سليمان حزين ..سيرة ذاتية موجزة

سليمان حزين ..سيرة ذاتية موجزة

سليمان حزين ..سيرة ذاتية موجزة

في فجر يوم الاثنين الرابع والعشرين من مايو 1909 ، وعلى الحدود المصرية السودانية (حلفا) ولد سليمان بن الشيخ أحمد بن سليمان بن حسن حزين، وخوفا على الطفل سليمان من الأمراض تركه والده لجده بريف مصر، وهو في عامه الخامس في إحدى قرى مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، حيث التحق بكتاب القرية، وما لبث حتى عاد إلى والديه إذ كان والده مدرسا في مدرسة حلفا، وانتقل مع أبيه إلى أم درمان عاصمة السودان الوطنية ليلتحق بمدرسة ابتدائية / إعدادية، ولكنه رجع إلى مصر عام 1921متقدما لامتحان شهادة الدراسة الابتدائية والتي قد أتم سنواتها في السودان ومنها التحق بطنطا الثانوية وهو في الثانية عشرة من عمره، وتخرج فيها حاصلا على شهاة إتمام الثانوية (التوجيهية) عام 1925،وكان مولد “الجامعة المصرية” الحكومية خريف 1925، وكان هذا اسمها قبل أن تُعرف باسم جامعة “فؤاد الأول” في مرحلة لاحقة وجامعة القاهرة منذ عام 1952.

التحق الطالب بكلية الآداب بقسم الجغرافيا أحد أقسام كلية الآداب، وكان القسم وقتئذ هو قسم الجغرافيا والعلوم السياسية، وعادة ما كان يلتحق الطالب بأحد أقسام الكلية المتخصصة ليحصل في النهاية على إجازته لهذا الفرع أو ذاك، ولكن سليمان منذ البداية أثبت أنه علم فرد وفريد في مواهبه العديدة، فقد نال شهادة الليسانس في الجغرافيا في مايو 1929، وفي أكتوبر من العام نفسه نال شهادة في الاجتماع، وكلاهما بامتياز، ألا يدل هذا على شئ؟

أوفدته الجامعة المصرية إلى الخارج ليكون نواة من نوياتها القليلة حينئذ، التي ستحمل رسالة هذه الجامعة في المستقبل، فكان الاختيار صحيحا وبحق، قبلته جامعة ليفربول ليسجل فيها رسالة الماجستير بعنوان:-

Arabia and the Far East: their commercial and relations in Greco-Roman and Irano-Arabian Times”

أى العلاقات التجارية والثقافية أو الحضارية بين الشرقين العربى والأقصى فى العهود الإغريقية/ الرومانية، والإيرانية (الفارسية) /العربية .َ

ظهر تفرده أيضا فى جامعة ليفربول قبل تسجيل الموضوع؛ لأن جامعة ليفربول والجامعات البريطانية بوجه عام لم تكن تعلم الكثير عن هذه الجامعة الناشئة، فعقدت له الاختبارات والتى اجتازها بتفوق بطبيعة الحال؛ فاعتمدت جامعة ليفربول شهادة كلية الآداب المصرية، وكانت هذه أول مرة تعتمد فيها الشهادة من الخارج فكان وجها مشرفا لبلده وجامعته. وأنهى دراسته للماجستير بعد عامين فقط من التسجيل.

طلب منه قسم الجغرافيا بجامعة ليفريول محاضرة، وكان “جون فلير” حاضرا والذى كان رئيسا لقسم الجغرافيا بجامعة مانشستر ورئيس تحرير مجلة الجغرافيا فكانت هذه فاتحة لأن يسجل موضوع الدكتوراه تحت إشرافه. واتفق فلير مع طالبه النجيب على أن يسجل موضوع أطروحته للدكتوراه بعنوان :

مكانة مصر فى ما قبل التاريخ The place of Egypt in prehistory

وهى دراسة للعلاقة بين المناخات والحضارات فى العالم القديم مع الاهتمام بمصر بوجه خاص، كان هذا موضوعا وعرا أيضا لأنه يجمع فيه بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية فى تلك الأزمنة التى يغلفها ضباب كثيف.

تقدم إلى جامعة مانشستر ليسجل رسالة الدكتوراه كما ذكرنا ونال الدرجة بمرتبة الشرف الأولى عام 1935، وأوصى الممتحنون أيضا بطبع الرسالة لأهميتها، ومنحته الجامعة خمسين جنيها إنجليزيا للمساعدة فى طبع الرسالة.

إن دل هذا على شىء فهى يدل على أمرين:

الآول: موضوع الرسالتين، لم يكن الموضوع سطحيا فى أى منهما بحال، وكان يمكن أن يتناول موضوعات أبسط من هذا بكثير خاصة وأن جغرافية مصر فى ذلك الحين كانت ملعبا خاليا، ولكنه غاص فى أعماق التاريخ بل ما قبله، حتى لتعد الرسالتان مرجعين أساسيين فى التاريخ والآثار أيضا، فلا يمكن لدارس الآثار إلا أن يرجع لهذه الحقبة، هذا إلى جانب كونها مراجع أساسية فى الجغرافية التاريخية لأنها تدرس العلاقات وتربط بين الظروف الطبيعية والبشرية وعلاقتها بقيام الحضارات، ولا أظن أن غير حزين يستطيع هذا.

الثانى: إنه إلى جانب تخصصه الدقيق فقد كان موسوعيا فى معرفته غزيرا فى مادته بليغا فى أسلويه. ذلك الأسلوب الذى كان يطوع به مادته، مما يجبرك على الاستماع له دون ملل، فهو لم يكن يجيد العربية فحسب بل حافظا لعمادها وهو القرآن لكريم، وإذا سمعته محاضرا بالإنجليزية أو يتكلم الفرنسية توقن أنك أمام عالم كون نفسه تكوينا جيدا، واستغل ذلك استغلالاً شديدا، فقد استغل فترة البعثة لا فى جمع المادة العلمية فحسب، بل أيضا فى إتقان اللغة التى امتلك زمامها.

عاد سليمان من بعثته في آخر عام 1935 ليعين بعقد مدرسا بكلية الآداب في الفاتح من يناير 1936 بمرتب قدره 25 جنيها لمدة عام يجدد سنويا، ويثبت سليمان أنه قام بعمله بكفاءة بدليل ذلك الخطاب الذي أرسله الدكتور / طه حسين عميد كلية الآداب في يونية 1938 مخاطبا سكرتير عام الجامعة المصرية بشأن تثبيت الدكتور/ سليمان حزين بصفة نهائية بالكلية.

وبعد عودته من البعثة وتعيينه مدرسا فى أول يناير 1936، أوفدته الجامعة بعد ثلاثة أشهر فقط رئيسا لبعثة تتوجه لليمن لمدة 7 شهور وكانت البعثة مؤلفة من أعضاء هيئة تدريس من كليتى الآداب والعلوم. وقد بدأت الرحلة فى السابع من أبريل وأتت البعثة بنتائج علمية مهمة فكانت دعامة طبيعية للجامعة ولكلية الآداب، وعقب عودته من  بعثة اليمن طلب إيفاده إلى بعض المتاحف الأوربية لاستكمال النتائج وعمل مقارنة بين ما توصلت إليه البعثة وما استكشفته الهيئات الأجنبية الأخرى.

وطلبته العراق منتدبا لمعهد المعلمين العالى ببغداد (لم تكن جامعة بغداد قد نشات بعد) ولكن ظروف العمل فضلا عن التوسع فى التعليم الجامعى فى مصر قضت بإنشاء “جامعة فؤاد” فرعا لها فى الإسكندرية (تحمل اسم “جامعة فاروق الأول”)، كما طلبته مصلحة الآثار ليكون مديرا لإحدى إدارتها، ولم ينقل للأسباب نفسها: عدم الاستغناء عنه.

انتدب إلى فرع جامعة الإسكندرية أثناء عمله مدرسا وأستاذا مساعدا  فى كلية الآداب بجامعة فؤاد حين قررت هذه الجامعة أن تبدأ فرعا لها فى الإسكتدرية عام 1938، وأوكل إليه إنشاء قسم الجغرافيا والسفر إلى الإسكندرية مرة كل أسبوع واستمر على هذا الأمر أريع سنوات حتى أنشئت جامعة الإسكندرية عام 1942، وكان المكلف بإنشاء الجامعة أستاذه طه حسين الذى كان يعمل وقتئذ مستشارا لوزارة المعارف العمومية، ولم ينس حزين جامعة فؤاد الأول فكان يأتيها منتدبا من جامعة فاروق حين استقلت، يأتيها محاضرا للجغرافية التاريخية والجنسية والاجتماعية فى أقسام الجغرافيا، والتاريخ، والاجتماع. ورقى فى جامعة فاروق الأول إلى درجة أستاذ عام 1947، واستمرت صلته بجامعة فؤاد وجامعة القاهرة باستمرار لأنه كان عضوا بارزا فى معهد الدراسات السودانية الذى أنشأه دكتور محمد عوض محمد، عليه رحمة الله.

ونظرا لنشاطاته المتعددة وإمكاناته العلمية والثقافية البالغة ومعرفة أساتذته  وجيله بهذا، خاصة أستاذه طه حسين الذى جذبه إليه فى وزارة المعارف مديرا عاما للثقافة. وعين وكيلا مساعدا للوزارة، وبذلك أصبح المسئول المباشر عن الثقافة والمشكلات الثقافية ومؤسسات الدولة المختلفة من جهة وبالدول الصديقة والشقيقة من جهة أخرى، من هنا كانت صلاته وثيقة بكل وزراء ومديرى التعليم بالدول العربية كالملك فهد الذي كان وزيرا للتعليم في السعودية، وعبد العزيز حسين رائد التعليم في الكويت وغيرهما، وهذا فضلا عن مسئوليته نحو الهيئات الثقافية الدولية كاليونسكو.

ولم تقتصر سمعته العلمية والإدارية على مصر، بل تعدتها إلى الدول العربية فقد دعاه صديقه فاضل الجمالي لزيارة بغداد في ليبيا عام 1959 وجامعة الكويت عام 1960، وكان اتصاله بالكويت قبل عشرسنوات حين كان مسئولا عن الثقافة في مصر وشارك حينذاك في رسم خطط تعليم وافتتاح المدارس الكويتية الجديدة، اختارته الكويت فيما بعد عام 1961 إلى جانب ثلاثة من الخبراء الآخرين للتخطيط لجامعة الكويت.

شارك في المجال العربي القومي في مجال العمل الدولي والإقليمي في نطاق جامعة الدول العربية أول الأمر في بعض مقالاتها المتخصصة لاسيما اليونسكو إلى جانب اشتراكه فعليا في المؤتمرات الثقافية التي كانت تقيمها الدائرة الثقافية والتي كان يرأسها الأستاذ أحمد أمين، وانتخب ليكون رئيسا للجنة الشئون الإقليمية في الجامعة العربية، واستمر الانتخاب متجددا لمدة عشرين عاما عقد فيها نحو 20 مؤتمرا لخبراء الشئون الاجتماعية ووزرائها في البلاد العربية وكان معاونا لأستاذه طه حسين الذي كان مندوب مصر في اليونسكو عام 1951 فكان عليه عبء إنشاء مركز سرس الليان.

عاش حزين في عالم العارفين بقدره، ومن ثم كان يدفع به دائما كلما أحسوا بأنهم بحاجة إلى عالم ومثقف موسوعي، فعهد إليه بإنشاء المعهد المصري للثقافة والمركز المصري في لندن عام 1943، وكان هذا مناظرا للمجلس البريطاني في مصر وكان عدد من الدول الأوربية قد بدأ في إنشاء المراكز الثقافية في الخارج قبل ظهور هيئة اليونسكو عام 1945، وهو المؤسس لمعهد للثقافة الإسلامية حين كان مديرا عاما لثقافة إذ عهدت إليه بإنشاء المركز الإسلامي في مدريد وجاء المعهد لإحياء علاقات العروبة والإسلام في عالم الأندلس بعامة في العصر الوسيط وافتتحه طه حسين وبصحبته تلميذه سليمان حزين.

كان الدكتور/ حزين إلى جانب كونه ممتازًا فى علمه، يرتجل محاضراته دائما، لا ينظر فى ورقة حتى مناقشة الرسائل، كان كل مناقش يأتى ومعه الرسالة والملاحظات عليها ولكن حزين يأتى ويداه خاليتان، ومع ذلك يناقش، وكان موسوعيا فإلى جانب تخصصه الدقيق فى رسالتيه الماجستير والدكتوراه فقد صال وجال فى مجالات متعددة، تجده يكتب عن نهر النيل وتطوره الجيولوجى إلى جانب وحدة وادى النيل والحضارة المصرية مما لا يتسع المجال لذكره وهو فى هذا وذاك صاحب العلم الغزير والأسلوب الجميل.

رحم الله د. حزين رحمة واسعة وأثابه على ما قدم للعلم والوطن.

بقلم: أ.د محمد عبد الغني سعودي في مقدمة ترجمته لكتاب سليمان حزين:
” المشرق العربي والشرق الأقصى علاقتهما التجارية والثقافية
في العهود الغريقية الرومانية والإيرانية العربية”

اكتب تعليقًا