أحلمُ بالهند!

أحلمُ بالهند!

نشر بتاريخ 5/6/2018

أحلمُ بالهند!

لما لا أحلم بالهند وملامحي منذ الصغر تقول إني هندي؟ لما لا أحلم بها وقد عرفت أن عِلم الهند”سة” اشتقاق من اسم هذه البلاد التي تُعرف باسم أرض الهند”وس”؟ كيف لا وغاندي كان وما يزال يعرف بكنيته الشهيرة “المهندس” أي الحكيم.

أجلس في صالة استقبال قنصلية الهند في وسط البلد انتظارا لتأشيرة السفر، هل سيمنحني القنصل جواز دخول بلاده؟! رباه …طالت غيبته خلف الحاجز الزجاجي وهو يفحص أوراقي.

ورغم أن ملامحي في مصر تقول للناس إني هندي إذ به وهو الهندي الذي يفترض أن يشعر بي، وهو الهندي الذي يجب أن يحس بشوقي لبلاده، يسألني:

ملامحك تقول إن لك علاقة بالخليج، وفي جواز سفرك تأشيرة تدريس في جامعة خليجية: هل تود توصيل أموال للمسلمين في بلادنا ؟!

متفهما مخاوفه استعنت بكل ما في القاموس الإنجليزي من كلمات التهدئة والتلطيف، هذا هو العام 2004، المسلمون والهندوس في قتال ونذر حرب أهلية تطل برأسها وهي التي لم تنطفئ منذ التقسيم في منتصف القرن العشرين، فريق يدمر مسجدا بدعوى أنه بني فوق معبد هندوسي تاريخي، وفريق ينتقم بقتل أبناء غريمه، فريق يلقي بالمئات من القطار، وفريق ينتظر الانتقام.

يعود القنصل إلى مكتبه الزجاجي يقلب في أوراقي.

رباه.. سيبدد هذا الرجل حلمي!

أحاول أن ألهي نفسي وأهدئها فأتصفح مجلة هندية صادرة بالعربية على مائدة الانتظار، وجدت بها مقالا لكاتب مصري بعنوان “انت فاكرني هندي؟!” يفند فيه الكاتب ذلك المثل الخاطئ في المخيلة الشعبوية عن بلد الذكاء والرياضيات والبرامج الحاسوبية.

لا يفلح المقال في تهدئتي بل يزرع مزيدا من لهيب الشوق في ضلوعي. في منتصف المقال أنتفض منتصبا، أضم يدي خلف ظهري وأروح جيئة وذهابا، يرمقني القنصل من خلف الزجاج، تفضحني عيناه، أدرك بعد فوات الأوان سوء عاقبة قلقي الطفولي، أعود إلى مقعدي متظاهرا بالهدوء ….أشعر بالهدوء فعلا بعد أن فقدت الأمل.

أسبوعان فقط بدلا من شهر، لن أعطيك تأشيرة أكثر من ذلك..ما رأيك؟!

اشتريت أرخص تذكرة إلى الهند، وصورت مرجعا ضخما عن تاريخ وحضارة تلك البلاد من مكتبة الجامعة الأمريكية، ونسخت الجزء الثاني من رحلة بن بطوطة من مكتبة الجمعية الجغرافية، وطبعت من الإنترنت كل الصفحات التي نشرها الدليل السياحي الشهير “لونلي بلانت” عن بلاد تركب الأفيال.
عبر الساعات الأربع الأولى في الطائرة التهمت نصف كتاب تاريخ وحضارة الهند قبل الوصول إلى مطار الشارقة. سنبقى في هذا المطار الانتقالي ساعة و10 دقائق لحين تجهيزها للإقلاع بركاب جدد (من العاملين الهنود في الإمارات(.

قبل أن تنقضي الساعة وبينما أنا أجلس في الطائرة وحدي من رحلة القاهرة يدخل مسؤول أمني يطلب مني المغادرة إلى صالة الانتظار، سنبقى هنا ثلاثة أيام لحين استقرار الأوضاع الجوية في مطار مومباي.
هذا هو شهر أغسطس، موسم الرياح والأمطار الموسمية التي تسببت صبيحة اليوم في غرق نصف مدينة بومباي وتشريد الآلاف وموت المئات، كما تسببت في خروج طائرة مثل طائرتنا عن مسارها على مدرج الهبوط.

ماذا سأفعل هنا ثلاثة أيام؟ ومن يضمن لي أن الأيام لا تصبح أسبوعا أو شهرا، ما حاجتي بالشارقة وأنا أحلم بالهند ؟!!

اكتب تعليقًا