عِش لمصر أيها المعروف المجهول!

عِش لمصر أيها المعروف المجهول!

نشر بتاريخ 6/5/2018

عِش لمصر أيها المعروف المجهول!

في منطقة “درب اللبانة” وغير بعيد عن القلعة ومسجد “السلطان حسن” جلسنا في مركز “بيت المعمار المصري” لأكثر من ساعتين وعلى رؤوسنا الطير ، الأبصار معلقة إلى شاشة عرض وحواس السمع مرهونة بصوت المحاضر الهادئ الواثق. كان الحدث مهيبا لسببين:

فالمُـحاضر مفكر وعالم استثنائي متمكن من أدواته ومنهجه ومتسلح بمصادره، أعني أ.د. ياسر مُنجي.
– وموضوع المحاضرة شخصية لم تتكرر في تاريخ العلم والثقافة المصرية وهو الأمير “يوسف كمال” حفيد إبراهيم باشا بن محمد علي باشا.

يعرف الجغرافيون والمؤرخون “يوسف كمال” من أطلسه الفريد المعنون “المجموعة الكمالية في جغرافية مصر والقارة الإفريقية”.

بعقلية جغرافي منغلق على تخصصه سألتُ نفسي في طريقي إلى درب اللبانة: “ما علاقة صاحب أطلسنا الشهير بالاحتفال الذي من أجله تعقد هذه المحاضرة: ذكرى مرور 110 سنة على تأسيس كلية الفنون الجميلة؟”
مع الدقائق الأولى للمحاضرة بدأ الأمر يتكشف، ففي عام 1908 تبرع “يوسف كمال” بقصره لتأسيس كلية الفنون الجميلة وأوقف عليه أرضا ومالا للابتعاث إلى الخارج ورعاية الموهبين الذين كان من بين أول دفعة منهم النحات الشهير محمود مختار.

كما ساهم يوسف كمال في تأسيس دارالآثار العربية (متحف الفن الإسلامي حاليا) وتبرع له بنحو 180 قطعة لا تقدر قيمتها بثمن.

ما لا يعرفه كثيرون أنه إذا كانت الأميرة فاطمة إسماعيل قد تبرعت لتأسيسس الجامعة المصرية فإن يوسف كمال هو المتبرع الأكبر بعدها، ليس فقط بالأطيان والمال، بل وقام بتغذية مكتبة الجامعة بـ 35 ألف مجلد.

كما ساهم يوسف كمال في تأسيس جمعية الرابطة الشرقية التي كانت تضم علماء من الهند وإيران وبقية العالم الشرقي الإسلامي، كانوا يلتقون بانتظام للتدبر في كيفية نهضة الشرق.

وليوسف كمال العديد من المساعدات المالية للنابغين ومنهم الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي كان يمده شهريا في أول حياته براتب يكفل له التفرغ للفن. وساعد يوسف كمال موهبين مصريين ممن نبغوا في الرياضة، كمساندته لأول ربّاع مصري عالمي وهو البطل حسين عبد الحافظ يوسف (المتوفى في 1988(
ومن الصفحات المهمة في تاريخ يوسف كمال – وما زلنا نستمع لدكتور ياسر مُنجي – دوره في الحركة الوطنية ومساندة سعد زغلول وحزب الوفد.

وحتى لا يهدده أحد من الاستعمار البريطاني في مصر، وحتى يربط جذوره أكثر ببقية طبقات الشعب المصري تنازل يوسف كمال طواعية في 1932 عن لقب “البرنس” وهي حادثة فريدة في تاريخ الأسرة العلوية.
السطور السابقة هي قبس من نور المحاضرة التي ستخرج مادتها الأصلية في شكل كتاب من إعداد د.ياسر منجي عن ذلك الرائد الذي لم يعش لنفسه بل عاش لمصر، ثقافتها وعلمها ومشروعها الوطني والقومي.
وحين قامت حركة يوليه (1952 ) كان يوسف كمال في الخارج فاضطر للبقاء في المنفي في مدينة صغيرة وحياة متواضعة في النمسا وطلب أن يدفن في مصر ، ومقبرته اليوم لا توحي بأي علامة على تاريخه المشرف في خدمة هذه البلاد.

شكرا للمحاضر الجليل ولما تعلمته منه اليوم في الجغرافيا، ومن بين عرض تمثال نحته محود مختار لشيخ من قبائل البشارية في صحراء مصر الشرقية أنقذ حياة يوسف كمال خلال رحلة له مستكشفا تلك الصحاري.
وشكرا للمحاضر الجليل أيضا لأنني عرفت معه لأول مرة عددا من كتب الجغرافيا التي ترجمها أو ألفها يوسف كمال ومن بينها “رحلتي إلى الهند وكشمير” والذي كتبه يوسف كمال في عام 1914 .
ورغم أن يوسف كمال توفي في عام 1968 يفضل د. ياسر منجي أن يتوقف عند تاريخ الميلاد 1882 تاركا باب الحياة مفتوحا لأعمال الرجل وما غرسه للأجيال.

اكتب تعليقًا