القومية في أعقاب الحرب

القومية في أعقاب الحرب

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثامن من كتاب “القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات” الصادر عن المركز القومي للترجمة

 تأليف: أفيل روشفالد

ترجمة: عاطف معتمد وعزت زيان

تشير المراجعة المقارنة لبعض الدول القومية التي تكونت في أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى أن تحقيق الاستقلال القومي كان يمثل انتقالا محفوفا بالمخاطر نحو مشهد سياسي غير مألوف، ومجال جديد مثير وخادع يومض بأشكال مثالية بينما تموج الرمال المتحركة تحته. وانقسمت المجتمعات التي غامرت بالدخول إلى “الأرض الموعودة” من أجل حق تقرير المصير القومي حسب اختلاف توقعاتها المتعلقة بحدودها، وكيفية تحديدها، ومن الذي يحق له المشاركة في جني ثمارها. وكان الإحساس بخيبة الأمل من واقع الدولة القومية عميقا بسبب عظمة الأحلام التي شحنت حركات التحرير في البداية. وكانت المفارقة التي وجدنا أنفسنا فيها تتمثل في أن الحرب العالمية الأولي قادت مباشرة إلى تتويج مبدأ حق تقرير المصير القومي باعتباره مبدأ السيادة في النظام الدولي، في حين أنها بذرت بذور الفشل للنظم السياسية الجديدة المؤسسة على هذا المبدأ في نفس الوقت.

وبحلول السنتين الثالثة والرابعة، كانت الحرب العظمي تقود إلى تصاعد سريع في المشاعر والأنشطة والتوقعات القومية عبر عدد كبير من الطبقات الاجتماعية، والمنظمات السياسية، والتشكيلات العسكرية في شرق أوروبا الوسطى والإمبراطورية الروسية والشرق الأوسط.  وتجمع عدد كبير من العوامل التي أدت إلى ظهور وتزايد قوة هذا الاتجاه. ففي معظم الدول المشاركة في الحرب كان الدمار الكبير الناتج عن الحرب الشاملة والقهر السياسي والعوز الاقتصادي المرتبط بها، يساعد على تضخيم الفوارق بين الذين يملكون والذين لا يملكون: أي بين الذين كانوا يحصلون على ضرورات الحياة، والذين كانوا يشعرون بأنهم يسلبون مقومات حياتهم، وبين الذين كانوا يصلون إلى السلطة السياسية، والذين كانوا يخضعون لنزوات النخب الحاكمة، وبين الذين كان لديهم دور وجداني مباشر في انتصار قضية دولتهم, والذين كانوا يشعرون بالاغتراب عنها. وفي الإمبراطوريات متعددة الأعراق، كانت هذه الفوارق جد شاسعة، في ظل فشل تلك الدول في الحفاظ على مستويات الإنتاج وإدارة الموارد التي حققتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وكانت تميل أيضا إلى التوافق مع التقسيمات الثقافية العرقية، حيث ساهم هذا العامل في تعميق هذه الفوارق. وبالتحديد فإن الحرب أثارت التوترات بين المجموعات العرقية التي كانت مرتبطة بالنظم الإمبريالية أو التي كانت تمارس السيطرة الإقليمية داخل هذه الإمبراطوريات (الألمان والمجريون في إمبراطورية الهابسبرج، والمستوطنون الروس في آسيا الوسطى، والأتراك في الإمبراطورية العثمانية) وأولئك الذين كانوا يشعرون بأنهم يقومون بدور القوميات الخاضعة أو الأقليات المقهورة. وفي بعض الأقاليم، كانت الفوارق الطبقية والعرقية تتوافق مع بعضها ويقوي بعضها بعضا (القرويون السلوفاك مقابل ملاك الأراضي المجريين والنخب السياسية المجرية، والمستوطنون الروس والرعاة الكازاخ، والطبقات التجارية اليونانية والأرمينية في مقابل منافسيهم الأتراك الأقل نجاحا اقتصاديا والأكثر نفوذا سياسيا). ولكن المجموعات العرقية التي عانت ارتفاع مستوى التباين الطبقي الداخلي كانت تشعر أيضا بالاستغلال من جانب القوميات الأخرى (مثل شعور التشيك تجاه الألمان). وحتى في الحالات التي كانت فيها الفوارق الاقتصادية الاجتماعية تؤدي إلى انقسامات سياسية عميقة داخل الأمة (مثل الطبقات الحضرية الكرواتية مقابل القرويين الكروات)، كان الاختلاف العرقي (بين القرويين الكروات والصرب مثلا) يؤدي إلى عرقلة بناء حركات دولية طبقية حقيقية.

وفي نفس الوقت، وفرت ظروف الحرب فرصا لمجموعات صغيرة ذات دوافع قوية من الشخصيات القومية لتكوين منظمات بالمنفى وفرق متطوعين لعبت على الصراع بين القوى العظمى للدفاع عن قضاياها. حيث قدمت الدول العظمى ذاتها الملجأ والمساندة لمختلف هذه الحركات، وذلك كوسيلة لتدمير منافسيها، أو كستار لإضفاء الشرعية على احتلالها لأراضي العدو وخطط ضمها إليها. وقد سيطر تعبير “حق تقرير المصير القومي” على مفردات الدعاية وإضفاء الشرعية بين حركات التحرير والقوى الإمبريالية على السواء.

وفيما بين فرق المتطوعين ومنظمات المنفى التي ساعدت على تشكيل التصور المنتصر لقوى الحلفاء وشركائهم لتسوية ما بعد الحرب، أو استطاعت الوصول إلى السلطة في بلادها في 1918، نجد أن مفاهيم القومية التي صعدت إلى السطة استطاعت غرس الهوية السياسية التي تدور حول الدولة في الإحساس بالمجتمع الثقافي العرقي، وذلك بتوسيع تعريف هذا المجتمع إلى أقصى حدوده. وكان كل من المشروعات التشيكوسلوفاكية واليوغوسلافية وتصور بلسودسكي لاتحاد متعدد الأعراق بقيادة بولندا، بمثابة مشروعات لبناء أمم كانت تهدف إلى استكمال تطلعات إقليمية “سابقة” تقوم على اعتبارات إستراتيجية أو سوابق تاريخية. ونقل القوميون العرب الروح التوسعية للأمة الإسلامية أو العثمانية إلى تصورهم للأمة. وكان غرس هويات شعبية تتوافق بصورة أو بأخرى مع هذه التوسعات الإقليمية للدول يتحقق بالاعتماد على العوامل المشتركة بين المجتمعات اللغوية أو الدينية أو الإقليمية الكبرى لهذه الكيانات, أو من خلال التطهير العرقي والاستيعاب الإجباري. (و كان فرض القوى الغربية لاتفاقيات الأقليات مدفوعا بالأساس بالرغبة في دعم التكامل السياسي والثقافي طويل الأجل للدول الجديدة أو التوسعية، وكذلك كان رفضها لفرض تلك الاتفاقيات بمجرد اتضاح الطبيعة المعقدة لمشاكل الأقليات). وانطلق الاتحاد السوفيتي في اتجاه مغاير هادفا إخضاع الهويات العرقية لهوية سوفيتية مشتركة عابرة للقوميات. وكان كل من هذه التصورات مجرد برنامج لتشكيل الوعي الجماهيري، وليس استجابة لمطلب جماهيري. وكانت هذه البرامج تدل على التلهف على الاستقلال السياسي الذي كانت تتطلع إليه قطاعات عريضة من السكان. ولكن التصورات الشعبية حول من الذي يكون الأمة، وما الدور الذي يجب أن تقوم به الدولة في إعادة توزيع الأراضي أو الإصلاح الاجتماعي، وكيف سيحول الاستقلال ممارسة السلطة السياسية والعلاقات بين الطبقات، فعادة ما كانت تختلف تماما عن تلك التي كانت تتمتع بها النخب القومية التي وصلت للسلطة حديثا.

ولذلك فإنه منذ لحظة تأسيس الدولة الجديدة، كانت هناك فجوة متزايدة بين مشروعات التركيب القومي الرسمية التي تمثلت في دور الأيديولوجيات السلطوية، والوعي القومي العرقي المجزأ الذي ساد بين الجماهير والذي زاد قوة بسبب الحرب. حيث اتجه الفلاحون الكروات إلى فكرة جمهورية قروية كرواتية، بدلا من التصميم اليوغوسلافي الكبير. ولم يكن لدى الجماهير السلوفاكية معرفة كبيرة، فضلا عن الاهتمام، بالنموذج التشيكوسلوفاكي الذين كانت حفنة من المثقفين السلوفاك الليبراليين تضع آمالها عليه. وظلت المجتمعات الرئيسة ذات الاهتمام والعمل الجماعي في مناطق عديدة من الشرق الأوسط طائفية أو عشائرية أو دينية عرقية (كالموارنة والدروز) بطبيعتها. وبالنسبة للعديد من هذه المجموعات، كان اعتناق قومية الوحدة العربية – أو معارضتها – يمثل وسيلة لحماية أو تدعيم مكانتها في مواجهة المجتمعات المنافسة، ولتكوين تحالفات مع النخب الحضرية أو سلطات الانتداب.

لقد أدت عملية تكوين الدول وبسط سلطتها وتثبيت حدودها إلى اضطراب المياه العكرة الآسنة. ولم توفر حالة الحرب الطاحنة بين الدول المتنازعة على الحدود أجواء مناسبة لإشاعة التسامح أو التجميع الثقافي بين العرقيات. وساهم استمرار النخب أو العناصر القديمة بثقافتها السياسية في مواقع السلطة داخل النظام الجديد في صراع بين الخطاب الشعبي الديموقراطي والممارسات السلطوية من جانب الدوائر الحاكمة في شرق أوروبا الوسطى والشرق الأوسط. وأدى كفاح هذه الأنظمة للحفاظ على السيطرة السياسية، وتحصيل قدر من التأييد الشعبي في مواجهة هذه التوترات والمتناقضات، وفي وسط الصعوبات الاقتصادية الشديدة لسنوات ما بين الحربين، إلى زيادة الميل نحو إهانة الأقليات والتضحية بها. وكان الفرق بين الأشكال الليبرالية واليمينية من القومية، والذي اتضح بجلاء بين أعضاء النخب القومية قبل الحرب, يتلاشى بصورة مستمرة مع لجوء النخب الديموقراطية الليبرالية ظاهريا إلى سياسات تعادل فعليا السياسات الشوفينية العرقية التي يعتنقها نقادهم. وقد ساعد هذا على تكوين مناخ يشجع على ظهور جيل جديد من القوميين اليمينيين الراديكاليين أو شبه الفاشيين, الذين أشاروا إلى عدم الاتساق والتناقض الذاتي للجيل الأول من النخب القومية, ووعدوا بتغيير نمط سياساتهم الضعيفة ليحل محلها شوفينية عرقية نقية غير توافقية وغير متسامحة, تتخطى الصراعات الطبقية المريرة لحقبة الكساد، وتقوي الجماهير، وتقودهم بسهولة ضد أعداء الأمة في الداخل والخارج.

وظهرت أنماط عديدة من هذا الكم الهائل من المعلومات. حيث يتمثل أحدها في أن الهويات القومية لم تكن معدة سلفا من جانب النخب الثقافية أو السياسية الاجتماعية، ثم نقلت إلى “الجماهير” بصورة مباشرة في عملية سلسة لتكوين الدولة القومية. ووسط انهيار الصروح الإمبريالية في 1918 اجتمعت فجأة أطر عديدة متنوعة من العمل والهوية الجماعية تألفت من اللجان القومية المشكلة في لندن واتفقت معا على شن عصيان ريفي ولصوصية اجتماعية. وفي ظل المسار الجديد لفترة ما بعد الإمبريالية، تشكلت سياسات القوميات بالسعي من أجل وضع الأشكال والمفاهيم المتنوعة للهوية في توليفة أحادية البعد تسمى الدول القومية (أو الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية). وكان على النظم القائمة حديثا أن تجد طرقا إما لاختيار أو لقمع الهويات العرقية والإقليمية والاجتماعية السائدة في الأقاليم التي تدعي السيطرة عليها. وتشكلت القوميات الرسمية حتما بالهويات القومية العرقية التي تقوم عليها، بينما كانت هذه القوميات العرقية تشكلها بدورها أيضا القوميات الرسمية. وفي حالة الأقليات المهمشة أو المقهورة، كان يسود تفاعل سلبي بين الهويات الشعبية وتلك التي تدعمها الدولة. وأدت فجائية التحول إلى الاستقلال إلى زيادة حدة هذه المعضلات وتفاقم الصراعات الناتجة عنها.

وقد يبدو أن الظروف المحيطة بأحداث هذه السنوات كانت غير عادية، وأن الفترة الزمنية التي تناولها هذا الكتاب قصيرة جدا، لدرجة أن هذه القصة قد لا يكون لها مضامين نظرية أوسع. ولكننا نجد أنه خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة من التغير المتفجر، تبلورت الأنماط الأيديولوجية والثقافية والمؤسسية طويلة الأجل، بالإضافة إلى الصراعات والتناقضات الكامنة فيها. حيث وضعت أحداث الفترة من 1914-1923 معظم أجندات سياسات القومية في هذه الأقاليم لبقية القرن العشرين وما بعده. وكذلك، فإن هذا النمط من التطور – أي المرحلة الطويلة نسبيا من التكون القومي والعداء السياسي المتقطع والاضطرابات الشعبية التي أتبعها تحول مفاجئ وغير متوقع إلى الاستقلال في سياق انهيار إمبريالي عام – يشبه نوعا ما طريقة ظهور الدول القومية إلى الوجود، وذلك كما تشير تصفية الاستعمار في آسيا وأفريقيا بعد 1945، وأحداث أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي بعد 1989. ولذلك فإنه في حالات عديدة قد تكون دراسة التحول من القومية كحركة إلى القومية كنظام، ضرورية لفهم الأنماط طويلة الأجل لسياسات الهوية في الدول القومية بعد الإمبريالية. حيث تميل دراسات نظرية عديدة للقومية إلى التغاضي عن، أو التقليل من أهمية، هذه النقطة الحيوية، وبالتالي تركز على الأثر التراكمي للتغير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العالم الحديث.

ويبدو أيضا أن هذه الدراسة تشير إلى أن الشوفينية العرقية كانت تعتبر نتيجة حتمية للتطور القومي في الغالبية العظمى من الحالات. إذ أن المحاولات الليبرالية والديمقراطية للتوفيق بين الهوية العرقية والوعي المدني الأوسع والأكثر شمولا – مثل تشيكوسلوفاكية مساريك – كانت تنتهي إلى سياسات تحمل الإمبريالية الثقافية وتستبعد الأقليات. وكانت هذه واحدة من أنجح تجارب صياغة وعي مدني جديد ـ كالقومية التركية لدي كمال أتاتورك ـ معتمدة على الممارسات السلطوية القاسية، وعلى المساواة المطلقة للهوية المدنية بالاستيعاب في الثقافة التركية كما حددتها الدولة. وفي الواقع، فإن مسألة اعتبار هذا الجهد بمثابة نجاح طويل الأجل من حيث أولوياته التكاملية اجتماعيا تعتبر مثار جدل، وذلك في ضوء ما ترتب عليها من اغتراب نسبة كبيرة من السكان الأكراد.

ولكن استنتاج أن العرقية عبارة عن ظاهرة رجعية لا يجب أن يكون لها دور في تشكيل الهوية القومية الليبرالية الجديدة، أو أنه كان يمكن ببساطة ألا يوجد شئ مثل القومية الليبرالية تحت أية ظروف، فيعتبر أمرا سابقا لأوانه. حيث أن مشكلة العديد من المشروعات السياسية التي ناقشناها في هذا الكتاب كانت تتمثل في أنها اندفعت بشدة إلى الوصول إلى تناسب كامل بين الهويات العرقيات والمدنية. وكان بعض من المفكرين الليبراليين والقادة القوميين ـ ممن تناولناهم في هذا الكتاب ـ  مقتنعين بأن الهوية القومية يجب أن تتشكل بحيث تتوافق تماما مع فكرة متصورة سلفا للدولة المركزية الحديثة، التي تتصف بالتوزيع الموحد لسلطتها على أنحاء أراضيها، والتي تحكم باسم السيادة الشعبية التي لا تتجزأ. وبعد إجراء جميع التعديلات الضرورية، كانت سياسة القومية اللينينية تهدف إلى المساهمة في التلاشي الحقيقي للمشاعر القومية وظهور هوية متجانسة تعتمد على الطبقة وتدور حول الدولة.

و لذلك فإنني أرى أن القومية تكونت واتخذت ملامحها من خلال “تفاعل” التحديث السياسي والاقتصادي (أي ظهور الدولة المركزية وفكرة السيادة الشعبية وانتشار التعليم وبداية التصنيع أو التطلع للتصنيع) مع الحاجة النفسية والوجدانية الإنسانية المستمرة إلى إطار مجتمعي للهوية. ومع الاستثناء الممكن للمجتمعات المتجانسة ثقافيا نسبيا (مثل اليابان)، فإن القومية لا تتوافق تماما مع منطق الدولة الحديثة السوية، ومن المؤكد أنها ستعرض نفسها لانتهاكات مرعبة، ولكن الدولة لا تستطيع أن تعمل بدونها تماما أيضا. وقد طورت يائيل تامير Yael Tamir حجة رائعة تثبت أن الشكل الديمقراطي الليبرالي للدولة الحديثة ليس أقل اعتمادا على الإحساس بالهوية القومية في أدائه، مقارنة بنظيره الاستبدادي أو غير المتسامح. فالمصلحة الذاتية “للطرف الرشيد” الفردي لا تكفي لاستمرار التماسك السياسي والالتزام بالقيم المشتركة في المجتمع الليبرالي، ولا بد من وجود قدر من الإحساس المشترك بالهوية. وبنفس الأسلوب، فإن مجرد وجود الحدود بين الدول الديمقراطية الليبرالية يشير إلى أن هوياتها السياسية لا تتسع لكل الإنسانية، ولكنها محدودة بحدود قوميتها. وبالعكس، تقول تامير إن هوية الفرد تتشكل بالانتماء إلى مجتمع ثقافي، ومن خلال التعبير السياسي العام عن الهوية الجماعية كحق فردي، بما يساوي بين القومية وتركيز الليبرالية على حقوق الفرد.

ولكن كيف يمكن أن نوفق بين التنوع الثقافي والتماسك السياسي؟ إن تصور تامير النهائي للإطار فوق القومي المحايد ثقافيا وعرقيا للسيادة السياسية، والذي يمكن أن تتعايش بداخله مجموعة متناقضة من الهويات القومية بسلام (بروح الاتحاد الأوروبي) يتناقض مع حجتها السابقة لإثبات أن التماسك السياسي للدولة الليبرالية يعتمد على إحساس مجتمعها بالهوية القومية المشتركة. أي أنها وقعت في نفس الفخ الذي وقع فيه القوميون الليبراليون في حقبة الحرب العالمية الأولى – وهو الاعتقاد بأن بنية الدولة الحديثة ومؤسسات الديمقراطية الانتخابية، وملامح الهوية القومية يمكن جعلها كلها متوافقة مع بعضها تماما، مثل أجزاء متفرقة من صورة لابد من تجميعها معا لرؤية مشهد مكتمل.

ولكن إيساياه برلين Isaiah Berlin (أستاذ تامير، وأحد أنصار القومية الليبرالية) هو الذي أوضح أن العديد من القيم التي نعتز بها بشدة ـ مثل الحرية والمساواة، أو الحرية الفردية والسيادة الجماعية ـ في حالة توتر دائم مع بعضها. ويعني توافر المزيد من إحداها حتمية توافر القليل من الأخرى، ولا يستطيع أي شخص أن يثبت أين يقع التوازن التام بصورة قاطعة. فالقومية الليبرالية بمثابة تناقض في المصطلحات، ولكن هذا لا يبطلها. إذ أن المجتمع الليبرالي المتسق تماما، والخالي من أي إحساس بالهوية القومية، لن يكون متماسكا سياسيا، وبالتالي لن تكون له حدود سياسية. وللأسف فإن هناك تزايد في عدد الدول التي يمثل فيها طقس الهوية المصدر الوحيد للشرعية السياسية. فالجمع بين الليبرالية والقومية داخل حدود كيان واحد يتطلب استعدادا للاعتراف بوجود توتر بين المبدأين، والرغبة في قبول قدر معين من الخلط وعدم الاتساق المؤسسي والمفاهيمي نتيجة لذلك. ولا يمكن تجميع الهويات العرقية الموجودة سلفا وتحويلها سريعا إلى أنماط قومية تتفق تماما مع التصور الإقليمي للدولة. وكذلك فإن الهويات العرقية أو الإقليمية التي تفشل في التوافق مع الاتجاهات التكاملية للدولة، يجب ألا تستبعد ولا أن تقهر، باعتبارها غير متوافقة مع تصور “مسبق” للقومية المدنية الحديثة القائمة على الدولة. ولكن التوافقات الإبداعية والسلوكيات السياسية الحرجة ـ سواء في شكل تعديلات حدودية، أو اتفاقيات لتقاسم السلطة، أو استقلال ذاتي إقليمي، أو استقلال داخلي، أو اشتراك في سيادة على مناطق متنازع عليها ـ يمكن أن تقدم أفضل الوسائل لحل هذه المعضلة. إذ أن معظم النظم التي وصلت إلى السلطة وسط إراقة الدماء والدمار في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت تفتقر إلى الرغبة أو الفرصة لتناول المشكلة بهذه الروح. وبهذا المعنى فإن الاتحاد الأوروبي يقدم فعلا تجربة خلاقة لأفكار مرنة جديدة للسيادة، بوسعها تخفيف التوتر بين حاجة البشر إلى التعاون ورغبتهم في تعريف أنفسهم بما يميزهم. ولكن إمكانية أن تلقى هذه الأفكار قبولا، سواء في أوروبا أو في بقية العالم، تبقى مطروحة للنقاش.

بيت الجغرافيا

2019-12-22T00:50:25+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا