المدخل الشرقي لمصر..أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية

المدخل الشرقي لمصر..أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية

يسعد موقع “بيت الجغرافيا” أن يضع بين أيدكم الكتاب الرائد الذي ألفه أحد كبار علماء الجغرافيا المصرية د. عباس عمار وعنوانه “المدخل الشرقي لمصر..أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية”. صدر الكتاب عام 1946 وقد أعد النص وحرر بعض محتوياته وأشرف على إعادة رسم خرائطه “عاطف معتمد”. 
وتجدون في الصفحة الحالية الحلقة الأولى من أربع حلقات لهذا الكتاب المهم.

                                                                  بيت الجغرافيا****************************************************

المدخل الشرقي لمصر

أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات
ومعبر للموجات البشرية

 تأليف: عباس مصطفى عمار

تاريخ النشر: 1946

أعد هذا النص للنشر في “بيت الجغرافيا” وحرر محتواه: عاطف معتمد (نوفمبر 2019)

***********************************************

 مقدّمة

هذا بحث مفصّل في موضوع يمس الدراسة الجغرافية لإقليم من أقاليم القطر المصري، كانت له أهمية كبرى، باعتباره حلقة هامة من حلقات  الاتّصال بين مصر ومايجاورها من بلاد الشرق الأوسط والأدنى، كما كان دائماً المدخل الرئيسي، الذي استخدمه الغزاة دخولاً وخروجاً، واتخذته الموجات المختلفة معبراً لها إلى وادي النيل الخصيب.

وسيشعر القارئ بأن هناك اقتضاباً في بعض النقط وتقصيراً في استيعاب البحث فيها، وهو في هذا صادق في شعوره مصيب في حكمه؛ وتفسير ذلك أن ما ينشر هنا عن « أهمية سيناء كطريق للمواصلات، ومعبر للهجرات البشرية » إنما هو جزء من بحث طويل، عالج – إلى جانب هذه الناحية التي تدور حولها مادة هذا الكتاب – جغرافية سيناء الطبيعية والجيولوجية، كما تعرض بالتفصيل لظروفها المناخية ولمصادر الماء وتوزيع العيون والآبار؛ وكل هذه نواح أساسية لفهم الجانب البشري في جغرافية شبه الجزيرة؛ ولو أن الظروف سمحت بنشر البحث كاملاً لاستطاع القارئ أن يرجع في تفاصيل ما اقتضب من بعض أجزاء هذا البحث إلى موضوعها الطبيعي من الدراسة.

لقد كان هذا البحث ثمرة لتوجيه أستاذنا الجليل ( مصطفي بك عامر ) عندما كان رئيساً لقسم الجغرافية بجامعة فؤاد الأول، وعندما كنت أعمل تحت إشرافه في كتابة رسالتي لدرجة الماجستير، إذ شاء عزته أن يسد قسم الجغرافية بالجامعة المصرية هذا النقص في دراسة مصر القومية، وأن يقوم طلاب البحث فيه بدراسة أقاليم القطر ومناطقة المختلفة؛ وبذلك يساهمون في توفير مادة كافية، يمكن أن تكشف عن تفاصيل الحقائق الجغرافية لهذا الجزء من حوض النيل.

وكان لهذا التوجيه الحكيم أثره، فقام طلبة الماجستير بقسم الجغرافية بجامعة فؤاد الأول بعدة بحوث جغرافية تعالج عدداً من الأقاليم في الدلتا والصعيد، ولا تزال سياسة الجامعتين([1]) ترمي إلى الاستمرار في تشجيع هذا اللون من البحث حتى يشمل أجزاء القطر جميعاً؛ وكل ما نرجوه هو أن تسير السبل لينشر على الناس أكثر مايمكن نشره من هذه البحوث، حتى لا تظل المكتبة العربية فقيرة في الدراسات الجغرافية المحلية – كما هي فقيرة في المراجع الجغرافية العامة – وحتى لا يبقى هذا النتاج العلمي مقصوراً على القليلين الذين يستطيعون الاطلاع على أصول هذه الأبحاث… وإذا كان هناك نشاط مشكور في نشر المخطوطات القديمة، فلا أقل من أن يسير إلى جانب هذا جهود مماثلة لنشر الثقافة الجغرافية، وتعريف المصريين بمقومات البيئة التي شكلت مجتعهم، وأثرت في تطورهم، ووجهت تاريخهم القديم والحديث.

ولا يسعني هنا إلا أن أسجل خالص الشكر للجمعية الجغرافية الملكية المصرية على جهودها في هذا الاتجاه، وعلى تفضلها بنشر كتابي عن «أهل مديرية الشرقية» ثم السماح لي بإعادة طبع هذا البحث عن شبه جزيرة سيناء، وهو بحث نشر بمجلتها في المجلد الحادي والعشرين والثاني والعشرين…

لقد كان لصديقنا (مسيو مونييه) – الذي أخلص في سكرتارية الجمعية وأفنى حياته في خدمتها – الفضل الأول في تدبير المال اللازم لنشر البحثين في سني الحرب الأخيرة، رغم ندرة الورق وصعوبة الطبع وارتفاع الأسعار.

                                                                                                              عباس مصطفى عمار

                                                                                                      قسم الجغرافية بجامعة فؤاد الأول

                                                                                                               سبتمبر سنة 1946

 

موقع شبه جزيرة سيناء

ترتبط أهمية المنطقة كطريق للمواصلات بموقعها الجغرافي، وتزيد أهميتها في ذلك أو تنقص تبعاً لما تمليه البيئة الجغرافية من علاقات كبيرة أو صغيرة بين أجزاء ذلك الوسط الذي توجد فيه، وتبعاً لما يكون لتلك المنطقة ذاتها من أهمية تجعل الاتّصال بها مقصوداً لذاته أو تجعلها مقصورة على مجرد المرور بها إلى غاية أخرى خارج حدودها. وتؤثر طبيعة المنطقة ذاتها في حركة المواصلات بها : فهي تزيدها إن كان الانتقال فيها سهلاً ميسراً وهي تضعفها إن كثرت الصعوبات، بها فإن استمرت الحركة بها لكونها طريقاً لا غنى في الانتقال عنه فذلك الاستمرار ينقطع حين يوجد طريق آخر أقل صعوبة وأشد تيسيراً.

والآن ما موقع شبه جزيرة سيناء؟ وما مدى هذه العلاقات التي تمليها البيئة الجغرافية بين الأجزاء المختلفة لهذا الإقليم الذي تقع فيه؟ وهل ننظر إليها كأنها مجرد طريق للمرور بين الجهات المحيطة بها أم أن في شبه الجزيرة نفسها مايمكن أن نعتبره غاية تقصد في المواصلات لذاتها؟ ثم إلى أى حد تسهل طبيعة سيناء الانتقال فيها أو تصعبه، وما تأثير هذا في حركة المرور بها وتطور أهمية النقل فيها تطوراً ينتهي إلى ما نراه الآن؟

تقع شبه جزيرة سيناء بين ذراعي البحر الأحمر، إلى شرقي دلتا النيل، وشمال غربي بلاد العرب، وإلى الغرب والجنوب الغربي لشرق الأردن وفلسطين وسوريا (بلاد الشام)، أى أنها نقطة  اتّصال بين الجنوب الغربي لقارة آسيا والشمال الشرقي لقارة أفريقيا. وأهمية هذا الموقع إنما تظهر لنا حين نقارن بين هذه الجهات التي تتوسطها سيناء لنرى مبلغ التباين في ثروتها وإنتاجها ومقدار الاختلاف في غناها وغلاتها، فذلك هو الذي يحدد مبلغ ما بين تلك المناطق المختلفة من علاقات، وهذا ما يظهر لنا أهمية سيناء كطريق هام للمواصلات.

أما دلتا النيل فمنطقة تعرف بخصوبتها منذ القدم، يسكنها من العصور التاريخية القديمة سكان مستقرون يشتغلون بالزراعة ويتخذونها حرفة أساسية لهم، والأراضي التي إلى شرقي الدلتا – وإن لم تكن لها أهمية كبيرة في الزراعة – كانت أراضي غنية بمراعيها لا يعتمد نمو حشائشها على ما يسقط من أمطار، وإنما كانت تفيض فروع النيل الشرقية في زمن الفيضان على جوانبها فإذا غاض النهر نمت حشائش كثيرة يمكن أن يعيش على رعيها عدد كبير من الحيوانات([2]).

أما المناطق الأخرى التي تحيط بسيناء في آسيا فإذا نحن استثنينا هذه المساحات المحدودة التي تدخل في دائرة الهلال الخصيب، فهي في جملتها مناطق صحراوية يصعب أن تقوم بها زراعة، ويتعذر تبعاً لهذا أن يسكنها قوم مستقرون وإنما كان – ومازال – يسكنها في أغلب الحالات جماعات متنقلة وبدو رحل تتوقف مواردهم على الطبيعة على ما يربونه من حيوانات تعيش على هذا الكلأ الذي ينمو على المطر والذي يتوقف توافره على ما يصيبهم منه… وشبه جزيرة سيناء نفسها- فيما تدل الدراسة المناخية والنباتية لها –  تدخل إلى حد كبير ضمن هذه المناطق الصحراوية، وما يمكن أن يسكنها – كما سنرى في دراسة سكانها – إلا بدو رحل، إن وجدت بينهم جماعات مستقرة فهي جماعات قليلة العدد تنحصر مناطق سكانها في جهات محدودة في سيناء لا يمكن أن تتعداها.

هذا التباين بين جهات زراعية غنية في وسط الدلتا ومراع تضمن حشائشها إلى الشرق منها، وبين مناطق صحراوية لا يُضمن الكلأ فيها، من شأنه أن يغري سكان الصحراء بأن يزحفوا على المناطق الزراعية طمعاً في ثروتها. وهذا أمر يشير إليه علماء الجغرافية الاجتماعية دائماً، ويعرفه الذين يدرسون البيئات المختلفة ويحللون حياة الجماعات فيها([3]). بل إن تاريخ عرب آسيا – فيما يقول الأستاذ برستد إنما يمكن وصفه بأنه صراع وتنازع بين سكان الجبال وسكان الصحراء على امتلاك أراضي الهلال الخصيب التي تحف بالصحراء([4]). وإذا كان « برستد» قد تكلم على هذا الصراع وعلاقته بغزو السهول الخصيبة في بلاد الجزيرة العربية وسهول الشام، فإن تاريخ مصر قد شهد لوناً من هذه الغزوات السامية المتتابعة، تشتد حيناً وتضعف حيناً آخر، لكنها فيما يؤكد المؤرخون كانت دائمة مستمرة. وإذا كان سكان سيناء كثيري الإغارة على مقاطعات مصر الشرقية، يهددونها ويقلقون راحة سكانها، وكان حكام مصر يضطرون إلى تجريد الحملات الكثيرة لتأديبهم، فإن غزوات للبدو كانت تأتي من خارج سيناء تقطع شبه الجزيرة العربية وتغير على الأراضي الغنية في الدلتا بشكل خاص… ومن الصعب علينا أن نعين بالضبط بدء هذه الغزوات إذ لم يدون منها إلا الغزوات الكبيرة ذات الأثر في تاريخ مصر كغزوة (الهكسوس) مثلاً، لكن الوثائق والكتابات المصرية تدل على أن الغزوات سابقة لعصر الأسرات؛  بل إن بعض الكتّاب يغلو فيرجع هذه الغزوات إلى الأيام التي كانت تحكم فيها مصر بالآلهة – كما تشير (الميثولوجيا) المصرية – حتى لقد كان على الآلهة أن يقوا أنفسهم شر هؤلاء البدو الغزاة([5]) !!.

هذه الغزوات كانت متتابعة مما اضطر فراعنة مصر إلى تحصين حدود مصر الشرقية ببناء حائط كامل – في رأي بعض المؤرخين – أو بناء حاميات وقلاع حربية في رأى كتّاب آخرين. ولا أدل على كثرة هذه الغزوات من أن هذه المقاطعة الشمالية الشرقية في مصر السفلي كانت تأخذ اسم ( المقاطعة العربية)، ومن أن القساوسة كانوا يشيرون إليها في كتبهم المقدسة على أنها مكان سكنى “تيفون Typhon” العدو اللدود للخصوبة والعائق الأكبر لسعادة مصر([6])؛ وكان يشجع هذه الغارات ويقويها ضعف مصر من ناحية، وسوء الحالة النباتية في الصحاري من ناحية أخرى. وإذا كان هنتنجتون يربط هذه الغزوات بنظريتها في الجفاف ويعتبر أن تلك الغارات المختلفة إنما دعت إليها تغيرات في الحالة المناخية، فإنا لا نستطيع أن نقبل هذا الرأى إطلاقاً بل نرى أن من هذه الغزوات ما لم يكن بحاجة إلى تغيّرات مناخية في المناطق الصحراوية؛ إذ أن مجرد التباين بين غنى الأراضي الزراعية وبين فقر الصحراء كاف، كما قلنا، لأن يغري البدوي بأن يغير على الجهات الزراعية([7]) عندما يلمس في حكام المناطق الزراعية المجاورة ضعفاً.

تلك إذا هي أول أهمية لسيناء في المرور: كان البدو يقطعونها في طريقهم إلى الأراضي المصرية في شكل موجات فردية وجماعات قليلة، أو في شكل غزوات كبيرة منظمة أظهرها غزوة الهكسوس. كما أن غزوة العرب أيام التوسع الإسلامى في نظر كثير من الكتّاب لا تختلف عن الغزوات السابقة، إلا في أنها أكثر تنظيماً وإلا في أنه قد يكون للدافع الديني شئ من الأثر إلى جانب ذلك الدافع الاقتصادي الذي لا نستطيع له إنكاراً… وإذا كانت شبه جزيرة سيناء قد شهدت مرور هذه الجماعات البدوية في عنفها تعبرها بدافع الاستيلاء على خيرات الأراضي الزراعية، فقد شهدت كذلك موجات أخرى سلمية، ما جاءت لتغزو وتنهب وإنما جاءت لتسكن وتعيش في مناطق تفيض بخيراتها؛ من تلك هجرات « الكنعانيين» التي شجّعها حكم الهكسوس في مصر، ومنها هذه القبائل التي سمح لها بأن تهاجر من (إيدوميا) لترعى قطعانها ولتعيش في أرض فرعون مصر (منفتاح)([8])، وتلك القبائل العربية التي كان يشجعها ولاة مصر في العهد([9]) الإسلامي على أن تهاجر من بلاد العرب وبلاد الشام لتسكن مصر وتسقر فيها والتي ظلت تفد إلى مصر حتى عهد قريب.

أهمية سيناء الحربية

على أن مرور الغزاة عبر سيناء لم يقتصر على هؤلاء البدو الرعاة، بل لقد شهدت شبه الجزيرة في الزمن القديم وفي العصور الوسطي والتاريخ الحديث غزوات جيوش منظمة، قطعتها قادمة إلى مصر حين لمست في حكامها ضعفاً وقطعتها راجعة إلى آسيا ثانية حين قوى ملوك مصر على طردها. بل إن مصر نفسها كثيراً ما اتّخذت سيناء طريقاً لتوسعها الخارجي حين يشتد بأسها فتمد نفوذها على بلاد الشام، وتبسط سلطانها على أراضي الجزيرة وتخضع الأشوريين والبابليين.

والذي يتتبع تاريخ مصر في مراحله المختلفة ويدرس الحوادث التي مرت بها، يرى أن مصر بعد طرد ( الهكسوس) في أيام « أحمس» قد دخلت في طور فتح جديد في آسيا وأن حرب الاستقلال والتخلص من هؤلاء الرعاة قد نفخ في المصريين روحاً قوية، ومن هنا ظهر نشاط الأسرة الثامنة عشرة أيام « تحتمس الأول» الذي قطع سيناء إلى بلاد النهرين، وأيام « تحتمس الثالث» الذي خلدت غزواته على جدران معبد الكرنك… وإذا كان حكم «أخناتون» قد أضاع على مصر شيئاً من أملاكها في آسيا، فإن ملوك الأسرة التاسعة عشرة – سيما رمسيس الأكبر – قد حملوا حملاتهم عبر سيناء فأدبوا (الحيثيين) وأعادوا إلى مصر رهبتها وأخضعوا تلك البلاد لمصر خضوعاً تاماً.

ثم تدخل مصر في فترات ضعفها، ويتنازع حكمها الشعوب المجاورة، فيظهر الأشوريون في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، ويقوى الفرس فيتغلبوا على جهات  آسيا الغربية ويدخل « قمبيز» مصر منتصراً عام 525 قبل الميلاد، وتظل مصر خاضعة للفرس إلى أن تنتقل إلى حكم « الإسكندر» الذى قطعت جيوشة سيناء ووصلت إلى مصر في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد.

ويحكم «البطالسة» مصر بعد موت «الإسكندر» فتعود مصر إلى التوسع الخارجي، وتعبر جيوشها شبه الجزيرة لتسترد بعض أراضي فلسطين، وتنتقل السلطة إلى روما فتستمر مصر في يدهم حتى تأتي جيوش المسلمين قاطعة سيناء فتسقط مصر في أيديهم 641 بعد الميلاد… وكذلك تستمر حركة الجيوش عبر شبه الجزيرة من مصر وإليها في أيام الصليبيين والمماليك والأتراك العثمانيين، وتأتي الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر فيجرد (نابليون) حملته على بلاد الشام، ويحكم «محمد على» فتتجه أطماعه إلى الشرق وتصل جيوشه إلى بلاد الأناضول، فإذا وقعت مصر تحت الحكم البريطاني عقب الاحتلال أصبحت سيناء حلقة الاتّصال بينها وبين أملاك الدولة العثمانية. ولما كانت الحرب الماضية([10]) وحاربت تركيا ضد الحلفاء، ظهرت الحملة التركية في سيناء وقطعت شبه الجزيرة مرتين لتهاجم القناة. ثم رأى الإنجليز ألا بد من أن يجعلوا هذه القناة بعيدة عن الغزو فتحركت جيوشهم قاطعة شبه جزيرة سيناء لتجعل خط الدفاع عن القنال في أرض فلسطين.

مثل هذا التلخيص للحملات المختلفة التي عبرت سيناء يرينا في وضوح الأهمية الحربية لشبه الجزيرة، ويبرر لنا المكانة التي تأخذها سيناء كطريق مرور للجيوش بين آسيا وشمال أفريقيا الشرقي. ولقد حاول “جارفس بك” – محافظ سيناء السابق- في مقدمة كتابه عن شبه الجزيرة أن يصور لنا هذه الأهمية الحربية تصويراً أساسه المقارنة، ونحن نثبت هنا الفقرة التالية من كلامه فهي تعبير لرجل حربي نقيم لكلامه في هذه الناحية وزناً كبيراً. وسنراه يحكم حكماً تؤيده تلك الغزوات الكثيرة التي عددناها في الفترات المختلفة من تاريخ مصر:

“Though a desert – or to be more exact.. a wilderness – Sinai, by reason of  its geographical position as the link between Asia and Africa, always has been and will be of considerable importance, and as a battle – field has seen more invading and retreating armies passing through than any other country in the world – Belgium is not excepted”.)[11](

وهناك نقطة ينبغي أن نشير إليها لما لها من أهمية كبيرة في إعطاء شبه الجزيرة مركزاً حربياً ممتازاً لم يكن لها من قبل: ذلك أنه قبل حفر قناة السويس كان الدفاع عن مصر يرتكز في برزخ السويس، في تلك الحصون والقلاع القائمة على حدود شبه الجزيرة الغربية، وما كانت الجيوش التي تقطع المنطقة لتجد حاميات لها قيمة إلا إذا وصلت مدينة (بيلوز) التي كانت أهم الحصون في الدفاع عن مصر ضد غارات المغيرين. لكن حفر القناة غيّر من هذا تغييراً كلياً وجعل الذين يهتمون بسلامة القناة ينظرون إلى حدود سيناء الشرقية كمنطقة للدفاع عن القناة، وبهذا زادت أهمية سيناء الحربية وأصبح الإنجليز ينظرون إليها كمنطقة لا غنى عنها لتأمين القناة، الشريان الهام في جسم الإمبراطورية. فهذه القناة طريق مواصلات هام وليست قناة يقصد بحفرها أن تكون كالخنادق تقف في وجه العدو المهاجم لمصر من الشرق وتعطل تقدمه فيكتفي بتحصين شواطئها الغربية ليتم بذلك الدفاع عن مصر، ومن الضروري إذاً أن تظل حركة الملاحة فيها مستمرة تنقل لإنجلترا في أوقات الحرب المواد الغذائية والجند المحاربين، وتسهل مرور الأساطيل لحماية أجزاء الإمبراطورية في الهند واستراليا بشكل خاص؛  فإذا جعلت القناة منطقة دفاع تدور رحى الحرب على ضفّتيها عاق ذلك حركة القناة من غير شك وهدد السفن التي تمر بها، وإذا استطاع العدو أن يغرق بها سفينة واحدة عطلت حركة المرور بها، وقد يكون لذلك في أوقات الحرب أثر في تغيير مجرى الحوادث تغييراً تاماً([12]).

ولقد ظهرت هذه النقطة واضحة تماماً في الحرب الماضية. إذ كان هنالك رأيان في مسألة الدفاع عن القناة: أحدهما يرى ألا ضرورة للتقدّم في سيناء، والثاني يقول بذلك ويلح فيه([13]). وإذا كان الرأي الأول هو الذي تغلّب في الفترة التي تولى القيادة فيها السير مكسويل(Sir J. Maxwell)  حيث رأى أن خط الدفاع عن حدود مصر الشرقية إنما ينبغي أن يكون قناة السويس نفسها فما نظن أن ذلك يناقض ما ذهبنا إليه، بل كل ما في الأمر أن أنصار ذلك الرأي كانوا يستبعدون غزو الأتراك لمصر من ناحية سيناء لأن تلك الصحراء في نظرهم لا يسهل على الجيوش أن تقطعها. ولو أنهم كانوا يرون إمكان ذلك لما وجدنا هذا الخلاف على ضرورة التقدم في سيناء يظهر بين رجال الحرب في منطقة القناة([14])، ولذا نجد أن تقدم الحملة التركية الأولى (أوائل سنة 1915) من «بئر السبع» وهجومها على القناة في منطقة «الإسماعيلية» وإن انتهي بالفشل إلا أنه غير الرأي في مسألة الدفاع عن القناة تغييراً تاماً. وها هو نص ماجاء في الجزء الأول من تاريخ الحرب العظمى الذي يعتمد على الوثائق الرسمية وهو يؤيد هذه الوجهة التي ذهبنا إليها:

“ In Dec. 1915 (بعد هجوم الحملة التركية الأولى) the policy of defending the Suez-Canal upon its own banks had now been definitely abandoned. It had been decided, as has been recorded, that the line of resistance must be far enough to the east to deny the Canal to the fire of hostile artillery…)[15](

ولم يكد السير مري (Sir A. MURRAY) يتولى القيادة في أوائل سنة 1916 خلفاً للسير (مكسويل) حتى رأينا هذه السياسة الجديدة تتغلّب ورأينا الخطط اللازمة لذلك التقدم على سيناء ترسم: فتُشترى الإبل ويفُكر جدياً في مد الخط الحديدي شرقي القنطرة إلى «قاطية» أولاً ثم إلى «العريش» وما بعدها…([16]) ويكفي أن نثبت هنا هذه الفقرات من خطاب أرسله السير(مري) بتاريخ 15 فبراير سنة 1916 إلى القيادة العليا ففيها رأيه في تلك النقطة صريحاً جداً:

“It is clear that the security of Egypt against an attack from the east is not best assured by the construction of a great defensive position in proximity to Suez – Canal… In order to effect the object aimed at, it would be far preferable to push out across the Sinai penin. towards the Egyptian frontiers”.)[17](

أهمية سيناء في مرور التجارة

وسنترك الآن أهمية سيناء كطريق لمرور الجيوش والغزوات إلى أهمّيتها كطريق لمرور القوافل التجارية ونقل البضائع والحاصلات بين أفريقيا وآسيا. وهنا يحسن أن نفرق بين مرور تجارة الشرق الأقصى والأوسط وبلاد العرب في طريقها إلى مصر وبلاد الغرب من جهة، وبين مرور تجارة شمال بلاد العرب وبلاد العراق والشام بشبه جزيرة سيناء في طريقها إلى مصر من جهة أخري، فنصيب سيناء من مرور تجارة هذه المناطق بها ومدى تفوق الطرق الأخرى عليها في اجتذاب تلك التجارة يجعلنا نميل إلى ذلك التفريق.

أما تجارة الشرق الأقصى والأوسط وجنوب بلاد العرب فما نظن أن سيناء قد أصابها من مرور تجارتها حظ كبير: لأن تجارة الشرق الأقصى في طريقها إلى أوروبا كانت تفضل طرقاً أخرى كثيرة منها ما يقطع وسط آسيا ويحف ببحر قزوين، ومنها ما يصل إلى الخليج الفارسي ويأخذ طريقه في الهلال الخصيب والصحراء السورية إلى البحر الأبيض، وجزء قليل من التجارة – فيما تقول الكتابات الصينية –  كان يدور حول الجزيرة العربية إلى موانئ البحر الأحمر الشمالية مثل (هوارة([18]) ([19])Leuce Come) و (أيله) على رأس خليج العقبة ثم تنقل منها إلى موانئ البحر الأبيض([20]) وموانئ سوريا وفينيقيا ليتم صناعتها قبل أن تعرض فى الأسواق([21]) . فإذا كان يصل إلى مصر شئ من هذه التجارة فالغالب أنها ما كانت تقطع سيناء متفرعة من التجارة الذاهبة إلى موانئ الشام على ساحل البحر الأبيض، وإنما كان يفضل أن تنقل من موانئ البحر الأحمر على شاطئ بلاد العرب إلى موانئ مصر الواقعة على هذا البحر.

والتجارة بين الشرق الأوسط وبين أوروبا، تلك التجارة التي كانت لها أهميتها منذ القدم والتي كانت تغري التجار بأرباحها الطائلة، إذ كانت العطور مثلاً تباع بمائة أمثالها ذهباً، مما أدى إلى تنافس شديد بين الطرق عليها.

تُرى هل كان يمر بسيناء شئ كبير من هذه التجارة؟ الجواب على ذلك بالنفي أيضاً. فنحن إن تركنا الطرق الأخرى التي كانت تسلكها تجارة الشرق الأوسط بعيداً عن منطقة البحر الأحمر وركزنا بحثنا في تلك المنطقة وحدها، فالكتابات المختلفة وإن أشارت إلى الصعوبات التي كانت تلقاها السفن في الوصول من الهند إلى البحر الأحمر قبل اكتشاف الرياح الموسمية في القرن الميلادي الأول، تجمع على أن تجارة هذا الشرق الأوسط من توابل وعطور وبعض المنسوجات والأحجار الكريمة كانت تتجمع في موانئ الركن الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية ليتحكم فيها ملوك سبأ و «الحميريون» أو في (هوارة Leucé Comé) إلى الشمال من ذلك ثم ينقل جزء منها بالطرق المختلفة إلى المركز التجاري المعروف (بالبطراء) في بلاد النبط لتحف بشبه جزيرة سيناء من الشرق في طريقها من موانئ البحر الأبيض. ونصيب مصر من هذه التجارة كانت غالبيته تنقل بالسفن من موانئ البحر الأحمر العربية إلى موانيه المصرية المختلفة فلا يأتي إليها عبر سيناء من تلك التجارة إلا جزء قليل… وإذا كان هناك ما يدعو  إلى أن تفضل التجارة طريق سيناء في بعض الفترات فإن المجهودات التي قام بها البطالسة والرومان في تحسين الموانئ المصرية على البحر الأحمر وتسهيل اتّصالها بداخل مصر بطرق المواصلات المختلفة، من شأنه أن يضعف ذلك ويحول عن سيناء ما كان يمر بها من تجارة المحيط الهندي([22])… وما قيل عن تجارة الشرق الأوسط يمكن أن يقال تماماً عن منتجات جنوب بلاد العرب التي كان المصريون يحتاجون إليها في التحنيط والطقوس الدينية: فالمر والعطور وما إليها كانت تنقلها السفن إلى الموانئ المصرية على البحر الأحمر مثل (برنيس) و(Myos Hormos([23])) تلك الموانئ التي كانت تتبادل الأهمية فترة بعد أخرى.

على أنه إذا كان حظ سيناء من مرور متاجر الشرق الأوسط وجنوب بلاد العرب قليلاً، فما يجب أن ننسى أن الجانب الغربي لشبه جزيرة سيناء كان في بعض الفترات التاريخية طريقاً مهماً لمرور تلك التجارة إلى القطر المصري، وأن الحاصلات التي كانت تأتي من المحيط الهندي وجنوب بلاد العرب فتخزن في موانئ البحر الأحمر العربية، كانت في تلك الفترات تنقل بالمراكب إلى ميناء (الطور) – Raithou([24])– قديماً لتحملها القوافل إلى القطر المصري بمحاذاة الجانب الأيمن لخليج السويس… حقيقة إن المعلومات عن ميناء (الطور) حتى العصور الوسطى معلومات ضئيلة لا يمكن أن يستنتج منها شئ عن مركز تلك الميناء([25])، لكنّها تظهر في كتابة جغرافيي العرب (كالقلقشندي والمقريزي) وغيرهما منافسة ميناء السويس من جهة ومينائي «عيذاب» و«القصير» من جهة أخرى مدة النصف الأول من القرن الحادي عشر، وابتداء من النصف الأخير من القرن الرابع عشر (1358 في رأي المقريزي و1378 في رأي القلقشندي). ويمكن أن نميّز في تاريخ نقل التجارة بين الشرق الأوسط ومصر عن طريق البحر الأحمر أربع فترات تتناوبها الموانئ المصرية المختلفة التي تقع عليه وتتفوق فيها ميناء الطور مرتين فيصبح الجانب الغربي لسيناء هو طريق مرور تلك التجارة:

1- فترة كانت تنتهي التجارة فيها إلى نهاية خليج السويس في ميناء «القلزم» و«السويس» تستمر حتى نهاية القرن العاشر، ويكتب (ابن خرداذبة) حوالي سنة 900ميلادية في كتابه «المسالك والممالك» فيصف «القلزم» بأنها ميناء الملاحة إلى الهند والحجاز.

2- والظاهر أن خطورة الملاحة في خليج السويس لكثرة شطوطه المرجانية، وهبوب الرياح الشمالية في جزء كبير من السنة على ذلك الخليج، جعل التجار يتلمّسون موانئ أخرى إلى الجنوب، فرأينا «الطور» في العصور الوسطى تظهر أهمّيتها في فترة تنتهي حوالي عام 1050 في نظر المقريزي.

3- ثم يأتي دور «عيذاب» و «القصير» فيذكر المقريزي أنه منذ سنة 1047 وفي القرنين التاليين كانت «عيذاب» ميناء الحج إلى مكة، والملاحة إلى اليمن والهند، ويوافقه كثير من الكتاب وإن أشار بعضهم إلى أنه كانت هنالك ميناءان على البحر الأحمر هما عيذاب والقصير.

4- ولعل قبائل (البجاة) التي كانت تتحكم في المنطقة – منطقة عيذاب والقصير –  ويقاسي المسافرون والتجار منها كثيراً([26]) تسأل عن شئ كثير من أسباب تحول التجارة عن تلك الموانئ، فتظهر أهمية «الطور» من جديد منذ حوالي منتصف القرن الرابع عشر ويصفها (أبو الفداء) بأنها ميناء عظيمة؛ وأنه يوجد فيها سوق يتجمّع فيها التجار([27])

كذلك يذكر (Piloti) عام 1440 أنه حتى حوالي تلك الفترة كانت تنزل البضائع أولاً في عدن – يقصد بضائع المحيط الهندي – ثم كانت تنزل بعدئذ في «جدة» لسوء معاملة حكام اليمن، ومن «جدة» تنقل البضائع الخفيفة إلى مصر بطريق البر أما البضائع الثقيلة فتنقل بطريق البحر إلى «الطور» لتأخذها القوافل المختلفة وتوزعها حيث تشاء([28]).

ثم يأتي بعد ذلك عصر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح فتضعف أهمية الطور، وتضمحل حركة مرور التجارة على جانب خليج السويس في سيناء – كما ضعفت أهمية مصر كلها في تجارة المرور – وما تستعيد تلك المنطقة بعد ذلك أهميتّها في مرور التجارة بالشكل الذي كان لها من قبل.

وإذا كنا قد أشرنا إلى الفترات المختلفة في أهمية موانئ البحر الأحمر المصرية وعلاقتها بتجارة الشرق الأوسط وجنوب بلاد العرب، فما ينبغي أن يتطرق إلى أذهاننا أن انتقال التجارة من ميناء إلى أخرى كان يأتي مفاجئاً، أو أن الميناء الجديدة كانت تقضي على الموانئ الأخرى قضاءً تاماً، بل إن الانتقال إنما كان يجئ تدريجياً، فالطور كانت لها شئ من الأهمية رغم تقدم «عيذاب» و «القصير» عليها… والمقريزي الذى يذكر عام 1358 كتاريخ لاضمحلال «عيذاب» و«قوص» يذكر في مكان آخر من كتابه أن طريق «قوص» لم يهجر تماماً إلا في عام 1397، بل أن بعض الكتّاب يشير إلى أنه حوالي ذلك التاريخ كان الطريقان يستخدمان، مما يدل دلالة واضحة على أن الفترة إنما كانت فترة انتقال([29]).

نخرج من هذا  كلّه إذاً بأن سيناء ما كان يعبرها شئ كثير من تجارة الشرق الأوسط وجنوب بلاد العرب، وكل ما كان يصيبها هو هذه التجارة التي تتبع الطرق الواقعة على شرقيها والتي كانت تنتهي بموانئ بلاد الشام على البحر الأبيض، وتلك التجارة التي كانت تتبع الساحل الشرقي لخليج السويس في الفترات التي تتقدم فيها ميناء «الطور» على موانئ البحر الأحمر المصرية الأخرى… ويؤيد هذا تماماً الخرائط التي رسمها الأستاذ “حزين” للطرق التجارية في البر والبحر بين الشرق العربي والشرق الأوسط والأقصى في الفترة الإغريقية الرومانية والفترة الفارسية العربية وما يلي ذلك حتى أوائل عصر الاستكشاف، إذ لا نجد فيها خطاً واحداً يعبر سيناء في تلك الفترات الطويلة، وكل ما نصادفه هو ذلك الخط الذي يبدأ من ميناء «الطور» محاذياً لخليج السويس حتى مدينة «القلزم» على رأس الخليج، وهذا نفسه لا يظهر إلا في فترات قليلة محددة([30]).

على أن شبه جزيرة سيناء وإن ضعفت حركة مرور التجارة فيها بين جهات الشرق الأوسط والأقصي وجنوب غربي بلاد العرب من ناحية، وبين مصر والبحر الأبيض من ناحية أخرى – إذ كانت تجد تلك التجارة طريقها إلى موانئ الشام أو موانئ مصر على البحر الأحمر ثم بالنيل إلى البحر الأبيض-، فإن حركة تجارية قديمة كانت تمر بها بين بلاد النهرين والشام وشمال بلاد العرب من جهة وبين وادي النيل من جهة أخرى، حركة كانت تقوى فترة وتضعف فترة أخرى، تقوى حين تستتب الأمور بين مصر وبين تلك الجهات المحيطة بها، وتضعف حين تسوء الحالة بينها، بأن يقل المطر في تلك المناطق الصحراوية فتنبعث منها غارات سكانها ويكونون عاملاً يهدد الحركة التجارية ويوقفها، أو بأن تكون مصر في حرب معها، تتقدم الجيوش منها لتغزو وتفتح فيقف مرور التجارة إلى أن تعود الحالة إلى ما كانت عليه ويسود السلم من جديد. ويضع الأستاذ «حزيّن» قاعدة يتمسّك بها فيما يختص بتأثير الجفاف والمطر في العلاقات التجارية والثقافية بين مصر وبلاد العرب، فيذكر أن فترات المطر كانت فترات ترتقي فيها التجارة بين مصر وماجاورها، على حين أنه في أيام الجفاف كان يضطر البدو إلى أن يهاجموا الطرق التجارية ويزحفوا على الدلتا فيفر سكانها إلى الجنوب، وتنتقل قوتهم لتتركز حول “طيبة” فتزيد قوتها الدينية وتزداد الحاجة إلى العطور، وتكون معظم العلاقات التجارية مع بلاد “بنت”. وفي رأيه أن في إمكاننا أن نتخذ التغيرات المناخية التي قال بها هنتنجتون في شمال بلاد العرب – وهو يسلم بأراء ذلك الكاتب على طول الخط ويغلو أحياناً فيها – أساساً ثابتاً للتغيير الذي طرأ على العلاقات التجارية بين مصر وبين تلك المناطق التي تأثرت بتلك التغييرات([31]).

أما تأثير الحروب في إضعاف العلاقات التجارية فأمر طبيعي أشار إليه كثير من كتّاب تاريخ مصر القديم، لكن إذا كانت تلك الغزوات قد أضعفت التجارة في الفترات التي تلتحم الجيوش المصرية فيها بجيوش الحيثيين والأشوريين والبابليين، فإنها من ناحية أخرى –في رأي المؤرخ ماسبيرو– كانت عاملاً يقويها وينشطها، لأن الأهالي قبل هذه الالتحامات ما كانوا يأخذون صورة واضحة عما يمكن أن يتبادلوه، فلما وصلتهم المتاجر بطريق أولئك الباعة الذين كانوا يرافقون الجيوش ويسيرون معها ، أو بطريق أولئك الذين كانوا لا يكتفون بغنائم الحرب بل يبيعون ما معهم ليزيدوا في لذتهم ويشبعوا رغباتهم، زادت الحركة التجارية([32]). وكلام (ماسبيرو) على هذا الوضع فيه شئ من الغلو، فما نظن أن العلاقات التجارية بين مصر القديمة وما جاورها ترجع إلى أيام التوسع ونشر نفوذ مصر خارج حدودها، وما نظن أن المتاجر التي يمكن أن تتبادلها تلك الشعوب كانت مجهولة حتى تأتي الحروب فتظهرها، وإنما يرى كثير من البُحاث أن العلاقات التجارية أقدم من عصر التوسع المصري في الخارج بكثير، ترجع إلى أيام الأسرات الأولى، بل لعلها ترجع إلى فترات ما قبل الأسرات وإن لم يدون عن ذلك شئ كبير.

والقوافل التي كانت تمر قديماً بسيناء في طريقها بين مصر والبلاد المحيطة بها من الشرق كانت تأتي من بلاد الشام بالجواري اللائي يعملن في الحريم وبثيران الحيثيين والخيل والسمك والملح والخشب والآلات الموسيقية والمصنوعات الجلدية والزيوت والنبيذ، وكانت هنالك قوافل كثيرة تأتي من بلاد النهرين ومنطقة الخليج الفارسي، تقطع الصحراء وتمر بأرض اليهود وشرق الأردن، تحمل إلى مصر من بلاد الكلدانيين المصنوعات الصوفية التي احتكروها حتى أيام الرومان، وتحمل من بلاد بابل شيئاً من الجلود والحصير والزيوت، أما بلاد العرب فالظاهر أن حظ سيناء من مرور تجارتها بسيط مقصور على شئ من المر والعطور. وهنالك سلعة تحدّث عنها (ديودور الصقلي) وأخذ عنه بعض المؤرخين أمثال (شارب) – في كتاب عن مصر ([33])– الذي ذكر أن بلاد (النبط) التي كانت فقيرة في كل فترات تاريخها والتي كانت تعتمد على وساطتها بين تجارة المحيط الهندي والبحر الأبيض، كان تحتكر إنتاج مادة (الأسفلت Lʼasphalte) التي كانت تؤخذ من البحر الميت – بحيرة الأسفلت فيما كانوا يسمونه قديما – والتي كان قدماء المصريين يحتاجون إليها ويستوردونها بكثرة ليخلطوها ببعض المواد الأخرى وليحنطوا بها أجسام موتاهم فما تبلى. لكن (Kammerer) في كتابه عن (البطراء والنبط) ينكر هذا إنكاراً تاماً ويخرج من بحوثه إلى أن (ديودور) كان خاطئاً، وإلى أن هذه المادة لم يشتهر بتصديرها إلى مصر النبطيون([34]).

أمّا تجارة مصر التي كانت ترسلها عبر سيناء إلى تلك الجهات التي إلى شرقيها فكانت أهم وأعظم بكثير مما كان يرد إليها منها. ذلك نتيجة طبيعية لغناها وكثرة إنتاجها مقارناً بغلة تلك المناطق المجاورة وإنتاجها… كانت القوافل تحمل من مصر الحبوب التي اشتهرت مصر بها والتي تدل قصة «يوسف» التي وردت في الكتب المقدسة على مظهر من مظاهرها، كما كانت تحمل المنسوجات الدقيقة والأدوات الذهبية وبعض الزجاج والأواني الفخارية وما إلى ذلك مما عرفت مصر بإنتاجه واشتهرت بالإتجار فيه منذ الزمن القديم، أو مما كانت تصنعه من بعض الخامات التي كانت تأتيها من الشرق فتعيد تصديرها مصنوعة إلى ما يجاورها من الجهات([35]). وكانت هذه التجارة حين تصل إلى حدود مصر أو البلاد التي تتاجر معها تدفع ضرائب لا يقصد بها مجرد كثرة دخل الولاة وزيادة إيراد الحكام، بل كان يقصد منها – فيما يقول ماسبيرو– حماية التجارة المحلية وتمكينها من أن تنافس بضاعة الدول الأخرى([36]).

هذه التجارة – سيما ما كان يأتي منها من بلاد الشام – قد أضعف مرورها بشبه جزيرة سيناء رقيّ الملاحة في البحر الأبيض بين شواطئ بلاد الشام وشواطئ القطر المصري الشمالية، فقد تحول حديثاّ إلى ذلك الطريق البحري السهل كثير من حاصلات الشام بوجه خاص، ومع ذلك فلا تزال بعض الإبل والخيل والغنم من نجد وشمال بلاد الحجاز وسوريا تأتي عبر سيناء لتباع في أسواق مصر في بلبيس وشبين القناطر وما إليها([37])، يصادفها المسافر في طريق القوافل الشمالي بكثرة. لكن ما كان يأتي منها قاطعاً خليج العقبة إلى مرسى «النبك([38])» فالسويس قد قلّ في الأيام الأخيرة قِلّة محسوسة، لعلها نتيجة تلك المراقبة الشديدة التي تفرضها الحكومة المصرية مخافة أن تنقل هذه الحيوانات بعض الأمراض إلى مصر من الجهات التي تأتي منها من الحجاز.

ولقد ظهرت لسيناء أهمية جديدة في المرور حين ظهر الإسلام وانتشر في مصر وفي بلاد المغرب، ذلك الدين الذي فرض على المسلمين فريضة الحج من استطاع إليه سبيلا… كان الحجاج يجتمعون في مصر فيأتي المغاربة من بلادهم لينضموا إلى إخوانهم من مسلمي مصر، ثم تبدأ القافلة سيرها إلى أرض الحجاز… ولقد تطور طريق الحج إلى مكة كما يأتي:

أوّلاً – أقدم طرق الحج كان إلى «قفط» أو «قوص» بالنيل، يستغرق الحجاج في ذلك عشرين يوماً تقريباً، ثم يأخذون بعد ذلك طريق الصحراء الشرقية فيصلون في خمسة عشر يوماً إلى ميناء «عيذاب» أو «القصير» على البحر الأحمر ومنها إلى ميناء «جدة» ثغر بلاد الحجاز. كان ذلك هو الطريق حتى منتصف القرن الثالث عشر تقريباً، وإذا كان بعض الحجاج يأخذون السفن الشراعية من السويس إلى «جدة» مباشرة فقد كان عدد هؤلاء قليلاً بدرجة لا يمكن معها أن نعتبر ذلك الطريق البحري منافساً لطريق الصحراء. وكان الحجاج يلاقون صعوبات كبيرة جداً في الوصول إلى مكة: فعرب البجاة الذين كانوا يسيطرون على الطريق إلى البحر الأحمر ويتولّون نقل الحجاج حتى البحر الأحمر على إبلهم، «كانت أخلاقهم – فيما يقول البتانوني – فظة، وربما بلغ بهم الأمر إلى تغير طريق الماء على القافلة لغرض شنيع هو أن ركابها يموتون عطشاً ليستولوا على متاعهم… وكان الحجاج يقيمون في عيذاب أو القصير نحو شهر من الزمان في انتظار «الفلايك» لتحملهم إلى جدة، وكانت هذه سفناً غير محكمة، شراعها من الحصير غالباً، يتعسف أهلها بالحجاج ويشحنونها بأكثر من حمولتها، وكثيراً ما كانت تغرق وسط البحر فيهلك من عليها، ومن وصل إلى جدة وصل بعد أسبوعين يتقلب في أثنائها بين تحكم الملاح وتبرم الرياح وانزعاج الماء واضطراب الهواء»([39]). وكثيراً ما كان يثور هؤلاء «البجاة» على حكام مصر أيام ضعفهم، فيضطرب الأمن في تلك المنطقة ويعطل طريق الحج إلى عيذاب فإما أن يؤجل الحجاج سفرهم، وإما أن يفعلوا ما فعله (ابن بطوطة) حين أراد أن يحج عن طريق عيذاب، فلما وصلها وجد البجاة يحاربون الأتراك المماليك وقد خرقوا المراكب وهرب الأتراك أمامهم فتعذر سفره بطريق البحر واضطر إلى أن يسافر بطريق الصحراء وقطع شمال سيناء في طريقه إلى الحجاز([40]).

ثانياً – ثم ظهر طريق وسط سيناء «درب الحج» الذي يمر بعجرود شمال مدينة السويس، يقطع هضبة التيه، ويمر بنِخل ثم يصل إلى العقبة ليدخل بعدئذ في أرض الحجاز. بدأت أهمية هذا الطريق تظهر حين حجت به «شجرة الدر» في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد(645هـ )، وأخذت أهميته تزداد حين سير «الظاهر بيبرس» قافلة الحج فيه وأرسل الكسوة الشريفة عن طريقه (665هـ 1267م)، وحين حج به «الناصر قلاوون» عام 1319م فيما يذكر «أبوالفداء». وكان معقولاً أن يتحول الحجاج إلى طريق سيناء هذا تخلصاً من تلك المصاعب التي أشرنا إليها في طريق «عيذاب»، وحرصاً على أرواحهم، سيما وأن قوافل الحج كان يحميها في طريق سيناء جنود الولاة والسلاطين. كذلك عظم اهتمام حكام مصر بذلك الطريق الجديد، فهم يحفرون فيه الآبار ويصلحون المناطق التي يصعب على الإبل أن تسير فيها سيما (نقب العقبة) الذي كان عقبة كبيرة تتابعت إصلاحات الولاة عليها.

ثالثاً – وتظل سيناء طريق الحج مدة سبعة قرون أو تزيد، ثم يأخذ الطريق البحري بين السويس وجدة أهميته منذ حروب محمد علي مع الوهابيين، فإذا كنا في أواخر القرن التاسع عشر (1885) – فيما يذكر نعوم بك شقير – تحول الحجاج إلى طريق البحر وضعف مرور قوافلهم بسيناء شيئاً فشيئاً، وانحطت أهمية المحطات التي كانت قائمة على طول «درب الحج» وفي مقدّمتها (نخل) التي كان لها مركزها والتي اتّخذت عاصمة لشبه الجزيرة تستمد أهميتها من مرور قوافل الحج بها، فلما تحول الحجاج عنها ضعف مركزها ضعفاً كبيراً ولم يبق هنالك ما يبرر بقاء العاصمة فيها فنقلت إدارة سيناء إلى بلدة «العريش» في الشمال([41])… وكان تحول الحجاج إلى طريق البحر معقولاً لا غرابة فيه، فطريق البر – رغم ما عمل فيه من إصلاحات – كان طريقاً طويلاً، يستغرق من المسافرين أكثر من أربعين يوماً، في أرض يصعب السير فيها، ويقسو الجو، ويقل المرعى والماء.

تلك كانت أهمية سيناء كحلقة  اتّصال بين قارتي أفريقيا وآسيا، وذلك مركزها كطريق مرور تقطعها قوافل التجار وجيوش المحاربيين، فهل كان هذا هو كل أهميّتها في المواصلات، أم قد كان لسيناء من الأهمية ما يمكن أن يقصد لذاته، وما يمكن أن يغري الشعوب المجاورة لها على أن تكون لها بسيناء علاقات تتبعها حركة مواصلات لا تمر بسيناء مروراً وإنما تنتهي بها وتعتمد حركتها عليها؟ إن طبيعة سيناء فيما تدل دراستها النباتية فقيرة لا تغري البدو الذين يجاورونها على أن يقصدوها لمرعاها بل كان يحدث العكس فيغير بدو سيناء على الأراضي المجاورة، وقبائلها حتى الآن تضطر – في غير فصول المطر – إلى أن ترحل عنها إلى أرض الشام وشرق الأردن حيث تجد الكلأ متوافراً ترعاه إبلها وغنمها. لم تكن الحياة النباتية في سيناء إذاً هي التي تغري بالانتقال إليها، وإنما شهرتها في التعدين، والطمع في الحصول على ثروة مناجمها هما اللذان كانا يغريان بذلك: فمناجم النحاس والفيروز بشكل خاص كانت داعياً قوياً إلى اهتمام المصريين القدماء بجهات سيناء واستعمارهم الأول لها، وكانت هذه المناجم تغذي حركة نقل بينها وبين وادي النيل، وكذلك كانت (أشور وبابل) تعتمد أن في الحصول على النحاس وبعض الأحجار الصلبة على مناجم سيناء التي كانوا يطلقون عيلها اسم (أرض مجان) في رأي بعض الكتّاب([42])… ويشير (هنري بالمر) في كتابه الذي أشرنا إليه عن سيناء([43]) إلى أن بابل كانت تهتم بشبه الجزيرة للحصول على (الديوريت) بشكل خاص، وقد دلت الأبحاث على أن التماثيل المصنوعة من ذلك الصخر والتي عثر عليها في (Telloh([44])) في جنوب بابل، إنما تأتي بأحجارها من سيناء، الإقليم الجبلي في تسمية البابليين «Sholem» أو «Malachite» والظاهر أن المصريين كانوا كذلك يحصلون على «الديوريت» لصناعة التماثيل من شبه جزيرة سيناء، ففي دار الآثار المصرية تمثال «لخفرع» من (ديوريت) سيناء.

… وهنا ملاحظة يصح أن نشير إليها ففيها ما يشعرنا بأن مناجم سيناء كانت مركز جاذبية كبيرة للمصريين والبابليين، وأن شيئاً من الاتّصال والاحتكاك قد أتى عن طريق سيناء في فن صناعة التماثيل: ذلك أن تماثيل «Telloh»، التي ترجع إلى فترة معاصرة للأسرة الرابعة في مصر، تشابه في مظهرها العام تمثال«خفرع»، يؤيد هذا في نظر “بتري” تشابه وحدة المقاييس في الأسرة الرابعة في مصر وتلك الوحدة التي وجدت في نقوش إحدى تماثيل «Telloh» هذه، حتى لقد خرج «سبنسر بالمر» من هذا بأنه «لا يستبعد أن تكون مدرسة فنية قد قامت على شواطئ شبه الجزيرة في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، انتهت في مصر بذلك الاتّجاه الفني المعروف في الدولة المصرية القديمة، وانتهت في بابل بهذه التماثيل الثقيلة التي لم تصل في الإتقان إلى ماوصلت إليه صناعة التماثيل المصرية»([45]).

على أنه إذا اقتصرت الأهمية الاقتصادية لسيناء قديماً على تلك المناجم التي كانت تشتهر بها أجزاؤها الجنوبية، فلسيناء مكانتها الدينية التي كانت تجذب كثيراً من سكان المناطق المجاروة إليها، إذ كانت في رأي بعض المؤرخين مركزاً لعبادة مقدّسة قديمة تتركز في منطقة (سرابيت الخادم) يحج إليها المصريون القدماء ويتعبدون فيها قبل خروج موسى وبني إسرائيل، وارتبطت جهاتها الجبلية الجنوبية بخروج اليهود ونزول الرسالة على نبيهم، وكانت في عزلتها ورهبتها تستهوي المسيحيين الذين كانوا يفرون إليها أيام اضطهاد المسيحية في مصر، فإذا دفنت «سانت كاترين» في منطقة الدير قوّى تيار الحجاج من المسيحيين الذين يقدسونها، يأتون إليها بوجه خاص من الروسيا، ودول شرق أوروبا الأخرى، يستمرون على ذلك قروناً حتى تقوم الحرب الماضية وتحدث الثورة البلشفية فينقطع تيار هؤلاء الحجاج، وتضع الحكومات إيديها على ما رصد لدير «سانت كاترين» من أوقاف…

وعلينا قبل أن ننتهي من دراسة أهمية سيناء كطريق للمرور أن نرى هل كان الانتقال فيها سهلاً لا تجد القوافل فيه صعوبة كبيرة، أم أنه كان صعباً يعاني المسافرون منه كثيراً؟ الواقع أنه ليس في سيناء ما يساعد على تيسير المرور فيها، بل كل ما فيها يجعله شاقاً غير محتمل: طبيعتها، جوّها، سكانها، هذه كلها كانت تتآمر على المسافر فتحدد مناطق سيره وأوقات انتقاله، وعدد المسافرين… أما العوامل الطبيعية من تضاريس ومرعى وماء فسنترك التفصيل فيها إلى أن نأتى إلى دراسة الطرق لنجعلها أساس المقارنة بينها، ولنفهم على ضوئها مدى أهمية كل طريق. ويكفي أن نشير هنا إلى تلك الكثبان التي تنتشر في شمال سيناء، وإلى قلة الماء ورداءة نوعه وهو العقبة الكبرى في المواصلات الصحراوية.

وأما بدو سيناء فقد كان يصيب قوافل المسافرين منهم ضرر كبير: فهؤلاء جماعات رحل متنقلة، يسكنون بيئة مجدبة فقيرة، وليس هنالك في الصحراء قانون حكومي يحول بينهم وبين ما يرتكبون من قتل للأنفس ونهب للتجارة والأموال، ولذا كانوا ينتهزون فرصة مرور تلك القوافل فيعتدون عليها، وينهبون ما تحمله، مما كان موضع الشكوى ومحل خوف التجار في كل فترات التاريخ: فها هم كتّاب التاريخ القديم يشيرون إلى أن التجار كانوا آمنين ما داموا في حدود الدول المتمدينة كمصر وأشور وبابل، فإذا دخلوا المنطقة الصحراوية التي تفصل بينها فهم معرضون لأخطار لا حصر لها([46])… وها نحن في عهد الرومان نرى الحكومة الرومانية تضطر لحماية طرق القوافل في تلك المناطق الصحراوية إلى أن تقيم محطات حربية على طولها، وإلى أن توجد الحاميات في المراحل المختلفه فيها… وفي العصور الوسطى وحكم المماليك في مصر تصبح هذه المناطق موضع خطر جسيم على القوافل، حتى أضطر التجار إلى أن يسيروا في حماية القبائل نظير إتاوة سنوية تدفع لمشايخها، وحتى اضطر الولاة أنفسهم لحماية طريق الحج إلى أن يقسموا مراحله ويوكلوا إلى القبائل المختلفة حماية تلك المراحل، على أن يعطوها في مقابل ذلك مكافآت يتقون بها شرها وعدوانها. ولعل أفضل مايعطينا صورة عن نفوذ البدو أن نثبت هنا ما كتبه «رتشارد بوكوك» عام 1743، وهو يصف حكم مدينة السويس بواسطة قبطان عمله الحقيقي يتعلق بالبحر، معه حاكم المدينة (قائم مقام)، وشيخ من مشايخ العرب يقول عن سلطته ما يأتي:

“He (شيخ العرب) lives here and has nearly all the power, whenever he pleases to interfere, and what gives him much authority is the great scarcity of water, which is brought 6 miles from Naba to the E. S. E. so that on the least discontent with the people, they (البدو) will not permit water to be brought to the town”)[47](.

ولقد استمر نفوذ البدو قوياً وبقوا شبحاً مخيفاً يتحكمون فيمن يمر بسيناء حتى جاء محمد علي فجاهد كثيراً في إضعاف سلطان هؤلاء البدو، وتأمين الطرق، واستطاع أن ينجح في هذا إلى حد كبير، لكن بعد مجهود عظيم([48]). على أن إضعاف البدو إضعافاً تاماً إنما جاء حين قُتل “بالمر” في سيناء أثناء الاحتلال البريطاني والثورة العرابية، إذ نزع الإنجليز من البدو أسلحتهم، ولم يتركوا لهم إلا تلك السيوف التي لا يستطيعون في نظام الحكم الحالي أن يفعلوا بها شيئاً كثيراً…

————————————————————–

([1]) كان في مصر آنذاك جامعتان: “الجامعة المصرية” التي حملت اسم “فؤاد الأول” (وتغير اسمها إلى “جامعة القاهرة” بعد عام 1952) والثانية جامعة “فاروق الأول” والتي نشأت في ثلاثينيات القرن العشرين كفرع من جامعة فؤاد الأول ثم استقلت تحت اسم جامعة فاروق الأول وبعد عام 1952 تغير اسمها إلى جامعة الإسكندرية. (المحرر)

([2]) تقع أرض جاسان Goshen التي كان يسكنها الإسرائيليون ويشتغلون بالرعي فيها إلى شرقي الدلتا. والمؤرخون يختلفون في تعيين حدودها بالدقة وهذا لا يعنينا كثيرًا في هذا البحث وإنما الذي يهمنا أن نلاحظ أن أرض جاسان هذه كانت مناطق غنية بمراعيها. راجع:

Major R. H. Brown, the Land of Goshen and the Exodus (1899), pp. 28 – 33.

([3]) راجع الفصل الرابع عشر سيما الصفحات من 490 إلى 493 في كتاب:

Semple, The Influences of Geographic Environment (1911(.

([4]) راجع: James H. Breasted, Ancient Times, a History of the Early World, p. 101.

([5]) راجع: Maspero, Down of Civilization (1896), p. 357.

([6]) راجع: Champollion, L’Egypte sous les Pharaons, vol. 2, pp. 87-88.

([7]) راجع: Huntington: a) The Pulse of Progress (1926); b) Palestine and its Transformation (1911).

يربط (هنتنجتون) غزوات البدو بتغيير المناخ، ويأخذ هذه الغزوات برهانًا يؤيد به رأيه. وإذا كنا لم نسايره إلى هذا المدى البعيد الذي ذهب إليه، فذلك لا يمنع من أن بعض الغزوات سببها تغيير في حالة المناخ، لا سيما تلك الغزوات الكبيرة العدد التي يأتي البدو فيها ومعهم أطفالهم ونساؤهم.

([8]) هذا مأخوذ من ورقة بردي محفوظة الآن بالمتحف البريطاني تعرف باسم ” The Papyrus of Anastasi VI “

راجع:

Major R. H. Brown, The Land of Goshen and Exodus (1899) p. 35, and Henery Spencer Plamer, Sinai From the Fourth Egyptian Dynasty to the Present Day, p. 154.

([9]) راجع كتاب “البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب” للمقريزي.

([10])  يقصدالمؤلف ما صرنا نسميه الآن “الحرب العالمية الأولى”. (المحرر)

([11]) راجع: C. Jarvis, Yesterday and Today in Sinai (1933), p. 1.

ويمكن أن نترجم هذه الفقرة على النحو التالي:

“وسيناء وإن كانت صحراء – أو بالأحرى برية – فإن موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين آسيا وإفريقيا كان وسيبقى دوما بالغ الأهمية، وقد كانت سيناء مسرحا حربيا شهد من تقدم الجيوش وتقهرها أكثر مما شهد أي إقليم آخر في العالم، بما فيه بلجيكا”. (المحرر)

([12]) راجع: Serjeant-Major R. A. M. C., With the R. A. M. C. in Egypt (1918), p. 83.

([13]) Lieut. P. G. Elgood, Egypt and the Army (1924), p. 121..

([14]) راجع: Lieut. P. G. Elgood, Egypt and the Army, (1924) p. 67.

([15]) راجع:

History of the Great War (Based on the Official Documents): Military Operation; Egypt and Palestine: Compiled by Lieut. General Sir George Macmunn and Cap. Cyril Falls (1928), vol, I, P.89.

([16]) راجع الكتاب السابق صفحة 157 وستجد فيه خطابًا من ( السير مري) إلى (سير روبرتسن) في 15 فبراير سنة 1916 يصرح فيه بأن خير طريقة للدفاع عن مصر من الشرق هى التقدم إلى العريش.

([17]) راجع كتاب تاريخ الحرب العظمى السابق جزء أول صفحتى 170 و 171. وراجع:

Sergeant-Major R. A. M. C. with the R. A. M. C. in Egypt, 1918, p. 84.

([18]) الأرجح أن المؤلف يقصد “حوراء” و ليس “هوارة”. (المحرر)

([19])بالروماني تعني “القرية البيضاء” والأرجح أنها كانت ميناء على البحر الأحمر إلى الجنوب الشرقي من خليج العقبة . وعلى الرغم من المؤلف هنا يقترح أنها بلدة “حوراء” إلا أن البحث الحديث توصل إلى أنها بلدة “وادي عينونة”، على الرغم من أن بعض الباحثين يذهب إلى أنها ليست سوى “أيلة”. (المحرر)

([20]) يقصد المؤلف البحر المتوسط. (المحرر)

([21]) يرى Firth F. إن Ta Ts’in التي تقول الكتابات الصينية أن تجارة الصين كانت تنتهي إليها على البحر الأحمر هى (أيله) وليست إحدى الموانئ المصرية الواقعة على خليج السويس، وهو يعتمد في ذلك على أن البضائع الصينية تختلف عن البضائع الهندية في أن الأولى معظمها من المنسوجات الحريرية التي يجب أن تتم صناعتها وأن يعاد نسجها قبل أن تطرح في الأسواق ( راجع صفحة 100 من رسالة الأستاذ حزين عن العلاقات الثقافية والتجارية بين الشرق العربي والشرق الأقصى في الفترتين الإغريقية الرومانية والفارسية العربية التي كتبها في (1933) وراجع أيضا كتابه: 1942,Arabia and the Far East)  p. 101.

([22]) يمكن الرجوع إلى مجهودات البطالسة والرومان في تحسين مواني البحر الأحمر المصرية والطرق التي كانت تربطها بالداخل في كتب التاريخ التي كتبت عن مصر في عصر البطالسة والرومان مثل:

A.-E. Bevan, The History of Egypt, (the Ptolemaic Dymasty) pp. 154-155; B.-M. P. Charlesworth, Trade Routes and Commerce of the Roman Empire (Cam. 1926).

([23])أثبت البحث الأثري الحديث أن “ميوس هورمس” هي “القصير القديم”. (المحرر)

([24]) يقع هذا الميناء إلى الجنوب الشرقي من بلدة الطور بنحو 15 كم ويحمل في الكشوف الأثرية الحديثة مسمى “راية”. (المحرر)

([25]) راجع: Ptolémée: Ptol. Géog., C. Müller, vol 16, pp. 993-995.

([26]) راجع رحلة ( ابن بطوطة) لترى أنه أراد أن يسافر بطريق ( عيذاب ) فوجد أن سلطان (البچاة) يحارب الأتراك المماليك وقد حرق المراكب وهرب الترك أمامه، وراجع ص 29 من كتاب «الرحلة الحجازية للبتاتوني» – 1909 – لترى أن البچاه كانوا يحيدون بالقافلة في الصحراء الشرقية عن موارد الماء ليموت المسافرون عطشًا فيستولوا هم على بضائعهم وأن الملاحين كانوا يملأون السفن بأكثر مما تطيق وكثيرًا ما أدى إلى ضياع أرواح الناس غرقًا.

([27]) راجع: Géographie d’Aboulfeda, traduite par M. Reinaud (Paris, 1848).

([28]) راجع صفحة 94 من كتابWeil  عن شبه جزيرة سيناء، وراجع في ص 105 م نفس الكتاب ما ذكره Von Harff من أنه حوالي عام 1497 كان يصل البهار إليها (الطور) مرتين في العام بانتظام.

([29]) يستأنس في دراسة هذه النقطة بــ:

 Raymond Weill, La Presqu’île du Sinaï (1908), pp. 85 – 105.

([30]) راجع الخرائط المرفقة بكتاب الدكتور حزيّن:

Soliman Ahmed Huzayyin, Arabia and the Far East; their Commercial and Cultural Relation in Graeco-Roman and Irano-Arabian Times (1942).

([31]) راجع كتاب الأستاذ حزين السابق صفحتىَّ 30 و 31.

([32]) راجع: Maspero, The Struggle of Nations, p. 282

([33]) راجع: Sharpe, Egypt, vol. 1, p. 3.

([34]) راجع تعليقه على كلام ديودور Kammerer, Pétra et la Nabaténe (1928), pp. 50 – 52

إذ يقول عن كلام (ديودور):

…”  á ces histories fantaisistes ne correspond aucune réalité..  Il faut sans hésiter, rayer cet article des listes du traffic nabatéen”.

([35]) يرجع في العلاقات التجارية القديمة بين مصر والجهات المجاورة لها إلى كتب التاريخ القديم مثل:

a) Maspero, Dawn of Civilization (1896), PP. 470-471.

b) The Struggle of Nations, pp. 282 – 286.

c) Sharpe, Egypt, 1, pp. 8, 32-40 and 121.

d) E. A. Budge, Babylonian Life and History, p.177.

([36]) راجع ماسبيرو في كتابه “صراع الأمم” ص 286.

([37]) راجع كتاب نعوم بك شقير في جغرافية سيناء وتاريخها في دراسة علاقات مصر التجارية بين مصر وما جاورها في الأيام الحديثة ص 753.

([38]) هذا هو الاسم الصواب “نبك” وليس الاسم الحديث الذي تتعامل معه خرائط السياحة والمحميات البيئية التي تنطق الكلمة “نبق”. وقد زرت المكان ميدانيا واسمه مستمد من طبيعة شكل الأرض الغني بالنباك وليس الغني بشجر النبق. (المحرر)

([39]) راجع كتاب الرحلة الحجازية بقلم محمد لبيب البتانوني ( 1909)، ص 28 – 29.

([40]) راجع رحلة ابن بطوطة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار “، أو راجع مهذب تلك الرحلة الذي طبعته وزارة المعارف 1933، ص43.

([41]) يراجع في تطور طريق الحج كتاب “الرحلة الحجازية للبتانوني”، ص 27 – 34؛ وكتاب “تاريخ سيناء وجغرافيتها” لنعوم بك شقير  ص 261 – 263 وكتاب “مرآة الحرمين”.

([42]) راجع: A. Wallis Budge, Babylonian Life and History, pp. 177-178.

([43]) هنري سبنسر بالمر  (1838-1893) مهندس عسكري في الجيش البريطاني، اختص بالمساحة والترحال،  وألف عدة كتب من بينها كتابه المعنون “سيناء..من الأسرة الرابعة إلا الوقت الراهن”. وكان مدفوعا فيه بالأفكار التوراتية. ويجب ألا نخلط بين اسمه واسم رحالة آخر شهير هو “إدوارد هنري بالمر” (1840-1882) مؤلف كتاب “سيناء..صحراء الخروج” الذي لقي حتفه في سيناء على أيدي بدو سيناء. (المحرر)

([44]) تعرف باسم “تل تيلوه ” في جنوب العراق وصارت محلا لكشوف أثرية مهمة خلال العقود الأخيرة. (المحرر)

([45]) راجع:

Henery Spencer Palmer, Sinai from the Fourth Egyptian Dynasty to the present day, 1892, pp. 147 – 149.

ولاحظ أنه يؤيّد النفوذ البابلي في سيناء بإرجاع تسمية سيناء إلى إله القمر البابلي (Sin) الذي انتشرت عبادته إلى جنوب بلاد العرب وإذا فليس هناك ما يمنع من انتشارها في سيناء (ويوافقه في هذا كتاب آخرون) وهو يذكر كذلك على سبيل الموازنة أن اسم الإله البابلي (Nebo) قد أطلق على قمة جبل في أرض (مواب).

([46]) راجع على سبيل المثل: Maspero, The Struggle of Nations, p. 286.

([47]) راجع: R. Pococke, A Description of the East and Some Other Countries (1743), p. 133.

يمكن أن نترجم هذه الفقرة على النحو التالي:

“يعيش شيخ العرب هنا وبيده سلطة كاملة للتدخل وقتما شاء، ولعل شُح المياه هو ما يعطيه مزيدا من السلطة، فالماء يُجلب إلى المدينة من مسافة ستة أميال من شرق الجنوب الشرقي، لدرجة أن أي خلاف بسيط مع سكان المدينة قد يدفع بالبدو إلى عدم السماح بجلب الماء إليها.” (المحرر)

([48]) راجع: Burckhardt, Syria and the Holy Land (1882), pp. 459-467.

اكتب تعليقًا