العرب في ريف مصر وصحراواتها

العرب في ريف مصر وصحراواتها

* العرب في ريف مصر وصحراواتها (2)

فيما يلي عرض لأهم موضوعات الجزء الثاني من موسوعة “وصف مصر” ويضم الملف الحالي عرضا لثلاثة موضوعات هي:

  • الدراسة الخامسة: رحلة إلى بني سويف والفيوم
  • الدراسة السادسة: العرب والعربان في مصر الوسطى
  • الدراسة السابعة: القصير والعبابدة

ويمكنكم تحميل العرض كاملا pdf من الرابط بالأسفل.

**************************************

عرض كتاب

العرب في ريف مصر وصحراوتها

 تأليف: علماء الحملة الفرنسية

ترجمة: زهير الشايب

أعد هذا العرض “لبيت لجغرافيا”: محمود ربيع

—————————————————————————————-

يمثل هذا الكتاب الجزء الثاني من موسوعة وصف مصر التي كتبها علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) وفيها عرض لجوانب من جغرافية مصر والتعريف بالأقاليم والأودية ثم الحديث عن السكان والقبائل وحصر للقبائل العربية التي تقطن بين مصر وفلسطين. يتألف الكتاب من 400 صفحة عبر عشر دراسات نقدم منها في العرض الحالي الموضوعات الثلاثة الثانية وهي: –

  • الدراسة الخامسة: رحلة إلى بني سويف والفيوم
  • القسم الأول: ولاية بني سويف
  • القسم الثاني: ولاية الفيوم
  • الدراسة السادسة: العرب والعربان في مصر الوسطى
  • الفصل الأول: العرب المزارعون
  • القبائل التي استقرت في مصر منذ زمن بعيد
  • القبائل التي استقرت حديثا
  • الفصل الثاني: العرب المحاربون أو العربان الرعاة أو الرحل
  • الدراسة السابعة: القصير والعبابدة

 

الدراسة الخامسة: رحلة إلى بني سويف والفيوم (إعداد ب.م. مارتان)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: وصف هيدروجرافي([1]) لولايتي بني سويف والفيوم)

تثير ولايتا الفيوم وبني سويف، الواقعتان في ذلك الجزء من مصر، الذي كان يشار إليه فيما مضى باسم هبتانوميد، والذي يعرف باسم الوسطاني، أو مصر الوسطى، اهتماما كبيرا من ناحية كوروجرافيتهما، التي لا تزال حتى يومنا هذا موضوعا لجدل، لم تلتق حوله الآراء، بين أكبر وأشهر جغرافيينا. ذلك أن الأوصاف التي خلفها لنا ألأقدمون لهذين الاقليمين، تختلف أشد الاختلاف عن تلك التي يقدمها لنا الرحالة وأشهر النقاد المحدثين، حتى نهاية القرن الثامن عشر، وحين نريد التوفيق بين هذه الاختلافات، جد أنفسنا في كثير من الأحيان عرضه للوقوع في أشد الأخطاء خطورة.

وتنقسم هذه الدراسة إلى قسمين:

في القسم الأول، قدمت وصفا لولاية بني سويف

وفي القسم الثاني، قدمت وصفا لولاية الفيوم

القسم الأول

ولاية بني سويف

يجري النيل، كما يحدث في كل بلاد الصعيد تقريبا، عند سفح الجبل الغربي بطول ولاية بني سويف، وينقسم الشط الغربي من هذه الولاية، من ناحية عرضه، وهو الشط الوحيد القابل للزراعة، إلى قسمين متمايزين وذلك بخصوص الري. والقسم الأول، وهو يبدأ من عند حافة النيل، أكثر ارتفاعا عن المياه العالية باتساع يبلغ حوالي الكيلومترين، وترويه عدة ترع صغيرة، تختص كل ترعة منها بقرية واحدة، ويلجأ الناس إلى الأذرع (الشواديف)، والماكينات (السواقي) لرفع المياه حتى تغمر الأرض. أما القسم الثاني، وهو الذي يمتد بعد ذلك إلى سفح الجبال الصحراوية التي تفصل مصر (الوادي) عن الفيوم، فهو يشكل ، طبعا لانحداره، في نمطين، يضنع اتجاه كل منهما مع الآخر شكلا شبه عمودي، اما النمط الأول فيتجه نحو الغرب أما الثاني فيتجه نحو الشمال وفق اتجاه مياه النهر.

وهذان الانحناءان محسوسان لدرجة أن المياه العالية تظل تغمر الأرض بارتفاع المترين، ويبدو الريف في هذه الفترة من الفيضان في شكل بحر مترامي الأطراف، ومثل هذا الموقع المواتي يغني تماما عن الأعمال الميكانيكية في الري، لكنه مع ذلك يتطلب أعمالا ضخمة للاحتفاظ بالمياه أثناء الوقت اللازم للزراعة، لأن الانحدار إلى الشمال، ذلك الذي يسحب المياه بنفس سرعة النهر أثناء تناقص الأخير، يحول دون بقاء المياه فترة طويلة كافية فوق الأراضي.

ولعلاج هذه السوءة، اقامت السلطات المحلية باتساع هذا الجزء من أرض، وعلى مسافات محددة، جسورا تلامس الجبال ثم يظل ارتفاع هذه الجسور يتضاءل ليبلغ مرتبة الصفر عند الأراضي المرتفعة على ضفاف النيل، وتسبب هذه الجسور انحسار المياه حتى مستوى الأجزاء العليا، وتظل على هذا النحو حتى تسمح لها الأراضي – وقد تشبعت بالمياه – أن تنصرف بواسطة قطوع أعدت في هذه الجسور.

وهذه الأعمال ذات أهمية قصوى في نظام الري، ولابد أن وجودها الذي بدأ مع  بدء وجود الترع على مر العصور، قد أثار اهتما الحكام، ونميز بين هذه الجسور: الجسور الكبيرة، والوسطى، والصغيرة. أما الجسور الكبرى فقد بنيت باتساع الوادي كله، ويوجد منها احد عشر جسرا في كل ولاية بني سويف، أكبرها وأكثرها أهمية هو ذلك الجسر الذي يحمل اسم الوكشيشي. أما الجسور الكبرى الأخرى فهي جسور: بهبشين، صفانية، صفط، راشين، النويرة، الشوبك، أهوة، الشنطور، سمالوط، منبال، بردنوها.

أما الجسور المتوسطة والتي لا تخدم إلا بعض الأراضي، فيبدأ بعضها من ضفاف النيل، ويبدأ بعضها الآخر من الجسور الكبرى نفسها، وينتهي كلاهما بالالتحام بأحد المرتفعات التي بنيت القرى فوقها.

ومن جهة ثالثة وأخيرة، فإن الجسور الصغرى جسور محلية تنشأ لصالح عدة قواريط أو أجزاء من القرية.

وقد اقتضى نفس وضع الانحدارات العرضية للوادي وجود نوعين من الترع.. الترع الكبرى، وتحمل المياه إلى أعلى، أي إلى الجزء الواقع إلى أقصى الغرب حتى سفح الجبل، والصغرى التي تبدأ إما من النيل نفسه، وإما تشكل فروعا من الترع الكبرى، وتنتهي عند سفح المرتفعات المتناثرة فوق رفعة الأرض العالية، الشديدة الاقتراب من النهر

ينبغي اذن ألا ننظر إلى الترع الكبرى في مصر باعتبارها مجرد خزانات للمياه، حفرت لنفسها بطول مجراها فروعا لها، فهي وسائل أو قل (خراطيم) تجلب المياه إلى المناطق النائية.

تقط شمال ولاية بني سويف عديد من الترع الصغيرة التي تتفرع عن النيل، والتي لا نجد منبينها سوى ترة واحدة كبيرة تسمى ترعة بني عدي، باسم القرية التي تجري هذه الترعة بالقرب منها، ويبلغ اتساع هذه الترعة في العادة 25 مترا. وتنبع هذه الترعة من النيل مباشرة، على بعد 150 كيلو متر من بني سويف وتستطيع القوارب أن تعمل بها لمدة تقترب من ستين يوما، ويتفرع من جانبي هذه الترعة عديد من القنوات الصغيرة لري أول جزء مرتفع من أرض الوادي.

ويوجد بالجزء الجنوبي من الولاية عدد أقل من الترع المتفرعة عن النيل، وذلك بالمقارنة مع عدد الموجود بالجزء الشمالي. أما بحر يوسف، الذي ترسمه على الدوام الخرائط المصرية الحديثة لمصر، وهو ترعة تسير في خطوط مستقيمة لمسافة تصل إلى حوالي 36 فرسخا، ابتداء من ملوي حتى دخوله إلى الفيوم، فليس سوى فرع قديم من فروع النيل، متعرج بقدر ما يتعرج النيل نفسه، يبلغ اتساعه اليوم حوالي المائة متر.

وهكذا فإن ري أراضي ولاية بني سويف يتم كما يتم في كافة أنحاء مص العليا عن طريق كل من الري الطبيعي والري الصناعي مع فارق واحد هو أن الري الطبيعي يتم حتى سفح السلسلة الليبية في الجز الشمالي من للولاية، حيث يستمر الانحدار حتى هناك، في حين يشكل المقطع الطولي للوادي في الجزء الجنوبي من هذه الولاية شكل منحدرين، أولهما يبدأ من ضفاف النيل ويبدأ الثاني من شط الفرع المسمى بحر يوسف، بحيث يشكل هذان الانحداران عند التقائهما داخل الأراضي منخفضا أو ترعة صغيرة تحمل اسم البحر الباطن أي النهر الداخلي بسبب احتفاظها بالمياه وقتا أطول مما تحتفظ به الأجزاء الأخرى.

وستخدم الدلو للري بالنسبة للأراضي التي تزرع بالشعير والذرة والحنطة وبقية البقول والحبوب الزيتية، وإن كان قد استخدامه في زراعة الأرز وقصب السكر وحبوب صبغة النيلة، وغيرها من المحصولات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه. وتروى الأراضي التي تزرع بهذه المحاصيل بوسيلة ثالثة، عبارة عن دولاب ذي قواديس (الساقية).

القسم الثاني

ولاية الفيوم

فيما بين قنطرة وقرية اللاهون ثمة قنطرة تحتجز المياه التي تجلها ترعة بني عدي الكبرى، والت تمضي عد سقوطها عن طريق قناة المعصرة في ذلك المنخفض الواقع عند سفح جبل أبي صير، لتروي بعض الأراضي حول ترعة اللاهون، ثم تذهب بعد ذلك، عن طريق بحر يوسف إلى ترعة اللاهون، ثم تذهب بعد ذلك عن طريق بحر يوسف التي تصل إل طامية.

ومن الملاحظ أن الترعة التي تنقل المياه من هوارة إلى مدينة الفيوم، والتي تحمل طيلة هذه المسافة اسم بحر يوسف، هي اكثر ارتفاعا عن ارض الولاية، كما أن مجراها ذو قاع صخري في كل المناطق الجبلية التي تخترقها هذه الترعة.

وحين تعلو المياه في بحر يوسف فوق هذا الخزان فإنها تسقط في رشاح واسع لتمضي من ثم إل طامية ومن هناك إلى بركة قارون، بل إن هذا الخزان، فيما يبدو، لم يكن كافيا على الدوام لاستيعاب الزيادة الشديدة في المياه، حيث نرى أبعد من ذلك بثلاثة آلاف متر ، خزانا ىخر يصب المياه كذلك من جديد داخل الرشاح الذي سبقت الإشارة إليه عن طريق قناة صغيرة تفضي بها إلى هناك.

وليس للشط الأيسر لبحر يوسف نفس الأهمية للشط الأيمن، وتشهد نتوءات الصخر المتناثرة عليه والتي تشكل زوائد جبلية ( أي مقدمات لظهور الجبل) بأن هذا الشط لم يكن عامرا من قبل قط! وإن كنا مع ذلك نجد عليه اليوم قرية دمشقين التي ترتبط أراضي ومصالح اهاليها مع ذلك بأراضي ومصالح قرية هوارة الكبيرة حيث تتجاور هذه مع تلك.

ويشكل سطح هذه المنطقة فيما يبدو، إلى جانب انحداره نحو الجنوب، منحدرا هائلا نحو الغرب ليبلغ قمة بحيرة قارون. ويشق هذا المنحدر خور واسع يحمل اسم بحر الوادي. وقد شيد عليه سد ضخم رائع يحد من تدفق مياهه فوق هذا المنحدر. ويختلف هذا السد اختلافا بينا عن أمثاله من السدود التي نراها في وادي مصر. فهو مبني من الأحجار والقرميد.

سنورس قرية كبيرة بعض الشيء، وهي مبنية فوق مرتفع، هو أعلى المرتفعات الت شهدتها في مصر ، ويقدر ارتفاعه بحوالي 50 مترا، ويحتمل أن كان يشكل فيما مضى واحدة من جزر البحيرة التي يبدأ المرء يرى مياهها بمجرد بلوغه اعلى المرتفع، ومن جهة أخرى فسنورس هي مستودع للأملاح التي تستخرج من البحيرة.

الدراسة السادسة: العرب والعربان في مصر الوسطى (إعداد إ. جومار)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: ملاحظات حول العرب في مصر الوسطى)

الفصل الأول

العرب المزارعون

1-القبائل التي استقرت في مصر منذ زمن بعيد:

هناك عائلات عربية بدأت الزراعة في مصر منذ دخول الإسلام، وهناك أخرى أبلت على احتراف الزراعة فقط منذ دخول الأتراك، وقد زاد تعداد هذه العائلات بشكل كبير. ولقد طور هؤلاء الزراعة والصناعات الزراعية بأكثر بكثير مما صنع الفلاحون، ألا تدار أرضهم بعناية أكبر، وهي كذلك أفضل ريا، كما أن قراهم اكثر ازدحاما بالسكان وبشكل عام فإنه يكاد يعود إلى العرب فضل زراعة وصناعة السكر في مصر الوسطى. وحيث أنهم يكادون يسكنون جميعا على شاطئ النيل الأيمن (الشرقي) وهو ضيق الاتساع بعض الشيء حيث يحدق به الجبل، فإنهم لم يدعوا نقطة واحدة لم يزرعوها بدءا من مجرى النيل وانتهاء بسفح الصخور. ولهذا نجد لهذه القرى ملمحا خاصا يميزها بسهولة على القرى الأخرى، ويمتلك السكان الخيل والجمال بأعداد كبيرة، كما كان يفعل آباؤهم من قبل أن يقبلوا القيام بأعمال الزراعة وقبل امتلاكهم بالتالي لمراع وفيرة.

ومن السهل أن نميز هؤلاء الفلاحين عن طريق تقاطيع وجههم وطباعهم وكل خصالهم، فلقد استمر الدم العربي يتدفق في عروقهم دون أي اختلاط حتى أنك لا تستطيع أن تميز ملامحهم عن ملامح العربان المحاربين، فما ان يمتطوا الخيول ويتلفعوا بالبرنس حتى نعدم كل وسيلة للتعرف عليهم. فقد احتفظوا بخطوط الوجه، وبخاصة بالعينين الصغيرتين اللامعتين اللتين تميزان هذا الجنس، وإن كانوا قد احتفظوا فوق كل شيء بروح الجشع والضراوة والشجار والمماحكة.

وتبنى الاخصاص التي يسكنونها بشكل رديء. واذا ما أردنا الدقة فإننا نقول بان هذه ليست في غالب الأحيان سوى أكواخ، في حين يجد المرء في قرى الفلاحين على الدوام بيوتا مناسبة وجيدة البناء.

ويكاد يكون سكان كل قرى الشط الأيمن للنيل في ولايات أطفيح وأشمونين ومنفلوط من العرب القدامى الذين ينتمون إلى قبيلة تسمى العطيات: وكثير من هؤلاء لم ينخرطوا في الزراعة إلا منذ عهد علي بك، كما أنهم لم يستقروا في وادي الطير وطهينة إلا منذ عشر سنوات. وتستمد القرى المعروفة باسم العمارنة اسمها من اسم جدها، وهو عربي قديم يسمى عمران، قدم من بلاد الحجاز إلى مصر، فخرب تلك المدينة الكبيرة الواقة بين الحواطة والتل وبنى من حوالها بعض المساكن.

وليس ثمة قرة عربية إلا وبها عدد من المشايخ، ويعيش هؤلاء الشيوخ عادة في شقاق فيما بينهم، وبذلك تبدو قراهم منقسمة إلى أجزاء عديدة مميزة وسرعان ما تؤدي العداوة التي تسود بينهم إلى الاقتتال.

ومعظم الجزر ذات الأهمية مملوكة للعرب، ولكن إذا ما عدنا إلى أصل هذه الملكية فسنجدها قد قامت على الاستبداد والظلم، أي أنه تحت الادعاء بأن النهر قد أكل أراضيهم وأن من حقهم الحصول على شواطئ الجزر المقابلة متذرعين بذلك المثل المصري القائل بأن النهر يرد من جهة ما أخذه من جهة أخرى، ثم بعد ذلك يتوغلون باطراد في داخل هذه الجزر ثم ينتهي بهم الأمر بطرد سكانها القدامى.

وتضع القرى العربية أيضا يدها على الأراضي التي تتاخم الشاطئ الأيسر للنهر، وقد حصلت على هذه الأراضي بنفس الطريقة التي حصلت بها على أراضي الجزر بلا جدال.

وفي بعض الأحيان يستولى سكان الشاطئ الأيمن على قطعة من الأرض تقع على الشاطئ الآخر ويزرعونها دون أن تكون لهم هناك قرى، وفي أحيان أخرى يبتنون هناك لأنفسهم دون أن بكون ثمة أرض لهم.

والمحصولان الرئيسيان عند العرب هما قصب السكر ومحاصيل الأعلاف مثل الحلبة والبرسيم.. لأن ما لديهم من جمال وخيل وماشية أكثر مما لدى الآخرين، ويأتي بعد ذلك الذرة والشعير والقمح والخضروات، وحيث تلقى الزراعة عندهم عناية أكبر، فإننا نج لديهم من الشواديف أكثر مما نجد في أي مكان آخر .

ويزرع سكان القرى العربية بوفرة أشجار النخيل كما رأينا في بني حسن وكذلك بالقرب من أنتنوي ويزرعون كذلك الكثير من أشجار الأكاسيا والنبق.

والصناعات الرئيسية لعرب هذه القرى هي تلك التي ترتبط بمحاصيلهم أي صناعة السكر وصناعة صبغة النيلة. وتغزل نساؤهم الصوف، ويصنعون منه في قراهم عن طريق بعض المسيحيين، أو بعض الفلاحين الذين يى أولئك أن يسمحوا لهم بذلك، أثواب خشنة تسمى بشت، هو قماش غامق اللون يستخدمه الفلاحون رجالا ونساء في صنع ملابسهم أما الأكثر ثراء من بين هؤلاء فيشترون أثوابهم وطربوشهم من المدن.

وأكبر تجارة لدى العرب هي تجارة السكر والبلح.. وهم يذهبون لبيعها في مصر العتيقة، لكنهم يحتفظون بالقمح والشعير لاستهلاكهم أو من أجل استهلاك خيولهم. أما في الأسواق فيبيعون الماشية ودواب الحمل كما يبيعون الصوف وكميات قليلة من فحم السنط.

وليس هناك ما يمكن قوله حول طام العربان دون أن يكون الأمر منطقيا على طعام الفلاحين، فطعامهم يضم بالدرجة الأولى خبز الذرة  واللبن والبيلاف (طعام شرقي يتكون من أرز ولحم وتوابل). أما طبقهم الكبير المشتمل على الخروف والدجاج المسلوقين معا فشهي ولذيذ الطعم، وبصفة عامة فإنهم يتغذون على نحو ما بشكل أفضل من بقية السكان.

وهناك فرق ملحوظ بين هؤلاء العرب وبين غيرهم من العرب الآخرين، ذلك هو أنهم ينطقون اللغة مثلهم لكنهم ينطقونه مثل الفلاحين، فهم على سبيل المثال لا يعطشون الجيم فيقولون جسر وجامع بدون تعطيش للجيم كما يفعل الفلاحون وليس بتعطيشها كما يفعل العرب المحاربون (البدو).

2-القبائل التي استقرت حديثا:

لقد جاءت كثير من القبائل العربية القادمة من شمال أفريقيا لتستقر في مصر منذ حوالي قرن. وقد حصل هؤلاء العرب على أراضي عدة قرى وزرعوها أو استزرعوها في غالب الأحيان: وهم يزرعونها عادة بمحاصيل العلف، ويرعون فيها خيولهم ودوابهم لمدة تسعة أشهر في العام.

 وإليكم الملابس التي يرتديها العربان وهم في السوق؛ على الرس طربوش أحمر بلا عمامة في معظم الأحيان. وعلى الجسم برنس أو معطف ابيض من صوف تتفاوت درجة نعومته يغطون به عادة أعلى الوجه وتحت الذفن، وهو يغطيهم من الرأس حتى القدمين. ويلبسون تحت هذا المعطف قميصا من الصوف وحزاما، ويرتدي الميسورون منهم صديريا فوق القميص، وفي القدمين ينتعلون خفا أحمر اللون.

ويربي العربان في كثير من مخيماتهم كثيرا من الخيول والجمال وهذا ما لا يفعله الفلاحون مطلقا وسيظل هذا الأمر دافعا على الدوام لعدم دفع العرب إلى خارج البلاد. إذ ليس ثمة سواهم الآن من يستطيعون أن يمدوا البلاد بالخيول والجمال.

وتعمل النسوة في المخيمات العربية في غزل الصوف الذي يصنع في القرى، ويتخذ أكثر الناس بؤسا ملابسهم من هذه الأقمشة الخشنة، أما الآخرون فيشترون من المدن البرنس المصنوع من أقمشة فاخرة. ويوكل إلى النساء أيضا طحن الذرة وصنع الخبز وتجهيز البيلاف (طعام شرقي من لحم وأرز وتوابل) وكذلك كل أعمال المنزل، والخبز عندهم عبارة ن قرص مسطح يجففونه في الخيمة ثم ينضجونه على وقود من روث الجمال يرج من خلال (بوز) وهو فتحة صغيرة مصنوعة من الطين على هيئة فرن.

الفصل الثاني

العرب المحاربون أو العربان الرعاة أو الرحل

أما الطبقة الثانية من العرب فشمل أولئك الذين يضربون خيامهم في أعماق الصحراء أو على مشارف مصر، والذين هم في حرب مع الحكومة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى في سلم معها، ولا تمتلك هذه البقة أرضا ولا تدفع ضريبة على الاطلاق، وهي الطبقة الأكثر عددا والأكبر قوة سواء فيما تملك من خيول وأسلحة أو فيما لديها من جمال وماشية. وهي التي تمد القوافل بالجمال التي تحتاج إليها لأغراض التجارة.

ويغير هؤلاء البدو من منطقة اقامتهم إذا ما بدت لهم منطقة أخرى أكثر وفرة في مراعيها أو في مياهها أو أكثر ملائمة لمشروعاتهم ولأغراضهم في السلب وأعمال العنف.

وحيث أنه ليست لكثير من هذه القبائل الجوابة من مصالح في داخل البلاد فإنها ترتكب جرائمها دون أن تلقى عقابا، ما دامت تحرص على أن تظل على بعد كاف داخل الصحراء حيث يطعمون ماشيتهم على قدر ما يستطيعون لكنهم في غالب الأحيان يعسكرون على حافة مصر.

   ويحتفظ العرب الرحل على الدوام، سواء كانوا في حالة حرب أو في حالة سلم مع حكام البلاد، بعلاقات متينة مع بعض شيوخ القرى تؤمن لهم المواد والمعونات الخفية.

وعندما يأتي الفيضان، ينسحب البدو نهائيا من العمل لمدة ثلاثة أشهر، وتكون هذه الفترة بالنسبة إليهم هي ابأس شهور السنة وأكثرها مدعاة للأسى.

ويكون طعام العربان الرحل عادة أكثر سوءا من طعام الآخرين وأغلب هؤلاء غير حسني الهندام، ولون ملابسهم حائل كما أنهم أكثر  استعصاء على التعب، لذلك فملامحهم أكثر جمودا.

وفضلا عن ذلك فإن تقاليدهم وعاداتهم هي نفس عادات وتقاليد العرب الآخرين. فهم راضون سعداء بحظهم في الحياة وبما يملكون، وكما ينال الشيخ التقديس من قبل قبيلته فإن رب الأسرة يلقى احترامه من قبل أسرته.

الدراسة السابعة: القصير والعبابدة (إعداد دي بوا إيميه)

(العنوان الأصلي للدراسة هو: مقالة عن مدينة القصير وضواحيها، وعن الأقوام التي تسكن هذه المنطقة، التي كانت في الأزمنة القديمة مقرا لسكان الكهوف..)

تقع مدينة القصير على شواطئ البحر الأحمر، عند خط عرض 51ʼ 56˚ شمالا، 12“ 44ʼ 31˚، وهي تنهض بالقرب من الشاطئ، فوق ساحل رملي يبلغ مائتين وخمسين مترا، أما عرضها فلا يزيد على مائة وخمسين من الأمتار.

وبيوت هذه المدينة منخفضة، وهي مبنية عادة من الطوب النيئ. وليس ثمة بيت غير مزود بخزان للمياه. وتأتي المياه التي يستخدمها الأثرياء من عين تسمى درفاوة التي تقع على بعد ثمانية أو تسعة فراسخ من المدينة، ومياه هذه العين طيبة لحد ما، وتباع في القصير بسعر 20 – 30 بارة([2]) للقربة الواحدة، وتزن هذه حوال تسعة كيلوجرامات. وعلى بعد لأربعة أو خمسة فراسخ توجد عين ميه أخرى وإن كانت مياهها أقل جودة، وأخيرا فقد حفر الفرنسيون على مسافة قصيرة إلى الجنوب الغربي من المدينة بئرا يبلغ عمقه مترا واحدا في مجرى جاف لأحد الأخوار، ومياه هذا البئر ليست مالحة على الاطلاق، وإن كانت ماسخة الطعم بقدر ما هي ثقيلة.

ومآذن المساجد هناك أقل ارتفاعا بكثير عن مثيلاتها في مصر، مما يعطي ملمحا للقصير مختلفا عن بقية مدن هذه البلاد.

أما القصر، فيقع خلف المدينة ويتحكم فيها بشكل تام، فهو مشيد فوق هضبة مرتفعة من الجير الحجري، مغطاة بزلط مستدير الشكل، يتجمع في سلسلة من تلال تتكون من كلها من هذا الزلط المستدير من مختلف الصخور. ولا يحتوي القصر إلا على عدد صغير من الغرف، كما يضم بئرا محفور بأكمله في الجص، مياهه بالغة الثقل ومائلة للملوحة وتكاد لا تستخدم إلا في سقاية الماشية.

وفي الجهة الأخرى من الحصن (القصر) كان يوجد مسجد وعديد من الأضرحة أو المقابر هدمها الفرنسيون.

ولا يقطن هذه المدينة إلا تجار قادمون من مصر ومن شبه الجزيرة العربية، ويتوجه هؤلاء وأولئك إليها لإتمام أعمالهم، ومع ذلك فليس لهذه المدينة سكان بمعنى الكلمة.

وضواحي القصير صحراوية تماما، وفيما عدا بعض نباتات الحنظل، وهي مع ذلك نادرة، لا يكاد المرء أي نوع من الخضرة. والأرض هناك رملية، وإن كنا نجد عند الاقتراب من البحر طبقات من الصلصال.

والميناء مفتوح تماما أمام رياح الشرق، أما من جهة الغرب فتحمي الشاطئ من الشمال هضبة من الشعاب المرجانية تمتد لمسافة مائتين وخمسين مترا داخل البحر، وهذه الهضبة تنحدر بشكا رأسي، وتأتي السفن لترسو عندها، فهي على نحو ما مرفأ طبيعي بناه المديخ([3]) في هذا المكان. أما قاع الميناء فهو من الرمال، وهو مستو بعض الشيء، ويشكل الميناء عند الغرب منحنى مقعرا تحيط به سلسلة من أحجا ر مرجانية، وينتهي بصخرة من نفس النوع، تتوغل داخل الحر بحوالي خمسمائة متر جهة الشرق.

ويقع ميناء القصير عند مداخل وديان تؤدي كلها إلى مصر، وقد أدى ذلك إلى حتمية اختياره على الدوام مستودعا لتجارة مصر العليا مع الجزيرة العربية. وترسل مصر إلى هناك في الوقت الحاضر، القمح والدقيق والفول والشعير والزيوت ومواد غذائية أخرى. وترسل الجزيرة العربية البن والفلفل والصمغ والموسيلين وبعض الأقمشة من صناعة الهند.

هنا يسمون البحر الأحمر بالحر المالح أما في السويس فيسمونه بحر القلزم. وبطول الساحل يجد المرء كميات كبيرة من الاسفنج والمرجان وقواقع تتنوع الوانها بالغة الجمال، ومن جهة أخرى فالساحل هنا غزير الأسماك. وتسكن هذا الساحل قبائل من صيادي الأسماك،

ولا يزال يعيش في هذه المنطقة شعب يستحق – بسبب تشابهه مع سكان الكهوف القدامى – أن ندخل في بعض التفاصيل حول عاداته وتقاليده، هؤلاء هم العبابدة، وهم أبناء قبيلة جوابة تشغل الجبال الواقعة إلى الشرق من نهر النيل، وفي جنوب وادي القصير وهي منطقة كانت تعرف فيما مضى باسم Troglodytique “أي سكان الكهوف”.

وتمتلك هذه القبيلة عدة قرى كذلك على الشط الأيمن (الشرقي) للنيل أهمها دراو، الشيخ عامر، الرديسية.

ويدفع كل التجار الذين يمارسون تجارة القصير إلى العبابدة 23 مديني عن الجمل المحمل ومكيالا صغيرا([4])، من القمح والفول أو القيق أو الشعير حسبما يحمل الجمل، كما يأخذ العبابدة عينا 1/20 من الخراف الماعز والدجاج والمواد التموينية الأخرى من تلك الأنواع التي تصل القصير .

وعدد الخيول لدى العبابدة بالغة القلة، فهؤلاء لا يركبون سوى الهجين. ولا يختلف هذا الهجين عن الجمل إلا في أن قامة الأول أكثر رشاقة بكثير، كما أنه اكثر خفة وسرعة أثناء الجري.

ويربي العبابدة عددا هائلا من الجمال، يؤجرون أو يبيعون جزءا منها للقوافل، وهذا فيما اعتقد هو مصدر الجزء الأكبر من دخولهم، وهم يجنون من جبالهم كمية كبيرة من السنامكي والصمغ العربي، كما يستغلون هناك النطرون والشبة وبعض المواد المعدنية الأخرى.

والعبابدة مسلمون، لكن البلاد الني يقطنوها وكذا الحياة النشطة التي يحيونها على الدوام، لا تمكنهم من أتباع كل مبادئ هذه الديانة بإخلاص وورع.

ويتباهى العبابدة بأنهم شعب محارب، ويزعم العبابدة بأن بإمكانهم أن يضعوا تحت السلاح ألفي رجل، ولعل هذا تقدير مبالغ فيه، وينبغي أن نشكك في صحته.

ويختلف العبابدة اختلافا تاما في تقاليدهم ولهجتهم وعاداتهم وبنيتهم الجسمانية عن القبائل العربية التي تشغل مثلهم  الصحراوات التي تحيط بمصر، فالعربان بيض البشرة يحلقون رءوسهم، ويرتدون العمامة، ويلبسون ملابسهم، ولديهم أسلحة نارية ورماح يبلغ طولها من أربعة إلى خمسة أمتار، وسيوف مقوسة للغاية. أما العبابدة فسود البشرة، لكن ملامحهم تشابه في كثير من ملامح الأوروبيين، وشعرهم جعد بشكل طبيعي لكنه ليس كوبر الصوف، وهم يحتفظون به طويلا يتدلى على أكتافهم، فهم لا يحلقون رءوسهم مطلقا. وتنحصر ملابسهم في قطعة من القماش يعقدونها أعلى الكليتين، ولا تتدلى لأبعد من منتصف الفخذين. وشيوخهم هم وحدهم الذين يرتدون العمامة في بعض الأحيان، بالإضافة إلى قميص يستخدمونه أحيانا بمثابة ثوب.

ليست لدى العبابدة أسلحة نارية على الاطلاق، ويتسلح الرجل منهم برمحين يبلغ طول الواحد منهما 160- 180 سم، وبسيف مستقيم ذي حدين، وبسكين مقوسة يعلقونها في ذراعهم اليسرى، ويحمل بمثابة سلاح دفاعي – ترسا مستديرة من جلد الفيل يبلغ قطرها 60 – 70 سم. ويعرف العبابدة اللغة العربية وإن كانت لهم لغة أخرى خاصة بهم.

وليس للرقص عندهم أية علاقة بذلك الرقص الشهواني الخليع الذي للمصريين فهو يتخذ على الدوام صورة المعارك والمبارزات، فيتسلح الراقصون بالرمح أو السيف وبالدرع. ويخطون وهم يتبادلون الهجوم خطوات عديدة بخفة وقوة.

وليس في موسيقاهم ذلك الشجن وتلك الرتابة اللتان لموسيقى المصريين، والعازف هو الشاعر نفسه في ذات الوقت، وتدور أغانيه حول امتداح أمجاد قبيلته والشجعان من أبنائها. وفي بعض الأحيان كذلك تتخذ من العشق موضوعا لها. ويجلس القوم حوله يستمعون في صمت وهو يغني في مصاحبة نوع من الماندولين.

ويبلغ عدد الوديان التي يمكن لنا أن نسلكها كي نتوجه من القصير إلى مصر إذا ما سلمنا في ذلك بما أخبرنا به العبابدة، ستة وديان أو سبعة.

وفي البداية يجد المرء على بعد فرسخين من القصير، ذلك الخور المسمى لمباجة، ومياهه صافية شفافة لكنها ثقيلة ومذاقها غير مستساغ. ويزعم العرب أنها ضارة بالصحة إلى حد كبير، ولذلك فهم لا يستخدمونها إلا لجمالهم.

ولا يمكن أن يعد اللمباجة شيئا في بلاد خصيبة أما في وسط  العزلة وبين قحولة الجبال الجرداء فإن خورا وبضعة أشجار بالإضافة إلى بعض الكائنات الحية تكفي لتجعل من المنطقة مكانا بهيجا.

وعلى بعد أربعة عشر فرسخا من هذه الواحة الصغيرة يجد المرء عيونا تسمى العدوة، وهذه عبارة عن ثقوب محفورة في الرمال في سفح هضاب منحدر من الشست.

وبير الأنبار هذه قرية صغيرة تقع على تخوم الصحراء والأرض المنزعة. وهي تبعد بحوالي فرسخ وربع الفرسخ على مدينة فقط القديمة الواقعة على بعد نصف الفرسخ من نهر النيل.

والوادي الذي انتهيت من وصفه هو الوادي الذي يسلكه عادة حجاج مكة والتاجر الذين يمرسون التجارة مع الجزيرة العربية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الهيدروجرافيا هي علم وصف المياه أو طبوغرافيا البحار

([2]) بارة أو مديني وهي عملة صغيرة  تساوي حوالي 9 drachmes أي درهم، وهو نقد روماني ثم فرنسي ضئيل القيمة.

([3]) المديخ: جنس حيوانات بحرية من المجوفات

([4]) 1/24 من الأردب

حمل الملف من هنا

2019-11-10T01:39:05+02:00 عروض كتب|

اكتب تعليقًا