه في دروس اللغة بالجامعة، ذلك الإناء المعدني الذي يحتفظ دوما بالماء المغلي لإعداد الشاي.

بعد أن تكررت الزيارات إلينا لمواساة جاليا دعاني الجيران لمشاركتهم حفلا عائليا في الطابق العلوي. ما إن صعدت مع جاليا إلا وتبارى الجميع لإسعادها غناءً ورقصًا وعزفـًا على البالالايكا.

يوما بعد يوم اعتدت على الحياة في بيت جاليا، كان كل شىء هنا لطيفا مرتبا. صحيح أن البيت كئيب بما يليق برطوبة الطابق الأرضي وبحزن امرأة تجاوزت الستين، إلا أن الأمر لم يخل من بعض أسباب حياة.

في أمسيات الشتاء ومطلع الربيع لم يكن في قدس الأقداس سوانا، كانت تحكي وتحكي وتحكي، هي على يقين أن لغتي البدائية لا تسعفني كي أفهم كثيرا مما تبوح به ذكرياتها، لكنها مع ذلك كانت تروي تفاصيل مدهشة.

كنت أهز رأسي وكأنني أفهم كل ما تقول، وحين كنت أبتسم أو أرسم على وجهي كذبا علامات اهتمام بذكرياتها يغمرها فرح طفولي وتجدد أكواب الشاي الطازج من السماور وتستبدل أطباقا صغيرة بأخرى من مربى التوت البري الأحمر الذي كانت قد جهزته الصيف الماضي.

في نهاية الأشهر الست تحسنت لغتي وحان وقت عودتي للسكن الجامعي. انقطعت أخبار سيرجيه منذ الشهر الماضي، شاشات التلفاز تعرض لقطات من الحرب الدائرة في القوقاز فيزداد رعب الناس في البيوت، جروزني تتحول إلى حمام دماء ومدينة أشباح والجثث في كل مكان.

لاحظت في آخر يومين أن جاليا توقفت عن الكلام معي، بدأت تطيل النظر في صورة معلقة فوق تلفاز معطوب قرب النافذة. الصورة بتاريخ أبريل 1941 لشاب وسيم ممشوق في زي عسكري.

ليتني ما سألتها عن صاحب الصورة!

عادت جاليا تسترجع الذكريات، لاحظتُ أنها تخلط في حديثها بين اسم أخيها صاحب الصورة واسم ابنها الغائب في الشيشان، قالت وعيناها شاخصة إلى الجدار:

“هذا بافل قبل فترة قصيرة من حصار الجيش النازي لمدينتنا قبل 56 عاما، كنت وقتها طفلة في السابعة. آخر مرة رأيت فيها بافل كنت أقف مع أخوتي الثلاثة خلف أمي في الممر الذي تدير له ظهرك الآن. كادت المدينة تسقط ليلتها يا ولدي، القتلى في كل مكان، الجوعى يموتون كل يوم، كان الجحيم ثلاثيا: ثلوج ونيران ومجاعة. جاء بافل يقف عند الباب يطلب من أمي دفئا وطعاما وراحة لبضع ساعات. حالت أمي بينه وبين الدخول، سدت بذراعيها الباب قائلة: أتريدهم أن يقتلوا أخوتك في هذا البيت، لقد مر علينا رجال الحزب وحذرونا، قالوا لو خبئتم جنديا عائدا من الجبهة فالإعدام مصيركم جميعا، أنت تعرفهم، قتلوا كل من في البيت المقابل حين استراح عندهم ابنهم الأسبوع الماضي. قبَّلَت أمي يداه مرتين وقالت له عُد من حيث أتيت يا بافل، ارحم أخوتك الصغار. حين جاء الصباح، فتحت أمي الباب سعيا وراء طعام يسد جوع بطوننا، لكنها صرخت عند الباب صرخة الموت، كان بافل قد سقط بين يديها جثة متجمدة داخل الممر، لم يكن قد عاد إلى خط النار، ظل طيلة الليل واقفا بالباب حتى تسمَّر ميتا في مكانه “.

لملمتُ أوراقي وكتبي عائدا إلى سكني في الجامعة، كان هذا آخر ما سمعتُ في هذا البيت تلك الليلة، مشيتُ على مهل في الممر ، تلمستُ برفق الباب الذي مات عنده بافل…لم أجرؤ على النظر خلفي لأرى جاليا…

خرجت من البيت، لم أكن أنا ذلك الفتى الذي جاء هنا قبل نصف عام، مشيتُ على غير هدى، ركبت الترام رقم 7.

اكتب تعليقًا