“قصة قصيرة”

“قصة قصيرة”

نشر بتاريخ 1/5/2018

“قصة قصيرة”

شاركتُ يوم السبت الماضي في اجتماع أكاديمي يلتف فيه حول رئيس المؤسسة نفس المجموعة من الأساتذة كبار السن ممن تجاوزوا السبعين عمرا.

في مثل هذه الاجتماعات أتذكر دوما الدرس الشهير الذي أقوله للطلاب في القاعة : “يذهب بعض أنصار مدرسة الحتم البيئي أنه في جغرافية مصر فإن من رأى إحداها فقد رآها جميعا” قاصدا بذلك أن المسافر في الصحاري المصرية يمكنه أن ينام ويصحو ولم يتغير أي مشهد حوله من رمال أو صخور أو مشاهد كالحة، وكذا المسافر في الريف المصري يمر به القطار فيغفو ويصحو وكأنه لم يغادر نفس القرية التي تركها قبل عدة ساعات، وذلك لتسطح الشكل وتكرار الملامح.

في قاعة الاجتماعات يجلس هؤلاء الأساتذة ذوي السبعين ربيعا في نفس مقاعدهم منذ عشرين سنة، يقولون نفس الكلمات، يضربون ذات الأمثلة، يؤكدون ويقسمون أن لا هم لهم سوى مصلحة البلاد والعباد، يتم توزيع الجوائز عليهم، وتخصيص المقاعد الوظيفية في الدولة على تلامذتهم الموالين.

وبينما أنا أتأمل ذلك وأتصفح في الوجوه مال نحو أذني د. عباس وسألني هامسا: متى تموت هذه الشلة!؟ فأجبته : عجبا ! أنت بروفيسور منذ 7 سنوات ولك كيانك وقامتك ولك آلاف الطلاب الذين ينظرون إليك كقدوة ومثل..لماذا تهمس لي سرا؟ أين شجاعتك يابروف؟!

كشيطان شرقي نجحت كلماتي في أن تدفع الدماء في وجه عباس فرفع يده طالبا الكلمة ووجه كلامه إلى رئيس الاجتماع وصوب عينيه إلى شلة الأساتذة الكبار وخاصة إلى الدكتور حميدة قائلا: ” متى تعطون الفرصة للشباب!؟

ساد صمت مفاجئ لعدة ثوان حاول خلاله رئيس الاجتماع أن يستجمع ردا تليفزيونيا مناسبا لكن الدكتور حميدة أخذ الميكروفون من أمام رئيس الأكاديمية دون استئذان وصوب كلامه لزميلي (الذي فضلتُ الابتعاد عنه بمقعدين):

“يادكتور عباس لم العجلة؟!. ما زال العمر أمامكم طويلا”.

حاول عباس أن ينقذ الموقف فقال “سيدي أنا لا أتحدث عن نفسي، أبلغ من العمر 52 عاما!”.

بضحكة تشبه ضحكات كمال الشناوي في أدوار زعيم البوليس السري رد الدكتور حميدة:

ألا تعرف يا عزيزي التصنيفات الجديدة للعمر، من هم في مثل عمرك من فئة 50 إلى 60 نسميهم الشباب “الطائش”، ومن في فئة 60 إلى 70 صار اسمهم الشباب “الناضج” أما نحن فشباب “مخضرم”.

حين ضجت القاعة بالضحك والتصفيق رمقني زميلي بنظرة قاتلة ترميني بالخيانة لكني كنت قد وضعتُ رأسي في كشف حضور الاجتماع موقعا بجوار خانة أسمي حتى لا أنسى – وسط هذا الهرج – حقي في مكافأة المائتي جنيه: الشىء الوحيد الصادق في هذا الاجتماع.

اكتب تعليقًا