حينما يكتب الأديب جغرافيا – يحي حقي عن القاهرة

2020-01-22T13:49:21+02:00 عروض كتب|

في السطور التالية مقدمة يحيى حقي للترجمة التي أعدها لكتاب “القاهرة” الذي ألفه ديزموند ستيوارت.

لم يستطع معول التنظيم الغشوم، ولا أكداس العمارات الشاهقة المسلحة بالأسمنت، ولا غوائل الشوارع الطارئة المفروشة بالأسفلت، ولا أحياء حجارة الدومينو تنبت كالفطر وتتضخم كالسرطان، شقًا إلى القلب كالطعنة النجلاء أو لفًا على الجوانب، غلافًا فوق غلاف، ولا ظل قبعة قميئة مستعارة وضعتها على الرأس يد عمياء متلهفة على التقليد – لم يستطع شئ من هذا كله أن يمس طابعها الأصيل وجلالها المكنون – هبة لها من حضارة الشرق، ونفحة من سماته، كلاهما خارج عن متناول الزمن وعواديه، إن كنت تأنس لجمالها حين يطوف به خيالك إذ هو بالأمس في قصره، في عز مجده فإنك أشد أنسًا به وأنت تزوره اليوم فتراه منكمشًا منزويًا في صومعته. بقى من الثمرة سر الحياة والديمومة في نواتها الصلبة، هيهات أن تتحطم، إنها صلابة الدفاع المستميت في آخر خندق، وهذا التجمل بالستر إذ الود فاتر ومنسى أشد نبلًا من أريحيتها وإغداقها إذ هى مأخوذة بالأحضان والدنيا مقبلة….
لم تستطع الأسطح المتعالية يومًا بعد يوم أن تحجب مآذنها العديدة، باقية هى ناجية بشممها وشموخها، ولا الضجة الهائلة التي اتدلقت عليها أن تخنق ضراعات هذه المآذن، يخشع لها القلب وتطرب الأذن عند مولد كل فجر ..
جدران عتيقة يتراكم عليها التاريخ، آية في فن العمارة في ذورة الصدق، تصون داخلها أمثلة رائعة للجمال، تحكي في صمت قصة آلاف من الفنانين بناة الحضارة عملوا في ورع وهم متطهرون ثم مضوا لا يعرف أسماءهم أحد، ولا يذكرهم أحد، حق لهم أن يتضاعف ثوابهم، جزاؤهم عند رب لهم عليم…
وأسواق لا تزال متشبثة بأمكنتها، كأن لها جذورًا ضاربة إلى الأعماق، هيهات أن تنقصف أو تذوي، شاخت ولكنها لا تزال متشحة بأطياف من وسامة شبابها وزينة عرسها. تغير عن يمين، عن يسار، من حول كائن واحد لا يتغير، ابن البلد بكرمه ومروءته، بلطفه وظرفه، ببشاشته وخفة دمه، بنكاته وقفشاته، بذكائه وحضور بديهته، هو الذي رقق العامية على لسانه وأثراها بأبدع مجاز واستعارة، ساخر وحكيم، تحسبه لطيبته غرًا ولكنه ” حويط ” يلقط العملة الصحيحة ولو ممسوحة من بين عمله كثيرة زائفة ولو براقة، لا ينطلي عليه الكذب والنفاق ودموع التماسيح…
هذه هى القاهرة، إن كنت لا تعرفها يا أخي فاعرفها، إذن ستحبها، ستعشقها، ستنضم إلى زمرة عشاق لها كثيرين، هاموا بها ولاء والتحامًا. منذ أن ألقى في نهر النيل عقدها ما تخلف عن ولادتهم من مشيمة مصرورة في منديل، عشق بالغريزة ” بالإرث ” بالقسمة والنصيب والحمد لقدر لا تعلل تصاريفه..
لم أعرف عيدًا قوميًا تمثل لي فيه لقاء موعود مع حبيب كالعيد الألفي للقاهرة، بلدي الذي ولدت فيه، ونشأت في أحيائه العتيقة الشعبية، تحس أعصابي قبل عقلي بمقدم العيد، وددت أن أشارك أهلي في الاحتفال به فاخترت أن أترجم لهم عن الانجليزية كتابًا إن صدر سنة 1965 فهو لا يزال – بقدر علمي – أحدث الكتب التي ألفت عن القاهرة. كتبه ديزموند ستيوارت الذي يتكلم العربية وتعرفه أوساط الصحافة عندنا لأنه عمل بها وأقام بيننا طويلًا، وله في بلده إنتاج أدبي، متعدد متنوع. اخترت كتابه لأنه صغير الحجم ” ملموم ” فصوله محددة أحمل تحديد، موصولة ببراعة، أرجو أن تلحظ كيف كان أول تناوله للقاهرة من ناحية طابعها الصحراوي لأنها – بل الوادي كله – في حضن الصحراء، ثم من ناحية طابعها النهري، ثم يمضي يساير التاريخ في فصول يأخذ فيها اللاحق من السابق..
وأحب أن أنبهك أن هذا الكتاب هو كلام أجنبي، مقصود به خدمة زائر أجنبي يقدم إلى بلادنا لأول مرة، فالحديث له لا للمصريين. لا تضق ذرعًا إذن بمعلومات وردت به غير مجهولة لك، بل لعلك تجد متعة في مقارنة دلالتها عندك بدلالتها عند المؤلف، لذلك فإنه يرسم لهذا الزائر طريقه إلى المساجد والكنائس، ويقيس له زمن المشوار مشيًا بالساعة والدقيقة، ويحدد له أسعار فنجان القهوة وقطار حلوان ودخول المتاحف، ولكنه يقتصد في هذه الإرشادات العملية ويتخذ طريقًا وسطًا، فلا يتسم بهذا الجفاف العلمي الذي تجده في مؤلفات فقاء الآثار، ووقوفهم الطويل أمام الأحجار والعقود والمقرنصات، ( وضع الأجانب مصطلحات العمارة ونحن لا نزال في حيرة لا نستقر على مصطلح نستخدمه في التأليف أو الترجمة ) ولا يتسم الكتاب كذلك بالجفاف التجاري الذي تجده في كتب دلالة السياح، ولم يقصد المؤلف أن يقدم لنا في صورة مختصرة معلومات كثيرة استقاها من المراجع، وإنما أراد أن يحكي بأسلوب أدبي للزائر الأجنبي (وقد افترض فيه هيامه بالفن وجوانب الطرافة في الحي والجماد ) ما أحس به هو ذاته داخل نفسه وهو يجوب أحياء القاهرة يعرض أحاسيسه على لوحة من الحقائق التاريخية التي استمدها من مراجعها الوثيقة، إنه رأي الألوان وأطياف الألوان وشم الروائح وسمع الهدير والصمت واستقرأ الوجوه والأسطح والجدران وأكوام القمامة، كم كنت أود أن يكتب كل أديب كبير عندنا عن القاهرة ويصف لنا وقعها على نفسه كما فعل هذا الأجنبي، إنك لا تملك إلا أن تحس أنه يحب القاهرة حبًا كبيرًا، ولكن بقيت مع ذلك في نفسي من الكتاب أشياء تململت لها، أبقيتها ليكون النص العربي مطابقًا للنص الانجليزي تمام المطابقة، وكان من الواجب أن لا تترك بغير تعليق يتولاه من هو أعلم منى بالتاريخ، ودعني أعترف لك أنني ما تناولت كتابًا لأجنبي يصف فيه بلدي فأراه يلقي عليه نظرة جديدة تعتمد على ثقافة شاملة وتحاول النفوذ بالحس المرهف إلى السر من تحت السطح إلا تملكني شئ من الحسرة والغيرة، قد يصدني أحيانا عن متابعة الكتاب لئلا أحكم بنفسي على خيابتي وقصور بصري، وهذه هى حيلة العاجز المعتذر مع ذلك بأن نيته في النهوض صادقة، والنية بلا عمل كالبندقية بلا رصاصة، فأبناء بلدي هم عندي أولى الناس بفهم بلدي وخدمته، لن أتخوف – شأني مع الأجانب – شبهة التجني عن سوء فهم، أحيانًا عن سوء قصد، ثم أعود للكتاب وأنا أقول إن الأجنبي أقدر من ابن البلد على الرؤية لأنه ليس مثله ضحية الألفة المستنزفة لجدة الانتباه والعجب، المفضية إلى عناق تموت فيه اللهفة وإن بقى الحب، وأشهد أن ديزموند ستيورات أراني لأول مرة أشياء كان يقع عليها بصري من قبل ولا أنتبه لها”.
يحيى حقي في مقدمة ترجمته لكتاب “القاهرة”. الصادر عام 1965 من تأليف ديزموند ستيوارت.