النخب القديمة والدول المكونة حديثا

2019-12-22T00:42:47+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السابع من كتاب “القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات” الصادر عن المركز القومي للترجمة

 تأليف: أفيل روشفالد

ترجمة: عاطف معتمد وعزت زيان

أثارت الحرب العالمية الأولى تصاعدا كبيرا في توقعات التغيير بين المجموعات العرقية المختلفة في الإمبراطوريات متعددة الأعراق. حيث كان خطاب التحرر القومي يمثل عملية مشتركة – ووسيطا أيديولوجيا للتغيير – بين الطبقات الاجتماعية والكيانات السياسية المختلفة داخل كل قومية. ولكن ثبت أن كل هذا كان مضللا، لأن الانقسامات الاجتماعية والأيديولوجية القوية أظهرت نفسها بسرعة مع التغيرات التي تطلبها حق تقرير المصير القومي على أرض الواقع، ومع ما استلزمه تحديد الحدود الإقليمية والسكانية والثقافية. ورغم هذا لم يكن الانفصال عن الإمبراطورية يتصف بتعدد مطالب التغيير فحسب، بل كان هناك أيضا عناصر استمرار قوية أعلنت عن نفسها سريعا في الدول المكونة حديثا – أي الهياكل المؤسسية وأشكال الثقافة التقليدية الموجودة سلفا، والتي ضخت أفكار القوميين عن الاندماج والتحول. وكان هذا واضحا جدا في شرق أوروبا الوسطى وفي الشرق الأوسط (بالرغم من أنه لم يكن غائبا عن الساحة السياسية في الاتحاد السوفيتي) وهي الأقاليم التي نوليها في هذا الفصل عناية خاصة لاتجاهات فترة ما بين الحربين.

لقد ربط الراحل إيرنست جيلنر Ernest Gellner نمو القومية بالتحول البيروقراطي للدولة والمجتمع. إذ قال – بناء على كتابات ماكس فيبر – إن الدولة لا تستطيع العمل بفعالية بدون خدمات جهة إدارية منظمة يكون ولاؤها الأول للدولة لا لأي بنية قبلية أو جماعية خارج إطار الكيان السياسي. وفي الواقع، نجد أن النظام الغربي الحديث حاول تحويل كل المواطنين إلى موظفين (أو مشاركين) في الدولة. ويقول جيلنر إن النظام التعليمي الذي تديره الدولة يعمل على تنميط اللغة وغرس القيم والهوية المشتركة في كل السكان، بحيث يستطيع الناس العمل كمكونات متكاملة في الجهاز البيروقراطي الواسع، وكتروس منمطة في الاقتصاد الصناعي المتكامل.

إيرنست جيلنر

 وهكذا تعتبر القومية في هذه الصياغة منتجا ثانويا لنمو الدولة الحديثة والاقتصاد الصناعي الجديد. ومن ثم فإن ذلك الجزء من السكان الذي تسمح لهجته المحلية وفرص تعليمه بإجادة اللغة الرسمية، سيحقق تقدما اجتماعيا سريعا، وسيعتبر الدولة تعبيرا عن هويته القومية الخاصة به. أما المجموعة العرقية التي تعاني من كون لغاتها أو لهجاتها المحلية مختلفة كثيرا عن لغة الدولة الرسمية، والتي تجد صعوبة في الحصول على فرص الحراك الاجتماعي لأعلى، فإنها تستطيع التفاعل بإحدى طريقتين: إما الاندفاع نحو تعلم اللغة السائدة والاستيعاب في الأغلبية الثقافية العرقية، أو يمكنها الاستجابة بتطوير حركات انفصالية تهدف إلى تكوين دول قومية مستقلة تسيطر داخلها لغاتها وثقافتها الخاصة.

ويقول جيلنر أيضا إن السيناريو الانفصالي هو السيناريو الاستثنائي. حيث يرتفع احتمال حدوثه خلال المراحل الأولى من التصنيع، عندما تكون الفجوات بين المتخمين والمعدمين أوسع ما يمكن، وعندما تكون التوترات الاجتماعية المصاحبة للتحديث أشد ما يمكن. واستنتج أنه إذا استطاعت الدولة أن تظل متماسكة بعد الحد الأدنى الحرج من التصنيع، فإن العملية المستمرة للتحديث الإداري والتعليمي عادة ما تنجح في إدماج واستيعاب الأقليات العرقية (التي ستدرك أنها ستكسب الكثير من تعلم اللغة السائدة وصعود السلم السياسي الاجتماعي القائم، مقارنة بتحمل مخاطر الانفصال لتكوين دول جديدة صغيرة ومعرضة للمخاطر.  ويتمثل نموذج جيلنر الرئيس للسيناريو الانفصالي في تجربة إمبراطورية الهابسبرج متعددة القوميات، إذ يقول إن جهود التحديث الإداري والاستيعاب الثقافي، بالإضافة إلى البداية المبكرة للتصنيع، ساعدت على زيادة التوترات وتصاعد التفاوت بين المجموعات العرقية مثل المجريين والسلوفاك. ويرى أن انهيار مملكة الهابسبرج يمثل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: فمعظم الدول القومية المعاصرة يحوي العديد من الأقليات العرقية، ولكنه يميل في النهاية إلى النجاح في إدماجها سياسيا، واستيعاب الكثير منها.

ويوضح نموذج جيلنر بجلاء العديد من جوانب القومية الحديثة، ويفسر العديد من ملامح تطورها المبكر. ومع ذلك، نجد أن اقتراحه أن الدول القومية عبارة عن إعلان، ومشجع ناجح، للعمليات المزدوجة للتصنيع والتكامل الثقافي الاجتماعي، يجب موازنته باعتراف أكبر بعناصر ما قبل الحداثة التي تستمر في لعب أدوار قوية في معظم دول القرن العشرين، خاصة في حالة تلك الأغلبية من الكيانات المعاصرة التي خرجت من الأطر الامبريالية. فأثناء التحول المفاجئ إلى الاستقلال، حمل معظم ما يسمى بالدول القومية إلى إدارتها طرق التفكير وأساليب الحكم الموروثة من “النظام القديم”. وفي الواقع، غالبا ما تنجح النخب القديمة في الاحتفاظ بالسلطة بربط نفسها بشعارات القومية. فمن خلال التوليفة المربكة من التطلعات التكاملية والممارسات الاستبعادية، تستطيع إدارة الدولة القومية أن تساهم في تجزئة المجتمع وتفكك الأقليات العرقية. وهنا غالبا ما يتم اللجوء بسرعة إلى استعادة الإجراءات القمعية باعتبارها الوسيلة الوحيدة المضمونة للحفاظ على الوحدة الخارجية للدولة القومية، بل إن استخدام القوة له محدداته أيضا. وهكذا تشير الأحداث في يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفيتي والعراق والصومال وليبيريا وسيراليون وأماكن أخرى منذ 1989، على أن التقييم المتفائل الحذر لدى جيلنر للإمكانات التكاملية للدول الحديثة قد يحتاج إلى مراجعة.

لقد وضح ماكس فيبر الطبيعة متعددة الأوجه لبيروقراطيات الدولة الحديثة. حيث لاحظ فيبر أن التحول الديموقراطي والتحول البيروقراطي يسيران جنبا إلى جنب، بالرغم من تعارضهما مع بعضهما أيضا. إذ إن جوهر التحول الديموقراطي – بمفهومه الواسع للمصطلح – يتمثل في التخلص من الامتيازات الخاصة والاختلافات التشريعية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة – وهذه نتيجة عادلة تترتب على مساواة جميع المواطنين أمام القانون (و تمثل صفة أساسة للدولة القومية عند جيلنر). ولا يمكن أن يتحقق مثل هذا التحول إلا إذا حلت محل السلطة الشخصية للمسئولين سلطة غير شخصية وبالتالي غير متحيزة. ومع ذلك، نجد أن ظهور جيل جيد التنظيم من الإداريين المدربين الذين يعملون في كل مستويات الحكم يمكن أن يتبلور في نخبة اجتماعية سياسية جديدة ذات تعليم متخصص وقيم مصلحية شخصية ضيقة، وهي القيم التي تعرقل المبادرة الفردية وتقوض حيوية المؤسسات الديموقراطية. وهكذا نجد أن البيروقراطية الموضوعية الحديثة لا غنى عنها لأداء الديموقراطية الجماهيرية، ولا تتفق مع روحها في نفس الوقت. وتوضح هذه العلاقة الجدلية الكثير من التاريخ السياسي لدى فيبر.

الاستمرارية المؤسسية والمجموعات العرقية

  •  حالتا تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا

تشيكوسلوفاكيا

توضح حالة تشيكوسلوفاكيا بصورة دقيقة مشاكل التحول في مرحلة ما بعد الإمبريالية، وذلك لأنها كانت الدولة الوحيدة في شرق أوروبا الوسطى التي احتفظت بمؤسساتها وممارساتها الديموقراطية طوال فترة ما بين الحربين. حيث كانت إدارة هذه الدولة تقترب من النمط النموذجي للبيروقراطية الرشيدة الحديثة لدى فيبر، بدرجة أكبر من أي من الأمثلة الأخرى، بالإضافة إلى أن قوتها تراجعت بسبب مؤسساتها الديموقراطية. ومع ذلك، فشلت حكومة براغ في محاولتها تدعيم الهوية السياسية المشتركة بين التشيك والسلوفاك.

لقد ورثت تشيكوسلوفاكيا من النظام الإمبريالي عددا من البيروقراطيين والإداريين التشيك المتمرسين، الذين حققوا قدرا كبيرا من الاستمرارية والاستقرار في إدارة الأمور في الدولة الجديدة بعد انهيار إمبراطورية الهابسبرج. حيث استمر الموظفون المدنيون المحليون في الإمارات التشيكية في أماكنهم ببساطة في ظل الجمهورية الجديدة، بل إن التشيك الذين عملوا في الوزارات المركزية في فيينا عادوا للمساعدة في إقامة الوزارات الجديدة في براغ. واحتفظت الخدمة المدنية التشيكية بقدر من الصورة الذاتية لإدارة الهابسبرج كمؤسسة شبه مستقلة تلعب دورا تكامليا وبناء في المجتمع (وليس مجرد آلية لفرض القانون القائم).

وكانت الحياة السياسية التشيكية ثرية ومتنوعة، وتتمتع بأحزاب منظمة جيدا تجمع بين أرجاء الطيف الأيديولوجي، حققت خبرة في تنظيم الجماهير، والسياسات الانتخابية، والتكتيكات البرلمانية، وذلك داخل إطار النظام الدستوري النمساوي القديم. وكان الانقسام العرقي سبب في انهيار البرلمان النمساوي، ولكن المواجهات المستمرة بين التشيك والسكان الألمان زادت من الحاجة إلى التعاون بين الأحزاب التشيكية. وهكذا كان لدى التشيك جيل قيادي تطور معتادا على ما يمكن تسميته “المنافسة المحسوبة” في السياسة. أي أنه يمكن القول إنهم كانوا مستعدين للمنافسة على السلطة داخل الدولة التشيكوسلوفاكية حسب القواعد الديموقراطية الليبرالية المستقرة، وذلك في مناخ التسامح المتبادل، مع القدرة على تكوين تحالفات حاكمة فعالة جدا بمجرد انتهاء الانتخابات.

ولكن الوضع في سلوفاكيا كان مختلفا بصورة ملحوظة. فبالرغم من أن سلوفاكيا كانت تحتوي على بعض المناطق الصناعية الكثيفة جدا الموروثة من المملكة المجرية، إلا أن اقتصادها ظل زراعيا بالأساس. وهكذا ظلت ملكية رأس المال بصورة مطلقة تقريبا في أيدي السلاف (الألمان، المجريين، اليهود) مقارنة بالوضع الذي كان سائدا في الأراضي التشيكية. وكان النظام الدستوري المجري ينكر على السلوفاك التمثيل المناسب في البرلمان، مما أدى إلى أن الأحزاب السياسية السلوفاكية التي ظهرت في 1918 كانت غير متمرسة وغير واثقة من نفسها. ففي الحقيقة، كانت بودابست تمارس سياسة نشطة لاستيعاب النخبة السلوفاكية الصغيرة في الثقافة المجرية، بينما كانت تنكر التقدم الاجتماعي على السكان الريفيين. ولم تكن هناك فرص للتعليم الجامعي باللغة السلوفاكية. أما السلوفاك الذين كانوا يرغبون في مواصلة تعليمهم الجامعي بلغة سلافية، فقد كانوا مضطرين للدراسة في براغ (وذلك إذا استطاعوا التحايل على القيود المجرية المفروضة على هذا الخيار).

وكانت إدارة سلوفاكيا تدار مطلقا باللغة المجرية، وكان يسيطر عليها المجريون والسلوفاك المتأثرين ثقافيا بهم. وظلت هذه العناصر موالية للمجر تماما، كما اتضح في 1919، عندما دخل موظفو السكك الحديدية والبريد في إضراب في محاولة لقطع الاتصالات والنقل التشيكوسلوفاكي خلال الغزو المجري (الفاشل) لسلوفاكيا. وعندما تم تطهير البيروقراطية في حينها من المجريين، لم يكن هناك سوى عدد قليل من السلوفاك المؤهلين ليحلوا محلهم.

ولذلك فإن الانشقاق السياسي الذي حدث بين المجتمعين التشيكي والسلوفاكي بمجرد تكوين الإمبراطورية تقريبا لم يكن ببساطة نتيجة لاختلاف مفاهيم الهوية القومية. ففي هذا العالم الجديد الرائع للدولة القومية، كانت الاستمرارية المؤسسية مفروضة على التغير السياسي، مما أدى إلى زيادة صعوبة تحقيق المركب الثقافي الذي كان يكمن في صلب تصور مساريك لتشيكوسلوفاكيا. فالفجوة العميقة بين مستويات التقدم السياسي والاكتفاء الذاتي البيروقراطي في الإمارات التشيكية والسلوفاكية كانت تتعمق في مكانها وتتسع بسبب دخول سلوفاكيا في دولة تشيكوسلوفاكيا. حيث قام عدد كبير من القضاة والإداريين والمدرسين والموظفين والكتبة التشيك بشغل الفراغ الناتج عن التخلص من الإدارة المجرية.

ومن حيث المبدأ، كان تنظيم النظام الانتخابي التشيكوسلوفاكي مصمما للمساعدة والتغلب على هذه التباينات من خلال ضمان التمثيل التناسبي لكل إقليم ومجموعة سكانية. ومع ذلك، نجد أنه بينما كانت الأحزاب الانتخابية السياسية الخمسة (المعروفة مجتمعة باسم بيتكا Pětka) التي سيطرت على الساحة السياسية وكانت تشارك باستمرار في التحالفات الحاكمة، تعرف نفسها بأنها تشيكوسلوفاكية التوجه، إلا أنها كانت بمثابة الوريث المباشر لأحزاب تشيكية قبل الحرب، واستمر التشيك في قيادتها والسيطرة عليها. وكانت الأصوات التي تكسبها أحزاب بيتكا في الانتخابات العامة لا تزيد كثيرا عن 50% من مجموع الأصوات. ومع ذلك، كان نمط التعاون الذي أرساه قادة هذه الأحزاب خلال وجودهم في “النادي التشيكي” في البرلمان النمساوي، بالإضافة على سهولة الوصول والاتصال المنتظم الذي تمتع به بعضهم مع الرئاسة القوية للجمهورية – وهو المنصب الذي شغله توماس مساريك حتى وفاته في 1937 – ساعد على تسهيل سيطرتهم على النظام السياسي. وكانت الحكومات التشيكوسلوفاكية تتشكل وتنحل بتكرار مربك، ولكن اللاعبين الرئيسيين (من تحالف لآخر) ظلوا هم أنفسهم قادة هذه الأحزاب.

وكان توزيع السلطة على أعلى مستويات الحكم له نظيره في بيروقراطية الدولة. حيث كان كل حزب يميل على الحفاظ على السيطرة على وزارات معينة، حتى عندما كان التحالف ينحل ويحل غيره محله. وكان هذا بالتحديد يمثل التفاهم غير المكتوب الذي سهل تقسيم السلطة بين الأحزاب البارزة التي يسيطر عليها التشيك، والذي أدى أيضا إلى تكوين نظام محسوبية يقوي قبضتهم على السلطة ويربطهم بمصالح الجماهير. وفي الواقع، كان الكثير من السلوفاك، الذين انضموا أو صوتوا لحزب أو آخر من هذه الأحزاب، يفعلون ذلك ليضمنوا الوصول إلى موارد الدولة من أجل مناطقهم أو مشروعاتهم، وليس نتيجة اقتناع أيديولوجي أو وعي طبقي. ومع ذلك، نجد في معظم وزارات الحكومة أن السلوفاك لم يكونوا يمثلون أكثر من 1.6% من الهيئة البيروقراطية. أما السلوفاك الذين أدمجوا في النظام فقد كان معظمهم من المنصِّرين التشيك، ومن القلة البروتستانتية المتعلمة والمنظمة. ومن ثم تركت الأغلبية الكاثوليكية الريفية في سلوفاكيا معرضة للشعور بالاغتراب عن النظام.

وساد موقف مماثل في الجيش. حيث كانت صفوف الجنود تتكون من المجندين من كل الأقاليم والمجموعات العرقية. وكانت اللغة الرسمية الوحيدة بالجيش هي “التشيكوسلوفاكية” – والتي كانت تعني في الواقع التشيكية، وليس السلوفاكية. وكان حوالي 80% من هيئة الضباط من التشيك. وقد قوض هذا مصداقية الجيش كأداة للتكامل القومي.

يوغوسلافيا

كانت مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين تدار منذ تأسيسها كامتداد لمملكة صربيا القديمة. وكانت مملكة صربيا تعرف نفسها بأنها دولة قومية، ولذلك تختلف هذه الحالة عن فكرة هذا الفصل المتعلقة بالتركة الإمبريالية التي تثقل كاهل الثقافات السياسية للدول القومية. ولكن المشكلة الأساسية لاستمرارية النظام في مواجهة الساحة المعاد تشكيلها إثنوجرافيا بصورة جذرية تعلن عن نفسها بصورة حادة هنا. ومن أجل التبسيط، سأركز على الحالة المثيرة للمشاكل للعلاقات الصربية الكرواتية، بالرغم من أن الخريطة الإثنوجرافية للبلاد تشمل العديد من القوميات الأخرى.

وخلال فترة الديموقراطية البرلمانية من 1918-1929، استمر “الحزب الراديكالي الصربي” القديم – الذي قاد البلاد إلى الحرب في 1914 – في السلطة على رأس تحالفات هشة، بالرغم من معارضة “الحزب القروي الكرواتي” بقيادة ستيبان راديتش لسياساته المركزية. حيث حصل الراديكاليون على الأغلبيات البرلمانية بالتلاعب بالمركب متعدد القوميات للناخبين. أما الأحزاب العرقية التي كانت تطالب بتجنب هذا النوع أو ذاك من الظلم المحلي، فكانوا يتفاوضون معها، وذلك بحيث يمكن تجنب التوافق مع الأحزاب الأخرى التي تطالب بتفويض السلطة إلى إماراتهم التاريخية أو بالمشاركة الفعالة في السلطة المركزية. وكان هذا التكتيك فعالا لعدد من السنوات، ولكنه كشف في الأجل الطويل عن إظهار الطبيعة الهشة للنظام القائم في البلاد. وفي 1929، توقفت السياسات البرلمانية مع وقوع البلاد تحت ديكتاتورية ملكية.

وتزايدت السيطرة السياسية للصرب بسبب تمثيلهم غير التناسبي على أعلى المستويات الحكومية، بالإضافة إلى الإدارة والجيش. وبالرغم من أنهم كانوا يمثلون حوالي 40% من سكان البلاد، إلا أنهم احتكروا فعلا المناصب الحكومية العليا طوال فترة ما بين الحربين، واستغلوا سيطرتهم على الخدمة المدنية لأغراض المحسوبية السياسية والمحاباة العرقية. وكان 97% من هيئة الضباط من الصرب، وكان الصرب يسيطرون على هيكل الخدمة الدبلوماسية، وكانت كل المصارف المملوكة للدولة – والتي تمثل عصب النظام المالي للبلاد – يرأسها الصرب.

وكانت هذه النخبة البيروقراطية السياسية متداخلة بعمق في الدوائر التجارية والمالية الصربية المؤثرة، والمناصب الدينية العليا في الكنيسة الأرثوذوكسية الصربية، والطبقة الغنية من القرويين الصرب. وكانت الحكومة تراعي هذه المجموعات من خلال شبكات المحسوبية، وتخدم مصالحها المالية من خلال قوانين الضرائب وسياسات الجمارك والقروض الرخيصة من مصارف الدولة. وتلاشى الفرق بين الخدمة العامة والمصالح الخاصة، لأن أعضاء النخبة الاقتصادية الاجتماعية كانوا يدخلون ويخرجون من المناصب العامة، ويستغلون سلطتهم لإثراء أنفسهم وأتباعهم، وعلى هذا النحو تفشى الفساد.

وكان الاستياء من الدولة عميقا جدا في المناطق غير الصربية المكتسبة حديثا، لأنه في هذه المناطق كانت توقعات الخلاص السريع من الأنماط الاقتصادية الاجتماعية السابقة أعلى ما يمكن. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ارتكبت حماقات اجتماعية، وظهر سوء فهم كان يمكن تجنبه لو كان قد تم بذل جهد أكبر لمنح أدوار إدارية وسياسية مستقلة للقيادات المحلية في الأقاليم غير الصربية (بالرغم من أن الوضع كان معقدا بسبب وجود أقليات صربية كبيرة في البوسنة وكرواتيا). ولنأخذ مثالا واحدا على ذلك، فقد كان لدى الجيش الصربي تقليد طويل في وسم حيوانات الحقل القوية للتعرف عليها لاحتمال مصادرتها في حالة الحرب. وعندما أدخلوا هذه العملية بصورة مفاجئة إلى كرواتيا، التي كانت تجهل هذه الممارسة، واجهها الفلاحون باستنكار وغضب لشعورهم بأن أفضل حيواناتهم كانت تشوه بلا مبرر. وساهمت هذه المشكلة كثيرا في اندلاع عصيان القرويين الكروات في 1920.

وهكذا فإن فرض النظام الإداري السياسي الصربي الموجود سلفا على المملكة التي توسعت حديثا بعد 1918 أكد الانطباع لدى غير الصرب بأن أيديولوجية الاتحاد الأخوي اليوغوسلافي والتكامل القومي كانت مجرد خدعة. ففي كرواتيا بصفة خاصة، أدت تكتيكات بلجراد القمعية إلى النمو المستمر في تأييد “حزب الفلاحين الكروات” بين النخب المفكرة والطبقات الوسطى. وبعبارة أخرى، فإن دخول كرواتيا في دولة يسيطر عليها الصرب تحول إلى محفز قوي لنمو الهوية القومية العرقية الكرواتية التي ضيقت الفجوة بين الطبقات الدنيا الريفية والنخب الحضرية، بينما أبعدها عن نموذج الوحدة اليوغوسلافية الفاقد للمصداقية. وتصاعد الاغتراب المتزايد للقرويين والنخب الكرواتية على السواء في رد فعلهم الصادم على إطلاق النار على ستيبان راديتش وقتل وجرح العديد من زملائه في ساحة البرلمان القومي في يونيو 1928 على يد نائب قومي صربي. حيث أدت الأزمة السياسية التي ترتبت على ذلك إلى حل البرلمان وإعلان الديكتاتورية الملكية في يناير 1929.

وخلال الثلاثينات، عجلت الهشاشة السياسية للنظام الجديد وتأثير “الكساد” العالمي من عملية الاستقطاب والتمزق السياسي على أسس عرقية. حيث استمر حزب الفلاحين الكروات ـ الذي أصبح الآن تحت قيادة فلادكو ماشيك Fladko Maček ـ في توسيع قاعدة تأييده بالتحول إلى اليمين، وذلك بالتخلي عن المبادئ المناهضة للدين لدى مؤسسيه (الذين كانوا متأثرين بشدة بتعاليم توماس مساريك، كما ذكرنا) وصاغوا تحالفا مع الكنيسة الكاثوليكية. وفي نفس الوقت، أدى الفشل في استمرار انفتاح حزب الفلاحين على الحوار مع الصرب واعتناق الأساليب الديموقراطية إلى إثارة عداوة وسخرية حركة أوستاشا Ustaša، المنافس الصغير والنشط على اقصى يمين السياسة الكرواتية. حيث تأسست هذه الحركة في أواخر العشرينات على أيدي أعضاء الحزب الفرانكي القديم، وقامت بإحياء القومية الكرواتية الشوفينية العنيفة للفرانكيين بإلباسها عباءة فاشية حيث تم تنظيم طقوس قيادة حول مؤسس الحركة، آنتي بافيليتش Ante Pavelić، وأبرزت الأفكار العنصرية في دعاية الحركة ضد الصرب، وأدخلت في الحركة نظم إيطالية عسكرية وفاشية. واستطاعت الحركة التي تمتعت بمساندة إيطالية ومجرية أن تعوض تأييدها الشعبي المحدود باللجوء إلى الهجمات الإرهابية، بما في ذلك اغتيال الملك الكسندر خلال زيارته لفرنسا في 1934، وذلك في إطار حملتها للإطاحة بسلطة بلجراد. ولكنها قفزت إلى السلطة فعلا في كرواتيا من خلال قوات المحور التي اجتاحت يوغوسلافيا في 1941.

النخب الثورية في بولندا والمشرق العربي

لم يقتصر تأثير عناصر الاستمرارية بين النظام القديم والنظام الجديد على العلاقات بين الأعراق، ولكنه امتد أيضا إلى تطور الوعي القومي والسياسات القومية بين القوميات السائدة في الدول الجديدة. وتوضح الحالة البولندية في شرق أوروبا الوسطى، والحالة العراقية – والسورية إلى حد ما – في الشرق الوسط، متناقضات تحولات ما بعد الحرب بصورة جلية، وذلك لأنه في كل الحالات كان الأعضاء القدامى في المجموعات القومية وقت الحرب والمنظمات السرية يتولون أدوارا بارزة في القيادة السياسية للدولة الجديدة. ومع ذلك، كانوا يرتدون إلى الممارسات القديمة أثناء سعيهم لتحقيق أهداف جديدة بمجرد وصولهم إلى السلطة.

وبعد القيام بأدوار الطليعة القومية المختارة ذاتيا أثناء الحرب، تعتقد هذه الشخصيات – مثل ضباط الفرقة الأولى التابعة لبلسودسكي أو جيش الأشراف – أنها الجوهر المصون للأمة، وأن تضامنها ونظامها هو الذي قدم للشعب ككل مثالا لما يجب تحقيقه بمجرد إطلاق كل إمكاناته. وبنفس المنطق، فإن هذه المجموعات ترى أن مآثرها أثناء الحرب تجعل من حقها شغل مواقع متميزة في الدول القومية الجديدة. وكانوا يرون أيضا أنه بمرور الوقت يجب عليهم استغلال سلطتهم لتشكيل الجماهير بالصورة التي يرونها، والمساعدة على تحقيق مثل الحرية والوحدة التي كانت توجه أفعالهم وقت الحرب. ولكن أنماط الحكم والدرجات السياسية أخذت أشكالا تذكرنا بالثقافات السياسية القديمة، وذلك باسم المساواة السياسية والحرية الاجتماعية.

بولندا

كانت بولندا فيما بين الحربين ممزقة بسبب التوترات العرقية، وبسبب الانقسامات السياسية والأيديولوجية العميقة بين البولنديين أنفسهم. فهنا، كما في أماكن أخرى، كانت التركة الإمبريالية تجسم بثقلها على الدولة الجديدة، والتي كان أحد تحدياتها الكبرى يتمثل في كيفية تحقيق الوحدة الإدارية والتشريعية للأجزاء الإمبريالية الثلاثة السابقة المكونة للبلاد. وقد أصبحت هذه المهمة شديدة الصعوبة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، والنهب المنظم الذي قامت به القوات الألمانية المحتلة للبنية التحتية الصناعية للبلاد، والدمار الناتج عن الحرب البولندية الروسية في 1920.

ولكن الذي جعل الأمور أكثر سوء، كان يتمثل في التنافس المستمر بين معسكري بلسودسكي ودموفسكي، خاصة تلك الانقسامات الأيديولوجية التي سادت قبل الحرب حول كيفية الاستجابة للقهر الإمبريالي الروسي. وانتشر هذا العداء الدموي والسياسي في أرجاء المجتمع والسياسة البولندية على جميع المستويات، لأن كل فريق كان يكافح لاختراق أو تكوين تحالفات مع أوسع قطاع ممكن من المصالح الاقتصادية الاجتماعية والأحزاب السياسية. وكانت هيئة ضباط الجيش منقسمة بين رفاق بلسودسكي وأتباع التشكيلات المنافسة من المتطوعين وقت الحرب مثل القوات البولندية التابعة للجنرال جوزيف هالر General Józef Haller. وكان هناك أيضا العديد من الضباط البولنديين القادمين من جيوش الهابسبرج وروسيا وألمانيا القديمة، وكان أنصار بلسودسكي يرون في الكثير من هؤلاء الضباط عناصر غير وطنية ليس لها مكان مناسب في جيش بولندي قوي. ومن ناحية أخرى، كان الضباط الإمبرياليون السابقون (خاصة فرق الهابسبرج الكبيرة) يسخرون من المحاربين القدماء ويرونهم مبتدئين وهواة ليس لهم مكان في قوات مسلحة محترفة.

وتفاقم تقلب واستقطاب السياسات البرلمانية في أوائل العشرينات بسبب أحداث عنيفة – أشهرها اغتيال جابريل ناروتوفيتش Gabriel Narutowicz في 1922، وهو الرجل الذي كان بلسودسكي يجهزة ليخلفه كرئيس – بالإضافة إلى الفساد بين النواب البرلمانيين وارتفاع البطالة والاضطرابات العمالية، وعدم اتساق تشريع الإصلاح الزراعي المتواضع أساسا. ففي هذا السياق، نفذ بلسودسكي انقلابه في 1926 بمساندة الموالين له داخل الجيش، والإضراب العام الذي دعا إليه الحزب الاشتراكي البولندي. وبعد أن استولى على وارسو بعد معركة استمرت ثلاثة أيام راح ضحيتها حوالي 400 فرد، لم يتسلم السيطرة الشخصية على القيادة أو الرئاسة، ولكنه تأكد من أن هذه المناصب كان سيشغلها مرشحون من اختياره. وعلى هذا النحو تم تشريع الإصلاحات الدستورية بسرعة بما يمنح سلطات جديدة للرئاسة. وحصل بلسودسكي في الحكومة الجدية على منصب وزير الحرب وضمن له سيطرة كبيرة على الجيش، وسمح له ذلك بفرض هيمنته على السلطة السياسية، وإن أعطاها بعض مظاهر شكلية للشرعية.

وقد قدم الانقلاب وعدا باحتواء قوى الشوفينية اليمينية والمحافظة الاجتماعية وإصلاح المؤسسات والثقافة السياسية البولندية على أسس تكاملية واسعة. وجاء إلى السلطة بالمحاربين القدماء من التشكيلات العسكرية التابعة لبلسودسكي وقت الحرب ممن كانوا يعتبرون أنفسهم نخبة وطنية ناكرة لذاتها وغير متعصبة وقادرة على الانفصال التام عن العقليات القديمة والقيم الفاسدة التي سادت لأكثر من قرن من العبودية.

ولكن إحساس هؤلاء المحاربين بالالتزام بالأمة البولندية كان مشوبا دائما بشك عميق في الجماهير العقيمة التي فشلت في الالتزام بمعاييرهم في 1914. وقد تعمقت صورتهم الذاتية كأبطال مجهولين، وتحولت إلى طقس حقيقي لإحساسهم بكونهم ضحايا الاضطراب السياسي في أوائل العشرينات. وكان بلسودسكي هو الذي زرع مثل هذه العقلية. إذ كانت خطبه عن تلك السنوات تتصف برؤية حزينة مريرة لنفسه ولزملائه السابقين في الفرق العسكرية كأبطال حقيقيين محاطين بكذابين وأشرار مسمومين لا يستحقون العيش في بولندا، ويجب إزالتهم من السلطة بطريقة أو بأخرى في النهاية. ففي خطابه الذي ألقاه عقب استقالته مباشرة في 1923 كقائد أركان الجيش، كان يصف تجربته كقائد لا يضارع بالتعبيرات التالية:

“لقد وصلت إلى مرتبة لم يصل إليها أحد من قبل، ولذلك فإنني ألقي بظلي على الجميع، عندما أقف وحدي في الضوء. ومع ذلك، كان هناك ظل يحتويني، قد ذهب قبلي، وقد استمر خلفي، وكان هناك الكثير من هذه الظلال. وكانت هذه الظلال تحيطني دائما، غير منظورة، وتتبعني خطوة بخطوة، وتلاحقني وتقلدني. وسواء كنت في ميدان المعركة، أو في العمل … أو كنت أربت على طفلي، كان هذا الظل يلاحقني ولا ينفصل عني. إنه قزم حقير على أرجل مثنية، يلفظ روحه القذرة، يبصق على من كل جانب، لم يترك شيئا كان يجب تركه، لا حياتي ولا أسرتي ولا أصدقائي، إنه يتبع خطواتي، ويقوم بحركات بغيضة، ويدمر كل تفكير … وكان هذا القزم رفيقي الذي لا ينفصل عني … في السراء والضراء، في النصر أو الهزيمة. لا تظنوا أيها السادة أن هذا تشبيه أدبي أو استعارة مجازية…”.

وبعد مواصلة الحديث عن مصرع ناروتوفيتش، ختم قائلا:

“عندما نتذكر هذه الأشياء، وعندما نرسم تاريخ السنوات الخمس الماضية، فإنني لا أرغب في إثارة انطباع المأساة. إنني أرغب فقط في تأكيد أن هناك وقاحة، وأن ذلك يحظى بالشرف والسلطة في بولندا … فإذا كانت بولندا قد نجحت في إصلاح الجمهورية في الفترة الأولى، إلا أنها بدأت تتراجع إلى عاداتها القديمة لاحقا … ولا بد من جهود كبيرة … لاستعادة بولندا إلى الطريق الصحيح”.

ولكن نبرة الثقة بالنفس ورثاء الذات الشديد في هذه الدعوة للإصلاح لم تكن تبشر بخير بالنسبة لتوقعات المحاربين القدماء كطليعة للتقدم السياسي في بولندا.

وطوال أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، كان بلسودسكي يخيب آمال حلفائه المرتقبين في الحزب الاشتراكي البولندي بالتخلي عن كل مظاهر الإصلاح الاجتماعي، والبحث عن تأييد المصالح الصناعية والزراعية المحافظة والكنيسة. حيث كان يهدف إلى عزل الإندتسيا وبناء إجماع مركزي قوي “غير أيديولوجي” كأساس للسلطة. وكانت “الكتلة غير الحزبية لمساندة الحكومة”  (BBWR)جناحا برلمانيا للساناتسيا، وتألف من محاربين قدماء وعدد من ملاك الأراضي النافذين. وأصبح تقديس الشخصية الذي تطور حول بلسودسكي وغرس شعار “الفرقة الأولى” بمثابة بدائل لأي برنامج سياسي متكامل.  وكلما ازدادت المقاومة لنمطه السلطوي، كلما كان حكمه يتزايد استبدادا. وتزايدت صعوبة الحفاظ على واجهة الشرعية في مقابل المعارضة المتصاعدة من الوسط واليسار السياسي، والتي استجاب لها بلسودسكي بمزيد من الإجراءات القمعية. وكانت النتيجة الحتمية للحكم الاستبدادي للمارشال تتمثل في تزايد الاغتراب بين المجتمع البولندي والنخبة التي فرضت نفسها عليه وكانت تديره. وساهم الانخفاض المستمر في الأسعار الزراعية والارتفاع في البطالة خلال “كساد” الثلاثينات، والذي بدأ برنامج الإنعاش الحكومي في مواجهته في 1936، إلى أن أصبحت الأمور أكثر سوء.

وخلال الثلاثينات، وبينما كانت الساناتسيا تحتكر السلطة باسم مبادئ “اشتراكية الدولة” سيئة التعريف، كانت الإندتسيا التابعة لدموفسكي تكتسب تأييدا شعبيا، خاصة بين طلاب الجامعات والنخب الشابة التي أدت فرص العمل القليلة في فترة الأزمة الاقتصادية إلى زيادة سخطهم على المنافسة الأكاديمية اليهودية. وعلى عكس معارضة يسار الوسط، لم يدافع دموفسكي عن الديموقراطية البرلمانية. حيث بدأ منذ 1926 هجوما شاملا على النظام مفندا مزاعم ذلك النظام في الأحقية بالسلطة، ومهاجما إهمال النظام مصالح الشعب ومعاناة المجتمع من الانقسامات السياسية. وصور دموفسكي الساناتسيا كعصابة من اليهود والمتعاطفين معهم المصممين على استغلال الشعب البولندي لأغراضهم الخاصة. وكان يرفض علانية الواجهة الديموقراطية الليبرالية التي شارك بنفسه في تكوينها للديمقراطيين القوميين، وشجع على تطور الفاشية بين شباب الحركة اليمينية الراديكالية.

وأصبحت الصورة الذاتية للمحاربين القدماء كطليعة للأمة البولندية بمثابة أسطورة تخدم ذاتها ولكنها تتلاشى. فخلال الفترة 1914-1918، تحول رجال الفرقة الأولى وأسرى الحرب إلى عصابة وقحة من المتمردين في المسألة القومية، وكرسوا أنفسهم لاحتقار الضباط المحترفين الذين ظلوا موالين مطلقا لجيش الهابسبرج، والذين كانوا ثابتين في اعتقادهم بأن قوة إرادتهم وروح تضامنهم وولائهم لقائدهم سيصمد في وجه لامبالاة الجماهير وطغيان القوى المحتلة. وبينما كانوا يتحمسون للصورة الرومانسية للمتمردين الأرستقراطيين في بولندا في القرن التاسع عشر، كانوا يقومون بأعمالهم الخاصة بروح الرفاق المتساوين، ويقدرون الرجال حسب أفعالهم لا حسب نسبهم. وكانوا يعتبرون أنفسهم الرواد لجيل كامل من البولنديين، وهو الجيل الذي يجب أن يولد في أجواء الحرية لا العبودية الإمبريالية. وفي نفس الوقت، كانوا يعتبرون أنفسهم نخبة طبيعية – نخبة الشجاعة والتضحية بالذات، وليس  نخبة المصاهرة أو الثروة، وبالتالي فهم القادة المثاليون لدولة الجمهورية الواعدة.

وعندما مات بلسودسكي في 1935، كان المحاربون القدماء قد أصبحوا فاسدين بسبب السلطة، وغارقين في أساطيرهم الخاصة، وعاجزين عن تحقيق تناغم قوي بين أي من النخب الحاكمة أو الجماهير. وكانت مطالبهم بالسلطة تعتمد على افتراضات يبدو أنها تحاكي الفكرة القديمة القائلة بأن الطبقة العليا تكون الأمة سياسيا، وأن الجماهير مجرد رعايا تحت رعايتهم الكريمة. وفي الحقيقة فإنه بعد نزع مصداقية الديموقراطية البرلمانية، كان بلسودسكي وأتباعه غير قادرين على تكوين بديل حيوي لها. وانتقلت سمة قومية الإندتسيا الفاشية العنيفة المعادية للسامية إلى تكوين الرأي العام والمفاهيم الشعبية للهوية القومية. وبعد سقوط المارشال، ظلت الساناتسيا في السلطة، ولكن ممارساتها القمعية واستغلالها المتزايد لمعاداة السامية كانت بمثابة شهادة على إفلاس قيمها. وحدثت الفوضى المريرة والأخيرة لهذه “الفرق” في 1939، عندما قاد المحاربون القدماء – الذين أصبحوا يشكلون معظم هيئة الضباط – المقاومة اليائسة للقوات الألمانية والروسية الغازية التي سحقتهم مع الدولة التي كونوها.

سوريا والعراق

أما في سوريا والعراق، فإن الطبيعة المغلقة للنخب السياسية واعتمادها على الأشكال التقليدية الموروثة لممارسة السلطة كانت تتعارض مباشرة مع أساطير وتصورات الوحدة القومية والمشاركة الجماهيرية التي نشروها بأنفسهم. وكما رأينا (في الفصل الثالث)، كانت السلطة العثمانية في سوريا والعراق ترتكز على مساندة وتعاون طبقة البيروقراطيين وملاك الأراضي المتغيبين عنها، والتي كان يطلق عليها تعبير وجهاء الحضر. وكان هؤلاء الموظفون العموميون ينتمون إلى طبقة اقتصادية اجتماعية متميزة جدا. وكانت ثرواتهم المستقلة ونفوذهم الشخصي في أقاليم معينة، أو حتى في أحياء كاملة، خاصة حصولهم على المناصب العامة، ثم القيام بواجباتهم بمجرد الوصول إلى هذه المناصب. وكان من المسلم به أيضا أنهم سيستغلون مناصبهم في الإدارة لإثراء أنفسهم. وكانت الرشوة متفشية، بالرغم من عدم التغاضي عنها رسميا. وفي نفس الوقت، أدت إصلاحات القرن التاسع عشر إلى تكوين بنية إدارية أكثر مركزية، وخطوط اتصال أفضل بين اسطنبول والإمارات العربية مقارنة بذي قبل. وكان يتوقع بصورة متزايدة من المتطلعين إلى المناصب العليا تلقي تدريب رسمي غالبا في المدرسة الإدارية في اسطنبول، المعروفة باسم المُـلكية Mülkiye. وهكذا فإنه – كما في حالة البيروقراطية الإمبريالية الروسية – كانت مكانة ووظائف وتعليم وعقلية هذه الطبقة تقع فيما بين نمطي ماكس فيبر في خدمة الدولة: نمط الإدارة التراثية، ونمط البيروقراطية الموضوعية العقلانية الحديثة. وقد ظل النمط الأول سائدا مع دخول بعض عناصر من النمط الثاني.

وانتقل هذا النمط إلى الثقافة السياسية للنخب القومية فيما بعد الحرب العالمية الأولى في سوريا والعراق. حيث انهمك أنصار القومية العربية في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى في وظائفهم السياسية مفتونين بآفاق الخطاب الحر والحكومة البرلمانية على النمط الغربي، والتي فتحتها لهم ثورة “تركيا الفتاة” في 1908، واعتنقوا القومية العربية جزئيا نتيجة لفشل “تركيا الفتاة” في تحقيق تلك الآفاق. ومع ذلك، اتضح بحلول الثلاثينات أن أساليب وعقليات الأحزاب السياسية القومية في البلاد العربية كانت أكثر ميلا إلى الثقافة السياسية الفاسدة والاستبدادية التي اتبعتها الإمبراطورية العثمانية، منها على المثل الديموقراطية الليبرالية التي كان القوميون العرب يظهرون حماية لها.

وتوضح دراسة فيليب خوري “للكتلة القومية”، التي قادت معارضة الفرنسيين في سوريا، أن قوتها المتزايدة كانت لا تعتمد على السياسات الانتخابية في حد ذاتها، بل على قدرة الوجهاء الذين قادوها تهدئة الأوضاع وفض النزاعات وفرض إرادتهم في مناطق معينة من مدنهم. وكانوا يستغلون التجار ورجال الدين المحليين، بالإضافة إلى أقوياء المنطقة (القبضايات) في الوساطة والاتصالات اليومية مع الطبقات الأدنى. وتم استغلال هذا النمط من النفوذ بعد ذلك كورقة رابحة في الانتخابات. ومن المؤكد أن القادة القوميين السوريين لم يظهروا أي اهتمام بالإصلاح الاقتصادي الاجتماعي: إذ أن استقلالهم المالي الشخصي اللازم لمشاركتهم في السياسة كان يعتمد على التوزيع غير العادل للموارد – خاصة استحواذهم الصارخ على الأراضي الزراعية، وكانت شرعيتهم الأيديولوجية تعتمد على قدرتهم على ممارسة الضغوط للتأثير على السلطات الفرنسية، التي كانوا يضعون في عنقها كل أسباب الأمراض الاجتماعية والاقتصادية.

وفي العراق، كانت النخبة السياسية بعد الحرب العالمية الأولى يسودها ضباط من “الجيش الشمالي” للثورة العربية، والذين وصلوا إلى السلطة تحت رعاية الملكية الهاشمية التي تأسست بمساندة سلطة الانتداب البريطاني. ونظرا لارتباطهم بسنوات الخبرة المشتركة في الأكاديمية العسكرية باسطنبول (الحربية)، وبالجمعيات السرية مثل “العهد”، وجيش الأشراف، فقد كان هذا الجيل يعتبر نفسه القيادة الطبيعية للأمة العراقية وقضية الوحدة العربية. ومثل المحاربين القدماء في نظام بلسودسكي بعد 1926، كانوا يعتبرون أنفسهم النخبة التي اختارها التاريخ لتشكيل الإحساس بالهوية المشتركة بين سكان البلاد المشتتين.

و مع ذلك، لم تكن أساليب حكمهم تخدم تطلعاتهم المعلنة بفعالية. إذ أن المجموعة الحاكمة الجديدة في العراق سقطت سريعا في عادات وعقليات أكثر ارتباطا بالطبقة الحاكمة القديمة، منها بالطليعة السياسية الراديكالية. وكان الاتفاق على اختيار هياكل السلطة القائمة يوفر الطريق الأقل مقاومة للنظام الجديد الذي يحاول فرض شرعيته وسلطته. ففي المناطق القبلية، كان “الشيوخ” مسئولين عن تحصيل الضرائب، وذلك في مقابل كل أنواع الاستثناءات الشخصية وإقرار سلطاتهم التقليدية (و غير التقليدية). أما في القرى الزراعية، فكانت أوامر الحكومة تنفذ من خلال تقديم العطايا “للمختار” (شيخ القرية) – الذي عادة ما يكون قرويا أغنى من المتوسط، ويحظى منصبه بكراهية متزايدة من جيرانه الفقراء بسبب تدهور حياتهم المستمر نتيجة التحول التجاري للزراعة. وفي أحياء المدن القديمة، كان الأقوياء ورجال الدين المحليون يمثلون الوسطاء اليوميين مع الجماهير. وكان الحكام الجدد يحاولون كسب قبول وتأييد البيروقراطيين ملاك الأراضي التقليديين، وذلك بتعيينهم في مناصب عليا، والسماح لهم بتدعيم سيطرتهم الاقتصادية على القرويين الفقراء. وفي الواقع، كان أعضاء الطبقة الحاكمة القديمة والجديدة يتداخلون بصورة متزايدة من خلال الروابط الزوجية، وكانت روابط القرابة تقوي الهوية الطبقية والسياسية. واستغل الأشراف سلطتهم السياسية وسيطرتهم على النظام القضائي لفرض مطالبهم بمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وإثراء أنفسهم بأسرع ما يمكن. ولكن قيام الشركات الغربية بتطوير صناعة النفط واقتسام أرباحها مباشرة مع الحكومة ساعد على تدعيم الاستقلال المالي للنظام، بالإضافة إلى زيادة فرص تحقيق الشخصيات الرئيسة في هذا النظام لمكاسبها. وفيما يتعلق بمؤسسات الديموقراطية البرلمانية، فقد استخدمت لإضفاء الشرعية على قرارات الطبقة الحاكمة.

وكانت عبارة الديموقراطية الليبرالية منتشرة في حركات الإصلاح السياسي في الإمبراطورية السابقة، ولكن كما فعل قادة “تركيا الفتاة” قبلهم، كان القوميون العرب العراقيون مجرد مجموعة صغيرة وصلت إلى السلطة فجأة في مجتمع غالبيته أميون، وغير متجانس للغاية، وطبقي بصورة واضحة. وكان فرض الأوامر من أعلى يبدو بمثابة الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيق التغير السياسي السريع. حيث ساعدت الخلفية العسكرية للأشراف، وتعلمهم في الأكاديمية العسكرية العثمانية التي يديرها الألمان، والمثال القوي لثورة مصطفى كمال من أعلى في تركيا، على تقوية توجههم السلطوي في السياسة. إذ كانوا يرون أن الإحساس بالهوية القومية والهدف المشترك يجب أن ينتقل إلى الجماهير من أعلى، فليس هناك حاجة إلى محاولة إشراكهم في العملية السياسية مباشرة.

وبالإضافة إلى الجيش، كان نظام التعليم العراقي يمثل آلية هامة لتكوين الإحساس بالهوية القومية. وكان ساطع الحصري، أبو النظام التعليمي العراقي، من أنصار الوحدة العربية ومن أصل سوري. ومن الطريف أنه كان في عمله المبكر كمعلم عثماني ينادي بمناهج الفردية الليبرالية التي تنشر التسامح والتفاهم بين المجموعات العرقية والدينية المتنوعة في المجتمع العثماني، وكان ينتقد القوميين الأتراك على شوفينيتهم ذات العقلية الضيقة. وأسهم الاحتلال الفرنسي لسوريا في 1920 في ابتعاده عن المفهوم الأوروبي الغربي الليبرالي للقومية، وعزز من إعجابه المتزايد بالسلطوية الشعبية الألمانية. وعندما أصبح المدير العام للتعليم في العراق في الفترة 1921-1927، بنى الحصري نظام التعليم العام على حساب المدارس الدينية، وذلك في محاولة لاستغلال التربية كأداة للتوجيه الجماهيري في قومية الوحدة العربية العلمانية. وكانت المناهج المركزية الجامدة التي وضعها تكافئ الطلاب على حفظ الشعارات القومية.

وبعد ترك الحصري منصبه، تزايدت الأفكار الشوفينية في التعليم الابتدائي والثانوي كثيرا، وكان المشروع الصهيوني في فلسطين، والوجود الفرنسي في سوريا ولبنان، يصوران على أنهما العقبتان الرئيستان أمام الوحدة العربية – وهما العقبتان اللتان يجب التغلب عليهما بقوة السلاح. وكانت الغزوات العربية القديمة تحظى بالتمجيد كحافز على تحقيق الوحدة العربية في المستقبل القريب، بحيث يقوم العراق بدور الموحد، على غرار إقليم بيدمونت Piedmont في الوحدة الإيطالية، أو بروسيا في الوحدة الألمانية. وكان سامي شوكت، الذي خلف الحصري، لا يخفي تحمسه الشديد للنازية، وقام بتوسيع برنامج التدريب شبه العسكري بالنظام التعليمي حتى وصل إلى حركة شبابية كاملة عرفت باسم “الفتوة” تأسيا بحركة “شباب” التي أسسها هتلر. وطالب شوكت علانية طلاب المدارس الثانوية العراقية بتكريس أنفسهم “لمهنة الموت” من أجل قضية الوحدة العربية. وفي تلك الأثناء، كونت “الكتلة القومية” في سوريا منظمة شبه عسكرية تدعى “القمصان الحديدية”، كان من الواضح أنها تقوم على أسس فاشية، حتى التحية بالذراع المرفوع على الطريقة الهتلرية. ولكن بينما كان الخطاب العام في العالم العربي يسيطر عليه الحديث الجديد عن القومية، ظلت مظاهر السلطة مرتبطة بالإطار القديم لسياسة المحسوبية والمصالح الإقليمية والولاءات القبلية التي كانت سائدة في ظل العثمانيين.

بيت الجغرافيا