على مقهى في الحضرة!

على مقهى في الحضرة!

نشر بتاريخ 22/5/2018

على مقهى في الحضرة!

الحياة مزدحمة بشكل ساخر، فما بين مترٍ ومترٍ عوالم متوازية لا يهتم أي منها بالآخر. عشرات الجالسين يملأون الهواء دخانا وضجيجا. يروح النادل ويجئ بيننا، يحمل في كل مرة نرجيلة، يحتفظ لنفسه بسلطة حصرية تمنحه أولى الأنفاس الطازجة. يستلم ضيف المقهى الوافد للتو نرجيلته متوهما أن شفاهه هي أول من يلمس أنيسته الوديعة، ينفخ صاحبنا في الهواء دخانا متغطرسا لانتصار زائف، مخادعا نفسه بأنه الأول في حياتها …ولا أحد قبله!

نعطي ظهورنا لثلاثة مستشفيات تضج بالداخلين والخارجين ما بين موتٍ عاجل وموتٍ مؤجل، نتغافل عنهم وعن آلامهم ونتحاشى النظر لوجوه ذويهم الحيارى، أبدل مقعدي حتى لا أرى لافتة باب الدخول لأقرب مستشفى تواجهني: “المواساة”. نجلس في مجموعات ما بين الثلاثة والخمسة إلا أنا وهو، أجلس وحدي…ويجلس وحده، يفصل بيني وبينه شارع ضيق من الحى توزعت كراسى المقهى على جانبيه.
كالمُراقِب الذي يراقب المراقِبين رهنت نفسي على التطلع إليه، ها هو ينظر بعين تستقبل الرحيل، تنظر طويلا من البحر إلى البحر، تودع خلفها سبعة عقود من الزمن.

تُرى..فيما يفكر؟ هل يشعر بالرضا، الأسى، الندم..؟. ..أما زال هناك ما يتمنى فعله؟ هل عنده حلم يحتاج إلى سلفة جديدة من الحياة؟

أغادر مكاني لأتجول في المدينة، أبحث عن عناوين الشوارع على الجدران فلا أجدها، هذه بلادي تحب التمويه وتستمرئ الفوضى ويأنس ناسها السؤال الشفهي.

أفتح خريطة على حاسوبي الصغير فأرى عشرات من أسماء الشوارع التي لم تكتب على الجدران والبيوت: المعتمد، الواثق، المقتدر، نظام الملك، الطوسي، الجرجاني، الواقدي. عجبا ..من ذا الذي جاء بفارس والعراق إلى الإسكندرية؟

أنزل من بقايا التل المرتفع في “الحضرة بحري” إلى بطن المدينة، تلك الشوارع تتبدل أسماؤها بتغير السادة في كل مرة، أين ذهبت هنا الشوارع التي كانت ملء السمع والبصر في منتصف القرن الماضي: السلطان حسين كامل، فؤاد الأول، الأمير إبراهيم.

من الحضرة إلى الإبراهيمية ومن الأخيرة إلى وسط المدينة أتنقل متسائلا: ماذا بقي وماذا حذف من الفترتين الاستعمارية والملكية: الأزاريطة (والتي تعني بالفرنسية معسكر الحجر الصحي) كامب سيزار (والمحرفة في النطق الحالي إلى “شيزار”)، سان ستيفانو (الفندق الأسطوري الذي اختفى وحل محله برج معولم وفندق لطلعت مصطفى).

أصل في النهاية إلى المنشية فأجدني أمام قطعة من أوروبا داهمها النمو السكاني والأسواق التجارية لسلع صينية رخيصة . تجتهد المنشية كي لا تصدق أن اسمها قريب من أي محلة عمرانية في الصعيد (المنشأة) تقاوم حتى تؤكد لزائرها بقصورها ومبانيها أنها تحمل اسم المعماري الذي خططها : الإيطالي فرانشيسكو “مونشي”.

تأخذني المدينة بين ذراعيها، أؤمن للمرة الأولى أن المكان كتاب وصفحات، وفي الصفحات سطور وحروف، وبين الحروف حياة وموت وبعث.

أعود إلى سكني، أفتح حاسوبي، ينطلق صوت عبقري يتلو قصيدة لنزار قباني كنت قد توقفت في منتصفها ليلة أمس: ما بين حُبٍ وحُبٍ ..أحبك أنت !

اكتب تعليقًا