أبو هيف!

نشر بتاريخ 2/6/2018

أبو هيف!

في إهانة لاسم الشاطئ الذي أجلس عليه بقيتُ ساكنا لا أبرح مكاني، أراقب البحر ولا أنزله، أتطلع إلى الموج المتسابق المتواتر ولا أتحداه، أشاهد عراك الماء مع الصخر ولا أتحيز لأي من الطرفين.
نشأت الموانئ عبر التاريخ في خلجان تحتضن الموج وتهدهده إلى أن يتخلى عن ثورته النزقة؛ لكن هذه المدينة تشذ عن القاعدة، لا خليج لها، تحميها سلاسل أمامية من صخور غارقة تمتد في البحر كمقدمة اختارت شرف الفداء والتضحية حتى يدخل الموج ساحل المدينة وقد فقد جل طاقته في معركته الأمامية.
كم يحلو لي أن أسترجع تاريخ استلهام الإسكندر خطة المدينة من “الليفانت” (تلك التي ستحرف لاحقا إلى “لبنان”)، إلى متى سأظل أحلم بالسفر إلى لبنان وأقنع نفسي فقط بحكايات البحر التي سردها “حنا مينه” قبل ثلاثين عاما في روايته “حكاية بحار”؟

في تلك الرواية يقرر البحار الانسحاب من مسرح البطولة رغم أنه لم يصب بهزيمة، فقط لأنه استشعر أمارات التداعي، لم يخسر سباقا ولا رهانا في البحر لكن آخر سباق مع شاب في العشرين كان نصرا بشق الأنفس وموت وشيك.

كم يعجبني ذلك البحار الذي آثر الانسحاب قبل أن تفضحه شيخوخته.

لا أستغرق طويلا في الأدب والرواية، تشدني الوقائع مجددا إلى الشاطئ، أطيل النظر إلى ذاك الذي يجوب الشاطئ ولا ينادي على بضاعته، ذلك الذي يحترم عقل الجالسين فلا يزعجهم بصوته. هيئته وهيبته تقول كل شىء، ملابسه البيضاء مهندمة، قميص قديم نظيف و”شورت” أبلاه الزمن لكنه ما يزال ناصعا كبياض الثلج؛ كاميرته الفوتوغرافية المعلقة على صدره وصندوق أدواته المتدلى من كتفه الإيمن يقولان إن هذا الرجل الأشيب الرشيق ما زال ولهًا بمهنته.

حين مر أمامي متهاديا تفحصت وجهه الذي لونته الشمس وأجهده الرمل وتأملت شعره الأشيب فخالني أنه يسير هنا لا ليبحث عن عمل بل لأن مجرد السعي إلى العمل حياة ومقاومة: مقاومة ذلك القاتل الجاحد المسمى “كاميرة الهاتف المحمول”.

إلى متى سأظل أتفرج على الشاطئ؟ كم مؤلم أن أتابع هؤلاء الفتيان الأربعة بأجسامهم الرشيقة الشابة التي تخترق الموج كسهام تعرف صدور العدو، ينزلون البحر ويخرجون في قوة وهياج وحبور، يتمازحون ثم يجلسون قليلا قبل أن يعاودوا القفز فوق قمم الموح المتكسر، صوتهم صراخ حياة.
خمسة رجال اشداء اكفاء يخرجون بمركب صيد صغير في الشقة الأخرى من الشاطئ يتشاجرون ثم يتصالحون ويقتسمون الحمل والأعباء والأرباح، يحملون شباكهم التي تتراقص فيها ألما وموتا واستغاثة أسماك البحر الطازجة. تسقط سمكة أو سمكتين على رمل الشاطئ الرطب، يلتقط واحدة منها طفل صغير، ينظر إلى عينيها السوداوين المفزوعتين، يهرع بها إلى أطراف موج البحر فيغمسها في الماء عسى أن تعود لها الحياة… ثم يخرجها وينظر مجددا إلى عينيها… هيهات.
أنكس رأسي وأسأل نفسي : ما دوري؟! ماذا أفعل هنا؟

أقرر أخيرا أن أتوقف عن إهانة نفسي وإهانة الشاطئ الذي أجلس عليه، جئت هنا مصادفة، ولابد أن أغادر مصادفة احتراما لذلك المكان الذي يخلد ذكرى “أبو هيف” ذلك السبَّاح السكندري الذي احتفى ببطولاته كل من حكم هذه البلاد: فاروق الملك، عبد الناصر، السادات، ومبارك….مات الملك..عاش الملك!