زيارة جديدة إلى “مخافة الله”

زيارة جديدة إلى “مخافة الله”

نشر بتاريخ 7/4/2018

زيارة جديدة إلى “مخافة الله”.
كل ما تم نقشه في الصغر يطاردنا بقية العمر. في كُتّاب القرية ردد شيخي “اعلم يا ولدي أن رأس الحكمة مخافة الله”. هل أفلحت نصيحته معي؟ كم من ذنوب ارتكبتُ ولم يكن من أثر لنصيحته سوى وخز الأبر في جنب ضميري.
كانت أولى زياراتي إلى منطقة “رأس الحكمة” في شمال الصحراء الغربية عقب تخرجي من الجامعة. تلفتُ أبحث هنا عن مخافة الله في كل ما حولي وكأني سأجدها بين الصخور، فتشت عنها عند أعشاب البحر التي طردتها بإهانة أمواج مغرورة، غرست يدي مرارا أتلمسها في رمال تلال ناصعة البياض كأنها فرت إلينا من بلاد الشمال، أدرت رأسي مرارا بين أغصان أشجار التين العتيقة.
ما هي تلك المصادفة التي تجمع المكان باسمه التاريخي؟. كيف حلت “رأس الحكمة” محل اسمها في العصر المسيحي “رأس الكنايس”. أي جغرافي عبقري نصح الملوك والحكام عبر آلاف السنين ليتخذوا هذا المكان منتجعا لهم.
توقفت في “خليج الأميرات” عند أبعد نقطة في البحر من “رأس الحكمة”. مكان يستحق اسمه عن جدارة: ماء رقراق ، بحر أزرق مبهج، رمال حانية على أقدام الأميرات والملكات والوصيفات..أكاد أسمع صدى صوتهن ما زال يتردد بين جنبات المكان.
قرية “فوكة” واحدة من قرى بدوية عديدة في رأس الحكمة، مررت عليها في سنوات سابقة ولم تنجح في أن تلفت انتباهي. هذه المرة انشقت الأرض أمام حافلتنا فامتشق جسر أنشىء حديثا فوق السكة الحديد مرتفعا عن الأرض عشرين مترا فأعطانا مرورا حرا رأيت معه المكان من علٍ كما لم أشاهد من قبل. خرجت من فمي كلمة “الله”.
راسما على وجهه ابتسامة سخرية رد سائقي البدوي: “يعجبك الجسر؟! يؤلمني أنا جدا ..نمر هنا فوق دماء العشرات من أبناء بلدتنا، هذا الجسر أقيم بعد فوات الأوان، هنا اصطدم القطار بعربات النقل وسيارات المسافرين..وفقدت بينهم صديق عمري”.

ثلاثة أيام من اللف والدوران في رأس الحكمة، توقفت طلبا للراحة في مرسى مطروح، أعجبتني شاشة عملاقة أقيمت وسط المدينة قرب البحر، لا تتوقف الشاشة عن عرض نتائج الانتخابات بعد العرس الانتخابي. في هذا المكان قبل ثلاثين سنة كانت الأهرام والجمهورية تتحدث عن نسب تصويت ونتائج مشابهة لديموقراطية على المقاس المصري… أمسكُ رأسي بيدي.

يأتيني من مسجد قريب صوت القرآن استعدادا لرفع آذان المغرب، الشمس تنزل إلى أفق الغروب ساخرة من كل ما حولي..القرآن يختم بثه من مكبر الصوت فيكون آخر ما أسمع “فاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”.  أصل إلى غرفتي في رأس الحكمة بعد تعب يوم طويل، على فراشي تنتظر من ليلة أمس رواية مترجمة ببلاغة عن الفرنسية عنوانها “كيف أصبحتُ غبيا؟”.

اكتب تعليقًا