أنا أعمل لا أتسول!

أنا أعمل لا أتسول!

نشر بتاريخ 25/5/2018

أنا أعمل لا أتسول!

التقيت اليوم صديق عاد من عمل مرموق في دولة عربية ثرية، وفي خضم الحوار حكي لي عن واقعة مر بها يوم أمس حين رق قلبه لإمرأة عجوز تبيع ثمار الليمون على رصيف الطريق الملتهب. جلس صديقي القرفصاء متوددا إلى المرأة ومد إليها مبلغا من المال، فأشاحت بوجهها عنه وقالت في هدوء دون افتعال: “يا ولدي ..أنا أعمل ولا أتسول”، حاول صديقي تسوية الأمر فقال “حسنا… أشترى منكِ كل الليمون نظير الألف جنيه”. رفضت المرأة قائلة “إن أردت شراء كل هذا الليمون فثمنه لا يتجاوز مائة جنيه “.
تم البيع وفقا لما أرادته العجوز لا ما أراده صديقي الذي حمل الليمون ومضى مندهشا.
أخذتني هذه القصة إلى عشرين سنة مضت في مدينة سان بطرسبرج في روسيا، حين كنت أفضل الجلوس مليا في حديقة كاتدرائية القديس إسحاق (الأب إسحق المعترف(.

في عام 1998 كانت روسيا تمر بأزمة مالية شديدة بسبب التحولات الاقتصادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 وما ترتب على ذلك مما عرف باسم العلاج بالصدمة. استلزم هذا النوع من العلاج بيع القطاع العام وتكريس الرأسمالية المتوحشة وتضخم طبقة من الأُثرياء اللصوص المعروفين باسم “الروس الجدد” الذين تركوا قطاعا واسعا من الفقراء سيما كبار السن الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض.
في حديقة كاتدرائية الأب إسحاق كان الشباب والفتيات يلتقون هنا لتمضية أوقات تسعدهم وفي أيديهم زجاجات الخمر، فضلا عن عدد آخر من أناس من أعمار مختلفة ممن ينشدون راحة في الحديقة بعد جولة في منفذ بيع الكتب الشهير المواجه للكنيسة والمعروف باسم “دوم كنيجي” (بيت الكتب(
كانت زجاجت الخمر تجد مصيرها إما على جانبي المقاعد أو في سلال المهملات. وكانت عجوز روسية كبائعة الليمون القاهرية تجلس في طرف الحديقة تترقب بصبر الصائمين من أنهى زجاجاته وهمَّ بالانصراف، ثم تجمع الزجاجات في حقيبة جلدية متوسطة الحجم لتبيعها لاحقا نظير مبلغ زهيد من المال لشركات إعادة التدوير.

حين رق قلبي لحالها اتجهت إليها وأعطيتها من مرتب البعثة مبلغا من المال يكفيها عمل يوم شاق في جمع الزجاجات الفارغة، فما كان منها إلا أن وبختني قائلة ” أتظنني متسولة…أنا أعمل”.

اكتب تعليقًا