العرب في ريف مصر وصحراواتها

العرب في ريف مصر وصحراواتها

* العرب في ريف مصر وصحراواتها (1)

فيما يلي عرض لأهم موضوعات الجزء الثاني من موسوعة “وصف مصر” ويضم الملف الحالي عرضا لأربعة موضوعات هي:

  • جولة في إقليم المريوطية
  • رحلة إلى وادي النطرون
  • دراسة موجزة عن عيون موسى
  • ثمانية وعشرون يوما في سيناء

ويمكنكم تحميل العرض كاملا pdf من الرابط بالأسفل.

عرض كتاب

العرب في ريف مصر وصحراوتها

>> تأليف: علماء الحملة الفرنسية <<

>> ترجمة: زهير الشايب <<

>> أعد هذا العرض “لبيت لجغرافيا”: محمود ربيع <<

يمثل هذا الكتاب الجزء الثاني من موسوعة وصف مصر التي كتبها علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) وفيها عرض لجوانب من جغرافية مصر والتعريف بالأقاليم والأودية ثم الحديث عن السكان والقبائل وحصر للقبائل العربية التي تقطن بين مصر وفلسطين.  يتألف الكتاب من 400 صفحة عبر عشر دراسات نقدم منها في العرض الحالي الموضوعات الثلاث الأولى وهي: –

  • الدراسة الأولى: جولة في إقليم المريوطية
  • الدراسة الثانية: رحلة إلى وادي النطرون
  • الفصل الأول: عن وادي النطرون
  • الفصل الثاني: طبوغرافية البحر الفارغ
  • الفصل الثالث: عن الأديرة القبطية
  • الفصل الرابع: عن عرب الجوابي وعن البدو
  • الدراسة الثالثة: دراسة موجزة عن عيون موسى
  • الدراسة الرابعة: ثمانية وعشرون يوما في سيناء

الدراسة الأولى: جولة في إقليم المريوطية (إعداد جراتيان لوبير)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: دراسة موجزة عن الجزء الغربي من ولاية البحيرة والذي كان يعرف قديما باسم إقليم المريوطية)

حين نتذكر وجود منطقة قديمة لم تتغير طبيعتها.. لكنها مع ذلك لم تعد كما كانت في الماضي آهلة بالسكان أو مزروعة، فمعنى ذلك أننا نحاول النظر في إمكانية استجلاب سكان جدد إليها، وبخاصة عندما لا تكون هذه الأراضي قد فقدت العوامل الطبيعية لخصوبتها، ونحن نقصد هنا بهذا الحديث ذلك الإقليم الذي يقع في أقصى الغرب من شمال مصر والذي كان يعرف في زمن الإمبراطورية الرومانية باسم إقليم المريوطية، والذي لا يحمل اسم مريوط الحالي إلا مجرد ذكرى باهته لوجوده. وهذا الاسم – مريوط – قد أطلقه العرب على مدينة قديمة في هذا الإقليم.

وعلى الرغم من أن هذه المنطقة على مشارف الإسكندرية، فإنها في أيامنا هذه مهجورة وخالية من السكان حتى أننا لا نكاد نعرف – مجرد معرفة – عدد المدن الخربة الموجودة فيها والتي لا يتردد عليها سوى العربان الرعاة أو الرحل، الذين يأتون ليقيموا فيها خيامهم في أوقات معينة من السنة.

وقد أطلق الرومان اسم إقليم المريوطية على كل البلاد الواقعة بين بحيرة ماريوتيس (مريوط) والبحر في الشمال. ويحدد هذا الإقليم من جهة الغرب: البحر بلا ماء، ومن جهة الجنوب وادي إقليم نتريوتيس، ومن الشرق الترعة التي كانت تمل مياه النهر إل البحيرة التي أعطت الإقليم اسمها. وكانت بحيرة ماريوتيس تمتد حسبما يقول سترابون حتى مدينة تابوزيريس على الخليج البلنتيني، وكانت محاطة بالمساكن الفخمة والقرى والمدن وكانت مدينة ماريا عاصمة هذا الإقليم. وقد عاشت هذه المدينة قبل مجيء تمبيز بوقت طويل في العام 229 من تأسيس روما أي قبل الميلاد بــــ 525 سنة.

وهذا الإقليم الذي يقع على تخوم الصحراء الليبية هو في الواقع إقليم مصري، وكان على الدوام خاضعا لحكم الأمراء المصريين، وفضلا عن ذلك، فهو يدين بكل مبانيه وزراعاته لمياه النيل.

وترجع أسماء أهم المدن والقرى في هذا الإقليم – كما نوردها هنا – إلى العالم الجغرافي بطليموس الذي يحدد مواقعها الجغرافية على النحو التالي:

اسم المدينة

خط الطول

خط العرض

شيموفيكس

30ʼ 59˚

6ʼ 31˚

بلنتين

45ʼ 59˚

0ʼ 31˚

جزيرة شرسونيسيس ومدينة بورتس

0ʼ 60˚

6ʼ 31˚

مونوكامينيم

10ʼ 59˚

30ʼ 30˚

هالميرا

40ʼ 59˚

50ʼ 30˚

تابوريريس

50ʼ 59˚

15ʼ 30˚

كوبي

10ʼ 59˚

20ʼ 30˚

أنتيفيلي

30ʼ 59˚

20ʼ 30˚

هيراكس

40ʼ 59˚

40ʼ 30˚

فوموثيس

0ʼ 60˚

40ʼ 30˚

بالي ماريا فيكس

0ʼ 60˚

10ʼ 30˚

ماريا بالوس

15ʼ 60˚

50ʼ 30˚

الإسكندرية وراكوتيس

30ʼ 60˚

0ʼ 31˚

كانوبوس، مينلاي، متروبوليس

45ʼ 60˚

6ʼ 31˚

[/fusion_table]ويمكن بواسطة هذا الجدول، أن نستدل بسهولة علة الموقع الخاص بأهم الأماكن في هذا الإقليم القديم، وأن نرسم خريطة له.

وكانت هذه المنطقة تشتهر بجودة نبيذها – وكان من خاصيته أنه يعيش لوقت طويل – وكانت الإسكندرية تصدر منه كميات كبيرة إلى روما وإل بلدان أجنبية أخرى. كما كانت هذه المنطقة أيضا تمتلئ بأشجار الزيتون وأن كان نوعه هناك أقل جودة من الزيتون الذي كان يزرع بإقليم أرسينويت حيث يعطي الزيتون هناك كميات وفيرة من الزيت.

وكان يسكن الجزء الأكبر  من هذا الإقليم في القرون الأولى للمسيحية، في عصر أباطرة القسطنطينية، المسيحيون الذين كانوا يفرون من هربا من اضطهاد وملاحقة الأريوسنيين والدوناتيين واتباع المذاهب الأخرى ليجدوا ملاذا في صحراوات مصر الغربية وفي الصعيد. زكان وادي مريوط مزدحما بالسكان، وبلغ عدد الأديرة التي بُنيت هناك حدا دعا الإمبراطور فالون Valens في القرن الرابع أن يكلف الكونت دوريان d’Orient حاكم الإسكندرية أن يجرد حملة على الرهبان الذين يجدهم هناك قادرين على حمل السلاح.

وقد بلغ عدد الذين جندوا قسرا في إقليم الجنوب حوالي خمسة آلاف رحلوا جميعا إلى القسطنطينية، حيث ألحقوا بجيش الإمبراطور. أما الأديرة التي نجدها حتى اليوم في وادي بحيرات النطرون وفي المناطق الأخرى من مصرن فليست سوى بقيا هذه الألوف من الأديرة التي كانت تغص بها فيما مضى هذه الصحراوات، كما أن الخرائب التي عثر عليها الفرنسيون في كل مكان في جولاتهم الاستكشافية العسكرية التي قاموا بها في هذا الجزء الغربي من مصر، تشهد بصحة ما يقول به التاريخ عن ازدحام هذه المنطقة المهجورة اليوم بالسكان في الزمن القديم.

أما بخصوص مختلف القبائل العربية التي يبدو أنها وضعت يدها على المنطقة، فأنه ينبغي على حكام مصر أن يتركوا لها حرية استغلالها شريطة ان يصبحوا مزارعين مسالمين، وإلا فعلى هؤلاء الحكام أن يجلوهم عنها بقوة السلاح.

أما القبائل العربية التي تجوب صحراوات مريوط، والتي تقوم بغاراتها حتى وسط إقليم البحيرة، فهي قبائل الجومات والطزوات، بني عون، الجوابي، الهنادي، أولاد علي، ويزرع عربان القبائل الثلاثة الأولى بعض أجزاء من إقليم البحيرة، وهي الأجزاء المتاخمة للصحراء. وقد أستقر عرب بني أونوس في قريتي جوامي والحوشي حيث يزرعون الشعير. ولكي نعمل على توطين هؤلاء نهائيا هناك فلا ينبغي أن نسلك معهم مسلك العنف والقسر بقدر ما ينبغي أن نخلع عليهم حمايتنا ضد القبائل التي تقف منهم موقف العداء، فلقد أصبح هؤلاء يصطنعون شيئا فشيئا عادات الفلاحين وتقاليدهم، ويبدو أنهم مؤهلون لكي يصبحوا مزارعين.

وفي الوقت نفسه، فمن الميسور أن يترك عربان الهنادي حياة الترحال، وينبغي على حكام مصر، حتى يبلغوا بهم هذه الحال أن ينتزعوا منهم – عن طريق هجمات خاطفة – ماشيتهم، وبخاصة خيولهم، ذلك أنهم سيصبحون مضطرين لاستقرار وممارسة الزراعة، إذا ما حرموا من وسائل الهرب السريعة وهو الأمر الذي سيحد من غاراتهم وانتهاباتهم.

إن هذه الوسائل التي عددناها باعتبارها أساليب يمكن اللجوء إليها ض بعض قبائل العربان هذه، لتتناسب عموما مع نوع الحرب التي ينبغي دعمها ضد كل القبائل التي تخرب وتروع حدود مصر.

ويشكل عربان أولاد علي بشكل دائم، حين يراد حماية مصر من غاراتهم عقبات أكبر من تلك التي تشكلها القبائل العربية الأخرى، فهؤلاء العربان يتون لقضاء عدة شهور على الحدود الغربية لمصر ويعيشون في حالة حرب دائمة مع بقية القبائل. لذلك ينبغي أن تخصص قوة محركة، كتلك التي يمتلكونها هم، لكي يمكن اتقاء شرهم. ويمكن أن يقوم سلاح الهجانة الذي أنشأه قائد الجيش الفرنسي في مصر  بهذه المهمة المرجوة، والتي لابد أن تصبح الشغل الشاغل لاهتمام الحكومة الأم، بخصوص هذه المنطقة القديمة والبائسة.

الدراسة الثانية: رحلة إلى وادي النطرون (إعداد الجنرال اندريوسي)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: دراسة موجزة عن وادي بحيرات النطرون وعن النهر بلا ماء، حسب المعلومات التي حصلنا عليها من جولة استكشافية تم في 23، 24، 25، 26، 27 من يناير 1799)

يكاد لا يعرف الناس عادة من كل أراضي مصر، إلا واديها الذي يرويه النهر، ومع ذلك، فهناك من الاعتبارات الجغرافية والحكايات التي يرويها مؤرخون قدامى ورحالة محدثون، ما يدفع على الاعتقاد  بأن مياه النيل كانت قد اقتحمت في أزمنة ضاربة في القدم، أعماق صحراوات مصر الغربية، وأنها قد تركت هناك آثارا لمجراها.

وإذا صح أن ملوك مصر القدامى قد أمكنهم – كما يدعي هيرودوت – دفع النيل واحتواءه في حوضه الحالي، عن طريق قيامهم بأعمال هائلة، فلابد أن يعد هذا العمل من جانبهم، واحدا من تلك الأمور العظيمة التي يمكن لذاكرة البشر أن تحتفظ بها.

ويشير الجغرافيون لهذا المجرى القديم للنيل باسم (بحر بلا ماء) ويسميه أهالي البلاد باسم (البحر الفارغ). ومن المعروف أن هذا المجرى لا يبعد كثيرا عن بحيرات النطرون التي بدئ في استغلالها من جديد منذ حوالي خمسة عشر عاما، والتي يستد الطلب على منتجاتها في مجالات صناعية عديدة في فرنسا. ومن المعروف كذلك أنه يوجد بالقرب منه أديرة ومغارات لرجال الدين الأقباط، أنشئت في القرن الرابع الميلادي أي في ذلك الوقت الذي أنجذب فيه إلى أعماق صحراوات الغرب.

الفصل الأول

عن وادي النطرون

الحالة الطبوغرافية:

يفصل وادي النطرون عن وادي النيل هضبة فسيحة، يتدرج سطحها ببطء وتوازي النيل على الدوام، ويبلغ عرض هذه الهضبة التي تظل على الدوام، تقريبا محافظة على نفس مستواها، ثلاثين ميلا، وتغطي أرضها المتنة والصلبة بالحصى من مختلف الأحجام، وبزلط صغير مستدير  يتلون بألوان مختلفة. وببعض الزلط المختلط بالعقيق.

وقد دفعت الرياح القوية القادمة من جهة الغرب، إلى الجهة الأخرى من التلال التي تحف بالنيل، وكذلك إلى داخل الوادي، كل الرمال المتحركة، ويبدو الحجر الجيري في بعض المناطق على سطح الأرض. وفيما عدا ذلك، فإن المرء لا يلمح في هذه الصحراء التي قد يظن المرء بأن الطبيعة قد تركتها نسيا منسيا، إلا ثلاثة أو أربعة أنواع من النباتات الضعيفة والصغيرة والمبعثرة للغاية، مثل نبات الشوكية والبنج البنفسجي أو “الداتورة”.

وسوف يكون من العسير أن يستطيع أي كائن حي أن يجد ما يعيش عليه، فوق أرض على مثل هذه الدرجة من القحولة، وفي نفس الوقت فإننا لم نجد هناك سوى نوع واحد من الحشرات، ليس من هذا النوع من الأنواع الشائعة، ويطلق عليه mente obocure، والصفة التي تحملها هذه الحشرة “صفة العتمة”، تماثل تماما حالة العزلة التي نحباها، في أعماق مثل هذه الصحراوات.

الجغرافيا الفيزيقية للوادي:

يصنع وادي النطرون زاوية 44 درجة إلى الغرب مع خط الزوال المغناطيسي  أما فيما يختص بالمواقع التبادلية للبحيرات وأطوالها، فإنها تقع في نفس الاتجاه الموازي للوادي.

وبحيرات النطرون عبارة عن مساحة تبلغ ستة فراسخ طولا، ومن 600 إلى 800 متر عرضا، وذلك من طرف الحوض إلى طرفه الآخر، وهي منفصلة عن بعضها البعض بواسطة رمال قاحلة، وتحمل البحيرتان الأوليتان منها، وهما الواقعتان نحو الجنوب اسم البركة الدوارة أو بحرة الأديرة أما البحيرات أرقام 3، 4، 5، 6 فتحمل أسماء لا تدل على معنى محدد، ويقوم عرب السمالو([1]) بتهريب النطرون من البحيرة رقم 6 وينقلونه إلى الإسكندرية.

وتوجد المياه العذبة – وإن كانت درجة صلاحيتها تتفاوت – إذا ما حفرنا بطوال البحيرات في الانحدار المتجه إلى ناحية النيل، وتجري المياه بغزارة على سطح الأرض لمدة ثلاثة أشهر في العام، أي في تلك الشهور التي تلي انقلاب الصيف، وتتزايد المياه عند نهاية ديسمبر، ثم تبدأ في الانخفاض تدريجيا، حتى أن بعض البحيرات تصاب بالجفاف.

وينبغي بصفة أساسية أن نلاحظ الحالة الفيزيقية للبحيرات، إذ تنقطع شواطئ البحيرات من جهة الشرق إل خلجان صغيرة ، حيث ترشح المياه وتتخذ شكل نافورات عند بداية الوديان الصغيرة، ثم تتسرب بعد ذلك في شكل نهيرات صغيرة تتجه إل أعماق الأحواض. أما البحيرة رقم 3، فإن الجزء من الأرض الذي يعلو عن هذه الينابيع – وهذا ما لاحظناه بصفة خاصة يمتد ليبلغ عرضه مائتين وخمسين مترا، تغطيها بلورات من الملح. أما الأرض التي تشغلها هذه الينابيع فيبلغ عرضها 96 مترا، وتشرف في شمال البحيرة على شريط من النطرون يبلغ 31 مترا. أما البحيرة فيبلغ عرضها 109 من الأمتار. في حين يبلغ طولها 514 مترا، أما أقصى عمق لها فيبلغ نصف المتر. وقاعها طباشيري مختلط بالرمال، والمياه في هذه البحيرة وحدها لها لون الدم. ويلامس الشاطئ الأيمن لحوضها رمال قاحلة، وهناك ينمو بعض الغاب، ويبدو أن الميا العذبة لا تصل إليه.

تحليل مياه البحيرات:

تحتوي مياه البحيرات على أملاح، تختلف حتى في أجزاء من نفس البحيرة الواحدة، مما يدل على عدم وجود اتصال بين مياهها.

وهذه الأملاح هي على الدوام:  موريات الصودا، وكربونات الصودا، وقلل من سلفات الصودا.

وتغلب كربونات الصودا في بعض هذه البحيرات، بينما تغلب موريات الصودا في البحيرات الأخرى. ويبدو – تبعا للحالة الفيزيقية للأرض – أن كربونات الصودا قد جاءت إلى هذه البحيرات عن طريق مياه النافورات التي تحدثنا عنها، وكذلك عن طريق مياه الأمطار، وهذا هو ما يفسر لنا لماذا يكون الملح الموجود في جزء من البحيرة يختلف عنه في جزء آخر منها.

ومياه البحيرة رقم 4 وجزء من الحيرة رقم 3 ذات لون أحمر يشبه لون الدم، ويعود هذا إلى أثر مادة نباتية – حيوانية، وعنما تتبخر هذه المياه يحتفظ الملح البحري – وهو الذي يتبلور أولا – بهذا اللون الأحمر ويكتسب رائحة الورد الجميلة.

استغلال النطرون:

يتم نقل النطرون من الفترة ما بين البذر والحصاد، وتتجمع القوافل في الطرانة، وتتكون القافلة الواحدة من مائة وخمسين جملا ومن 500 إلى 600 حمار، وترحل مع حراسها عند غروب الشمس، لتصل إلى البحيرات أثناء النهار، فتكسر النطرون وتحمله قم تعاود الرحيل. ويقدر كل ما تنقله كل قافلة بستمائة قنطار من النطرون، كل قنطار منها يزن 48 أقة([2]). والطرانة هي مستودع النطرون، وينقل النطرون بطريق النيل إلى هذه القرية ثم يرسل إلى رشيد، ومن هناك يذهب إلى الإسكندرية ثم يصدر إلى أوروبا، أو ينقل إلى القاهرة حيث يباع لكي يستخدم في تبيض الكتان وصناعة الزجاج.

تجارة النطرون:

 في سنوات 1788، 1789، 1790، عندما أمكن لتجار مارسيليا عقد صفقات تجارية جديدة، فإنهم استوردوا إلى فرنسا كمية هائلة من النطرون، خزنوا جزءا كبيرا مناه في محلاتهم.

ويتم تصدير النطرون المصري إلى الخارج، إلى البندقية وفرنسا وانجلترا، ويكاد ما تستورده إنجلترا يساوي نفس الكمية التي تستوردها فرنسا، أما البندقية فلا تحصل إلا على خمس ما تستورده الدولتين الأخريين.

منتجات الممالك الثلاث (النباتية والحيوانية والجمادات):

 يوجد على شطآن البحيرات البوص والسمار بوفرة شديدة، كما توجد منتجات أخرى من المملكة النباتية. وتتناقض خضرة هذه النباتات بدرجة تبعث على الدهشة، مع بياض بللورات الملح شاهقة البياض ومع اللون الرمادي الكالح لحصى الصحراء.

أما أنواع الحيوانات المختلفة هناك فليست كثيرة العدد فترى الجص أو القنديد والسرطان بأنواعه المختلفة والنمل العادي والنمل الضخم ذا الأجنحة ونوعا من البعوض الذي تسبب لسعته أوراما هائلة. ومن طبقة الصدفيات نجد القواقع (الحلزون) من النوع الصغير، ومن ذوات الأربع نجد الحرباء والغزلان، ويستدل على الأخيرة من آثار أقدامها المشقوقة التي تتركها على الرمال. وقد تعرفنا بين الطيور على دجاجة الماء والبط والشرشير (البط البري)، وتوجد هذه الطيور بوفرة شديدة وبخاصة عند البحيرة الأخيرة، وهي التي يقل تردد الناس عليها.

ولا يوجد في وادي النطرون أي أثر لمنشآت قديمة، إذ لم نشاهد فيما وراء البحيرة الرابعة إلا أثر مصنع الزجاج، وقد تعرفنا عليه من أنقاض أفرانه المبنية بالطوب الأحمر، ومن بعض فتات المعادن والزجاج في أشكال مختلفة.

  الفصل الثاني

طبوغرافية البحر الفارغ

يفع وادي النهر بلا ماء إلى الغرب من وادي بحيرة النطرون. وهذان الواديان اللذان يلتصقان كل منهما بالآخر، لا ينفصلان إلا عن طري تل مرتفع، وتستغرق المسافة من الديرين إلى الوادي المجاور ساعة ونصف الساعة. وقد تكدست الرمال في وادي نهر بلا ماء، ويبلغ اتساع هذا الحوض من شاطئ لآخر حوالي ثلاثة فراسخ، وهذا الوادي قاحل لا تبدو به أية مصادر للمياه. وقد وجدنا فيه الكثير من الخشب المتحجر، وعددا من أجسام أشجار بأكملها يبلغ طول البعض منها ثمانية عشر قدما. وكانت غالبيتها قد تحجرت تماما أما أقلها فقد بدا أقل تقدما في تحجره. أما الجزء الذ يشكل المادة الخشبية (اللباب) فكان متباعدا في شكل طبقات من الورق.

وبخلاف الأخشاب المتحجرة، يرى المرء، وبشكل خاص على منحدرات الوادي، أحجار صوان ملفوفة، جاءت دون شك من مكان جد بعيد، بالإضافة إلى الزلط والجص والبللورات الصوانية المكونة داخل تجويفات، وأنواع من الجيود (وهو حجر به تجويف ومبطن ببللورات أو  بمادة معدنية) وقطع من اليشب (حجر كريم مختلف الألوان) المستدير ، وقطعا من الحجارة ذات قاعدة صوانية تميل إلى اللون الأخضر، وبعضا من اليشب المسمى بالزلط المصري.

إن اتجاه وادي نهر بلا ماء هو نفس اتجاه وادي بحيرات النطرون، والرأي الشائع هو أن المرء عند اتجاهه إلى الجنوب بين هذه الوديان، يصل إلى الفيوم، وعند اتجاهه إلى الشمال منها يترك على يساره إقليم مريوط. وهذا هو الطريق الذي يسلكه العربان عادة للقيام بغاراتهم في مناطق الصعيد.

ويبدو لنا من شهادات التاريخ القديم التي تناولت تربة مصر:

  • أن النيل، أو بترجيح أكبر، أن جزءا من مياهه كانت تجري داخل صحراوات مصر الغربية عن طريق وادي النطرون ونهر بلا ماء.
  • أن المياه قد دفعت إلى الوادي الحالي ولعلنا نستطيع أن نفسر بهذا، لماذا كانت مياه الفيضان في عصر هيرودوت ترتفع إلى خمسة عشر ذراعا بينما لم تبلغ في زمن موريس إلا ثمانية أذرع في حين أنها اليوم، تبلغ ثمانية عشر ذراعا.
  • أن النيل بعد هذه العملية قد جرى بأكمله بموازاة التلال الليبية، وشكل لنفسه المهد الذي نراه في مصر السفلى، وفي جزء من مصر الوسطى.
  • أن النيل قد (حمل) على الشط الأيمن وأن هذه الفترة قد سبقت مباشرة الوضع المنتظم للفروع السبعة للنيل وتكوين الدلتا.
  • أن الشهادات الجغرافية التي عاصرت الوقائع السابقة، تؤكد بالإضافة إلى ما قلناه، أن مياه النيل تميل للاتجاه نحو الغرب، وهو ميل يوضحه في مصر، كما هو الحال في كل بلد آخر، فعل وتأثير الطبوغرافية العامة للأرض.

زحف الرمال:

قلنا في بداية هذه الفقرة أن وادي نهر بلا ماء قد غص بالرمال. وما يقال بخصوص هذه الرمال هو نفس ما يمكن قوله بخصوص الرمال التي توجد في وادي النيل، فقد حملتها الرياح من فوق الهضاب الواقعة إلى الغرب. وحيث أن وادي النطرون ووادي نهر بلا ماء لا ينفصلان إلا بواسطة تل ضيق.

هناك ثلاثة أسباب مجتمعة عملت منذ وقت طويل على حصر أرض مصر وتدهور خصوبتها. وهذه الأسباب هي: عمل الحكومة وهو في عمومه ذو اثر مضاد للصالح العام، تقليل فاعلية مياه النهر وهو الأمر الذي أدى نتيجة للإدارة السيئة للحكومة إلى طغيان مياه البحر على الأجزاء الدنيا وغير المستوية من أرض مصر، وأخيرا ذلك العمل المستمر والدءوب للرياح التي تدفع رمال الصحراوات من الغرب إلى الأراضي الصالحة للزراعة وإلى الترع والنهر.

وتكاد تكون كل الرمال التي ترى في وادي النيل من نوع الرمال الصوانية، فلا يبقى اذن للرياح إلا الرمال التي يمكن أن تنتج عن تفتت الأحجار الجيرية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن وادي نهر بلا ماء، يقوم بدور الحاجز ضد الرمال التي تزحف من داخل أفريقيا نحو النيل، ويوازي هذا الوادي ولايتي الجيزة والبحيرة.

  الفصل الثالث

عن الأديرة القبطية

أنشئت الأديرة القبطية الموجودة في وادي النطرون في القرن الرابع، ومع ذلك فيبدو أن هذه الأديرة قد أعيد بناؤها أو ترميمها مرات عدة، منذ هذا التاريخ. وثلاثة من هذه الأديرة قد لنيت على شكل مستطيل، يبلغ طولها من 98 إلى 142 مترا، ويتراوح عرضها ما بين 58 إلى 68 مترا، الأمر الذي يؤدي بمتوسط مساحتها إلى 7560 مترا مربعا.

ويبلغ ارتفاع جدران السور ثلاثة عشر متر على الأقل، أما سمكه فيبلغ عند الأساس من 2.5 إلى 3 من الأمتار وهي مبنية من خامات جيدة وبشكل معتنى به. وليس للأديرة إلى مدخل واحد، وهو خفيض وضيق فلا يبلغ ارتفاعه أكثر من متر، كما لا يصل عرضه لأبعد من مترين ويغلق هذا المدخل من الداخل باب شديد السمك، مزود بمزلاج في أعلاه ويقفل خشبي قوي (ضبة) في وسطه، كما أنه مزود عند أسفله بعارضة حديدية تخترقها مسامير ذات رءوس، وبخلاف ذلك فإن مدخل الدير مقفل على نحو ما وبإحكام من الخارج، وذلك بواسطة رحوين من الجرانيت موضوعتين على جانبي المدخل الضيق.

وللأديرة الثلاثة التي تجاور البحيرات آبار محفورة يبلغ عمق الواحدة منها ثلاثة عشر مترا، ويوجد بكل بئر حوالي المتر من المياه العذبة التي ترفع بواسطة ساقية ذات قواديس. وتستخدم المياه في احتياجات الرهبان ولري حديقة صغيرة تنمو فيها بعض الخضروات، كما تزرع فيها بعض الأشجار مثل النخيل والزيتون والتمر هندي والحناء والجميز. وعند نهاية شهر  يناير، يبلغ ارتفاع مياه الآبار حده الأقصى.

وصوامع الرهبان عبارة عن حجرات ضيقة، لا يصلها من ضوء إلا عن طريق المدخل الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من المتر. وأثاثهم ليس سوى حصيرة وجرة وقلة. والكنائس منظمة على نحو طيب، لكنها تزدان بصور رسمت بخشونة، وبخلاف ذلك فكل شيء مضطرب، غبر منتظم وغير نظيف وخال من الذوق.

ورجال الدين هؤلاء، هم في العادة عور أو عميان، ولهم ملمح وحشي، حزين وقلق، ويعيشون على بعض الدخول، وبصفة أساسية على العطايا والإحسان، ويتغذون على الفول والعدس المطبوخ بالزيت، وينقضي وقتهم في الصلاة، ويحترق البخور في هذه الخلوات التي يحيط بها بحر من الرمال.. ويعلو الصليب القباب عاليو الارتفاع.

ويقوم رجال الدين تجه العربان بواجب الضيافة الإجبارية. وهم مضطرون أن يكونوا على الدوام في كنف حراستهم، ولذلك فهم عندما يذهبون من ملجأ لآخر، لا يفعلون ذلك إلا في أثناء الليل، ويمر العربان بالأديرة أثناء جولاتهم، ويتوقفون ليتناولوا طعامهم، ولكي يستريحوا ويريحوا خيولهم، ويقدم إليهم الرهبان واجب الضيافة هذا من وراء الجدران، ذلك أنهم لا يفتحون لهم الأبواب مطلقا.

     الفصل الرابع

عن عرب الجوابي وعن البدو

يتردد على شواطئ بحيرات النطرون كل عام عربان الجوابي، وهم أبناء قبيلة عربية رحالة ومضياف، وتعسكر هذه القبيلة هناك مع قطعانها في فصل الشتاء. ويعمل هؤلاء العربان في خلال هذا الفصل من العام في نقل النطرون والسمار، كما يقومون بنقل البلح، ولكي يحصلوا عليه، يذهبون في شكل قوافل إل سيوة، واحة آمون.

وملابس الجوابي، حرام وبرنس وهو نوع من المعطف الذي يشبه الغفارة التي تستخدمها الكنيسة الرومانية عند إقامة قداس، وهو من الصوف الأبيض. وتستخدم هذه الاقمشة في صنع ملابس الرجال والنساء، وهي تصنع في النوبة، ويشتريها العربان من القاهرة، وبصفة خاصة من الإسكندرية.. وتغزل النسوة وبر الماعز ليصنعن منه قمشة الخيام وبعض البسط العادية. وتتمثل ثروة الجوابي، وعموما كل عربان الصحراوات، في الجمال وقطعان الأغنام والماعز، بينما تتمثل ثروات من استوطنوا القرى منهم في الماشية الكبيرة وقليل من الجمال.

ويحمل عربان الصحراء اسم عرب الخيش أي عرب الخيام، أما الساكنون خلف الجدران، فقد كانوا فيما مضى عربا رحلا، وعندما اقتربوا من بلدان مزروعة ظلوا لفترة تحت الخيام، ثم بدأوا شيئا فشيئا يبتنون لأنفسهم بيوتا مثل بيوت فلاحي مصر.

ولا يعرف العربان قوانين أخرى غير قانون القصاص، وحيث لا يوجد قانون رادع، ولا قضاة يستطيعون تنفيذه فسوف يبقى القتل بلا عقاب ما لم يأت بالاغتيال، ليقابل هذا الضرب من ضروب استخدام القوة، وعندئذ فإن ما ننظر إليه نحن على اعتباره جريمة أو جبنا، يغدو انتقاما مشروعا يتابعه أهل القتيل من جيل لجيل.

والغرام بالمولود الذكر أمر ذو مذاق طيب ومرغوب عند العرب، كما هي الحال عند كل أمم الشرق. ويؤدي العربان الصلاة خمس مرات في اليوم، ويتناولون الطعام قبل صلاة الظهر وقبل الصلاة الأخيرة (العشاء) عند انتهاء الغسق، ويكفي طعام اثنين من سكان القرى لإطعام عشرة من العربان، فهؤلاء يأكلون القليل من الخبز، ويستخدمون لطحن الدقيق طاحونة ذات ذراع مزودة بشقين صغيرين من الحجارة (رحى) ويأكلون كذلك البلح، ويشربون القليل من الماء، ويفضلون لبن النوق، وينامون حوالي ست ساعتا في اليوم. وقلما يأكل العربان اللحم، ولا يعرف هؤلاء وجبات البذخ.

ولا يبالي العرب بقياس الوقت إلا لمعرفة أوقات الصلاة. ويقدرون الوقت بقياس طول ظلهم، ويقيسون هذه الظلال بقدميهم عاريتين، ويضعونها واحدة أمام الأخرى بالتبادل.

ويعتقد العربان سبب جهلهم وسذاجتهم بأن علاج الحمى وعلاج بقية الأمراض، يتم بأن يوضع تحت رأس المريض ورقة تحتوي على بعض كلمات سحرية ودينية كتبها أحد الدراويش. وهنا ينام المريض وهو شديد الثقة في هذه التذكرة (الطبية)، وأكثر من ذلك في قدرة العانية الإلهية.

ويؤدي بهم نقص الأدوات الطبية إلى ممارسات شاذة لعلاج جروح الأسلحة النارية، يهدفون من ورائها إلى الاستعاضة عن آلات الجراحة، لإخراج المقذوفات النارية التي لم تصل لأبعد من اللحم أملا في الشفاء، وينظف العربان الجرح بالزيت أو الزبد، ويكوونه بالجنزار، حتى يمنعوه أن يلتئم قبل الأوان، ولنفس الغرض، ولكي يساعدوا المصاب على التحمل الجميل، يضعون في الجرح زلطة صغيرة، وهو أمر يماثل الكي الذي نستخدمه لهذا الغرض في أوربا.

والعربان مسلحون بحراب يستخدمونها بمهارة، ويقذفونها وهم ممتطون خيولهم لكنهم يجحفون بخيولهم الطيبة. والخيول العربية شديدة السرعة. ويطلق الفرسان لها العنان دون أن يتركوا السرج التي يمسكون بها بيدهم اليسرى، وهم يحملون على عدوهم، فإذا قتلوه سلبوه، وفي بعض الأحيان يحزون رأسه ويحملونها على طرف حراهم دليلا على النصر.

وعندما يخش العرب من هجوم العدو عليهم، يتفرقون في مخيمات كثيرة العدد، ويستكشفون العدو عن بعد كبير، ويحتفظون بالجمال مقيدة بالقرب من الخيام ليكونوا مستعدين للفرار في أقرب وقت.

الدراسة الثالثة: دراسة موجزة عن عيون موسى (إعداد ج. مونج)

على الشاطئ الغربي لخليج السويس، وعلى بعد أربعة فراسخ إلى الجنوب من المدينة، ويكاد يكون في مواجهة وادي التيه، توجد منابع مياه رسمتها كل الخرائط، تعرف باسم عيون موسى، ولسوف نقع في خطا بين إذا ما ظننا أن اسم هذه الينابيع يستمد أصوله من العصور المصرية الضاربة في القدم، وأنه قد ظل يستخدم بلا انقطاع حتى اليوم، ذلك أن اسم هذه الينابيع شأنها في ذلك شأن عين العذراء في المطرية (هليوبوليس القديمة)، وشان عيون غيرها كثيرات، لا يعود إلى ما قبل وقت استقرار المسيحية بمصر، حيث تحورت أسماء قديمة، تتصل بديانة تزعزعت مكانتها، إلى أسماء أخرى مشابهة، في المعتقدات الجديدة.

وعلى الرغم من أن عيون موسى أقل ملوحة من مياه آبار كثيرة حفرت في مناطق أخرى من الصحراء، فإنها مع ذلك مائلة إلى الملوحة، ونتيجة لها الأمر، فليس من خاصيتها أن تروي من الظمأ بقدر ما تروي المياه العذبة، وإن كانت تكفي للإبقاء على حياة النباتات والحيوانات.

ولابد أن عيون موسى كانت على الدوام بذات نفع كبير لعرب الطور، الذين يسكنون ضواحي جبل سيناء. فالعرب مضطرون على الدوام أن يجلبوا من مصر بعضا مما يحتاجونه من مواد تموينية ومصنوعات أجنبية،

وتشكل عيون موسى ظاهرة هامة في الهيدروستاتيكا. فالينابيع المختلفة التي تكونها، والتي يبلغ عددها ثمانية، توجد كلها على قمم عدد مماثل من مرتفعات مخروطية صغيرة، تنتهي كل منها في جزئها العلوي بفوهة ستخدم كحوض للعين، ومنه تسيل المياه على السطح المخروطي بواسطة قنوات طبيعية، واكثر هذه المرتفعات علوا يبلغ ارتفاعه 40 قدما من مستوى الأرض المجاورة.

الدراسة الرابعة: ثمانية وعشرون يوما في سيناء ( إعداد ج. كوتل)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: ملاحظات حول طبوغرافية شبه جزيرة سيناء.. التقاليد، العادات، الصناعة، التجارة، الشعب والسكان)

ينقسم الخليج العربي أو البحر الأحمر، عند خط عرض 28 شمالا إلى فرعين، يتجه أحدهما إلى الشمال الغربي، ويتجه الآخر إلى الشمال الشرقي، ويطلق على الأول اسم بحر القلزم أي بحر العرب أما الآخر فيسمى بحر العقبة أي بحر الشرق.

وتشكل مساحة الأرض الواقعة بين هذين الفرعين، والتي تبلغ مساحتها 1600 فرسخ مربع والتي تسمى شبه جزيرة الطور، أو سيناء، امتدادا للجزيرة العربية الصخرية (الصحراوية)، وتمتد من خط طول 30ʼ 30˚ إلى 30ʼ 32˚ ومن خط عرض 28˚ حتى خط عرض 45ʼ 29˚ شمالا.

وكل أجزاء هذه المساحة الداخلية تغطيها الجبال، وهي جبال قديمة من الجرانيت والرخام السماتي في بعض الأحيان، أو هي تكوينات حديثة من الجبال الرملية أو الحجر الجيري والجص (الجبس) في أحيان أخرى.

وتنتج الوديان التي تسكنه قبائل عربية عديدة، بخلاف بعض النباتات الشوكية، عددا صغيرا من أشجار (المن) وبعض أشجار الأكاسيا (الست المستحية) التي يطلق عليها اسم الأتل، وإذا ما استثنينا بعض أشجار النخيل والنبق بعض الحدائق التي تنمو  في سفح جبال حوريب وسيناء وفيما حول الطور، فإننا لن نجد في كل شبه الجزيرة أي نوع من الزراعة ولا أية ارض يمكن زراعتها.

تقاليد وعادات عرب الطور

يسمى سكان شبه جزيرة سيناء الطوره أو عرب الطور. وهؤلاء – شأن كل العربان. ذوو قامة يبلغ طولها في المتوسط من متر ونصف المتر إلى متر و 732 مم ( 4 أقدام وست بوصات). ولون بشرتهم حائل، شديد السمرة، بل يكاد يكون أسود تماما، وعيونهم حادة سوداء، تغطيها الجفون بعض الشيء. وهم في العادة نحيفو الأجسام، جادو التقاطيع دون أن يوحوا بالكآبة، وهم على دين محمد، لكنهم لا يعرفون عن محمد سوى اسمه، ولا يعرفون عن القرآن سوى شهادة لا اله إلا الله، محمد رسول الله.  ولم نقابل  من بينهم سوى رجل واحد يؤدي الصلاة بانتظام ، كما قام بالسفر إلى مكة (الحج) مرتين.

كل ما يرتديه عرب الطور كملبس هو قميص من الصوف الأبيض ينزل إلى منتصف الساق، واكمامه قصيرة، وكذلك جلباب من الصوف المقلم بالأبيض والغامق، مفتوح من الأمام، وليست له أكمام، ومشقوق من الجنبين لمرور الذراعين، وسروال من التيل.

ولا يرتدي الأطفال سوى الجلباب، وكثيرون منهم عراة، وفي الصيف لا يرتدي الرجال سوى القميص مع حزام من الجلد أو من قماش صوفي. أما الشيوخ، وهؤلاء هم أكثرهم ميسرة، فيرتدون ملابسهم على طريقة المصريين وقد تلقى كثير منهم عباءات (خلعات) من حكام البلاد.

ويرتدي البعض منهم نعلا تربطه إلى قدمه سيور من الجلد أو خيوط من الصوف، لكن سيقان الجميع عارية حسب عادة المصريين، ويرتدون غطاء للرأس، قلنسوة تحت عمامة رديئة من الصوف الأحمر أو الأبيض، وتكاد تكون رءوس كل الأطفال عارية.

ويحمل هؤلاء العرب كسلاح بندقية ذات سير جلدي وخنجرا مقوسا طوله 51 ديسيمتر (حوالي 21 بوصة) وهو ذو حدين ومزخرف بالفضة في معظم الأحيان وهم يحصلون على هذا السلاح المصنوع في فارس عن طريق جدة وهو يوضع في مقدمة الحزام من الشمال إلى اليمين. وهناك ما يشبه جعبة من الجلد تعلق بالمثل في الحزام من الأمام، وتمتلئ بعلب من البوص أو الخشب ليوضع بها البارود.

وتشبه ملابس النساء ملابس نساء القاهرة، سروال ضيق من قمش فاتح، وفستان طويل من التيل الأزرق، مفتوح عند الصدر، وله أكمام واسعة مشقوقة حتى منتصف طولها، برقع أو رباط من القماش الأسود يبلغ عرضه 2 ديسيمتر (8- 9 بوصات) وطوله 5 – 6 ديسيمترات (18- 20بوصة)، معقود من جانبي الرأس فوق العينين وعند منتصف الجبهة بشريط صغير تغطيه البارات (قطع النقد الفضية) في بعض الأحيان. على هذا النحو تكون ملابسهن، وفي نفس الوقت ينبغي أن نضيف إلى ذلك قناعا من التيل الأزرق وعقودا وأساور من الحلى الزجاجية، ولبعضهن حلقان كبيرة من الفضة في أسفل الساق العارية (خلخال) والتي لا يغطيها جراب (شراب).

الأثاث

تشمل أثاثات عرب الطور على خيمة من قماش من الصوف الغامق يصنعونه بأنفسهم، ورحى من الحجارة لطحن القمح، وغلاي أو غلايين لقهوة من النحاس، وقدر معينة، وأطباق من الخشب وملعقة من الحديد لتحميص البن وهاون من الخشب ليصحن فيه البن بواسطة عصا – هذا هو أثاث الميسورين من هؤلاء العرب والذين يمتلكون زيادة على ذلك، حقائب من الصوف لنقل الفحم.

  المخيم

نادرا ما يضم المخيم القبيلة بأكملها، ولا يتجاوز عدد الخيام الخاصة بكل قبيلة والتي توزع هنا وهناك تبعا لوجود الأعشاب والشجر التي يعثرون عليها في الوديان، 12 أو 15 خيمة، وينبغي استثناء عرب القرارشة الذين يمتلكون 35 إلى 40 خيمة لأنهم يقيمون في وادي فيران الخصيب.

الممتلكات

 إذا استثنينا بعض الأراضي في وديان الكيد وفيران، وهي المحاطة بأسوار متهدمة ومزروعة بأشجار النخيل والنبق، وإذا ما استثنينا كذلك الدير وحديقة الرهبان، فيمكن القول بأنه ليست هناك ملكيات في شبه جزيرة سيناء، فجمل أو عدة جمال، بالإضافة إلى بعض العنزات هي ثروة العربي، وتنتشر كل قبيلة فوق منطقة محددة من الأرض ترعى فوقها قطعانها وتصنع فحمها، وتقدر الثروة هناك بعدد الجمال، ويعد فقيرا من لا يملك جمالا: أبو فقير، مفيش جمل، أي أنه فقير لا يملك جمالا مطلقا، فليرعه وليعطه المالك.

   الصناعة

تتناسب صناعة عربان الطور مع احتياجاتهم بالغة البساطة، فهم يصنعون ملابسهم، ويصنعون بأنفسهم أقمشة خيامهم من الصوف ووبر الماعز الذي يغزلونه دون إزالة الشحم منه. وعلى الرغم من أن بيع الفحم هو مصدر دخلهم الأساسي، فليست لديهم الوسائل اللازمة لقطع الخشب، وهم يضعون النار عند جذر الشجرة، ويكسرونها بقطع ضخمة من الأحجار. وإذا كانت لدى البعض بلطات صغيرة (قادوم) فهي ضعيفة وبالغة السوء لدرجة لا يمكن معها أن يستخدموها إلا لقطع الأغصان.

التجارة

تشتمل تجارة عربان الطور على الفحم الذي يحملونه إلى القاهرة وعلى نقل البن والسلع الأخرى التي تصل إلى السويس عن طريق البحر الأحمر. ويباع الفحم بسعر 6 بوطاقات أو 18 فرنكا للحمولة الكسرة إذا كان من فحم السنط (أو السيال) وبــــ 4.5 أو خمس بوطاقات إذا كان من خشب الطرفاء (الاتل أو المن)

وعن طريق بيع الفحم يدبر العرب عيشهم وعيش عائلاتهم وجمالهم لمدة ستة أسابيع تستغرقها الرحلة إلى القاهرة، وعن طريق هذا المبلغ المتواضع أيضا يشترون البن والدقيق أو القمح والتبغ والنارجيلات التي تمثل احتياجا كبيرا بالنسبة لهم، كما يمكنهم أن يتزودوا بقطع الملابس ومعدات الجمال التي لا يمكنهم صنعها.

ويقوم العرب عادة بعمليات النقل من السويس إلى القاهرة ويوقم التجار بإخطار شيخ أو عدة شيوخ، عند مرورهم بالطور ويتعاقدون معهم على نقل حمولتهم التي قد تتطلب من 2000 إلى 3000 جمل. ويذهب أولئك الذين تعاقدوا إلى الجبل ليبرموا صفقات خاصة يحقون من ورائها بعض الأرباح ويدفع للحمولة (حمولة الجمل) الكاملة 8 بوطاقات أو 25 بارة مع جزء من البن.

الطعام

يتمثل طعام العربان في بعض البصل، والروجة أو الفطير، وهي نوع من الأقراص المصنوعة من الدقيق المعجون بالماء بدون خميرة أو ملح، ويصنعونها مرتين كل يوم، ويضيف إليها الميسورون الفول أو العدس المطبوخ بالبصل وقليل من الزيت ويكتفي الفقراء بأكل الروجة.

ولا يذبح عربان الطور العنزات إلا أيام الأعياد أو عندما يستضيفون أغرابا، وعندئذ يأكلون الأرز والبلح إن كان تم جنيه.

الرقص

لا يستسلم العربان في أيام الأعياد لمرح يكون أكثر صخبا مما أعتادو، ويقوم الشبان وحدهم، وفي يدهم سيف أو خنجر، بعمل بعض حركات الجسم والأعضاء التي تقلد شكل معركة بطريقة منفرة وخشنة. ولا يشبه رقص النساء في شيء رقص العوالم (عالمة) في مصر، ولا يحدث هذا الرقص إلا في الليل.

يتجمع رجال كثيرون في شكل نصف دائرة متماسكين باليد وهم يهتزون، أو يغنون بعض العبارات التي تتفق مع المناسبة والتي يصحبونها من وقت لآخر بتصفيق منغم بالأيدي.

العادات

عندما يموت شيخ يحل ابنه محله طالما كان هذا الابن شهما وطالما كان لبق الحديث وكانت خيمته مفتوحة أما كل الناس. وفي الحلة التي لا سكون للشيخ المتوفي فيها ابن، يعين أقرب أقربائه إليه أو الشخص الذي تتوفر فيه هذه الشروط، ويجمع الناس عليه، ويعترف به دون أدى اعتراض.

وتتشابه بعض وظائف الشيخ مع وظائف قاضي السلام. وفي حالات المنازعات يأتي الناس لالتماس حكمه، وتسلم إليه كل الأطراف المتنازعة.

أما الجرائم، مثل القتل، فيقتص لها بالدم، أو تفتدى مقابل مبلغ كبير، وتدفع دية الجرح بحسب حجمه، يقاس ذلك بحبات القمح. وإذا ما تشاجر رجل ميسور مع آخر فقير، ترجح كفة الرجل الفقير.

وحيث تختلط القطعان، وحيث الخيام مفتوحة، فإن العرب في حاجة شديدة لكي يجعلوا من السرقة فيما بينهم أمرا يوحي بالذعر الشديد. ويقصون في هذا الصدد، وهم يمتدحون، حكاية أب سرقت ابنته إحدى عنزاته، فقد تابع الأب المذنبة في الجال، ووجدها تشوي قطعة من لحم العنزة، فقيد قدميها ويديها والقى بها في النار، وتعاقب بنفس العقوبة الزوجة الخائنة والبنت التي تفقد شرفها، ويتم التنفيذ علنا.

وترغم البنت على الزواج من الزوج الذي يقدمه لها أهلوها. لكن الأمر ليس على هذا النحو بالنسبة للولد، وعادة يفضل العرب أن يتزوجوا من نفس عائلتهم.

ويمكن للولد أن يتزوج من ابنه عمه أو خاله لكنه لا يستطيع أن يتزوج أخت زوجته ولا أخت أبيه. ويدفع عند الزواج 10 بوطاقات على الأقل من ذات التسعين بارة (حوالي 32 فرنكا) إلى أهل البنت ولا يعطي شيء للبنت نفسه، ولكن إذا طلق الزوج زوجته فإنه يعطيها مائة قطعة من ذات الثلاثين بارة (حوالي 106 فرنك)، أما إذا كانت هي التي طلبت الطلاق فإنها لا تستطيع أن تطلب شيئا.

وإذا ما مات أب وترك ابنا وابنة، يحصل الابن على ثلاثة أرباع القطيع، أما إذا ترك ابنا وعدة بنات، فيحصل الابن في هذه الحالة على النص فقط.

وإذا ترك الزوج زوجة لا ابناء لها، يكون لأهله الآخرين في ميراثه نفس الحقوق التي كانت ستؤول إلى أبنائه، وتؤول الأسلحة التي كانت للأخ الأكبر (المتوفى) إلى أخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه.

وإذا ترك الزوج زوجة ثانية لا أبناء لها، وله أبناء من الزوجة الأولى فإن الزوجة الثانية هذه لا تستطيع أن تفرض كحق لها إلا ما أعطاه الزوج لها بموجب وصية أوصى بها أمام شهود.

ويتكفل باليتامى أحد الأقارب من الميسورين. ويتكفل كذلك بالقطعان التي سيقدم عنها الحساب عنما يكبر الأطفال.

   عن شبه جزيرة سيناء

السكان

يبلغ تداد عرب الطور حوالي 900 إلى 1000 رجل يستطيعون حمل السلاح ويدخل في هذا العدد سكان منطقة الطور ورجال الدين.

وللبعض من هؤلاء أكثر من زوجة تسكن كل واحدة منهن في خيمة مستقلة. وثلثا عدد السكان على الأقل متزوجون، وهم يسكنون الجبل على النحو التالي:

اسم القبيلة

عدد الرجال القادرين على حمل السلاح

العليقات

150

العوارمة

120

القرارشة

100

أولاد سعيد

130

مزينة

250

 وبالإضافة إلى ذلك هناك خمس قبائل صغيرة أخرى أو عائلات تنتمي إلى تلك القبائل، وهي الرزيدات، العتايمة، الجريزات، الدزامة، الحمادي.

وأخيرا يشكل الجبالية، الذين كانوا في الماضي يقومون بخدمة دير سانت كاترين الواقع بالقرب منهم، خمس قبائل صغيرة لكل واحد منها شيخ. ويبدو أنهم كانوا مسيحين فيما مضى وأنهم كانوا يدخلون الدير، ولكنهم منذ اعتنقوا الإسلام أو منذ حل محلهم العربان، لم يعودوا يترددون على الدير أو يقومون بخدمة رجال الدين بأفضل مما تفعل بقية القبائل. وهؤلاء الجبالية هم أكثر القبائل بؤسا، وهذه هي أسماؤهم:

اسم القبيلة

عدد الرجال القادرين على حمل السلاح

السلايمة

30

الحمايدة

20

الوعيبات

15

أولاد جندي

30

أولاد رزين

40

المجموع

135

 

([1]) عرب السمالو: هم عرب رحل بالغو الكرم، ولهم ثلاثة رؤساء (مشايخ)، أكبرهم الشيخ سليمان أبو دمن، وتتكون هذه القبيلة من حوالي 1000 رجل، وتمتلك أربعين حصانا.

([2]) تساوي الأقة 400 درهم أو رطلين ونصف زنة مارك

حمل الملف من هنا

2019-11-05T17:44:29+02:00 عروض كتب|

اكتب تعليقًا