سان جيوفاني!

سان جيوفاني!

نشر بتاريخ 10/6/2018

سان جيوفاني!

هذه المرة لابد أن أقهر ترددي، عارٌ علىَّ أن أمر عليه مجددا دون أن استكشفه، يستفزني موقعه الاستراتيجي مشرفا من ناصيتين على خليج ستانلي في الإسكندرية. هل يخيفني أن عمر الشريف والملك حسين والسادات قد جلسوا في هذا المقهي ونزلوا في فندقه؟ أنا لن أقيم مثلهم، سأجلس ساعة أو ساعتين للقراءة وأطلب قارورة مياه معدنية أو غازية، كم سيكون سعرها؟ أيًا كان سعرها!

أمر من بوابة الدخول، يكتشف العاملون من مشيتي ونظرتي أن هذه هي زيارتي الأولى للمكان، يعترضون طريقي، أهدئ بابتسامة استقبالهم البارد، يأخذني أحدهم بتثاقل إلى طابق سفلي يضم مدرجين مرصعين بمناضد بهيجة ومقاعد رقيقة تشرف على البحر. جئت إلى هذا المقهى طالبا القراءة، لابد أن القراءة هنا أفضل، عسى أن تأتي الأفكار هنا والخيالات والتأملات.

حاولت جاهدا أن أطرد من ذهني تجارب سابقة خالفت فيها الأماكن المبهرة ظني. واحدة من تلك الخيبات كانت في باريس قبل عشر سنوات حين لبيت الشوق بزيارة “الحي اللاتيني” لأتناول القهوة واستمطر الوحي كما كان يفعل مفكرو بلادي في منتصف القرن العشرين. دفعت في تلك المقاهي أسعارا مضاعفة وشربت أسوأ قهوة ولم أتدبر شيئا، ولم تهبط علىَّ فكرة واحدة، كنت أنظر في سماء الحي اللاتيني ولا أرى شيئا.

لابد أن الأمر مختلف هنا في سان جيوفاني، كل المؤشرات تنطق بالخير، الشمس مبهجة، ها هو الخليج متألق منذ تم ترويضه بمنشئات هندسية ناجحة جعلت من الموقع مثالا لساحل “هاف مون”، حيث يشكل البلاج وما به من كبائن المصطافين نصف الدائرة بينما “كوبري ستانلي” (الجسر الخرساني الذي أنشئ في عرض البحر) يمثل قطرا عموديا بين البر والبر، هكذا تم حل مشكلة مرورية شاقة في الإسكندرية: الداخل إلى المدينة يأخذ طريق الساحل المقوس نصف الدائري والخارج منها يأخذ طريق الجسر. كم جميل أيضا أن هذا العمل الهندسي الحديث استلهم طرزا معمارية من أبراج قصر الملك فاروق في المنتزه !
على أصوات أمواج البحر المتلاطم مع الأعمدة المعدنية التي تحمل الجسر أهمُّ بالجلوس على طاولة أعجبتني فيسرع إلىَّ نادل في المقهى ليطلب مني الانتقال إلى الجهة الأخرى لأن جلسة تصوير سينمائي حجزت هذا الصف بأسره.

أنتقل إلى الجهة الأخرى، على طاولة لفردين أفتح أوراقي، لكن جلسة التصوير تبدأ أمام عيني: يجرى عامل مجهول نحيف يحمل لافتة بلاسيتيكية كانت في الماضي من الخشب يطرقع بها صوتا مشهورا ويقول: كلاكيت ثاني مرة. ألمح بصعوبة اسم الفيلم على لوحته: “عمر خريستو”.
ثلاثون شابا بين حامل للكاميرا وأجهزة الصوت ومصابيح الإضاءة الاصطناعية (رغم أن الشمس في كبد السماء) يتحلقون لتصوير مشهد واحد قصير.

على مدار الساعة أعيدت مرات ومرات محاولات تصوير مشهد لشاب وفتاة على طاولة في المقهي يدور بينهما حوار فيتخاصمان ثم يتصالحان وينتهي بأن يمسك الشاب يدها، أخذنا نصف ساعة نعيد الجزء الذي يمسك فيه يدها، نجحت آخر محاولة بعد أن طلب المخرج أن تأتي أخصائية الماكياج لتضع مزيدا من البودرة على يد الفتاة لتبدو أكثر نضارة في الكاميرا.

يجري الثلاثون شابا حول المخرج كخلية نحل، لا ينتظر أحد منهم أن يوجه له المخرج أمرا، كل يعرف دوره ويتكاملون في العمل ، تعجبني الكاميرا المحمولة على قضيب قطار صغير تروح وتجئ في المكان لتصوره من عدة زوايا.

مر الوقت ولم أقرأ شيئا، أفكر في السينما والتصوير والتمثيل، وفي فريق العمل المتناغم، آهٍ لو كان القسم العلمي الذي أعمل فيه في الجامعة يعمل كهذا الفريق!

يغادر المصورون والمخرج والممثلون، أستبشر خيرا بقرب قدوم الفكرة ، أحاول أن أعود للقراءة ، أفشل فشلا ذريعا، أخذوا معهم روح المكان.

ألقي نظرة وداع على الساحل والبلاج، أغادر المدينة ولا تغادرني، تحضرني مشاهد متفرقة من فيلم “إسكندرية ليه”، حين مزج يوسف شاهين ببراعة صورا وثائقية لساحل ستانلي مع أفلام وثائقية لهتلر .
كان هتلر يخطب في حشود الشعب الألماني الذي كانت قواته على مسافة 100 كم من المدينة في صحراء مصر الغربية، يقف هتلر منتصب الصدر، يلوح بقبضته في الهواء، ويهز رأسه يمنة ويسرة كمتيم في العشق الإلهي ويصرخ في الجموع : “الإسكندرية مدينتي” !

اكتب تعليقًا