المدخل الشرقي لمصر..أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية

المدخل الشرقي لمصر..أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية

المدخل الشرقي لمصر: سيناء كمعبر للهجرات البشرية

هذه هي الحلقة الثالثة من كتاب الجغرافي الرائد عباس عمار الذي ألفه في 1946 بعنوان ” المدخل الشرقي لمصر

أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات ومعبر للموجات البشرية “

تحمل الحلقة الحالية عنوان ” سيناء كمعبر للهجرات البشرية ” وقد تناول فيه المؤلف تاريخ وخريطة الهجرات البشرية عبر العصور مع التركيز على كل من الهكسوس وبني إسرائيل فضلا عن هجرات الشعوب التي تماست مع سيناء والمنتشرة بين الشام والجزيرة العربية.

لا يتعامل المؤلف مع سيناء هنا كوحدة مستقلة منعزلة، بل كمعبر لحركة القبائل التي وصلت إلى كل من شرق الدلتا (وخاصة مديرية الشرقية) وامتدت عبر الصحراء الشرقية (قبائل المعازة وبلي) حتى بلغت المنطقة الممتدة بين قنا على وادي النيل والقصير على البحر الأحمر.  يلقي المؤلف الضوء على ما تغير في مراكز نفوذ هذه القبائل من تركيز وانتشار أو هجرة وارتحال، ويدعم ذلك بعدد مهم من الخرائط الرائدة في الموضوع.

**************************************

المدخل الشرقي لمصر

أهمية شبه جزيرة سيناء كطريق للمواصلات

ومعبر للموجات البشرية

تأليف:

عباس مصطفى عمار (1946)

إعادة نشر وتحرير : عاطف معتمد (نوفمبر 2019)

بيت الجغرافيا

**************************************

سيناء كمعبر للهجرات البشرية

قدّمنا في القسم السابق ما فيه الكفاية عن موقع سيناء وأهميتها كطريق للمرور، ويهمنا في هذا الجزء من دراستنا أن نؤكد عظم أهمية شبه الجزيرة في مرور كثير من القبائل، بصفتها قنطرة هامة بين شمال بلاد العرب وما يدور الهلال الخصيب حوله من صحاري سوريا والعراق من ناحية، وبين وادي النيل الخصيب من ناحية أخرى، فذلك التباين في الثروة والغنى بين تلك المناطق الفقيرة المجدبة الواقعة إلى جانب من سيناء، وبين ذلك القطر الغني بزراعته المعروف بعظم خصوبته منذ فجر التاريخ، بل  إن شهرة المنطقة الواقعة إلى شرقي الدلتا بمراعيها منذ القدم نتيجة مياه الفيضان التي كانت تفيض على جوانب فروع النيل القديمة، والتي كانت حشائشها مضمونة مادامت تعتمد على مورد ماء مضمون بعكس تلك الحشائش التي يتوقف نموها في صحراء العرب وغيرها على ماء المطر الذي ينزل عاماً وقد ينقطع سنين… كل هذا كان داعياً إلى أن يتلمس سكان المنطقة المجدبة راحتهم في وادي النيل ومراعي شرقي الدلتا، في هجرات سلمية بسيطة يؤخذ فيها رأي حاكم مصر وما كانت تتم إلا بموافقته… ومثل تلك الهجرات السلمية البسيطة كانت تحدث باستمرار أيام قوة مصر وهيبة حكامها، وما كانت تتوقف على سوء الحالة الاقتصادية في الصحراء المجاورة، بل كان يكفي فيها مجرد ذلك التباين الكبير بين المناطق الصحراوية والأراضي الزراعية، وذلك الإغراء الذي يدفع بساكن الصحراء إلى أن يتلمس حياة أكثر غنى في كنف الأراضي الخصيبة وعلى حافة مناطق الزراعة… وإذا كان من الصعب أن نحدد سير هذه الهجرات أو نبين مدى تذبذب موجاتها فان الكتابات القديمة تشير إلى دوام مثل هذه الهجرات واستمرارها، ويعطي (ماسبيرو)  مثلاً لهذا، هو صورة من مقابر بني حسن تمثل عدداً من هؤلاء البدو يقدمون لفرعون مصر القرابين ليسمح لهم بالسكنى في وادي النيل([1]). ولعل هجرة (الكنعانيين) وسكناهم في شرقي الدلتا وكثرة اليهود في ذلك الجزء من مصر كثرة خافها الحكام فاضطهدوهم وعذبوهم مثل حي لتلك الهجرات السلمية المستمرة.

على أنه كان يوجد إلى جانب تلك الهجرات السلمية البسيطة هجرات أخرى عنيفة، قد يكون مما شجع عليها ضعف حكام مصر ضعفاً أغرى سكان البادية بهم، لكن العامل الأساسي في حدوث مثل هذه الهجرات الكبيرة إنما كان مرجعه الرئيسي إلى سوء الحالة الاقتصادية في المناطق المجدبة، مما أدى أحيانا – كما كان الحال في غارة الهكسوس– إلى هجرة العائلات بجميع أفرادها، تصطحب معها كل ما تملكه من معدات وحيوان مما يدل دلالة صريحة على أن القصد من تلك الغارات إنما كان التماس مناطق تتوافر فيها وسائل المعيشة لتلك العائلات التي اضطرت إلى أن تترك مناطقها الأصلية حين عجزت عن أن تجد القوت فيها. إذ لو كان القصد مجرد الاستيلاء على ثروة وادي النيل وسلب خيراته ما كان هنالك ما يدعو إلى أن تتحرك القبائل بنسائها وأطفالها وحيوانها، بل كان يكفي غزو المحاربين الأشداء من رجالها، فإذا مُكّن لهم في وادي النيل لحقت بهم عائلاتهم على أساس مضمون بدل تلك المجازفة التي لا تقوم القبائل بها إلا حين تضطرها إليها سوء الحالة الاقتصادية في مناطق سكناها الأولى. وما دامت حياة الصحراء متوافقة أولاً على مقدار ما يسقط فيها من مطر ينمو عليه المرعى فتعيش الحيوانات، فسوء الحالة الاقتصادية إنما كان يأتى طبيعياً نتيجة الجفاف لقلة سقوط المطر أو انعدامه، أى أن رداءة الأحوال المناخية هنالك كان يتبعه أن ينبض قلب الصحراء فيبعث بهذه الموجات العنيفة إلى الجهات الغنية المجاورة، وما تعود تلك الموجات – إن رجعت – إلا حين تتحسن الظروف الاقتصادية في الصحراء بزوال فترة الجفاف…  والذين يرجعون مثل هذه الهجرات إلى سوء الحالة السياسية في تلك المناطق ينسون أن الفوضى السياسية في البلاد الصحراوية كثيراً ما تكون أسبابها اقتصادية، حين يوجد الضيق فتزيد المشاحنات والحروب بين القبائل.

وقد حاول كثير من الكتّاب تحديد هذه الهجرات، وتعيين عدد من الموجات السامية التي دفعت بها بلاد العرب إلى المناطق الخصيبة المجاورة، وراح (هنتنجتون) يربط هذا بتغيرات مناخية يرى دوراتها منتظمة يحددها هو تحديداً([2]). وإذا كانت الكتابات لم تحتفظ لنا من تلك الغارات العنيفة التي قطعت سيناء في طريقها إلى مصر، إلا بعدد منها كغارة (الهكسوس) التي حدثت حوالي القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فما يمكن أن نأخذ ذلك دليلاً على أن حظ مصر من تلك الغارات كان ضئيلاً، بدليل هذه الحصون القوية المتتابعة التي كانت تقوم على حدود الدلتا الشرقية، وذلك الصراع القوي بين البدو وبين حماة الحصون الذي كان الفراعنة يدونون تفاصيله حين يكتب لهم فيه النصر.

———————————————————-

([1]) راجع: Maspero, Dawn of Civilization (1896), p. 469.

([2]) راجع: Huntington, Palestine and its Transformation (1911), pp. 373 – 405.

>>> لمتابعة القراءة يرجى تحميل الملف كاملا من الرابط بالأسفل pdf <<<

 

حمل الملف من هنا

اكتب تعليقًا