تعيين حدود الأمم      

تعيين حدود الأمم      

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السادس من كتاب “القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات” الصادر عن المركز القومي للترجمة

 تأليف: أفيل روشفالد

ترجمة: عاطف معتمد وعزت زيان

كانت نهاية الحرب العظمى بمثابة نهاية بالمثل لثلاث إمبراطوريات متعددة القوميات، وظهر مكانها عدد من الكيانات الجديدة ذات حدود غير مؤكدة وهويات غير محددة بوضوح. وتعرض كثير من هذه الكيانات الجديدة للتخريب بسبب الصراعات الأهلية والحروب بين الدول لسنوات عدة تلت.

وفي المناطق التي كان يتوقف فيها القتال مبكرًا، فإن السلام لم يكن يستعيد الاستقرار تلقائيًا. كما أن الضغوط الاقتصادية ـ التي كبحت جماحها السيطرة الحكومية خلال الحرب ـ انفجرت بعنف في أعقاب القتال. وكان التضخم مرتفعًا في كل مكان، ووصل إلى نسب فلكية في الكثير من أجزاء أوروبا الشرقية. ولم تستطع الاقتصادات المتضررة إعادة استيعاب ملايين الجنود واللاجئين الذين عادوا إلى ديارهم. وكانت الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي أعقبت الحرب بنفس عنف الصراع العسكري الذي اجتاح القارة وانتهى لتوه. وفي وسط هذه النوع من قوى التفسخ والانحلال كان لا بد من اتخاذ قرارات بعيدة المدى بشأن حدود الهوية في الكيانات الجديدة.

وبالرغم من أن الحدود الجديدة كانت تبرر على أنها انعكاس لهويات أو معايير إثنوجرافية موضوعية موجودة سلفًا، إلا أن عملية رسمها فعليًا لعبت دورًا قويًا في تشكيل الكيانات القومية، وفي تغيير أو تحديد شروط الجدل الدائر حول القومية. وكانت ثمة مشكلة تتمثل في أن معظم المجموعات العرقية لم تكن متراصة في تجمعات إقليمية متناسقة، إذ كانت اللغات والثقافات والأديان منتشرة ومتداخلة بصورة مربكة عبر الأقاليم التي تناولناها. وكانت التصورات الجاهزة عن التوافق بين الأمة والدولة بعيدة جدًّا عن الحقائق الإثنوجرافية التي واجهتها الدول الجديدة. ففي الواقع كان تعيين الحدود يمثل تحديًا متعدد الأبعاد، وكانت الخطوط الفاصلة بين الدول المتجاورة أبرز مجالات الخلاف. وهناك قضية أخرى تتعلق بممارسة وتقسيم السيادة داخل الدول، فهل يجب منح الأقليات العرقية مناطق مستقلة محددة إقليميًا، أم استقلالا ذاتيا داخليا، أو عدم الاعتراف الجماعي بها مطلقًا؟ وهل يجب منح المواطنة والمساواة القانونية الكاملة لكل الذين يقيمون داخل الإقليم الذي تدعيه الدولة، أم يجب رسم الحدود ـ المرئية أو غير المرئية ـ حول مجموعات معينة تبدو غريبة على الكيان؟ وبالعكس، في الحالات التي يعتبر الناس فيها أنفسهم أمة واحدة منفصلة عن بعضها بحدود “مصطنعة” كيف يمكن تخطي مثل هذه الحواجز الحدودية؟

كانت الاستجابات السياسية والمؤسسية على هذه المعضلات مرتجلة ومتعجلة في أعقاب الحرب مباشرة، وسط صدامات عنيفة بين المصالح المتصارعة وملابسات الاضطراب والفوضى. ومع ذلك، ظل العديد من الترتيبات الناتجة عن ذلك قائمًا لسنوات تالية، مع تداعيات بعيدة المدى للتطور اللاحق للكيانات السياسية العرقية والأيديولوجيات القومية في شرق أوروبا الوسطى، وروسيا، والشرق الأوسط.

تعيين الحدود في شرق أوروبا الوسطى

كانت أحداث أكتوبر ـ نوفمبر 1918 في شرق أوروبا الوسطى خليطًا مثيرًا من الانهيار المفاجئ، والدراما الشديدة، والفوضى غير القابلة للسيطرة. ففي غضون أسابيع قليلة فقط، تحولت الخريطة السياسية للإقليم بصورة يصعب التعرف عليها. وقد قبل القيصر كارل الأول (في 27 أكتوبر) خروج التشيك والبولنديين والسلاف الجنوبيين من حظيرة الإمبريالية النمساوية المجرية، وسلم السلطة في 11 نوفمبر إلى الجمهورية النمساوية المعلنة حديثًا، والتي تكونت في الشق الألماني من الإمبراطورية السابقة، وذلك بعد الهروب الجماعي لقواته، واستيلاء اللجان القومية على السلطة في عواصم المقاطعات، واستجابة القوى الحليفة والمشتركة لعروضه الدبلوماسية اليائسة بإحالته بصورة مهذبة إلى تلك اللجان القومية. وفي الشمال، جسدت هزيمة ألمانيا على أيدي القوى “الغربية” نهاية إمبراطوريتها، قصيرة العمر، في أوروبا الشرقية، بالرغم من أن وحدات “القوات الحرة الألمانية” ظلت نشطة في إقليم البلطيق حتى السنة التالية (ظاهريا كقوة متطوعين ضد البلاشفة). وفي الشرق، كانت الحرب الأهلية والعرقية قد استنزفت  الكيان الروسي.

وفي ظل فجائية الانهيار النهائي “لقوى المركز” أصبح موقع السلطة السياسية داخل العديد من الدول المعلنة حديثًا موضع نزاع شديد، كما كان الحال بالنسبة لتعيين الحدود فيما بينها. وكان إرساء البنى الإدارية ورسم الحدود عبر الإقليم أمرًا يعتمد على الترتيبات المؤقتة والخطط المتعجلة، وكان كل ذلك موضع مواجهات عنيفة في كثير من الأحيان.

وتراوحت الكيانات السياسية التي تورطت في هذه الصراعات على الشرعية والسيطرة في طبيعتها من الحكومات المؤقتة المشكلة ذاتيًا والتي يكونها المهاجرون وقادة المقاومة وقت الحرب، إلى حكومات الدول القومية الموجودة سلفًا، والتي تحاول الآن أن تستفيد من الدعاوى التحررية طويلة الأجل في الأقاليم الإمبريالية. ففي بولندا، أطلق الألمان بلسودسكي من السجن وقلدوه السلطة، في حين مثلت “اللجنة القومية البولندية” التابعة لدموفسكي مصالح البلاد في باريس، وعاد قادة “المجلس القومي التشيكوسلوفاكي” التابع لمساريك إلى براغ باعتبارهم الحكومة المؤقتة الجديدة للبلاد، والتي تعترف بها الأحزاب التشيكية الكبرى، وببيان أكثر عمومية لمساندة الوحدة التشيكية السلوفاكية من “المجلس القومي السلوفاكي” المعلن ذاتيًا، والذي كان يتوقع الاستقلال الذاتي الإقليمي بناء على “إعلان بتسبرج”. وأعلن قادة المجتمع (الروتيني Ruthenian) الأوكراني في إمارة “روس الكاربات الأدني Subcarpathian Rus (الإمارة التي أصبحت تمثل الحد الشرقي لجمهورية تشيكوسلوفاكيا فيما بين الحربين) عن موقفهم المؤيد للانفصال عن المجر والانضمام إلى دولة مساريك الجديدة، بشرط الاستقلال الذاتي، وذلك اقتفاء لأثر مجتمعهم المهاجر في الولايات المتحدة. (في الواقع، كان سكان هذه الإمارة يتمتعون بقدر من السيطرة الإدارية المحلية، على عكس السلوفاك، كما سنرى في الفصل السابع). وكذلك واجهت المجر انفصال كرواتيا، وفقدان المناطق الجنوبية والشرقية لصالح القوات الصربية والرومانية على التوالي، وقامت حكومة تحالف يسار الوسط برئاسة الكونت ميهالي كارولي Mihály Károli المسئولة عن جمهورية المجر الشعبية المعلنة حديثًا بنشر قوات عسكرية لمقاومة انفصال هذه الأراضي، ولكنها رضخت في النهاية لمطالب قوى الحلفاء بسحب القوات المجرية من مناطق شاسعة من الإقليم المتنازع عليه. وحاولت “الجمهورية السوفيتية المجرية”، القصيرة الأجل التي حلت محل حكومة كارولي المرفوضة في مارس 1919، أن تعوض بعض الخسائر السابقة رافعة شعار الاشتراكية الدولية، ولكنها لم تستطع تنظيم المقاومة الفعالة لعدوان رومانيا المتجدد الذي انتهى بسقوط “الشيوعيين المجريين” واحتلال بودابست في بداية أغسطس.

وفي ليتوانيا نجد أن مجلس “التاريبا” ـ الذي كانت يلعب لعبة القط والفأر طول شهور قبل هدنة نوفمبر 1918 مع السلطات الألمانية التي صنعته أساسا كواجهة للسيطرة الألمانية ـ أعلنت نفسها بمثابة “الحكومة المؤقتة لليتوانيا” في نوفمبر 1918، وسرعان ما وجدت نفسها تدافع عن البلاد ضد البلاشفة من ناحية، وضد القوات البولندية التابعة لبلسودسكي من ناحية أخرى.

وفي استونيا ولاتفيا، مكنت هزيمة الألمان على “الجبهة الغربية” الحكومات المؤقتة بقيادة القوميين المناهضين للاشتراكية من الوصول إلى السلطة، بينما ساهم استمرار وجود تشكيلات “القوات الحرة الألمانية” في هزيمة “الجيش الأحمر” الغازي وقمع العناصر المؤيدة للبلاشفة بين سكان إستونيا وليتوانيا. وأدى انتصار “البيض” المناهضين للاشتراكية بمساعدة ألمانيا في الحرب الأهلية في فنلندا في 1918، إلى تهميش قادة اليسار ممن بقوا على قيد الحياة في ذلك التاريخ، وانقسمت البلاد انقساما حادا لعقود تلت، بالرغم من أن الديموقراطية البرلمانية استمرت في فنلندا طوال سنوات ما بين الحربين.

وإذا كان البحث الإثنوجرافي يبدو أفضل طريقة موضوعية لحل النزاعات الإقليمية، فإن النتيجة تمثلت في تعظيم أهمية الهوية العرقية كمصدر للشرعية السياسية، بدرجة أكبر مما كان يرمي إليه ويلسون أو لويد جورج. وكما يقول ويليام كيلور William Keylor، فإن طبيعة عملية رسم الحدود المبنية على معايير قابلة للقياس جذبت مهندسي “السلام” الأنجلوأمريكيين إلى التركيز على الأساس العرقي للأمة. وتأكيدًا لذلك، فإن كبار أعضاء بعثة التفاوض الأمريكي إلى باريس، بما فيهم وزير الخارجية لانسنج، كانوا يثيرون شكوكًا خطيرة حول تطبيق نهج تقرير المصير القومي في هذا الإقليم المتنوع ثقافيًا ولغويًا. ولكن نظرًا لانهيار الإمبراطوريات متعددة الأعراق وفي غياب شخص قادر على لم شمل المتناقضات معا من جديد،  لم تجد تلك الانتقادات أسلوبا منظما أو متسقا داخليًا لتقديم بديل للمنهج الإثنوجرافي.

وكانت الأطراف المعنية في شرق أوروبا الوسطى تتطلع من جانبها إلى تقديم معايير إضافية غير إثنوجرافية ، مهما كان نوعها، لصالح مزاياها الإقليمية. فكانت الحجج الاستراتيجية والاقتصادية تقدم لمساندة المطالبة بهذه الأقاليم  مثل سودتنلاند Sudetenland (المحيط الإقليمي المأهول بالألمان النمساويين في بوهيميا، والذي تعتبر سلاسله الجبلية حيوية في الدفاع عن تشيكوسلوفاكيا)، أو الممر البولندي (وهو امتداد الإقليم الألماني السابق الذي يتيح لبولندا الوصول إلى البحر). وبينما كانت هذه الحجج مناسبة لإقناع القوى الغربية، كانت المطالب التاريخية أكثر إلزاما من وجهة نظر المشاعر القومية. وكما رأينا في الفصل السابق، قام القوميون الليبراليون أثناء الحرب في”لجنة يوغسلافيا”و “المجلس القومي التشيكوسلوفاكي” بصياغة المطالب الإقليمية، بناء على مبدأ حق الدولة التاريخي، وذلك في تحول جذري عن موقفهم السابق المعارض لهذه الفكرة غير الديموقراطية. وفي بولندا، كما عرضنا في الفصل الثالث، كانت المواقف المعارضة التي اتخذها يسار الوسط والأجنحة اليمينية التي انتقدت دوما حق الدولة التاريخي قد انقلبت منذ فترة طويلة، مع مطالبة بلسودسكي باستعادة بولندا في حدود تقترب مما كانت عليه في 1772، بينما كان دموفسكي يطالب في المقابل بدولة أكثر تجانسا عرقيا.

وهكذا أثارت المطالب التاريخية مشكلة جوهرية، لأن الحدود المشار إليها كانت حدود دول حديثة مبكرة لم تستمد شرعيتها من مبدأ حق تقرير المصير أو السيادة الشعبية. وكان تزاوج هذه المطالب مع مبدأ تقرير المصير القومي يتناقض مع نفسه حسب المعايير الديموقراطية الليبرالية البحتة، طالما أنه يمكن أن يؤدي إلى ضم الأراضي بغض النظر عن رغبات سكانها. ومع ذلك، نجد أن ثبات التصورات الإقليمية بناء على لحظات متجمدة من التاريخ يعطيها قوة رمزية للأمة.

وعندما تتداخل المطالب التاريخية مع المطالب الاستراتيجية أو الاقتصادية المقنعة (كما في حالة سودنلاند)، كانت القوى الغربية تميل إلى تبنيها، خاصة عندما تأتي هذه المطالب على حساب القوى المهزومة أو الدول الوريثة لها، مثل ألمانيا، النمسا، المجر، بلغاريا، وتركيا. وعندما كانت المطالب تعرض على الأسس التاريخية وحدها، كانت دول الحلفاء والدول المرتبطة بها تحاول أن تقيد الحماس القومي للتوسع الإقليمي. وفي جميع الحالات، كان الاستخدام الأحادي للقوة العسكرية يمثل أفضل وسيلة لتحقيق المطالب الإقليمية، أما اعتراف دول الغرب بهذه المطالب فكان يأتي بعد أن تكون الحقائق قد فرضت على الأرض.

وهكذا كان العمل المسلح والمناورات الدبلوماسية، وليس الوعي الجماهيري التدريجي، هو الوسيلة المناسبة لتجميع الأقاليم والسكان المتنوعين في “دول قومية في أوروبا الشرقية”. وقد رأينا سلفا كيف أن القمع العسكري الصربي “للكوادر الخضراء” أدى إلى إرساء قواعد مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين. وتحققت مطالبة حكومة براغ بضم بسلوفاكيا، ليس من خلال الانتفاضة الجماهيرية للشعب السلوفاكي ضد السادة المجريين، ولكن من خلال توليفة من العمليات العسكرية التشيكية والمساندة الدبلوماسية للحلفاء، مما أجبر القوات المجرية على الخروج من الإقليم. واصطدمت القوات التشيكية مع منافستها البولندية في مواجهة على منطقة تيشين Teschen الغنية بالفحم، والتي كانت مقسمة بين الدولتين (حيث حصلت تشيكوسلوفاكيا على السيادة على منجم الفحم الرئيسي والسكك الحديدية فيها) عن طريق محكمي الحلفاء في1920. وانتهت “الدولة القومية” التشيكوسلوفاكية داخل حدودها النهائية بهيكل سكاني موزع حسب بيانات تعداد 1930 إلى 51% تشيك، 22% ألمان، 16% سلوفاك، 5% مجريين، 4% روتينيين. وأدى الفشل في تكوين إحساس مشترك بالهوية القومية بين المجموعتين السلافيتين الرئيسيتين (التشيك والسلوفاك) إلى ترك هذا الكيان معرضا للتفكك الكامل.

وفي بولندا، كان النزاع على تيشين المذكورة سلفا مجرد بند في قائمة طويلة من النزاعات التي شملت عمليات عسكرية ضد قوات الاستقلال الأوكرانية في جاليتشيا الشرقية، والقتال ضد الليتوانيين من أجل السيطرة على فيلنوس التي استولت عليها ميليشيا بولندية سرية في 1920، والتي ضمها البرلمان البولندي رسميا بعد ذلك بسنتين. وفي 1920، تفاوض نظام بلسودسكي على تحالف مناهض للبلاشفة مع النظام الأوكراني في كييف برئاسة سيمون بتليورا Symon Petliura ، بناء على التنازل عن جاليتشيا الشرقية لبولندا. ثم شن بلسودسكي حربا شاملة ضد السوفيت، وفي هذه الحرب كانت أقدار الجيشين المتحاربين وأوضاع خط الجبهة تتأرجح بشدة للأمام والخلف، من كييف في ذروة النجاح البولندي، إلى مشارف وارسو في قمة العدوان البلشفي. وتركت معاهدة ريجا البولندية السوفيتية Treaty of Riga، التي أنهت الصراع في مارس 1921، بولندا مسيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي شرق نهر بوج Bug، أي وراء الحدود الإثنوجرافية البولندية (ما يسمى خط كرزن Curzon Line) كما حددته لجنة “مؤتمر سلام باريس”. وإلى الغرب، ساعدت توليفة من الأعمال العسكرية، والانتفاضات الشعبية التي قام بها ذوو الأصول العرقية البولندية، والشروط التي فرضتها القوى الغربية في معاهدة سلام فرساى، على تحديد الحدود البولندية مع ألمانيا (مع تنازل ألمانيا عن بوسن Posen وبوميرانيا Pomerania الشرقية لبولندا).

وفي حالة سيليزيا العليا، ذلك الإقليم الصناعي الغني بالفحم والذي يقطنه خليط من الألمان والبولنديين، أدى استفتاء عام طالبت به القوى الغربية إلى التصويت بالأغلبية لصالح بقاء الإقليم في ألمانيا. وعندما تمرد السكان البولنديون في الإقليم في أعقاب ذلك، وصدر إثر هذا التمرد قرار عصبة الأمم في 1921 بتقسيم الإقليم، زاد إيمان كثير من الألمان بأن تطبيق مبدأ تقرير المصير القومي كان ضد مصالحهم.

ويستحق المثال البولندي مزيدا من الدراسة التفصيلية، كحالة توضح جيدا العلاقة الوثيقة بين عملية تشكيل الحدود وتطور الثقافة السياسية القومية. وتوضح أيضا الطبيعة غير المتسقة والمتناقضة ذاتيا لجهود القوى الغربية في تشجيع القومية الليبرالية في شرق أوروبا الوسطى.

وبالتحديد، فإن القادة الغربيين كانوا قلقين مما اعتبروه نزاعات عرقية صغيرة تتذرع بحق تقرير المصير القومي، وتتطلع للتخلص من هذه الأمور المزعجة من أجنداتها بأسرع ما يمكن. ففي غياب أية مبادئ واضحة قادرة على حل مثل هذه النزاعات، وفي ضوء الحاجة إلى حل ما، تؤدي الترتيبات التي فرضت على أرض الواقع De Facto  إلى تكوين أساس للحلول القانونية De Jure . ولعبت المخاوف الغربية من البلشفية في أروقة الأنظمة القومية في تقديم نفسها كحواجز فعالة ضد التهديد الأحمر. وفي حالة جاليتشيا الشرقية، تمثلت النتيجة – بعد سيل من التهديدات غير الفعالة ضد البولنديين – في الإقرار بشرعية التقدم العسكري البولندي بأثر رجعي. ففي6 يونيو 1919، أصدر “المجلس الأعلى Supereme Council ” لمؤتمر السلام حكما يحمل بولندا مسئولية تكوين إدارة مدنية مؤقتة في جاليتشيا الشرقية. وأدى هذا بدوره في الواقع إلى الاعتراف بالسيادة البولندية على الإقليم.

 وتوضح الحالة البولندية كيف أن كلا من استخدام القوة العسكرية لمساندة المطالب الإقليمية، وعملية التفاوض الدبلوماسي، ساعدا على تآكل الفروق بين الهوية القومية المدنية الليبرالية والشوفينية العرقية. وربما برر بلسودسكي حملاته العسكرية في الشرق كجزء من جهود تكوين إطار اتحادي لتقرير المصير القومي، بحيث يؤدي في نفس الوقت إلى تكوين حصن قوي ضد التوسع الروسي. ولكنه كان في الواقع يشارك في عملية غزو واجهت مقاومة مريرة من الليتوانيين والأوكرانيين (باستثناء حالة الأوكرانيين الذين أدت هزيمة البلاشفة لهم إلى تركهم بدون أي سند غير بلسودسكي). وعلى أي حال، فإن إرهاق الحرب البولندية، وعدم مساندة كتلة دموفسكي، أجبرا بلسودسكي على التوافق مع السوفيت على اتفاقية “سلام ريجا” والتخلي عن برنامجه للاتحاد مع أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا. وبحلول1921، كانت النتيجة ظهور بولندا مؤلفة من ثلث سكانها من غير البولنديين، وكان الكثيرون منهم يشعرون بمرارة الاغتراب عن الدولة التي ضمتهم بالقوة إليها. وبنفس الطريقة، شعرت الحكومة البولندية بعدم وجود سبب وجيه للتفاوض على شروط الاستقلال الذاتي مع الأقليات التي أخضعتها لحكمها بنجاح. ففي الواقع، تركت تقلبات حالة الحرب بلسودسكي مسئولا عن دولة بولندية تتوافق صورتها الإقليمية، وإنكارها للمجال السياسي لغير البولنديين، مع مفهوم دموفسكي، أكثر من توافقها مع مفهومه السابق. كما ساعد الدور الجوهري للجيش في تشكيل وحماية حدود الدولة، على دعم دوره كرمز للشرف القومي، وصورته الذاتية كطليعة للأمة. وكان لهذا أثر كبير على الثقافة السياسية البولندية في السنوات التالية، كما سنرى في الفصل السابع.

وفي ضوء الطبيعة العشوائية لتعيين الحدود، وغموض الحدود الإثنوجرافية، وعدم رغبة أو عدم قدرة “الأربعة الكبار” على تقييد بعض هذه المبادرات التوسعية لهذه القوى الصغيرة، كان لابد من ترك أقليات كبيرة مهملة داخل ما يسمى بالدول القومية الجديدة. وفي ضوء الرغبة في تنظيم معاملة هذه المجتمعات من خلال نظام للقانون الدولي، بدأ “الأربعة الكبار” صياغة ومناقشة اتفاقيات الأقليات.

وكان مصير يهود بولندا قدوضع مسألة الأقليات في مقدمة الاهتمام الرسمي “لمؤتمر سلام باريس” تتعلق بمصير اليهود في بولندا. فقد رأينا (في الفصل السابق) كيف أن الاحتلال الألماني لبولندا وليتوانيا كان يحتقر التكوين المؤسسي للحياة الثقافية والسياسية اليهودية، كما أنه أثار الجدل حول الأشكال الممكنة التي يمكن أن يأخذها الاستقلال الذاتي القومي اليهودي في الدولة البولندية المستقرة. وكذلك أدى مأزق يهود أوروبا الشرقية وقت الحرب، خاصة تحت تأثير الانتهاكات العسكرية الروسية في 1914-1915، إلى توليد مزيد من الاهتمام من جانب الشعب اليهودي والمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. حيث ركز نشاط هذه المنظمات وقت الحرب على تقديم الدعم المادي لمجتمعات اللاجئين والمحرومين. وحين وضعت الحرب أوزارها، تحول الاهتمام إلى حماية الحقوق الفردية والجماعية اليهودية في إطار التصور الحدودي النهائي للدول القومية الجديدة، خاصة بولندا التي ضمت نحو 3 مليون يهودي (ما يعادل 10% من سكانها)، والتي أصبحت الدولة الأوروبية الوحيدة التي جمعت أكبر عدد من السكان اليهود خارج روسيا. ولكن وجود العداء للسامية شعبيا وسياسيا علي نطاق واسع، على نحو ما اتضح من المقاطعة المستمرة (التي بدأت في 1912) للأعمال اليهودية من جانب الديموقراطيين القوميين أتباع دموفسكي، فضلا عن اندلاع العنف ضد السكان اليهود عند دخول القوات البولندية إلى لفوف وفيلنوس خلال 1918-1919، كل ذلك جعل مستقبل الحياة اليهودية في البلاد موضع انشغال وقلق دائم لدى يهود العالم.

وانقسمت المنظمات والحركات السياسية اليهودية حول كيفية تحديد الحقوق الجماعية ليهود بولندا. فالصهاينة الذين سيطروا على اللجنة المشتركة لبعثات يهود شرق أوروبا في “مؤتمر السلام”، والذين تمتعوا بمساندة “المؤتمر اليهودي الأمريكي”، طالبوا باعتراف بولندا ودول أوروبا الشرقية الأخرى بالمقيمين اليهود فيها كأعضاء في أمة مستقلة، مع حق التمثيل الجماعي علي المستويات المحلية والدولية. وتطلب ذلك تكوين برلمان يهودي مستقل في بولندا، بالإضافة إلى برلمان الدولة الذي يمثل كل سكانها، وكان ذلك يعني تخصيص مقعد يهودي في عصبة الأمم.

وفي خضم المطالبة بوضع رسمي سياسي جماعي لأمة منتشرة إقليميا، بصورة متميزة عن الدولة، كان الصهاينة يمثلون تحديا للأفكار التقليدية عن عدم إمكانية تقسيم سيادة الدولة، ويقترحون صياغة جديدة تعد سابقة راديكالية للعلاقة بين الهوية القومية والسلطة الحكومية. وبهذا فإنهم كانوا يؤكدون ويستجيبون للتناقض العميق بين الأبعاد الديموقراطية الليبرالية والثقافة العرقية لمبدأ تقرير المصير القومي. ولكن الاستجابة التي أثارها هذا البرنامج، بين الحكومات الغربية والأوروبية الشرقية على السواء، لم تكن تعتمد على أصالة إسهامها في النظرية السياسية. وباعتبار هذا البرنامج نموذجا قابلا للمحاكاة من قبل الأقليات العرقية الأخرى، وخاصة ذوي العرق الألماني، فإن ذلك النموذج كان قادرا على تفجير قوى طاردة غير قابلة للسيطرة في إقليم يعاني أساسا من عدم الاستقرار. ولذلك لم تكن البعثات الأمريكية ولا البريطانية ولا الفرنسية المشاركة في “مؤتمر سلام باريس” راغبة في تبني منهج لقضية الأقليات قد يتسبب في ظهور شبح تكوين دول داخل الدول.

وكانت بعض المنظمات اليهودية غير الصهيونية – مثل “التحالف الإسرائيلي العام Alliance Israélite Universelle ” في فرنسا، أو بعثة الاستيعاب اليهودي في بولندا، تعارض تماما أية سياسة تؤدي إلى إضفاء الطابع الرسمي على وضع “يهود بولندا” ككيان جماعي منفصل. إذ كانوا يركزون على حماية الحقوق الفردية اليهودية في المواطنة والمعاملة العادلة في البلاد التي يقيمون فيها، وعلى حقهم في ممارسة دينهم بحرية. وكانت هذه الجماعات تعارض إضفاء الطابع المؤسسي على اليديشية أو العبرية كلغات معترف بها رسميا، لأن ذلك سيمثل حاجزا غير مطلوب أمام اندماج اليهود في الثقافات المحيطة بهم.

وأدى النشاط المكثف للمنظمات اليهودية الأمريكية والبريطانية، والذي كان يجري في ظل مناخ الغضب العام من العنف ضد المجتمعات اليهودية من جانب القوات البولندية العاملة في مناطق الحرب في الدولة الوليدة، إلى قيام “مجلس الأربعة” بوضع قانون حقوق الأقليات في بولندا بصفة خاصة، وفي أوروبا الشرقية بصفة عامة، على جدول أعمالها. وكانت “لجنة الدول الجديدة “المكونة” على عجل مسئولة عن صياغة “معاهدة الأقليات البولندية” التي ستكون بمثابة نموذج يطبق في كل أنحاء الإقليم. وكان في صميم هذه المبادرة جهود مبذولة لجعل التزامات الدولة البولندية تجاه أقلياتها من أمور القانون الدولي في ظل ضمان عصبة الأمم. وكان ذلك الإلتزام يشمل تعهد الدولة بمنح الأقليات بعض الضمانات المؤسسية للتعبير الذاتي الثقافي من خلال المنظمات المجتمعية فضلا عن اعتماد اللغة الأصلية.

 وكانت المفاوضات مع البعثة البولندية حول هذا الموضوع عملا شاقا. إذ أن مجرد فكرة جعل الدولة البولندية مرتبطة بمعاهدة لمراقبة توجيهات مفروضة من الخارج، وتتعلق بأحد جوانب شئونها الداخلية، كانت تعتبر عملا عدائيا. فقد كان البولنديون يرون أنه إذا كان هذا الإطار الدولي لمثل هذا البرنامج لحقوق الأقليات سيؤثر على السيادة البولندية، فإن وجوده سيهدد الوحدة القومية البولندية. وبدلا من الاعتراف بالحاجة إلى تكوين نظام جديد للاستقلال الثقافي يمكن أن يساعد على تكييف التعددية الثقافية العرقية للأقاليم والتي تطالب بها “اللجنة القومية البولندية”، طرح بادرفسكي النموذج الأوروبي الغربي للوحدة المدنية للاحتجاج ضد ما اعتبره محاولة لتقويض تماسك بولندا كدولة قومية. إذ قال في معرض إلقائه اللوم على عدم ولاء اليهود معتبرا إياه سببا في تفشي معاداة السامية في بولندا:

“إن “القوى العظمى” … تخلق مشكلة يهودية جديدة بسبب التمييز بتقديم مزايا خاصة للسكان اليهود، مقارنة ببقية المواطنين … ونخشى أن تكون “الدول العظمى” تعد لنفسها مفاجآت غير مقبولة. لأنه مع الأخذ في الحسبان أن السكان اليهود لديهم قدرات كبيرة في الهجرة، حيث ينقلون أنفسهم من دولة إلى أخرى، فمن المؤكد أن اليهود سيطالبون بالمبادئ القومية التي سيتمتعون بها في بولندا، في أي مكان آخر، وذلك اعتمادا على السابقة التي يتم إرساؤها”.

وكانت “معاهدة الأقليات البولندية” التي وقعت في 28 يونيو 1919 في صورتها النهائية لا تلبي مقترح الاستقلال الثقافي الذي قدمه وولف. فضلا عن الاستقلال السياسي القومي الذي كان يطالب به الصهاينة. إذ كانت الحقوق الفردية في المساواة أمام القانون والحرية الدينية مكفولة، ولكن الحقوق الجماعية للأقليات ظلت محدودة. وكانت الأقليات حرة في تكوين مؤسساتها الثقافية والاجتماعية ومدارسها الخاصة، أما في المدارس العامة، فكان استخدام لغات الأقليات قاصرا على التعليم في المدارس الابتدائية فقط. وكانت البنود المتعلقة باليهود تحديدا تعطيهم حق استخدام اللغة اليديشية كلغة للتدريس في بعض المدارس الابتدائية العامة، وليس في التعليم الثانوي. وبينما كان حق اليهود في مراعاة عطلة يوم السبت مكفولا، لم يكن هناك نص يستثني اليهود من الحظر العام على النشاط التجاري أيام الأحد. حيث وضع هذا الأمر اليهود الملتزمين في وضع يلزمهم بمراعاة يوم عطلة إجبارية آخر، مما يجعلهم اقتصاديا في وضع أقل من منافسيهم غير اليهود. وبينما اعتبر “مجلس عصبة الأمم” (اللجنة التنفيذية للقوى العظمى) ضامنا للاتفاقية، إلا أن الانتهاكات المزعومة لنصوصها لم تكن لتعرض على المجلس إلا عن طريق أحد أعضاء المجلس، أي أن المنظمات اليهودية ليس لها قناة مباشرة للجوء إلى عصبة الأمم.

 وكانت “معاهدة الأقليات البولندية” بمثابة نموذج طبق في أرجاء أوروبا الشرقية والبلقان. حيث نسخت نصوصها مع تعديلات طفيفة في معاهدات الأقليات التي وقعتها 13 دولة أوروبية أخرى تبحث عن الاعتراف الدبلوماسي الغربي باستقلالها، أو بحدودها المعدلة، أو التفاوض على معاهدات سلام مع الغرب. ومع ذلك، فإنه من وجهة نظر الدول الغربية، يتمثل الهدف الأساسي لهذه المعاهدات في تمهيد الطريق للاستيعاب السلمي للأقليات في أطر الهوية القومية التي تدعمها الدولة. وفيما يتعلق بأنظمة شرق أوروبا والبلقان، فقد كانت هذه المعاهدات إما إهانة لكرامة دولها كدول مستقلة، أو أدوات تستخدم بصورة انتهازية في الصراعات السياسية والإقليمية. وفي الواقع، كان ضعف آليات فرض هذه المعاهدات يعني أن الدول الجديدة والمتوسعة كانت حرة في إخضاع أقلياتها لأنماط انتهاك منتظمة.

وفي بولندا، كما في أي مكان آخر عبر أوروبا الشرقية والوسطى، كانت الأحزاب اليمينية تثير وتستغل العداء الشعبي ضد الأقليات ـ خاصة اليهود ـ كوسيلة لزيادة التأييد الانتخابي لها بين سكان مجموعة الأغلبية، بينما كانت الأحزاب اليسارية تتوقع الحصول على أصوات الأقليات تلقائيا، بدون طرح أنفسها علانية نيابة عن المصالح الخاصة للمجموعات العرقية. ففي انتخابات 1922، ظهر تحالف انتخابي للأقليات بمبادرة يهودية (“كتلة الأقليات القومية”BMN ) يشمل الأحزاب اليهودية والألمانية والأوكرانية والبيلاروسية والليتوانية) مع ما كان يبدو تغيرا قويا في الأصوات في المجلس الأدنى من البرلمان، هذا بالرغم من إتباع نظام متميز لتقسيم المناطق الانتخابية بهدف الحد من أصوات الأقليات. ولكن عداوة “اليمين البولندي”، بالإضافة إلى رفض الحزب الاشتراكي البولندي والتشكيلات اليسارية الأخرى المخاطرة بمصداقيتها القومية بالتعاون الصريح مع الأحزاب العرقية، أدى إلى الحد من تأثير كتلة الأقليات القومية. وفي فترة وجيزة من النجاح ساعدت كتلة الأقليات العرقية في انتخاب ناروتوفينش Narutwicz، وهو أحد اتباع بلسودسكي من يسار الوسط، وأوصلته لمقعد رئاسة الجمهورية في 1922. غير أن هذا الدور كان يصب في مصلحة دعاية الديموقراطيين والقوميين الذين اعتبروا رئيس الجمهورية ألعوبة لدى اليهود والقوميات غير البولندية الأخرى. وعقب اغتيال الرئيس وحلول شخصية أكثر محافظة محله، انهارت كتلة الأقليات القومية سياسيا، ورأى بعض الأحزاب المكونة لها ميزة مباشرة أكبر في محاولة إبرام صفقات ثنائية محدودة مع الحكومة البولندية، بدلا من استمرار التعاون مع بعضها، بينما تراجع البعض الآخر إلى المعارضة الشرسة.

وبينما نجحت السياسات القمعية للدولة البولندية في الحفاظ على تكامل أراضي البلاد حتى 1939، إلا أنها كانت ذات أثر سلبي تماما من منظور الوحدة القومية. فكلما شعرت مجموعات الأقليات بالضعف والاستغلال، كلما زاد شعورها بأن العرقية كانت أهم عنصر في تحديد مصيرها وفي تشكيل هويتها. وفي نفس الوقت، فإن حقيقة أن بولندا قد تسامحت وقت الحرب مع النشاط السياسي والأنشطة الثقافية والتعليمية الممولة تمويلا خاصا من جانب بعض الأقليات (خاصة اليهود والألمان) قد مكنتهم من تطوير تعبيرات مؤسسية عن وعيهم القومي العرقي. ونلاحظ أن هذه الآلية – التي أدت المحاولات الإجبارية فيها لتأميم الثقافة والهوية من جانب الدولة إلى زيادة تماسك الهويات القومية العرقية المتميزة بين الأقليات – قد تكررت بدرجات متفاوتة في كل الدول الأخرى في شرق أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية.

وهكذا نجد في رومانيا – التي تضاعفت أراضيها وسكانها (على حساب الأراضي النمساوية-المجرية والروسية السابقة) من خلال شروط التسوية السلمية – أن التجربة المبكرة للاستقلال الإداري الإقليمي (بالرغم من أنها كانت تحابي ذوي العرق الروماني) انتهت إلى هيكل تعليمي وحكومي مركزي جامد، تم تبريره على أنه أفضل طريقة لغرس الإحساس بالوحدة القومية بسرعة بين الشعب الروماني المقسم آنذاك. وكان هذا المنهج المتعجل من أعلى لأسفل لتكوين أمة متماسكة يمثل جزئيا استجابة تعويضية مفرطة لحقيقة أن السكان المتعلمين الحضريين المنتمين للطبقة المتوسطة في المناطق الجديدة كانوا مؤلفين أساسا من الألمان والمجريين واليهود، بينما كانت الغالبية من القرويين ذوي الأصول العرقية الرومانية. وعلى هذا النحو تزايدت العداوة تجاه غير الرومانيين –الذين أصبحوا يشكلون 30% من سكان البلاد في مقابل 12% قبل الحرب- بسبب حقيقة أن الألمان والمجريين كانوا أعضاء القوميات المسيطرة في إمبراطورية الهابسبرج، بينما كان اليهود يميلون إلى الاندماج في الثقافة المجرية والألمانية، أو الإبقاء على لغتهم اليديشية، بدلا من تبني رومانية القرويين.

 وهنا أيضا منيت بالفشل محاولات تكوين تحالفات سياسية بين الأعراق. حيث ساهمت أساليب “فرق تسد” التي اتبعتها السلطات في بوخارست في هذا. ولكن المفارقة هنا أن الإطار الجيوبوليتيكي العام للدولة القومية “رومانيا العظمى” شكل بيئة عكست الاتجاهات السابقة نحو الاستيعاب الثقافي بين المجموعات العرقية. ففي منطقة بانات Banat  التي كانت واقعة تحت الحكم المجري سابقا، كان الألمان- الذين بدأ الكثير منهم تبنى لغة النخبة المجرية الإقليمية في ظل النظام القديم- يعانون من تمييز أنفسهم عن هوية كانت ترتبط بتجميع الجمهورية المجرية المجزأة (ومن ثم ظهر أنهم يمثلون مشكلة سياسية). وكذلك كان اليهود الذين تبنوا الثقافة المجرية أكثر ميلا من ذي قبل للتأكيد على أن حبهم للثقافة المجرية لا يعني اعتبار أنفسهم جزء من الأمة المجرية. وفي نفس الوقت، لم يكن هناك أي تقليد بين أي من هذه المجموعات يتبنى اللغة الرومانية الأكثر ارتباطا في أذهانهم بالحياة القروية مقارنة بالثقافة العليا. وتضافر إحساس كل أقلية بالتعرض للخطر “في مواجهة” الدولة القوميةـ مع اتساع الفجوات الثقافية والسياسية بين الأقليات العرقية ـ إلى تقوية الاتجاه نحو الخصوصية العرقية في المناطق الجديدة من “رومانيا العظمى”. وفي نفس الوقت فشلت الحكومة الرومانية في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في تقوية الجماهير الريفية الرومانية عرقيا في الأقاليم المضمومة حديثا للدولة. ففي ترانسلفانيا Transylvania مثلا، تمت مصادرة الممتلكات الكبيرة من الملاك المجريين، وانتزاع معظم الدخل من الإنتاج الصناعي المحلي من خلال الضرائب، ولكن المستفيدين من هذه الضربات ضد النخب غير الرومانية كانوا الممولين والمستثمرين الرومانيين المقيمين في بوخارست وليس القرويين الرومانيين المحليين. ولذلك تضافرت هذه الأنماط المقوضة للتنمية مع سياسة التمييز التي اتبعتها الحكومة الرومانية ضد الأقليات وتغاضيها عن العنف ضد السامية، في تعزيز نمو حركة “الحرس الحديدي”، التي جمعت الطلاب والقرويين الرومانيين في تحد منظم لشرعية الحكومة البرلمانية وأدت إلى قيام ديكتاتورية ملكية في 1938.

الجغرافيا السياسية للاتحاد العرقي السوفيتي

نلاحظ أنه من بين الكيانات الإمبراطورية الثلاثة التي تناولناها في هذا الكتاب، كان الكيان الوحيد الذي أعيد تشكيله كدولة اتحادية عقب تفككها وقت الحرب يتمثل في المنطقة التي عرفت سابقا بالإمبراطورية الروسية. ولكن التوجه الأيديولوجي والبنية المؤسسية للنظام الذي حدثت في ظله عملية إعادة التشكيل، كان بالطبع يمثل اختلافا جذريا عن القواعد السياسية السابقة. وبالنسبة للمسألة القومية، طبق الاتحاد السوفيتي مبدأ الاتحاد العرقي على نطاق غير مسبوق وبدرجة لم يكن لها مثيل في التنظيم. ويهمنا هنا رسم الحدود القومية “داخل” هذه الدولة الجديدة المتجاوزة للقومية. فقد ولد هذا النظام من رحم تفاعل معقد واستثنائي جمع بين الأيديولوجية الشيوعية، والانتهازية، والخبرة السياسية المكتسبة من مسار “الحرب الأهلية الروسية”.

البعد العرقي للانهيار السياسي الروسي والحرب الأهلية

كانت القوميات غير الروسية خلال الحرب الأهلية الروسية(1917-1921) محصورة بين جيوش البلاشفة (الشيوعيين) والجيوش القيصرية البيضاء (المناهضة للشيوعية)، (ناهيك عن القوات الألمانية والعثمانية حتى أواخر 1918، وقوى تدخل الحلفاء من 1918 حتى 1920، والجيش البولندي المكتسح في أوكرانيا وبيلوروسيا خلال 1920). بل كان العديد من المجموعات العرقية ذاتها منقسما داخليا بين الأجنحة المحافظة والثورية، والتي كانت تتحالف بصورة متقطعة مع العناصر المناظرة لها في المشهد السياسي الروسي الفوضوي. وفي ضوء الأوضاع الفوضوية السائدة في طول وعرض الإمبراطورية السابقة، كان من الصعب التوصل إلى أية تعميمات ذات معنى بشأن تطور الوعي القومي أو المؤسسات القومية بين الشعوب غير الروسية خلال “الحرب الأهلية”.

أما في الساحة البلطيقية، فقد تكون المشهد الجيوبوليتيكي من تدخل ألماني في الحرب الفنلندية من يناير إلى مايو 1918، واستمرار وجود وحدات “القوات الحرة الألمانية” في لاتفيا وإستونيا بعد هدنة 1918، والمساندة البحرية وشحنات الأسلحة البريطانية إلى لاتفيا واستونيا في أعقاب عرض “القوات الحرة” تولى السلطة في 1919، وانسحاب البلاشفة بسبب التهديدات العسكرية من القوات “الروسية البيضاء” أولا، ثم القوات البولندية. وفي ظل هذا المشهد، سمحت الظروف الجيوبوليتيكية للقوميين من تيار الوسط والقوميين اليمينيين بتدعيم الاستقلال وقمع العناصر المؤيدة للبلشفية.

وفي القوقاز الجنوبي، عزز التقدم العثماني والتفكك العسكري الروسي من تكوين حكومة إقليمية جنوب قوقازية جاءت عبر تحالف عسر جمع القادة الجورجيين والأرمن والأذربيجان. وبحسب معاهدة برست ليتوفسك في مارس 1918، تنازل البلاشفة عن أراضي القوقاز الجنوبي إلى العثمانيين (تحت قناع مبدأ حق تقرير المصير القومي الذي كان يفترض أن يرعاه العثمانيون في الإقليم)، وتبع ذلك  رفض القادة الجورجيين والأرمن الانفصال تماما عن روسيا، وهو ما أعطى إحساسا بأنهم مستقلون عمليا بشئونهم وبوسعهم الوصول إلى وضع تفاوضي أفضل في إطار دولة مستقلة. أما الأذربيجان فكانوا موالين للعثمانيين من البداية، وكانوا يتطلعون إلى قطع العلاقات مع روسيا.

وبناء على هذه الدوافع المختلطة وغير المتوافقة، صوت المجلس التشريعي “سييمSeim ” في 22 أبريل 1918 لصالح تكوين “اتحاد القوقاز الجنوبي” المستقل، والذي انقسم إلى ثلاث جمهوريات مستقلة بحلول نهاية مايو. فلم يكن هناك أساس لاتحاد حقيقي، بسبب فشل المقاومة العسكرية للقوات العثمانية المتقدمة، وبسبب تطوير القيادات الجورجية والأرمينية لمواقف دبلوماسية وعسكرية مختلفة تجاه الألمان والعثمانيين- وهما الحليفان اللذان كانا يتنافسان على الهيمنة في القوقاز الجنوبي الغني بالموارد. وجاء إعلان جورجيا الاستقلال (26 مايو 1918) إيذانا بانهيار الاتحاد، وسمح هذا الاستقلال للحكومة الجورجية بتوقيع اتفاقيات مع الألمان أعطت لهم السيطرة على المواني والسكك الحديدية وامتيازات المناجم في جورجيا، مقابل المساندة الألمانية ضد اعتداءات العثمانيين. وبالتالي اقتصر العثمانيون على ضم قطعة صغيرة نسبيا من الأراضي الجورجية في اتفاقية سلام يونيو 1918 (والتي وقعت في نفس توقيت معاهدات السلام الأرمينية/العثمانية والأذرية/العثمانية). ولم ينجح الأرمن – الذين كانت أراضيهم ذات أهمية إستراتيجية أقل – في شد اهتمام الألمان، ومن ثم اضطروا لقبول شروط أكثر صعوبة للسلام مع العثمانيين، وذلك خلال التفاوض بشأن احتلال الإقليم الذي كان يسكنه الأرمن سابقا في شمال شرق تركيا بعد الهدنة التي وقعها الحلفاء والعثمانيون في أكتوبر 1918. واستقبل الأذر العثمانيين بحرارة وترحاب، وحصلوا على مكافأة اسطنبول بالاعتراف باستقلالهم ووحدة أراضيهم، ولكنهم فقدوا الثقة بوعود العثمانيين بتضامن الوحدة التركية خلال أشهر الاحتلال العسكري القمعي (غير الرسمي) الذي أعقب ذلك.

وظل معظم هذا الإقليم بعيدا عن متناول الجيوش العثمانية خلال ذروة الحرب الأهلية الروسية، وذلك بفضل التغطية الفعالة للقوات البريطانية التي احتلت القوقاز الجنوبي خلال 1918-1919، عقب هزيمة “القوى المركزية”. وقد مكن هذا حكومات الجمهوريات الثلاث من ممارسة قدر من السيطرة الداخلية والحصول في نوفمبر 1919 على اعتراف دبلوماسي “فعلي” من القوى الغربية (التي لم يكن لديها نوايا جدية لتجدد التدخل العسكري نيابة عنها).

التجربة الاتحادية العرقية السوفيتية

كما رأينا سلفا، لم يكن للقوى الغربية في مؤتمر سلام باريس سيطرة كبيرة على الأحداث التي تقع في أوروبا الشرقية. بل إنها غالبا ما كانت تجد نفسها في وضع إضفاء الشرعية بأثر رجعي على الحلول المفروضة على النزاعات الحدودية. وكانت مرتبكة بصفة عامة بسبب التحدي الذي يبدو غير قابل للتجاوز والمتمثل في توفيق المثل الديموقراطية المدنية مع التصورات الإثنوجرافية للقومية. إذ كان البلاشفة في موقف صعب جدا في أعقاب الحرب الأهلية الروسية، وكانوا السادة بلا منازع على معظم الأراضي الروسية الإمبريالية السابقة، فضلا عن تمتعهم بحرية نسبية في فرض ما يروق لهم تجاه مسألة القوميات. وكان لديهم أيضا مُثل البطولة المدنية (المبنية على الطبقة، وليس الديموقراطية) التي يرغبون في دعمها، ولكن لأنهم كانوا يواصلون تجربتهم في دولة واحدة متعددة الأعراق، كانوا يتمتعون بميزة (أو هكذا كانوا يعتقدون) تطبيق المبدأ الإثنوجرافي بصورة منتظمة بدون النيل بأية طريقة من قوة وسلطة دولتهم فوق القومية. وفي صياغتهم الجدلية، كانوا يفصلون بين الهوية العرقية والهوية السياسية للدولة ككل، ثم يوفقون بينهما، ويحولونها في النهاية إلى مسار يؤدي إليها.

وبعد ثورة نوفمبر 1917م، قام لينين بتغيير أيديولوجي مفاجئ، وأقنع رفاقه بتبني مبدأ الاتحادية كوسيلة عملية لربط المناطق الحدودية للإمبراطورية الروسية المنهارة بالحظيرة السوفيتية، وكإشارة دعائية هدفت إلى إثارة الحماسة الثورية بين رعايا الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في آسيا، وذلك لإظهار مدى عدالة الدولة الاشتراكية في معاملتها للشعوب غير الأوروبية.

اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية

و خلال الحرب الأهلية، تم تشكيل “مفوضية شئون القوميات” برئاسة جوزيف ستالين، لمراقبة العلاقات والسياسات المتعلقة بالأقليات القومية، ولكن الارتجال وعدم الاتساق كان يميز سياسة القوميات وقت الحرب ، كما أوضحنا سلفا. وبعد خوض حملة لإعادة غزو أكبر قدر ممكن من أراضي الإمبراطورية الروسية لإخضاع الدول القومية الوليدة التي ظهرت على أرضها، انتقل النظام “الشيوعي” في أوائل العشرينيات نحو تكوين نظام يمهد الطريق لنشر الهوية السوفيتية الجديدة على مستوى الدولة، على أساس المبدأ الحاكم لتضامن الطبقة العاملة الدولية والالتزام العام بالُمثل الشيوعية.

وكانت طبيعة الاتحاد السوفيتي ككيان متعدد القوميات مضمونة كجزء لا يتجزأ من “اتفاقية الاتحاد” في ديسمبر 1922 (والتي تم التصديق عليها كأساس “للدستور السوفيتي” في 1923-1924). حيث أرسى هذا الهيكل الاتحادي للدولة جمهوريات قومية ذات سيادة – “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية” (USSR). ولم يقتصر الأمر على وجود كل مجموعة عرقية كبرى في جمهورية مستقلة، بل إن الأقليات داخل كل جمهورية كانت تمنح وحدات فرعية مستقلة ذاتيا. وكان هذا البناء الهرمي للوحدات الإقليمية المحددة يصل في بعض الحالات إلى مستوى القرى التي كان يتم الاعتراف بارتباطها بقومية معينة.

ولكن السيادة السياسية للجمهوريات ووحداتها الفرعية كانت صورية بحتة. فبينما يمنح الدستور السوفيتي كل جمهورية الحق في الانسحاب من الاتحاد، نجد أن أية إشارة للانفصال كانت تقمع بعنف باعتبارها علامة على مناهضة الشيوعية. بل كان هناك تناقض بين البناء الاتحادي للحكومة والسلطة المركزية الشديدة الحزب الشرعي الوحيد في البلاد، الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي (التسمية الجديدة للحزب الشيوعي الروسي منذ 1925).

ولكن الاتحاد السوفيتي كان له محتوى ثقافي. فكل وحدة إقليمية كانت تنشر لغتها الخاصة كلغة رسمية، تدرس في المدارس، وتستخدم في الصحف والمجلات، وتستخدم في الأعمال الأدبية والمسرحية والسينمائية. ونظرا لأن المنهج الماركسي كان يعتبر الهوية القومية مجرد ظاهرة سريعة الزوال علي الطريق إلى المجتمع غير الطبقي، فقد شعر لينين بأن التقاليد الفولكلورية واللغات المتعددة يمكن ويجب استخدامها لنقل رسالة أيديولوجية موحدة، رسالة “قومية الشكل، واجتماعية المضمون”.

وكان تقديم الاتحاد السوفيتي نفسه كمجتمع تطوعي متجانس مكون من قوميات مستقلة ذاتيا جزء مكملا للدعاية الخارجية السوفيتية، حيث كان ذلك يشير إلى احتمال انضمام أمم أخرى إلى الاتحاد، وكان يعتبر نموذجا لكيفية إعادة تشكيل العلاقات بين الأمم الامبريالية ورعاياها، وذلك في مقابل استمرار خضوع أجزاء كبيرة من العالم للاستعمار الأوروبي. وفي الواقع، كانت آفاق تحفيز الثورات القومية ضد السيطرة الامبريالية الأوروبية في آسيا تبدو أكبر كثيرا من فرص إثارة الانتفاضة البروليتارية المباشرة في شوارع لندن أو باريس. ومن ثم جاء انعقاد “مؤتمر شعوب الشرق” في باكو في سبتمبر 1920، بمثابة محاولة استباقية وساخرة أحيانا (كما حدث عندما نادى رئيس “الدولة الشيوعية” “بالجهاد” ضد الامبريالية) من جانب البلاشفة لوضع إطار للتنسيق لتشكيلة مختلطة من القوميين والمتعاطفين مع الشيوعية من أنحاء القارة الآسيوية (بما فيها آسيا الوسطى السوفيتية).

وأخيرا، كانت سياسة القوميات السوفيتية في العشرينات ترتبط فعلا بمشروعات التحديث لدى “الشيوعيين”. حيث كان التحديث الثقافي – كما وصفناه سلفا- جزء من هذا البرنامج، حين تأخذ الدولة السوفيتية بيد كل أقلية عرقية وتقودها خلال عملية اكتساب الجهاز الثقافي الكامل للأمة الحديثة، صحافة باللغة القومية، وأدب (من خلال اتحاد كتاب محليين مسئول عن وضع المعايير الأيديولوجية والفنية وتسهيل إنتاجه) ونظام تعليمي (على الأقل في المدارس الابتدائية أو الثانوية، في حين ظلت اللغة الروسية لغة التعليم العالي)، الخ. وكان تكوين هذه البنية الفوقية الثقافية، على عكس النموذج الماركسي التقليدي، يساعد على تمهيد الطريق لتطوير بنية تحتية وقاعدة اقتصادية اجتماعية حديثة بتمويل ورقابة الدولة. وكان يتم تسهيل وتسريع هذه العملية من خلال سياسة عرفت باسم “التأصيل الجذريCorenizatsiia “. حيث كانت هذه العملية تهدف إلى غرس كل مجموعة عرقية كبرى في الجمهورية في البنية التحتية للتحديث، بمحاباة أعضائها بالترقية في السلم الاقتصادي والإداري للإقليم وللحزب الشيوعي. وكان من المنتظر مواجهة الأنماط الإمبريالية التي استمرت طويلا من حيث التنمية غير المتكافئة والتمييز والاستغلال، من خلال هذه الرسالة الحضارية عن طريق العمل الجدي، لأن التنمية الاقتصادية التي تمولها الدولة، ونشر التعليم باللغة القومية بمساندة الدولة، يوفران الوسائل للشعوب الريفية وحتى المجموعات البدوية للقفز سريعا إلى عصر الدولة الاشتراكية الحديثة.

وكان من بين مفارقات النظام الاتحادي السوفيتي العرقي أن الجمهورية الروسية كانت الأقل تميزا وتماسكا من بين الوحدات الاتحادية. فمن ناحية، كان التداخل الإداري بين هيكلها الحاكم وبناء الحكومة المركزية السوفيتية شديدا جدا. ومن ناحية أخرى، كانت هي في حد ذاتها جمهورية اتحادية، وذلك لتستوعب العدد الكبير من الأقاليم العرقية المستقلة ذاتيا والتي تغطي أراضيها. ومع ضعف الوعي العرقي الإقليمي الروسي، المتميز عن الهوية السوفيتية، كان هناك ميل متزايد من قبل الروس لاعتبار كل أنحاء الاتحاد السوفيتي وطنا لهم، وهو شكل من الهوية القومية قريب من عقلية الإمبريالية الجديدة. وزادت قوة هذا التطور أيضا بسبب الانتشار الواسع لذوي العرق الروسي عبر الجمهوريات غير الروسية.

وبالعكس، فإن الاتحاد العرقي “الشيوعي” لم يستطع تلقائيا تحييد الدوافع الاستقلالية بين القوميات غير الروسية. بل إن الفترة التي انتهت بإبرام معاهدة “الاتحاد” والتصديق عليها في 1923- 1924، كانت تتصف بتوترات بين موسكو والقادة الجمهوريين الذين كانوا يعترضون على استمرار انتهاك مسئولي جمهورية روسيا السوفيتية المستمر للسلطة، وكانوا قلقين من أن الدستور المتوقع للاتحاد السوفيتي يفتقر إلى ضمانات كافية ضد استمرار موسكو في التغطرس والتدخل المفرط في الشؤون الداخلية للجمهوريات السوفيتية.

أما في حالة الجمهورية السوفيتية الاشتراكية الأوكرانية SSR، فقد اعترض اسكربنيك M.Skrypink  زعيم الحزب الشيوعي بشدة على الانتهاكات المنتظمة للسيادة الرسمية الأوكرانية. إذ أنه كان بلشفيا ملتزما منذ زمن طويل، وكان يرى أن هذه الظاهرة مجرد مظهر من مظاهر النمط القاتل للشوفينية الروسية المتجددة التي يمكن أن تبدد مساندة الثورة بين شعوب الاتحاد السوفيتي. وكذلك الحال في جورجيا، التي أطاحت القوات البلشفية الغازية بالحكومة المنشفية المستقلة فيها في 1921، حيث وجدت السلطات الشيوعية القائمة حديثا نفسها في تناقض واضح مع “المفوض الروسي لشئون القوميات – جوزيف ستالين، الذي كان نفسه جورجيا عرقيا يشجع السياسات المركزية بلا تردد، وذلك بنغمة روسية قوية. وبالرغم من أن الشيوعيين الجورجيين كانوا ملتزمين بالمبادئ الدولية، إلا أنهم وجوا أنفسهم يقومون بالدور الوظيفي للقوميين أثناء كفاحهم للحفاظ على جوانب السيادة المضمونة لهم في اتفاقية 1921 مع جمهورية روسيا السوفيتية، والتي ألغتها المكائد التي دبرها ستالين وأتباعه. حيث كان هؤلاء يفكرون في إجبار جورجيا وأذربيجان وأرمينيا على العودة إلى اتحاد القوقاز الجنوبي الذي كان من المنتظر دخوله الاتحاد السوفيتي كوحدة جمهورية، مما يقلل من شأن تساوي مكانة جورجيا مع الجمهوريات الأخرى المؤسسة للاتحاد السوفيتي. وكان لينين يكافح حتى آخر لحظة للتدخل نيابة عن قادة “الحزب الجورجي” في محاولة يائسة للحفاظ على قدر من تقسيم السلطة المقبول بين المركز الشيوعي الذي يسيطر عليه الروس والهامش الشيوعي غير الروسي. ولكنه أصبح عاجزا بسبب الأزمة التي أصابته، ولم يستطع منع طرد القادة الجورجيين وتولي الموالين لستالين الذين أيدوا تكوين “الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية الاتحادية للقوقاز الجنوبي”. وفي الوقت الذي انحل فيه الاتحاد، واستعيدت السيادة الجمهورية الجورجية اسميا في 1936، كان يتم تطهير الحزب المحلي بصورة منتظمة من كل العناصر المحتملة المؤيدة للاستقلال الذاتي، وكانت هناك حملة تطهير جديدة في الطريق، كجزء من الإرهاب الستاليني الذي انتشر في أرجاء الاتحاد السوفيتي.

وفي الحالتين الأوكرانية والجورجية، كانت النخب الشيوعية المحلية تحاول الحفاظ على تساوي المكانة للجمهوريتين، وذلك بالعمل داخل النظام الأيديولوجي والدستوري الرسمي، وذلك بتوفيق روح السياسة السوفيتية مع نص القانون. ولكن كان هناك أيضا أحد أشكال التحدي الأكثر انتظاما وتميزا فكريا لمركزية النظام السوفيتي باسم التدويل. وكان هذا يتمثل في “البلشفية القومية” لدى الميرزا سلطان غالييف، وهو أحد تتر الفولجا من قازان، وكان يعمل معلما للغة الروسية في القوقاز، ووصل إلى العمل لصالح “مؤتمر كل المسلمين الروس” في 1917، وانضم إلى “الحزب البلشفي” في نفس توقيت ثورة نوفمبر تقريبا، وكان وريثا أيديولوجيا يساريا لحركة “المجددين” في فترة ما قبل الحرب. وكما في حالة ” المجددين”، كان إطاره المرجعي يشمل كل مسلمي الإمبراطورية الروسية السابقة، بحيث يؤدي عملهم الموحد إلى زيادة قوتهم ومكانتهم، وذلك مقارنة بالخصوصية العرقية التي قسمت مسلمي روسيا في 1917-1918، والتي كان النظام السوفيتي يحاول إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الانقسام من خلال نظامه الاتحادي العرقي.

وقد انطلق سلطان غالييف من افتراض (يشاركه فيه لينين) أن مسلمي الإمبراطورية الروسية – خاصة في آسيا الوسطى – كانوا ضحايا الاستغلال الاقتصادي المنظم من جانب المستعمرين والتجار والصناع الروس، الذين تمتعوا بمساندة وتشجيع الحكومة الروسية. وتوصل إلى استنتاج أن الشعوب الإسلامية لهذا السبب تمثل أمة بروليتارية. حيث تبددت الفروق الطبقية الداخلية بين المسلمين بالمقارنة بالتناقض الشديد بين دورهم التاريخي كشعب تعرض للاستغلال، ودور الروس الذين قاموا بهذا الاستغلال. ومن ثم كان تحقيق تقرير المصير للمسلمين (في شكل استقلال ذاتي فعلي واسع المدى “لجمهورية طورانية (تركية العرق)” موحدة تشمل كل الشعوب الإسلامية الكبرى في الاتحاد السوفيتي) يمثل خطوة ثورية للأمام حسب اعتقاد سلطان غالييف. وفي الواقع، فإنه كان يستعير تبرير لينين لثورته الاشتراكية المتعجلة اقتصاديا واجتماعيا في روسيا، ويقول إن التحرر القومي لأقاليم الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سيمثل شرارة ثورية ستطلق ثورة عالمية للأمم البروليتارية المقهورة، بما يؤدي إلى انهيار الامبريالية، ومن ثم الرأسمالية. أي أن هذا كان بمثابة نهج لانتقائية أو استثنائية المسلمين السوفيت، وأيديولوجية قومية مطرزة بالقيم الاشتراكية العامة. فأدت هذه الهرطقة الأيديولوجية إلى طرد سلطان غالييف من الحزب في 1923م، ثم القبض عليه بعد ذلك، واختفائه في 1928، وأعقب ذلك تطهير منظم لكل الشيوعيين المسلمين الذين كان هناك شك في وجود ميول “شيوعية قومية” لديهم.

إعادة بناء حدود الهوية في الشرق الأوسط

التسوية التركية والدولة الكمالية

على عكس إمبراطوريتي رومانوف والهابسبرج، لم يحدث انهيار الدولة العثمانية في 1917 أو 1918. إذ أنها كانت تفقد تدريجيا المزيد من أراضيها لصالح الجيوش المتقدمة بقيادة بريطانية في المشرق العربي. وجعل الاستسلام الوشيك لحلفائها الألمان والنمساويين المجريين، والتقدم المستمر للقوات البريطانية في الشرق الأوسط في نهاية 1918، حتمية الهزيمة العثمانية أمرا واضحا. ومع هروب قيادة لجنة الاتحاد والترقي المخلوعة من البلاد لتجنب إلقاء قوات الحلفاء القبض عليها بسبب تهم جرائم الحرب الناجمة عن مذابح الأرمن في 1915، وقعت الحكومة التي عينها السلطان حديثا “هدنة مودروس Armistice of Mudros” في 30 أكتوبر 1918، مما فتح البلاد أمام احتلال قوات الحلفاء.

تقسيم الإمبراطورية العثمانية عام 1920

وقد فرضت قوات الحلفاء المنتصرة التسوية السلمية التي أعقبت ذلك – معاهدة سيفر Treaty of Sèvres (10اغسطس1920). حيث أقرت تقسيم المشرق العربي بين البريطانيين والفرنسيين، الذين كانوا سيديرون الأقاليم الموكلة إليهم في ظل الانتداب من عصبة الأمم. وكان من المنتظر تقطيع الأناضول ذاتها إلى مناطق خاضعة لإدارة اليونان وفرنسا وإيطاليا وفرنسا وأرمينيا المستقلة سياسياً، وكردستان المستقلة ذاتياً أو سياسياً، ودولة عثمانية متبقية ضعيفة تترك تحت سيطرة السلطان.

وكانت لجنة الاتحاد والترقي قد كونت قومية تركية وتشكيلات عسكرية سرية لحشد التأييد الشعبي للمجهود الحربي وضرب المجموعات العرقية المعادية (راجع الفصل الرابع). وقد قام العضو السابق في تلك الجمعية وضابط الجيش “مصطفى كمال” باستدعاء تلك التنظيمات لاستمرار جهود المقاومة ضد القوى المحتلة والغازية وضد السلطان المتعاون مع تلك القوي. ورفضت حركة مصطفى كمال، التي كان مقرها وسط وشرق الأناضول، سلطة السلطان، وأسست هيئة نيابية (الجمعية القومية الكبرى) في أنقره، ونجحت خلال الفترة من 1919-1922 في صد سلسلة من الهجمات العسكرية، وذلك بفضل المساعدات العسكرية والمالية التي قدمها الاتحاد السوفيتي الذي اعتبر كمال مناهضا مفيدا للإمبريالية الغربية. وانتصرت قواته على جيش يوناني حاول توسيع المنطقة التي احتلتها اليونان. وأجبر الفرنسيين على التفاوض على الانسحاب من كليكيا Cilicia (على الحدود السورية). أما شمال شرق الأناضول- مسرح مذابح الأرمن في 1915، فقد احتلتها جمهورية أرمينيا المستقلة في أوائل 1919 وذلك بمباركة القوى الغربية. ثم استعادها كمال في سبتمبر- أكتوبر 1920 في نصر عسكري دفع الحكومة الأرمينية إلى الأذرع الحامية للشيوعيين الروس. حيث سعت موسكو حينها إلى التنازل نيابة عنها عن الأقاليم المتنازع عليها مع تركيا. وبعد فرض السيطرة على اسطنبول، وإلغاء السلطنة في أواخر 1922، توجت حكومة كمال نصرها بإلغاء معاهدة سيفر المهينة ثم التفاوض على معاهدة لوزان (24 يوليو 1923)، التي أرست السيادة الكاملة لتركيا، ووحدة أراضيها، وشرعيتها الدولية.

وهكذا فإن الدولة الوحيدة التي ظهرت مستقلة تماماً على أنقاض الإمبراطورية العثمانية السابقة قامت على القاعدة التركية للإمبراطورية. وكان الملفت في هذا التطور أن نخبة حاكمة جديدة ظهرت في الإمبراطورية خلال السنوات الأخيرة من وجودها. وكان أعضاء “تركيا الفتاة” منقسمين بين جهود الحفاظ على تماسك الإمبراطورية متعددة العرقيات من ناحية، والتزامهم المتزايد بالقومية التركية من ناحية أخرى. ولكن هزيمة الإمبراطورية العثمانية حلت التوتر بين المصالح والأجندات المتناقضة التي شكلت سياسات لجنة الاتحاد والترقي. وأدى تدعيم السيطرة البلشفية على آسيا الوسطى إلى نهاية حلم الوحدة التركية، بينما حرر الاحتلال البريطاني الفرنسي للأراضي العربية القوميين الأتراك من الحاجة إلى تغطية أجنداتهم برداء الوحدة الإسلامية. وبالرغم من لجنة الاتحاد والترقي فقد مصداقيتها وتم حلها في أعقاب الهزيمة العسكرية، إلا أن حركة مصطفى كمال القومية تعتبر الآن لدى المؤرخين الوريث المباشر لتركيا الفتاة من عدة وجوه. فقد قام مصطفى كمال (الذي أصبح اسمه لاحقا كمال أتاتورك ]أبو الأتراك[) باستبقاء أو تعديل العديد من الرؤى الأيديولوجية وأساليب التعبئة للنظام السابق، وأصبح ضياء جوك آلب (راجع الفصل الخامس) الممثل الرئيسي للخط الرسمي.

وقد قدمت هزيمة اليونان فرصة لتدعيم القاعدة التركية العرقية للدولة القومية الجديدة، حيث فر 1.1 مليون يوناني من غرب آسيا الصغرى إلى اليونان ، بينما انتقل 380 ألف تركي في الاتجاه المعاكس، في حركة انتقال سكاني فرضتها اتفاقية دولية وساندتها القوى الغربية. (وكان الانتماء الديني يستخدم كعلامة للهوية العرقية في هذا الانتقال السكاني، حيث وجد آلاف من أتباع الكنيسة “الأرثوذوكسية الشرقية” الذين يتحدثون التركية أنفسهم مرحلين إلى اليونان، والعكس بالعكس). وكان عدد السكان الأرمن قد انخفض كثيراً بسبب المذابح والطرد في1915. بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الأرمن الذين فروا من كليكيا إلى لبنان أو أماكن أخرى عقب الانسحاب الفرنسي من تلك الإمارة في 1921. أما الأكراد – وهم سكان قرويون أساسا، وليس لهم علاقات دينية أو ثقافية أو تجارية بالغرب، ولم يتنافسوا اقتصاديا مع النخب التركية الحضرية الصاعدة – فقد اعتبروا مشاكسين رافضين للاستيعاب في الثقافة والهوية التركية. وكانت أية محاولة من جانبهم لمقاومة سلطة الدولة القومية التركية، أو تأكيد مصالحهم الذاتية الجماعية كقومية متميزة، تقمع بوحشية.

وكانت المجموعات العرقية التي تحولت تقليديا إلى القوى الغربية طلبا للحماية تعامل على أنها عناصر غريبة يجب التخلص منها من الكيان التركي. وكانت الهوية التركية تعرف نفسها في ضوء مصطلحات غربية التوجه وعلمانية التكوين. وأعلنت تركيا جمهورية في أكتوبر 1923، وألغيت السلطة الروحية المتبقية للخلافة في 1924، واستخدمت دولة مصطفى كامل الاستبدادية سلطة صارمة لفرض تصورها للهوية القومية العلمانية الحديثة طوال العشرينيات بمنع ارتداء الطربوش (والذي كان أدخل في أوائل القرن التاسع عشر كجزء من المظهر الجديد المرتبط بحركة إصلاح التنظيمات)، وتشجيع تبني الملابس ذات النمط الغربي، وجعل قانون الأحوال الشخصية علمانيا تماما (وهو آخر مجال شرعي كان قد نجى من العلمانية الكاملة في ظل النظم السابقة)، وتوسيع الحقوق القانونية للمرأة، وتبني الأبجدية اللاتينية، ومحاولة “تنقية” اللغة التركية بتخليصها من الكثير من مفرداتها العربية والفارسية. ويمكن اعتبار هذا النهج محاولة لتكوين وعي مدني شامل (نجحت الدعاية له بين الطبقات الوسطى الحضرية أكثر منها بين القرويين) بناء على الجمع بين الحضارة الغربية والثقافة التركية. ولكن المدنية القومية التركية قامت على شرعية الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وروج لها نظام استبدادي لا يتسامح مع التفاصيل الدقيقة لسياسة التعددية.

الاستعمار والقومية في المشرق العربي

قامت انجلترا وفرنسا تدريجيا بتسوية الخلافات الناجمة عن رغبة بريطانيا في مراجعة ما تم الاتفاق عليه سلفا بشأن مجالات النفوذ في 1916، وذلك في الأراضي الواقعة جنوب تركيا. ففي مؤتمر سان ريمو San Remo في 1920، اتفق الطرفان على سيطرة بريطانيا على بلاد ما بين النهرين (العراق) وفلسطين (مع اقتطاع بريطانيا في 1921-1922 للأرضي الواقعة شرق نهر الأردن لتكوين كيان مستقل يسمى “الأردن”) وسيطرة فرنسية على سوريا ولبنان. وكانت انتدابات عصبة الأمم (التي تمت الموافقة عليها في 1922) تمثل الإطار القانوني الدولي لهذه الترتيبات. وكان مبرر الانتدابات يخلط بين مبدأ ويلسون والممارسة الإمبريالية بصورة محرجة. حيث اعتبروا سكان الأراضي العربية غير ناضجين سياسيا – أي أنهم لم يصبحوا قادرين على حكم أنفسهم. ولذلك كان يجب وضعهم تحت الوصاية “الكريمة” للبريطانيين والفرنسيين. الذين كانوا سيقومون بقيادتهم نحو الاستقرار الحقيقي. وبينما كان مطلوبا من السلطات المفروضة أن تقدم تقارير دورية إلى عصبة الأمم عن تقدمها في القيام بواجباتها، لم يكن هناك تاريخ نهائي محدد لتسليم الحكم إلى السلطات المحلية. ففي الحقيقة، كانت الانتدابات وسيلة مناسبة للسياسات الإمبريالية للبريطانيين والفرنسيين، الذين اتفقوا على تقسيم الإقليم بعد الحرب إلى مناطق نفوذ في اتفاقية سايكس- بيكو في 1916، والذين أحكموا السيطرة على هذه الأقاليم من خلال الغزو العسكري ثم قمع المقاومة المحلية في العراق وسوريا.

ومع ذلك، فإن القول بأن السياسة الإنجليزية والفرنسية كانت تتشكل بالمصالح والقيم الإمبريالية لا يعني القول إن الشكل المؤسسي للانتداب لم يكن له تأثير على نمطهم في الحكم، ولا يعنى القول إن هذه الفترة لم تمثل الحد الأدنى في تطور قوميات الشرق الأوسط – لأنها كانت كذلك بالفعل. إذ أن شدة التحكم في الحدود التي تفصل نظام انتداب عن الآخر كان لها أثر هام على تطور الدول والهويات داخل الإقليم، على نحو ما فعلت التجارب الفرنسية والبريطانية بالأشكال المختلفة من ربط سيادتها الإمبريالية المطلقة بالقومية المحلية.

وفي حالة فلسطين، نجد أن مطالبة بريطانيا بهذا الإقليم كانت مرتبطة بتبنيها لتطلع الحركة الصهيونية إلى تأسيس “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، كما صاغه إعلان بلفور في نوفمبر 1917م بصورة حذرة. فكان انتداب عصبة الأمم على فلسطين يمثل الإطار القانوني الدولي لمشروع بناء هذه الأمة. حيث تضمن محتوى لغة إعلان بلفور وألزم البريطانيين بتسهيل هجرة اليهود والتعاون مع الوكالة اليهودية في تطوير الأرض، مع حماية حقوق السكان العرب في الإقليم.

أما إلى الشمال، فقد فرض الفرنسيون أنفسهم على لبنان في 1919، وبعد انسحاب قوات الاحتلال البريطاني من سوريا في 1919، وإبرام معاهدة سان ريمو في أبريل 1920، استخدموا القوة العسكرية في 1920 لتأكيد مطالبتهم بسوريا، حيث كان فيصل بن الشريف حسين قد أعلن ملكا في قرار نهائي بالعصيان القومي. ولكن فيصل هزم في “معركة ميسلون” في يوليو، وهرب الملك نفسه إلى المنفى، مما أفسح المجال أمام فرض حكم الانتداب الفرنسي. ومارس الفرنسيون سلطتهم في لبنان وسوريا بأسلوب عنيف، وجربوا اختيار تحالفات مختلفة من الشخصيات المحلية في حكومات صورية، مع بقاء السلطة النهاية في أيدي المفوض السامي الفرنسي.

وعلى العكس، كان البريطانيون يميلون إلى التحرك بسرعة نحو منح المزيد من الحكم الذاتي الفعلي، أو حتى الاستقلال الرسمي في أراضي المشرق العربي – ماعدا فلسطين – حيث أثار الصراع المتزايد بين اليهود والعرب من صعوبة تقرير من سيمارس السلطة في حكومة مستقلة ذاتيا. وفي شرق الأردن (التي تقابل مملكة الأردن حاليا)، تم تنصيب عبد الله شقيق فيصل أميرا تحت إشراف المندوب السامي البريطاني. وفي العراق، وبعد قمع انتفاضة شعبية ضد الإنجليز بقيادة الزعامات التقليدية في 1920، ثم تنصيب فيصل ملكا في 1921 تعويضا له عن خسارته سوريا، وكطريقة لتكوين نظام وسيط بين السيادة البريطانية والسكان المحليين. وحصل العراق على الاستقلال الرسمي في 1932 في إطار معاهدة 1930 التي جعلت بريطانيا أكبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية في البلاد. وفي 1936، تم التفاوض على ترتيب مماثل في مصر التي كانت تحت الحكم البريطاني منذ 1882.

و من خلال تكوين واجهة للحكم الذاتي العربي تغطية سيادتها في الأردن والعراق برداء الأسرة الهاشمية، كان البريطانيون يأملون في استغلال القومية العربية وقت الحرب كوسيلة لطموحاتهم الامبريالية. وبالرغم من أن دوافعهم كانت استغلالية أنانية، وبالرغم من أن أساليبهم كانت تقوم على التلاعب، إلا أن تنفيذ هذه السياسات أدى إلى وضع بعض الهياكل الأساسية التي تشكلت داخلها الهوية السياسية العربية. حيث أدى أسلوبهم المفضل في الحكم غير المباشر، وارتباطهم بالأسرة التي قادت الثورة العربية، إلى فرض ضغوط الإصلاح على الفرنسيين الذين ظهروا أكثر قمعا وأقل شرعية في حكمهم لسوريا ولبنان بالمقارنة بهم. ففي ظل حكمة “الجبهة الشعبية” المنتمية ليسار الوسط في 1936، حاولت فرنسا تقليد النموذج البريطاني بالتفاوض على ما تحول إلى اتفاقية قصيرة الأجل مع القوميين في سوريا، والتي ظهرت على أنها تضع ذلك البلد على الطريق إلى شبه الاستقلال تحت الغطاء الإمبريالي الفرنسي.

وهكذا نجد أن العرب لم يحققوا الاستقلال السياسي الكامل في أعقاب الحرب مباشرة، على عكس أقرانهم في شرق أوروبا الوسطى. ومع ذلك، وضعت أطر المفاهيم والمؤسسات للدول المستقلة تحت رعاية القوى الإمبريالية. إذ أن بريطانيا وفرنسا استخدمت أجهزة هذه الدول كأدوات للسيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على المشرق العربي. وبنفس الطريقة فإن الدول المكونة حديثا أصبحت بمثابة الأوعية الأساسية التي نبتت فيها القومية العربية (و اليهودية في فلسطين أيضا) كأيديولوجية سياسية مسيطرة، وأخذت فيها بعض ملامحها الشكلية المميزة أيضا. وفي نفس الوقت، فإن الوجود التطفلي لسلطات أوروبية غير إسلامية كان يؤدي إلى إثارة نمو القومية بين الجماهير على نطاق لم يفعله الحكم العثماني. فقد فتحت هذه السياسة الباب للتجارب الدعائية للمنظمات الشعبية الوليدة التي ربطت الصور والرموز الإسلامية المألوفة بكراهية الأجنبي في مركب قومي أكثر وضوحا لدى الجماهير العريضة إذا ما قورن بالأيديولوجية العلمانية لدى النخب القومية العربية.

ويشير كل هذا إلى أن تراجع الإمبراطورية العثمانية بالإقليم كان بمثابة نقطة تحول في تطور الدول القومية، وهو تحول يبدو أكثر أهمية من تفكك السيطرة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. ولذلك فإن تطورات ما بعد الحرب العالمية الأولى تستحق أن نتناولها هنا بقدر من التفصيل، بالرغم من العامل الشاذ المتمثل في الوجود الإمبريالي الفرنسي والبريطاني.

الدولة مقابل الأمة في العالم العربي

لقد شكل التحول الجيوبوليتيكي للشرق الأوسط تطور الهويات بطرق مختلفة وعلى عدد من المستويات. فبداية، كان اختفاء الإطار العثماني الشامل برئاسة السلطان/الخليفة يعني أن فكرة “الأمة” لم تعد تقابل أي هيكل سياسي قائم. وهكذا تركت النخب الاجتماعية والمثقفين العرب يبحثون عن إطارات مرجعية بديلة.

وكانت أكثر الأفكار جاذبية تتمثل في فكرة القومية العربية، التي لم يعد معتنقوها يقصرون أنشطتهم على الجمعيات السرية بعد اختفاء الأتراك من الساحة. حيث نجحت سياسات جمال باشا الوحشية خلال الحرب في تفكيك البناء التنظيمي للجمعيات السرية، بينما منحت مصداقية لادعائها أن العرب كشعب كانوا يعانون من قمع الأتراك. واكتسب الانتصار الواضح للقوات العربية عند دخولها دمشق في أكتوبر 1918 هالة أسطورية، والذي أصبح أكثر تأثيرا وإثارة للذكريات بسبب طرد الفرنسيين لفيصل بعد ذلك. وكان تولي الأخوين الهاشميين عرشي الأردن والعراق يضمن أن حلم توحيد العرب تحت أسرة واحدة سيستمر يحظى باحتمال كبير، وذلك مع وصول القادة المحتملين لهذه الحركة إلى مواقع السلطة في كيانات سياسية تتمتع بالحكم الذاتي. وبنفس المنطق، كان حلم الوحدة العربية يحظى بجاذبية خاصة كبديل علماني حديث “للأمة” (و كبديل أيضا لفكرة العثمانية التي لا تحظى بمصداقية، والتي كانت في حد ذاتها بديلا علمانيا متكاملا “للأمة”، راجع الفصل الثالث) وذلك لأنها كانت تتخطى خطوط التقسيم المفتعلة التي فرضتها القوى الغربية على الإقليم.

وفي الواقع، كان تيار الخطابة السائد حول مصير الأمة العربية يناقض التبلور السريع للهويات السياسية التي تدور حول الدولة بين النخب في سوريا والعراق وبين عرب فلسطين. وحتى خلال أوج الاستقلال القصير لسوريا في 1918-1920، نجد أن التوترات الواضحة بين دوافع القومية العربية والدوافع الإقليمية عبرت عن نفسها بوضوح. حيث وجد فيصل نفسه يجري عملية توازن دقيقة بين الشخصيات المحلية، والتي لم يستطع تحولها الخطابي السريع من العثمانية إلى العربية إخفاء اهتمامها الثابت بضمان الاحتفاظ بمناصبها الإدارية، وشبكات رعايتها، ونفوذها السياسي تحت أي نظام يصل إلى السلطة، والطاقم المتنافر من الضباط الأشراف وأعضاء الجمعيات السرية القومية الذين كانوا يعتبرون نظام فيصل نقطة انطلاق لتحقيق تطلعات الوحدة العربية. وكانت هناك مجموعة ثانية ـ ممن فازوا بأغلبية المقاعد في “المؤتمر السوري” في انتخابات 1919 ـ  منقسمة بين أعضاء جمعية “الفتاة” السوريين غالبا، والضباط العراقيين المنتمين لجمعية “للعهد” (ومنهم أشراف سابقون ومنهم من استمروا في العمل في الجيش العثماني حتى نهاية الحرب)، وفرقة صغيرة ولكنها نشطة من العرب الفلسطينيين الذين انضموا إلي المؤتمر (الذي أصبح اسمه المؤتمر السوري العام) في مارس 1920. ولكن المجموعة الأخيرة شعرت بالإحباط لعدم قدرتها على جعل نظام فيصل يتبنى موقفا أكثر نشاطا في مناهضة الصهيونية (و في الواقع، كان فيصل قد أبرم ” تسوية مؤقتة” مع حاييم فايتسمان في يناير 1919، على أمل كسب التأييد الصهيوني والبريطاني ضد الفرنسيين) ، بينما كانت المجموعات القومية العربية العراقية والسورية تتنافس مع بعضها على ممارسة النفوذ السياسي على النظام. وقد حازت جهود فيصل للتوصل إلى ترتيبات توافقية مع الفرنسيين على تأييد الشخصيات السورية، ولكنها أثارت حفيظة القوميين الملتزمين الذين كانوا يسيطرون على “المؤتمر السوري العام”. واستنادا إلى الاضطراب العام (و الذي ربما كان بمثابة أول إعلان واضح عن المشاعر القومية، وإن بدا شأنا سوريا أكثر منه شأنا عربيا) أجبر المؤتمر فيصل على قبول لقب ملك سوريا المستقلة في 8 مارس 1920 كإشارة تمرد على فرنسا. ولكن مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، والغزو العسكري الفرنسي والانتصار في معركة ميسلون في يوليو، وفرار فيصل إلى المنفى، توالى وراء بعضه في فترة قصيرة.

ومع سحق الاستقلال السوري، فقدت دمشق دورها كمحور للجهد المشترك والكفاح الجاد بين القوميين العرب من مختلف أنحاء الإقليم. وتبعت الفرقة العراقية فيصل إلى بغداد، واختفى القوميون العرب السوريون أو انسحبوا إلى مناطق الانتداب البريطاني، حيث استمروا في تركيز اهتمامهم على التطورات التي تحدث في بلادهم (حيث منح الفرنسيون معظمهم عفوا عاما آجلا أو عاجلا كجزء من جهود متفرقة للاستيعاب السياسي)، وعاد النشطاء الفلسطينيون إلى وطنهم. وظل الكثيرون منهم ملتزمين بحلم الوحدة العربية، ولذلك كان الطريق الوحيد للبقاء نشطين سياسيا يتمثل في العمل داخل أطر نظم الانتداب في بلادهم.

ويمثل القوميون العرب الفلسطينيون حالة خاصة. حيث كان الكثيرون منهم- مثل نظرائهم السوريين- ينتمون إلى الطبقة الحضرية التي سيطرت على السياسة وشبكات الرعاية المحلية طوال نصف القرن الأخير من الحكم العثماني. ولكنهم كانوا يتميزون بصفات أخرى، فهم أكثر شبابا وتم استبعادهم (على يد تركيا الفتاة) من المناصب والمزايا التي اعتبروها حقا لهم بناء على السوابق التاريخية (راجع الفصل الثالث). وخلال الفترة 1918-1920، شارك العديد من هؤلاء النشطاء في “المؤتمر السوري العام”. بينما تطلع الذين بقوا في فلسطين إلى دمشق طلبا للإلهام والقيادة. وكان العديد منهم ينتمي إلى منظمة مشابهة “للفتاة” مقرها فلسطين، وكانت هذه العناصر تسيطر على أول “مؤتمر عربي فلسطيني” في يناير- فبراير 1919، والذي أصدر قرارات لصالح تكوين “سوريا الكبرى” التي تشمل فلسطين. إذ كان اسم فلسطين يشير إلى وقت قريب إلى منطقة جغرافية غير محددة بوضوح، لها أهمية دينية وثقافية اجتماعية، ولكنها لا تمثل أية وحدة إدارية في ظل الحكم العثماني (و هو ما لم تفعله سوريا أيضا). وكانت حكومة فيصل في دمشق تمثل المرشح الأوفر حظا لقيادة عرب الإقليم نحو الاستقلال.

ومع سقوط نظام فيصل، أصبحت النخبة القومية الشابة في فلسطين بلا خيار سوى العمل داخل حدود فلسطين الواقعة تحت الانتداب، حيث كان الجيل الأقدم من الشخصيات البارزة قد بدأ فعلا في غرس فكرة الوطنية الفلسطينية كوسيلة لتأكيد مصالحها المحلية في مواجهة السلطات البريطانية وفي وجه التحدي الصهيوني. وقد انعكس تحول اهتمام الجيل الجديد إلى التركيز على منطقة الانتداب في قرارات “المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث” في ديسمبر 1920، والتي تخلت عن الحديث عن “سوريا الكبرى” لصالح القرارات التي تنادي بالحكم الذاتي للعرب في فلسطين.

ولعب التطور السريع للمشروع الصهيوني تحت رعاية الانتداب البريطاني دورا هاما في سرعة تطور وعي قومي عربي فلسطيني متميز خلال فترة ما بين الحربين. إذ كانت معارضة الاستيطان الصهيوني المبكر واضحة جدا في الصحافة المحلية، ومن خلال النواب البرلمانيين العرب خلال العقد الأخير من الحكم العثماني. ولكن فيما بعد الحكم العثماني، وبعد معركة ميسلون، بدأت هذه المعارضة تأخذ بوضوح شكل القومية العربية الفلسطينية المتميزة التي استجابت لمطالب الصهاينة بالأرض كوطن لليهود باعتبار نفس الأرض بمثابة حق جماعي لسكانها العرب بحكم المولد. ولكن البرنامج الصهيوني للحصول على الأراضي، الذي ركز على شراء العقارات العربية الفردية من ملاكها الغائبين، عجل بتطور الوعي القومي بين كل من النخب والقرويين العرب الفلسطينيين، خاصة المسارعين والمشاركين المستأجرين الذين كان احتمال طردهم من أراضيهم مرتبطا بالإحساس الأوسع بالإقليمية القومية. وكان الصهاينة يعتبرون الأراضي التي يشترونها غير قابلة لنقل الملكية، ويملكها “الصندوق القومي اليهودي” باسم الشعب اليهودي، حيث كان يمكن تأجير هذه الأراضي للمستوطنات الزراعية اليهودية، ولكن لا يمكن بيعها أبدا. واستجاب القادة العرب الفلسطينيون على ذلك بالتأكيد على جوهرية حيازة الأراضي العربية في الحفاظ على وحدة بلادهم. وكان بيع مزرعة واحدة للصهاينة يعتبر بمثابة التنازل عن قطعة من الوطن الأم للعدو. ففي داخل فلسطين، كان السبب في اشتعال الصراع بين الحركات القومية الصهيونية والعربية يتمثل في غياب حدود واضحة بين هذه الحركات. وكان كل احتكاك محلي (كالصراع بين المستوطنات اليهودية والقرى العربية المتجاورة، والتوترات حول المطالب العربية بحقوق الرعي في الأراضي التي اشتراها “الصندوق القومي اليهودي”) يتحول إلى حادث مشحون بالمضامين القومية.

وكما تشير الحالة الفلسطينية، فإنه بينما وضعت معركة ميسلون نهاية للإطار الدمشقي الهش لتعاون رابطة الوحدة العربية، نجد أنها أدت أيضا إلى اندماج النخب السياسية الأكثر تماسكا في إطار دول الانتداب المختلفة. وكانت حدود الانتداب والاختلافات الطائفية تشكل مجتمعات متميزة ذات هوية سياسية، وكان الكثير منها يستخدم خطاب القومية العربية لتحقيق مصالحه المتنافسة.

الطائفية والسياسة العرقية في المشرق العربي

كانت القومية العربية أيديولوجية مرنة للغاية عرضت نفسها للعديد من التفسيرات والتطبيقات، وذلك لأن تطلعاتها كانت منفصلة عن الوضع القائم للحدود السياسية في المشرق العربي بعد الحكم العثماني، وكانت غير محددة جغرافيا وثقافيا. وحاصرها عدد كبير من المصالح الإقليمية والمجتمعات الطائفية، سواء كانت مصدرا لإضفاء الشرعية على مصالحها الخاصة، أو كأساس أيديولوجي لبناء التحالفات بين الجماعات ذات المصالح المشتركة، أو كتجسيد للخطر الوجودي لمجموعات الأقليات التي كانت تخشى من احتمالات العنف أو القهر التي كانت ترتكب باسمها، والتي كانت تستجيب بغرس إحساسها الخاص بالتميز القومي العرقي.

وكانت فرنسا تحاول طوال عقود- إن لم يكن طوال قرون- قبل الحرب العالمية الأولى، أن تلعب دور حامية المجتمعات الكاثوليكية في المشرق العربي. ولذلك أقامت علاقات سياسية وثقافية وثيقة جدا مع الموارنة في جبل لبنان- وهم أعضاء الكنيسة النسطورية التي تعترف بالسلطة الروحية للبابا. ولعبت فرنسا دورا رائدا في التدخل العسكري والدبلوماسي الأوروبي الذي أنهى مذابح الموارنة على أيدي جيرانهم الدروز في 1860. ففي أعقاب هذه الأزمة، تأكد الاستقلال الذاتي الذي كان يتمتع به هذا الإقليم عادة، وأصبح رسميا في معاهدة دولية أنشأت متصرفية (ضاحية) جبل لبنان كإقليم به أغلبية مارونية نسبتها 60%، وتتمتع بامتيازات خاصة وبقدر من الحكم الذاتي تحت حاكم مسيحي يعينه العثمانيون.

ومع تجربة القهر السياسي وقت الحرب في ظل جمال باشا، والمجاعة المدمرة وقت الحرب والتي أودت بنحو خمس سكان جبل لبنان، وجد زعماء المجتمع ورجال الدين الموارنة أنفسهم شديدي النفور من قبول السيطرة السياسية الإسلامية، وشديدي التطلع إلى التحول إلى مساندة فرنسا لاستعادة وتوسيع المجال التشريعي والإقليمي لاستقلالهم الذاتي. وبالرغم من أن بعض القادة الموارنة حاولوا التوصل إلى تفاهم مع فيصل في دمشق، إلا أن سلطات الكنيسة المؤثرة ظلت تعارض بشدة اندماج جبل لبنان في دولة عربية. فبالنسبة لمعظم الموارنة، كانت القومية العربية تمثل آخر تجسيد للتهديد الإسلامي القديم. ولذلك كانوا يطالبون بدلا من ذلك بتكوين دولة مارونية مستقلة ذات حدود تمتد خارج جبل لبنان لتشمل أراضي يطالبون بها على أسس تاريخية واقتصادية. وقد ساعدت توليفة الضغوط المحلية من البطريرك الماروني، ونشاط المهاجرين في فرنسا، وانهيار العلاقات الفرنسية مع فيصل، على إقناع السلطات الفرنسية بتلبية مطالب الموارنة من خلال منحهم مناطق كانت تاريخيا جزء من إمارة دمشق العثمانية.

وكانت دولة “لبنان الكبرى” الناتجة عن ذلك (و التي أعلنت في سبتمبر1920) والتي ظلت تحت سلطة المفوض السامي الفرنسي لسوريا ولبنان، ولكنها منحت دستورا جمهوريا في 1926، تشمل كل المعضلات والتناقضات المحتملة التي يمكن أن يسببها تكوين دولة قومية. إذ أن المناطق الجديدة التي ضمت إلى جبل لبنان كانت تحتوي أغلبية مسلمة، بالرغم من انقسامها إلى سنة وشيعة. وكان المسيحيون أغلبية طفيفة من سكان الدولة الجديدة، بل إن الموارنة أنفسهم كانوا لا يزيدون عن 32% فقط – وهي النسبة التي كانت تتناقص باستمرار بمرور الوقت بسبب تفاوت معدلات المواليد. وكان أعضاء الكنائس اليونان الأرثوذكس واليونان الكاثوليك والأرمن وغيرهم من الكنائس المختلفة لا يقبلون بدور تابع في دولة يسودها الأرمن. بل إن حقيقة أن القيادة السائدة للموارنة تعرفهم على أنهم ليسوا من العرب كونت شعورا قويا لدى جيرانهم المسلمين الساخطين بإعادة الاتحاد مع سوريا باسم القومية العربية. ومنذ وقت مبكر، 1919-1920، كان جبل لبنان وما حوله من مناطق حضرية خاضعة للاحتلال الفرنسي مسرحا لشن هجمات ضد الفرنسيين وحلفائهم الموارنة، قامت بها مجموعات مسلحة من التجمعات الدرزية والسنية والشيعية- وهي الهجمات التي كان يقودها أو يثيرها من داخل تلك التجمعات أنصار القومية العربية ممن لديهم روابط قوية بنظام فيصل. فلم يكن العنف بين التجمعات أمرا جديدا على هذا الإقليم، ولكن القومية العربية والقومية اللبنانية المارونية كونتا أطرا شرعية حديثة لاستمراره، بالإضافة إلى انتقاله من مجال المجتمعات الجبلية التقليدية إلى المراكز التجارية مثل بيروت، المتحررة ظاهريا من الأحقاد القومية.

أما في سوريا، فقد ساهم عدم كفاءة وعدم اتساق السياسة الفرنسية في صياغة تحالفات مجتمعية تعتمد على منبر سياسي قومي عربي. وكان هذا أكثر وضوحا في حالة الدروز في جنوب غرب سوريا (في جبل الدروز). إذ كان هذا المجتمع القروي أساسا لا يزال يدور حول هيكل العشيرة، بالرغم من أن بعض أكثر قادته نفوذا كانوا قد تعلموا في المراكز الحضرية في الشرق الأوسط، وكانوا يشاركون في السياسة القومية العربية منذ ما قبل 1914. ولكن سلطات الانتداب كانت تأمل في قطع علاقة الدروز بالقومية العربية، وذلك بمنح استقلال ذاتي محلي ووضع إداري منفصل لجبل الدروز، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إقليم العلويين في الشمال الغربي. ولكن عدم اتساق السياسات الفرنسية وعشوائية مسلكها ساعد على إثارة تمرد الدروز في 1925، والذي انتشر كالنار في الهشيم في معظم أنحاء سوريا.

ولقد أبرزت الممارسات السياسية لنظام فيصل في العراق كلا من إمكانات ومحددات استغلال القومية العربية كأساس أيديولوجي لبناء دولة. فبينما كانت القومية العربية جذابة لعدد متزايد من طلاب المدارس الثانوية والجامعات بالإضافة إلى ضباط الجيش، وكانت مقبولة بصورة متزايدة كإطار مرجعي خطابي لدى الشخصيات السنية التقليدية، نجد أنها كانت أقل جاذبية للقادة الشيعة الذين كان أتباعهم يمثلون أغلبية المسلمين العرب في البلاد، ولكنهم كانوا يمثلون طبقة أدنى اقتصاديا وسياسيا. إذ كانت القومية العربية جذابة بالنسبة لهم بالقدر الذي يعطيهم الحق في المطالبة بمكانة متساوية، ولكنها كانت مصدر تهديد إذ كانت النخبة السنية تستخدمها في إضفاء الشرعية على استمرار سيطرتهم على السلطة. وبالنسبة للأكراد في شمال العراق، فإنهم كانوا يشتركون في العقيدة السنية مع نخبة البلاد، ولكن اللغة العربية ليست لسانهم الأم. وبالنسبة لهم فإن بناء الهوية السياسية العراقية على أساس القومية العربية كان سيؤدي حتما إلى اغترابهم، مما يعني أنهم كانوا يواجهون الاختيار بين الاستيعاب الثقافي أو التهميش السياسي. وكانت ثوراتهم المتكررة ضد حكم بغداد تلقى قمعا قاسيا.

بيت الجغرافيا

 

2019-12-21T00:00:31+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا