جغرافية مصر التاريخية في ثلاث روايات لأعمال نجيب محفوظ

جغرافية مصر التاريخية في ثلاث روايات لأعمال نجيب محفوظ

نشر بتاريخ13/8/2019

جغرافية مصر التاريخية في ثلاث روايات لأعمال نجيب محفوظ 

—-

كتبت في العام الماضي عرضا سريعا للروايات الأولى في مسيرة نجيب محفوظ والتي تناول فيها التاريخ المصري القديم. كان المسرح الجغرافي لهذه الروايات الثلاث هو أرض مصر ونفوذها الإقليمي. وفيما يلي عرض مبسط لهذه الروايات الثلاث:

—–

(1) عبث الأقدار

من الأسئلة التي تحيرني حالة الخصام والاستهانة التي نتعامل بها مع التاريخ الفرعوني. لا أتحدث فقط عن فساد تهريب الآثار ولا الإهانة التي يتعامل بها حراس الآثار (ذوو الأجور الهزيلة) مع المقتنيات الأثرية التي يعود عمرها إلى ما قبل التاريخ؛ بل يلفت انتباهي أيضا ما يروجه بعض أساتذة الجامعات والمثقفين من عدم اعتراضهم على وجود الآثار في المتاحف الأجنبية بعد تهريبها بحجة أنها هنا في حالة من الكرامة والصيانة.

وأزعم أن جانبا مهما من تفسير ذلك – بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة – هو حالة القطيعة المعرفية مع تاريخ بلادنا، فالمرء كما قيل “عدو ما يجهل”.

أكتب هذا المنشور بعد إتمام قراءة رواية “عبث الأقدار” التي كانت أولى أعمال نجيب محفوظ والصادرة عام 1939.

وكقارئ غير متخصص في النقد والأدب تعلمت في هذه الرواية ما يلي:

– اللغة العربية الفصحى الراقية الأقرب إلى كتب التر اث العربي الأصيل التي تجمع بين قوة الأسلوب ورهافة الحس وروعة التصوير، فضلا عن حبكة فنية جميلة.

– استئناس الفراعنة وجعلهم قريبين منا بأحلامهم وأطماعهم وتناقضاتهم وموقفهم الإنساني من الحياة.

– تقريب الشعب المصري في العهد الفرعوني إلى الشعب المصري المعاصر بكفاحه ومعاناته وآماله.

– الأبعاد الجغرافية والتاريخية التي دسها نجيب محفوظ بين الخيال والعلم بطريقة بديعة تقرب القارئ إلى وطنه وتعرفه جوانب من “أون” (عين شمس حاليا) ومنف (القاهرة حاليا) وسيناء (من الجميل أن محفوظ اختار سيناء في عام 1939 مصدرا لتهديد الحكم المركزي في مصر والتي حقق بطل الرواية فيها مجده بانتصاراته المظفرة على أرضها).

– مفاهيم فلسفية متعلقة بالموت والحياة وكيفية تلبس الفرعون روح الإله والعكس.

86 صفحة هي قوام هذا العمل البليغ القادر على اختصار وتقريب تاريخ طويل من حياة المصريين بطريقة سينمائية لو حولت إلى فيلم حديث بتقنيات 2018 لتحقق وعي كبير بين الشباب والطلاب وعموم الشعب المصري، فيلم يمس الشعب وليس الفراعنة على طريقة أفلام هوليود.

كلمة أخيرة عن العنوان، بعض الذين تحفظوا على كلمة “عبث” ربما لم يراجعوا دلالة أخرى للمعنى وهي “التسلسل غير المتوقع لأحداث الحياة ووقائعها” ولا يعني مفهوم “عبث” بالضرورة أن الأقدار تلهو بمصائرنا وتهزأ من طموحاتنا.

*****

(2) رادوبيس

“رادوبيس” غانية فاتنة أوقعت في جمالها أمراء وتجار وقادة جيوش، من فرط جمالها وسحر تأثيرها جلب لها العاشقون النفيس من الجواهر والذهب، وهام بها البعض شوقا حتى صار قصرها في جزيرة بيجه في أسوان مهبطا لإبداع الفنانين وأسرار رجال البلاط وناديا للحكمة والفتنة. نمى خبرها إلى الفرعون الشاب فاتخذها خليلته وهجر ملكه وزوجته.

ليست هذه سوى خلفية القصة الشيقة التي تغري الجميع بالاطلاع على هذا العمل الذي كتبه نجيب محفوظ بلغة عربية تنافس أمهات كتب الأدب العربي الفصيح. لكن جوهر القصة ليس هنا.

جوهر “رادوبيس” في الصراع بين الملك الفرعون والكهنة الذين يسيطرون على قلوب الشعب وبيدهم توكيد سلطة الملك أو زعزعتها بنفوذهم الديني في المعابد.

طمع الملك في ثروات الكهنة وما يملكونه من أوقاف الأراضي التي تدر ربحا كبيرا فجردهم منها وضمها إلى سلطته، وهنا تبدا نقطة الصراع الذي يختلق فيه الملك وجود تهديد خارجي من قبائل متمردة فيما وراء النوبة ليحشد الجيش الذي كان الهدف منه تخويف الكهنة ومن يتعاطف معهم من الشعب. بدورهم يواجه الكهنة الفرعون بتأليب الشعب والثورة عليه وينتهي الصراع بقتل الفرعون وانتحار رادوبيس.

السطور السابقة لا تغني عن المتعة والفائدة التي ستتحصل عليها بقراءة رادوبيس المتوفرة اليوم في عدة مواقع على الإنترنت. وبحكم اهتمامي سجلت الملاحظات التالية:

– الخريطة المكانية التي نسج فيها محفوظ رائعته في آبو (أسوان) وجزر بيلاق وبيجه وهي المواقع التي كانت معروفة جيدا في سنة نشر الرواية عام 1943 قبل أن يغير السد العالي في ستينيات القرن العشرين جغرافية النوبة فلا نعرف عنها اليوم الكثير.

– تقريب التاريخ المصري للقارئ بشكل بالغ التبسيط والتشويق وإعطاء مسميات قابلة للتذكر، على نحو ما اختار محفوظ اسما خياليا لشعوب “المعصايو” في جنوب النوبة التي كانت تمتد إليها حملات التأديب العسكرية فيما يمثله اليوم جنوب غرب السودان.

– استحضار شخصيات الفرعون والكهنة والمسميات التي نجهلها اليوم بطريقة تفتح المغاليق غير المفهومة. إذ صور نجيب محفوظ لنا هذه الشخصيات بشكل مستأنس قابل للفهم بدرجة تخلصنا من غموض ثنائية الفرعون/الإله وفيما يفكر الكهنة والطبيعة البشرية للفرعون الملك ابن الإله.

– التركيب الهرمي للسلطة في البناء السياسي للدولة بطريقة صالحة لأن تفسر هرم الصراع السلطوي في الدول الملكية او الجمهورية المركزية التي تنحصر فيه مصائر الأمم في يد ثلة بعينها من الأشخاص.

رادوبيس هي القصة الثانية للثالوث الذي يضم مع “عبث الأقدار” و”كفاح طيبة” أعمالا روائية أبدعها نجيب محفوظ ، وأرى فيها وسيلة لتقريب التاريخ المصري القديم للمواطن المصري المعاصر الذي يشعر بغربة مع تاريخ هذه الفترة فلا يكترث بها أو يمنحها ما تستحق من احترام.

رادوبيس تمزج الخيال بالتاريخ والآثار والاسطورة لكنها تقدم محفزا بالغ الأهمية لمعرفة أماكن وأزمنة بطريقة غير مباشرة بالغة العذوبة.

****

(3) كفاح طيبة

لو أن رواية عربية تحتاج إلى خريطة يتابع معها القارئ مسار الأحداث والمعارك وخط سير الاستعمار والتحرير لكانت”كفاح طيبة”. قلم محفوظ هنا في روايته الصادرة في عام 1944 يمزج المكان بالزمان مع قصة حب بين أحمس وابنة ملك الهكسوس لصناعة حبكة فنية مشوقة.

يترامى مسرح المكان من طيبة (الأقصر الحديثة) إلى شرق الدلتا ومشارف سيناء وصولا إلى النوبة في الجنوب.

كانت بلاد النوبة وخاصة “نباتا” الواقعة اليوم خارج حدود الأراضي المصرية في شمال السوان هي الملجأ الذي تحصن فيه المصريون لإعادة بناء قواتهم بعد 200 سنة من ذل استعمار الهكسوس فنجحوا في طردهم بعدما ركن الهكسوس لحياة الدعة الوفيرة وخيرات مصر فجذبهم الاسترخاء ونادتهم الراحة.

في عام 1944 (بينما الإنجليز في مصر) يكتب محفوظ عن الهكسوس والمصريين مستخدما التمييز على أساس اللون، فيتحدث الهكسوس عن أنفسهم بأنهم سادة بيض يحكمون أرضا يسكنها عبيد سود. يتشوق المصريون للتحرر من الغزاة البيض الوافدين من الشمال.

كفاح طيبة عمل فني وأدبي يناسب فترات تاريخية مختلفة استعان فيه محفوظ بأسماء الأماكن التي تم التعرف عليها في مطلع القرن العشرين بفضل علماء الآثار خاصة مواضع مثل دابود، سيين (أسوان) أمبوس (سهل كوم امبو) كوبتوس (قفط) طيبة (الأقصر) هواريس (أفاريس لاحقا)..ألخ

الأعمال الفكرية التي ستظهر بعد ثلاثين سنة سيتفق فيها عدد من الجغرافيين (مثل جمال حمدان) مع ما كرسه محفوظ في سر استعادة المصريين لأرضهم من الهكسوس، أي تجهيز أنفسهم بالأسلحة التي انهزموا بها : “العجلات الحربية” التي جاء بها الهكسوس إلى مصر.

اكتب تعليقًا