الأساطير والكشوف الجغرافية

الأساطير والكشوف الجغرافية

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثاني من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

غالبا ما يتساءل الممارسون والمراقبون المعاصرون عن الدقة الفكرية للجغرافيا. حيث يتحدث بعض قادة المجال المعاصرين عن الفراغ الموجود في صميم الجغرافيا، وعن عدم تبلور شكلها، وضعف مفاهيمها، بينما يذكرنا المراقبون من المجالات الأخرى بافتقارها إلى السمعة الفكرية. ومع ذلك، فإنه بالرغم من وجاهة هذه الأحكام بالنسبة للجغرافيا الحديثة، إلا أنه سيكون من الخطأ تماما أن نفترض أن التقييمات التي من هذا النوع كانت تميز المشروع الجغرافي دائما. وذلك لأن الجغرافيا لعبت دورا رائدًا في تطور التراث العلمي، على الأقل بسبب الأهمية الفكرية الهائلة لتركيزها على الاستكشاف البحت. وهكذا نجد مؤرخي “عصر الكشوف” أمثال “باري J. H. Pary” يقولون:

’’لم يكن الاستكشاف الجغرافي، ومهارات الملاحة وعلم الخرائط المرتبطة به، بمثابة المجال الرئيس للنشاط الإنساني الذي ارتبط فيه الاكتشاف العلمي بالأساليب التطبيقية اليومية فحسب، وذلك قبل منتصف القرن السابع عشر، باستثناء فنون الحرب والهندسة العسكرية والممارسات الطبية (إلى مدى محدود جدا)، بل إنه كان المجال الوحيد غالبا؛ ومن ثم كانت أهميته الكبيرة في تاريخ العلم والفكر‘‘.

وفي مواجهة الأزمة الفكرية التي يشعر بها البعض داخل الجغرافيا الحديثة، تتزايد أهمية أن نذكر أنفسنا بمدى أهمية الإسهامات الجوهرية للجغرافيا في ظهور العلم الحديث. وفي الواقع، فإنني أتذكر سماعي للمؤرخ العلمي الهولندي المتميز “راير هويكاس Reijer Hooykaas” وهو يقول ذات مرة إنه إذا كان يجب عليه تحديد فرد واحد يمكن أن يقال عنه إنه هو الذي استهل ما يسمى “بالثورة العلمية” فإنه لن يكون كوبيرنيكوس ولا جاليليو، ولن يكون كبلر ولا نيوتن، ولكنه الأمير “هنري الملاح”. إلا أن منح أمير برتغالي من القرن الخامس عشر ـ أطلق عليه كاتب سير من العصر الفيكتوري (1837-1901) لقب “الملاح” ـ هذه المكانة الرفيعة بالرغم من أنه لم يسافر أبعد من طنجة يعتبر أمرا غريبا. ومع ذلك، كانت رؤية هويكاس تتمثل في إبراز الأهمية الكبرى لتجارب العالم الواقعي مقارنة بالفكر “النظري لدى الإغريق. وسواء كانت هناك كتلة يابسة في الجنوب، أو كانت الأرض مسطحة، أو كان المحيط الأطلسي صالحا للملاحة، أم لا، فقد كانت تلك أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بإعادة قراءة كتابات أرسطو؛ بل لم يمكن الإجابة عليها إلا من خلال التجارب الأمينة الباحثة عن الصالح العام. وهكذا فإن حقيقة أن الجغرافيا كانت دائما علما “عمليا”، تتمتع بأهمية كبيرة في تاريخها، خاصة وأن الكثيرين يعتبرون أن انتصار التجربة على الفكر يمثل المكون الجوهري في ظهور العلم التجريبي في الغرب. وتوضح الكلمات التالية، التي صاغها ببراعة برنارد كوهن Bernard Cohen مؤخرا، النقطة التي أريد التعبير عنها:

“تتمثل الطريقة المثلى للوصول إلى عمق ومجال “الثورة العلمية” في المقارنة والمقابلة بين العلم الذي ظهر إلى الوجود في القرن السابع عشر وأقرب ما يكون إليه في أواخر “العصور الوسطى” … فعادة ما كانت المعرفة تعتمد على العقيدة والبصيرة، وعلى العقل والإلهام. ولكن العلم الحديث استبعد كل هذه الطرق لفهم الطبيعة، واعتبروا الخبرة ـ التجربة والملاحظة النقدية ـ بمثابة الأساس والاختبار النهائي للمعرفة. وكانت النتائج ثورية مثل المنهج ذاته. وذلك لأن الأمر لم يقتصر على أن الأسلوب الجديد توصل إلى المعرفة على أساس جديد تماما، بل إنه كان يتضمن أن الناس رجالا ونساء لم يعودوا يؤمنون بما كانت تقوله النصوص الشائعة؛ وأنهم كانوا يستطيعون إخضاع  أية عبارة أو نظرية لاختبار التجربة المحكمة. ولذلك فإن المهم في العلم الحديث في القرن السابع عشر لم يكن يتمثل في مؤهلات أو معرفة أي مؤلف أو كاتب، ولكنه كان يتمثل في صدقه ودقته في كتابته، وفي فهمه الحقيقي للأسلوب العلمي، ومهارته في التجربة والملاحظة”.

ومن المؤكد أن تقييم كوهن قد يحتاج إلى أن يكون أكثر دقة: فقد أظهر علماء اجتماع العلم لنا أنه بالرغم من كل البلاغة المناهضة للاستبداد على ألسنة الممارسين السابقين، احتل العلم ذاته سريعا مكانة ذات أهمية ثقافية هائلة في المجتمع؛ وأظهر فلاسفة العلم بعد كوهن أن “التجربة” ليست شفافة فحسب ـ ولكنها مثيرة للمشاكل؛ وأظهر مؤرخو العلم ما يمكن اعتباره “الآن” أنماط خطاب غير منطقية لنمو العلم.

ولذلك، تمثل قصة الكشوف الجغرافية ـ على الأقل جزئيا، ولو من الناحية البلاغية فقط ـ الاهتمام بالانتقال من الأسطورة إلى الخريطة، وتحويل النظرية الكوزموجرافية إلى حقيقة خرائطية. وبالطبع، يمكن أن يكون أخذ هذه الدعاوى على علتها مضللاً جدًا. فقد كان كل من الجغرافيين والكارتوجرافيين مشاركين في صناعة الأساطير من خلال صناعتهم للجغرافيات الغريبة الخيالية. ويبدو أن الأمر كان يتمثل في إحلال مجموعة من الأساطير محل مجموعة أخرى ببساطة. ومع ذلك، وبالرغم من كل هذا، فإنه في القرن ونصف الممتد فيما بين 1400 و1550، كانت معظم الخطوط الساحلية في العالم قد رسمت على خرائط للمرة الأولى. وكان هذا إنجازًا “علميًا” حقيقيًا يميز مستكشفي القرن الخامس عشر عن أسلافهم. وفي الواقع، كان الكثيرون منهم يعتبرون أنفسهم بصورة واعية مشاركين في مشروع تاريخي يسمى “الاستكشاف” ـ وأنه شئ يميزهم عن مغامري ورحالة العصور الوسطى، مثل ماركو بولو وسير جون ماندفي، الذين كانوا يعتبرونهم مجرد مهتمين بإثارة القراء بتقارير عن غرائبهم وعجائبهم.

وفي ضوء هذه التطورات، ربما لا يكون مدهشا أن مصطلح “اكتشاف” أصبح يستخدم لوصف كل من التقدم في الاستكشاف الجغرافي والاكتشافات العلمية. وحتى اليوم، فإن استعارة صناعة الخرائط لا زالت تستخدم كوسيلة لوصف محاولات العلماء إحكام قبضتهم المعرفية على العالم، وجهود العلماء الاجتماعيين لإضفاء معنى على التعددية الثقافية. وعلى سبيل المثال، يخصص ستيفن تولمن Stephen Toulmin فصلا كاملا لتوضيح العلاقة بين النظريات والخرائط، ويتحدث عن قوانين الطبيعة كوسائل “لاكتشاف طريقنا حول” الظواهر، و”التعرف على أين تقع على الخريطة” المعرفة المتعلقة بموضوع دراسي معين. ومع ذلك، فإنه إذا كانت الرغبة في إعطاء معنى لما يطلق عليه بورستن Boorstin “الكلمات الأكثر إثارة المكتوبة على خرائط المعرفة الإنسانية والمتمثلة في عبارة “أرض مجهولة Terra incognita”. تمثل القوة الدافعة وراء رحلات الاستكشاف، كما كانت بالنسبة للمشروع العلمي بصفة عامة، فقد كانت هذه الإنجازات أكثر من مجرد الإدراك البحت. لأنه كما سنرى الآن، كان المشروع كله محملا بافتراضات غير علمية، وسوف ننتقل إلى هذه العوامل “السياقية” الآن.

السياقات

لعبت “الأسطورة” دورًا جوهريًا في السردية الكبرى للجغرافيا. والأسطورة بمعناها الواسع عبارة عن رواية تظهر فيها بعض جوانب النظام الكوني، وبالتالي فإنها تمثل تعبيرا عن العقلية الجماعية لأي عصر من خلال جعل “الأشياء التي كان يمكن أن تعتبر غير متسقة مقبولة فكريا واجتماعيا”. وغالبا ما تجسد الأساطير أعمق الميول لدى ثقافة ما، وتقدم أنماطًا للعمل الإنساني من خلال الحفاظ على النماذج لتقليدها. وبالإضافة إلى ذلك، نجد أن لها وظائف معرفية تعتبر سابقة على النظرية العلمية ومشابهة لها.

ومع ذلك، فإنه عندما أستخدم مصطلح “الأسطورة” هنا، فإنني أود الإشارة بوضوح تام إلى الحكايات والأساطير المختلفة عن الأماكن البعيدة التي انتعشت خلال عصر الاستكشاف، ولا أنوي الدخول عند هذه النقطة في الأهمية الأنثروبولوجية أو النفسية أو الفلسفية لصناعة الأسطورة، باستثناء الإصرار على أن مجموعة الأساطير المتعلقة بالغرابة والآخرين كانت متداخلة بطبيعتها في تكوين الهوية الأوروبية الحديثة. وقد لعبت هذه التقاليد الخرافية دور سلاح ذي حدين في تاريخ الاستكشاف الجغرافي. فمن ناحية، كان هناك العديد من البحارة الشجعان الذين ميزوا مهمتهم بصورة واعية عما تضمنه مؤلف “رحلات سير جون ماندفي”، وهو العمل المليء بتقارير عن الرجال والنساء الذين لا رؤوس لهم، والأفواه التي تشبه حدوة الحصان، أو الآذان التي بطول الركبة. ومع ذلك، نجد أن أساطير وجود مملكة مسيحية ثرية جنوب الهند، والآمال العريضة في العثور على المدينة الفاضلة المجيدة لـ “برستر جون” في قلب أفريقيا، أو ربما الشرق الأقصى، وقصص “إلدورادو El Dorado”، قد استمرت في تحفيز السفر للخارج. وعلى سبيل المثال، ظل ماجلان مقتنعا بوجود عمالقة باتاجونيا، وهم العمالقة الطوال جدا لدرجة أن أطول رجاله كان يمكن أن يصل إلى خصرهم فقط، بينما اقتنع المستكشف الفرنسي “جاك كارتييه Jacques Cartier” بكلام الهنود المحليين عن أن المناطق الداخلية في كندا كانت موطن إمبراطورية ثرية، فأعاد عبور الأطلسي بحثا عن هذه المملكة. وهكذا فإن الفكرتين المجردتين ـ العلم والأسطورة ـ كانتا مرتبطتين معا لفترة طويلة في تاريخ الفكر والتطبيق الجغرافيين.

وهكذا كان إنتاج المعرفة الجغرافية في حالة هنري الملاح مجرد جزء مع مجموعة من الاهتمامات غير العلمية. ومن المؤكد أنه لم يكن فريدا في هذا الشأن. وعلى سبيل المثال، فإنه في حالة كولومبوس وكورتيه كان حب الشهرة أكبر من الرغبة في التبشير أو البحث عن الذهب. وبالنسبة لآخرين، كانت الحماسة الدينية تفوق كلا من المجد والمكاسب كدوافع للسفر عبر البحار، لدرجة أن رحلات الاستكشاف كثيرا ما كانت تعتبر بمثابة استمرار للحروب الصليبية. ويساعد هذا على تذكيرنا بأنه بينما كانت هناك علاقات قوية بين الرحلات والروح “العلمية” الأولية، إلا أنها لم تكن وثيقة ولا مباشرة. فقد كان الكثير من الرحالة رجالا عمليين بالمعنى الدقيق، ولا يهتمون كثيرا بالإسهام في عالم دراسة عصر النهضة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ازدهر العلم الحديث المبكر بصورة أفضل في بعض الدول مثل إنجلترا وهولندا، والتي كانت الأقل ارتباطا بهذه الكشوف الجغرافية. ومع ذلك، فإن الاهتمام الشديد لدى المستكشفين بالعالم لا بالكلمة، وبالمادي لا بالمجرد، وبالعمل لا بالفكر، وبالجديد وليس القديم، إجمالا، أدى بذاته إلى إبراز دورهم في تعزيز الروح المناهضة للتسلط، والتي كانت ضرورية جدا لظهور العلم الحديث. وكانت هذه الروح هي التي حملت أنباء العوالم الجديدة والشعوب الجديدة، وبالتالي تحدت افتراض التفوق الفكري للقدماء. ومن المفيد أن نتذكر أن المعرفة الكارتوجرافية التي أنتجوها قد جمعت بتكلفة كبيرة. وغالبا ما يجب التجاوز عن ذكر أشكال الحرمان الشديد والصعوبات الجمة. ففي الرحلة التي قدمت البرهان العملي على أن الأرض كانت مستديرة، يقال إن رجال ماجلان استمروا لمدة أربعة أشهر تقريبا بدون ماء أو طعام طازج، وإن الكثيرين منهم ماتوا بسبب الإسقربوط، وإن البحارة اضطروا إلى أكل كسرات من خبز تحولت إلى مسحوق داهمته الديدان، كما أكلوا الفئران التي بلغ سعر أحدها نصف دوكات”.

وإذا كانت المعرفة الجغرافية الناتجة عن رحلات الاستكشاف قد أنتجت بتكلفة شخصية كبيرة فعلا، فإن إنتاجها لم يكن أقل اعتمادا على عوامل اجتماعية عديدة. فبحلول أوائل القرن الخامس عشر مثلا، كانت أوروبا تمر فعلاً بتطور اقتصادي سريع في شكل الرأسمالية التجارية. وكانت مؤسسات مصرفية عالمية كبيرة، مثل “فوجرز الأوجسبورجي Fuggers of Augsburg”، تقدم تسهيلات للاقتراض ولتبادل رأس المال. وكانت تأثيرات هذه التغيرات الاقتصادية ذات شقين. فمن ناحية، كانت السفن والبحارة تمثل سلعا مكلفة، وكان التمويل مطلوبا لتقديم الدعم الاقتصادي للاستكشاف؛ فعلى سبيل المثال، لم يكن كولومبوس ليستطيع الانطلاق في رحلته الأولى لو لم يقم اتحاد مالي عالمي بين تجار قشتالة وجنوة بتقديم الأموال اللازمة لتغطية التكاليف. ومن ناحية أخرى، أدت الحاجة إلى المعدن لسك العملات إلى ظهور الحاجة إلى تحديد مواقع مناجم الذهب الجديدة، وبالتالي ظهر الدافع إلى إرسال الرجال إلى البحر. وهكذا كان تكوين الثروة سببًا وشرطًا للكشوف الجغرافية. وأدت هذه التطورات الاقتصادية، بالإضافة إلى الطلب على العمل في أعقاب الطاعون، إلى ازدهار تجارة الرقيق سريعا. وسواء كان ذلك من أجل العمل في المنازل، أو على السفن، أو في جزر المحيط الأطلسي، فقد قام تجار العبيد البرتغاليون بتلبية هذا الطلب الجديد، وذلك ببناء مستودعات الرقيق في غرب أفريقيا، وإقامة علاقات وثيقة مع الحكام المحليين المتاجرين بالرقيق. وكان إغراء الحرير والطمع في التوابل من المظاهر الجديدة لهذه التغيرات. حيث ألقت حكومات القرن الخامس عشر بثقلها وراء البحث عن الفلفل والقرنفل، الذين كانا قاصرين على التجار الأفراد في الشرق الأقصى. وكان نقص وسائل التبريد، والشهية القوية لأكل الأوربيين اللحوم فيما أطلق عليه برودال Braudel “أوروبا اللاحمة Carnivorous Europe”، يساعد على زيادة البحث الذي كان يصل إلى مستويات جنونية من وقت لآخر. إذ يقول برودال “كان كل شئ يعتمد على [البهار]، حتى أحلام مستكشفي القرن الخامس عشر”.سفن الكوج

وإذا كانت العوامل المحفزة الباعثة على الاستكشاف تجارية ودينية، فإن تحويل هذه الأحلام إلى حقيقة كان يعتمد على تطوير أساليب مناسبة لبناء السفن. إذ أن السفن التي استخدمت للاستكشافات البحرية العظيمة، لم تكن في الواقع مصممة خصيصا للرحلات الاستكشافية، بل كانت مصممة للتجارة العادية في المياه المحيطة بأوروبا الغربية. ومع ذلك، لم يكن من الممكن ببساطة تنفيذ الرحلات المحيطية التي تمت خلال القرن الخامس عشر قبل ذلك بقرن. وذلك لأن القرن الخامس عشر كان فترة تقدم هائل وخيالي في تقنية صناعة السفن. وبصفة عامة، كانت السفن الأوروبية تميل إلى اتباع نمطين: نمط شمال أوروبا، ونمط البحر المتوسط. وكان نمط سفن شمال أوروبا ـ المعروف باسم الكوج. ثقيلا وعريضا وغير قادر على المناورة بصفة عامة. وكان استخدامها للأشرعة المربعة يساهم في زيادة عدم ملاءمتها، وبالرغم من أنها كانت تجعلها وسيلة آمنة، إلا أنها لم تكن مناسبة تماما للإبحار في المياه الضحلة غير المتوقعة والخطوط الساحلية غير المألوفة. وكذلك فإنه نظرا لأن المنشار لم يكن مستخدما في شمال أوروبا، كانت سفن الكوج “مبنية بالتعشيق”، أي بتعشيق الألواح الخشبية. في حين كان نمط سفن البحر المتوسط أكثر ملاءمة للاستكشاف بصفة عامة. حيث كانت المراكب الكبيرة الكارافيل caravel، كما كانت تسمى، تبنى على إطار مبني سلفا، وكانت ألواحها الخشبية ناعمة الجوانب مثبتة جنبا إلى جنب. وكانت وسيلة أكثر خفة ورشاقة وسرعة، وكانت تستخدم الشراع المثلث ـ وهذا تقليد عربي يربط فيه شراع مثلث بعارضة طويلة مرفوعة بشكل غير مباشر على الساري. وليس مدهشا أن هذه كانت السفينة التي أرسلها الأمير هنري في أعماله البطولية الاستكشافية. ولكن هذه السفن كانت تعاني من مشاكل أيضا. إذ أن السفن ذات الأشرعة المثلثة كانت تحتاج إلى أطقم ملاحية أكبر من التي تحتاجها سفن الكوج من نفس الحمولة، حيث كان يصعب لف الأشرعة عاليا؛ ولا شك في أن صغر حجمها جعلها غير ملائمة لنقل سلع ضخمة الحجم كالحبوب. وللتغلب على المشاكل الكامنة في كل من هذين النوعين من السفن، تم إنتاج توليفات مختلفة منها، وكان من أشهرها الكاراك carrack ـ وهي مركب كبيرة ثقيلة مربعة الشراع، ولها شراع مثلث على السارية الأقرب إلى مؤخرة المركب. وفي الوقت نفسه، أبحر بعض المستكشفين مثل فاسكو دا جاما بأساطيل متوازنة تشمل أنماطا عديدة: بعضها مراكب ثقيلة ذات سعة حمولة كبيرة، تصاحبها مراكب كارافيل يمكن استخدامها للاستكشافات الساحلية الأكثر تفصيلا.

وإذا كانت التطورات في بناء السفن مثلت شرطا ونتيجة لعمليات الاستكشاف في وقت ما، فكذلك الأمر بالنسبة لفنون الإرشاد والملاحة. إذ أن عملية الإرشاد، أو معرفة مواقع الرؤوس الأرضية والأنهار والمواني بالرؤية، كانت بلا شك بمثابة الرصيد المهم لأي قبطان جدير بلقبه. ومن ناحية أخرى، كانت الملاحة الكبرى، كما سماها ميشيل كوانييه  Michiel Coignet في 1581، “تستخدم … عدة قواعد وأدوات أخرى بارعة جدا مستمدة من فن الفلك والكوزموجرافيا”(18). وكما يتضمن تعريف كوانييه، كانت هناك فجوة كبيرة لفترة طويلة بين المعرفة الأكاديمية التي تتعلق بالملاحة والممارسات اليومية للبحارة. وكان ذلك يرجع أساسا إلى أن البحارة الممارسين كانوا يلجئون تدريجيا إلى الملاحظات الفلكية لحساب موقعهم في البحر فقط. إذ كانوا يميلون إلى استخدام الأسلوب القديم في تقدير موضع السفينة بدون استخدام الأدوات الفلكية: أي تقدير موقع السفينة بحساب طول وسرعة واتجاه مسارها اليومي. ولكن بعد أن جمع البرتغاليون مجموعة من الفلكيين لمعالجة هذه المشكلة، بدأت فكرة تحديد خطوط العرض في البحر من مواقع النجوم تكتسب مصداقية حقيقية. ومع ذلك، كان نجاح هذا الأمر يعتمد على توافر مجموعة من الجداول لحساب زاوية الشمس، وتعديل أدوات مثل الإسطرلاب لاستخدامها في البحر. ولكن تحديد خطوط الطول كان مشكلة مستعصية لم تحل حتى منتصف القرن الثامن عشر. ففي الواقع، عرضت الحكومة البريطانية في 1714 جائزة ثمينة قدرها عشرون ألف جنيها لمن “يستطيع اكتشاف خط الطول في البحر”.

وهكذا اتضح الآن أن المعرفة الجغرافية التي تراكمت خلال فترة “الاستكشاف”، كما يصفها باري، كانت تتوقف على مجموعة من العوامل السياقية: الاقتصادية والدينية والفنية، الخ. ولكن قبل أن ننتقل إلى مضمون هذه الجغرافيا، من الضروري أن نتذكر أن علم الجغرافيا، كما كان معروفا في ذلك الوقت، كان بذاته يحفز على الاهتمام بالاستكشاف. وكانت ترجمة كتاب “الجغرافيا” لبطليموس إلى اللاتينية في 1410 على قدر كبير من الأهمية. وكانت هذه خطوة كبيرة حقا في دراسات عصر النهضة، وذلك لأن بطليموس كان قد ابتكر نظاما للإحداثيات الجغرافية ـ خطوط الطول وخطوط العرض في الواقع ـ حيث يمكن من خلاله تحديد موقع أية نقطة على سطح الأرض. حيث أدى توافر هذا العمل حديثا، بالإضافة إلى استخدام البوصلة منذ القرن الحادي عشر، وفكرة أن المحيط لم يكن عائقا للحركة، ولكنه ممر مائي، إلى تحفيز مجموعة من علماء الإنسانيات الفلورنسيين على التفكير جديا في إمكانية الاستكشاف بالاتجاه غربا. ومع ذلك، وكما يقول باري، كانت أفكار بطليموس “محفزة ومثبطة في نفس الوقت، وكان تقدم المعرفة … يتطلب تمحيص نظرياته أولا قبل التخلي عنها”(20).أي أن نمو المعرفة الجغرافية آنذاك، كما هو الحال الآن، كان يعتمد على الفهم الدقيق للنصوص التقليدية كخطوة أولى قبل تخطيها.

الإنجازات

بالرغم من عدم الشك في تنوع دوافع رواد الملاحة البحرية، إلا أن إنجازاتهم كانت ملحوظة في الواقع. ولم تكن هذه الدوافع استكشافية بحتة. لأنهم بالإضافة إلى فتح العالم أمام الوعي الأوروبي للمرة الأولى، فقد حققوا أيضًا تقدمًا كبيرًا في فنون الكارتوجرافيا والملاحة. ولذلك فإن الرصد الموجز لهذه الإنجازات سيسلط مزيدا من الضوء على الدور الاستراتيجي للجغرافيا في تطور الثقافة الغربية.

وتعتبر المغامرات البحرية التي قام بها البرتغاليون بمثابة نقطة البداية الطبيعية، لأن بحارة البرتغال، كما يقول “دانييل بورستن” بلهجة حتمية نوعا ما، “قاموا بواجبهم في الجغرافيا من أجل دورهم في التاريخ”. إذ أن موقع البرتغال على الحافة الغربية لشبه الجزيرة الأيبيرية، بالإضافة إلى أنهارها الطويلة الصالحة للملاحة، ورياحها المواتية، وموانيها الطبيعية، ساعدت على تسهيل “مشروعها الاستكشافي طويل المدى”. وبالرغم من كل هذه المزايا الطبيعية، إلا أن ترجمة الأحلام الخارجية إلى حقيقة كانت تعتمد على رؤية الأسرة الملكية وعدد من النبلاء والتجار. ومهما كانت دوافع حماسهم اللوجيستي (وقد تناولنا بعضها في حالة الأمير هنري) إلا أن إنجازاتهم لا ينكرها أحد. فقد وضعوا أسس معهد للبحوث الملاحية (وسواء كان ذلك في ساجرس أم لا، فإنه لا يزال موضع جدل) وأرسلوا البحارة لرسم ساحل أفريقيا على أمل “الدوران” حول رأس بوجادور Cape Bojador، الحافة الظاهرية للعالم؛ وقد كللت جهودهم بالنجاح في 1434 فعلا، عندما اكتشفها جيل إينس Gil Eannes وراءه فجأة. وفي حالة هنري، فإن شرعيته العظمى كانت تكمن في إنجازات أعظم بحارته، كاداموستو، الذي أدت رحلاته خلال منتصف خمسينيات القرن الخامس عشر إلى اكتشاف جزر الرأس الأخضر، والذي تكشف سجلاته عن أنواع نباتية وأنثروبولوجية جديدة ومدهشة، أبهرت القراء وشجعت الآخرين على اتباع مساره.

ولم يؤثر موت الأمير هنري في 1460 كثيرا على مشروعات البرتغال الاستكشافية. فمن المؤكد أن حماسة المغامرة انتقلت مباشرة إلى فرناو جومس Fernão Gomes الذي واصل الكشوف الأفريقية. ولكن شبح الأمير هنري وجد روحا ودودة في جسد الملك جواو الثاني João II، الذي اعتلى العرش في 1481. فبالإضافة إلى تجميع خبراء الملاحة معا في محاولة لتحديد خطوط العرض في البحر، استمر في رعاية الرحلات على طول الساحل الغربي لأفريقيا. وعلى سبيل المثال، فإن “ديوجو كاو Diogo Cão” شق طريقه جنوبا حتى وصل إلى رأس الصليب Cape Cross، ووصل إلى مصب الكونغو في طريقه، وابتدع تقليد نصب الأعمدة الحجرية على كل المعالم البارزة لإثبات الكشوف البرتغالية. ولكن الملك جواو الثاني كان مشغولا أيضا بأساطير ممكلة “برستر جون”، ولذلك أرسل بعثات برية وبحرية للوصول إلى الهند. وبناء على ذلك، تم تجهيز وتمويل بيرو دا كوفيلها Pero da Covilhã، وأفونسو دى بايفا Affonso de Paiva سرا في 1487، ثم إرسالهما على عجل إلى الإسكندرية وما وراءها إلى القاهرة وعدن. حيث افترقا هناك، واتجه بايفا إلى أثيوبيا، بينما اتجه كوفيلها إلى الهند. واختفى بايفا عن الأنظار، بينما وصل كوفيلها فعلا إلى كالكتا، قلب إمبراطورية تجارية مزدهرة، قبل أن يتجول في أرجاء إثيوبيا في بحث مستمر عن مملكة “بريستر جون” المراوغة.

رحلات الاستكشاف البرتغالية

وتركت الخدعة الأخيرة ـ البحث عن ممر بحري إلى الهند ـ في أيدي بارثولوميو دياس. حيث انطلق في 1487، وفي الثالث من فبراير 1488، رسا في خليج موسل مدفوعا بعاصفة ميمونة جدا دفعته حول الرأس، محققا بذلك ـ كما يقول بورستن ـ “ما لم يستطع أي تخطيط تحقيقه بعد”(22).  وليس مدهشا أن دياس أطلق عليه اسم “رأس العواصف”، ولكن جواو الثاني أعاد تسميته لاحقا باسم “رأس الرجاء الصالح”، لأنه بشر بالطريق إلى الهند. وكان دياس ذاته يريد بقوة أن يواصل إلى المحيط الهندي، ولكن رجاله فقدوا شجاعتهم وعاد الأسطول إلى لشبونة متأثرًا بالطقس. حيث استقبلوا استقبالاً حارًا. وهكذا تركت لفاسكو دا جاما الذي لا يقهر مهمة مواصلة الطريق وإثبات الادعاء البرتغالي في الهند، في ظل حكم مانويل الأول الآن. وقد حقق كل هذا في 1498، عندما وصل إلى الساحل الجنوبي الغربي للهند في الثاني والعشرين من مايو، وأظهر مهارات بحرية فائقة في طريقه حول رأس الرجاء الصالح، وعبر بحر العرب والمحيط الهندي. وعندما عاد إلى أرض الوطن باثنتين من سفنه وطاقم متهالك، في سبتمبر 1499، كان قد حقق شيئا سيغير مجرى التاريخ. حيث أرسل البرتغاليون كل البحارة والسفن المتاحة إلى الهند، ومن ثم سيطروا على المحيط الهندي، واستولوا في الواقع على ملقا  في 1511، وأقاموا علاقات تجارية مع سيام، وجزر التوابل، والصين. وطوال قرن ونصف القرن، لم يكن هناك من يتحدى احتكار البرتغاليين للتجارة البحرية في المحيط الهندي.

ولا شك في أن الحفاظ على الإمبراطورية البحرية للبرتغال كان سيفرض قيدا كبيرا على الموارد المحلية في الأجل الطويل. وكان استغلال موارد الأخشاب في صناعة السفن سيؤدي إلى مشاكل عاجلا أم آجلا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهجرة الانتقائية المستمرة للشباب. وكذلك فإن السياسة الخارجية المتغطرسة للبرتغال أثبتت أنها لم تكن تسلك المسار الأكثر حكمة في النهاية. إذ أن البرتغال التي كانت عدوانية ولا تميل إلى تطوير علاقات تجارية ودية مع غير المسيحيين، كانت قد بذرت بذور دمارها منذ وقت طويل. ولكن ثروات الشرق كانت قد بدأت تتدفق إلى الغرب في تلك الأثناء، واستطاعت البرتغال التمتع بقوتها المحققة حديثا.

ولكن البرتغال لم تستمر طويلا على هذا النحو بلا منافس طبعا. إذ أن المغامرة الإسبانية في أمريكا الجديدة ـ التي لم تكن قد أخذت اسمها بعد ـ حالت دون تحقيق الرضا المطلق. إذ كان يجب أن يبدأ هذا الفصل من القصة مع كريستوفر كولومبس، بالرغم من أنه لم يكن أسبانيا بالمولد. ولا شك في أن الخطوط العريضة في حياته وإنجازاته معروفة، ومع ذلك، فقد أثبت تفسير دوره في تاريخ الكشوف الجغرافية أنه يمثل مشكلة معقدة جدا. حيث تتمثل الرواية التقليدية في أنه كان كوزموجرافيا بعيد النظر فعلا، وأنه كانت لديه تصورات عن إمكانية العثور على طريق جديد إلى آسيا بالإبحار نحو الغرب، وأنه ضمن المساندة المالية من أسبانيا، فإنه انطلق في 1492 إلى كاتاي Cathay، وأنه حصل على مكافأة اكتشاف أمريكا. ومع ذلك، لم يمر هذا التفسير الشائع بلا معارضة. إذ كان يقال مثلا إنه كان قد اعتنق اليهودية حديثا، وكان يبحث عن موطن لليهود الأسبان المضطهدين؛ وكان البعض يرى أنه كان عميلا سريا للبرتغال في الحقيقة، وكان آخرون يرون أنه كان متوجها إلى الكاريبي في الواقع، وليس إلى آسيا، لأنه كان قد جمع معلومات عن العالم الجديد من مصادر اسكندنافية. وبالرغم من أنه كان يستحيل إثبات صحة هذه النظريات بسبب النقص الشديد في المعلومات عن السنوات المبكرة في حياة كولومبس، إلا أنه اتضح الآن أنه كان قد ولد في جنوه في 1451، وأنه بدأ الإبحار من أسبانيا في أغسطس 1492 برسالة من المسئولين الأسبان موجهة إلى الخان الأعظم للصين.

وقد وصل في رحلته الأولى إلى سان سلفادور في البهاما، حيث واجه شعبا محليا مُرحِبا بالتعاون، وكان ودودا جدًا من أجل مصالحه. وأدت عودة كولومبس المظفرة إلى أسبانيا بسرعة إلى إجراء مفاوضات مع البابوية، من أجل احتكار أسبانيا للملاحة والاستيطان في الأراضي الجديدة، والذي أدى إلى خط التقسيم الشهير الذي يجري بطول الكرة الأرضية. بحيث أن كل شئ يقع غرب هذا الخط، الذي تحدد مبدئيا على بعد مائة فرسخ غرب جزر الرأس الأخضر والآزور، كان يؤول إلى أسبانيا، في حين كان نصيب البرتغال يقع إلى الشرق منه. ومع ذلك، كان البرتغاليون لن يحصلوا على شئ من ذلك، وبعد مفاوضات شاقة من جانبهم، انتقل الخط إلى خط الزوال السماوي 370 فرسخا غرب الجزر في اتفاية تورديزيلاس Tordiesillas الشهيرة في 1494. ومع ذلك، فإنه حتى قبل توقيع هذه الاتفاقية، كان كولومبس قد انطلق ثانية وكان هذه المرة يحمل معه معدات بناء وأدوات زراعية، وحوالي 1200 إلى 1500 رجل (بلا نساء كما سبق)، في أربعة عشر مركبا كبيرا (كارافيل). ولكن تجربة إعادة زيارة المستعمرات التي تأسست في رحلته السابقة لم تكن تبشر بالخير بالنسبة للمستقبل. ففي هسبانيولا (هاييتي الآن) مثلا، قتل السكان المحليون كل الرجال الثمانية والأربعين الذين كان قد تركهم قبل ذلك بعام فقط، بعد أن طفح بهم الكيل بسبب الجشع الاستعماري. وأدت هذه الإخفاقات إلى ضعف مكانة كولومبس، لأنه بالرغم من أن أسبانيا منحته مزايا وحقوقا عديدة، “فإن الآمال العريضة أحبطت بسبب انخفاض مستوى الأرباح التي حققتها المحطات البعيدة”. حيث كتب بروستن أنه “وعد بمنجم ذهب”، ولكنه “وجد البرية فقط”(24). وفي رحلته الثالثة، كان عليه أن يأخذ مساجين لتشغيل الأسطول الذي تدهور كثيرا، ثم وجهت أخبار انتصارات فاسكو دا جاما في الهند إليه ضربة موجعة. ومات في 1506 بدون أن يحقق الإمكانات الكاملة لاكتشافاته.

ونظرا لكل هذا، فقد كان كولومبس يتمتع بوعي جغرافي ومهارات ملاحية هائلة جدا. وتكشف ملاحظاته للظواهر الفلكية المختلفة ومعرفته التفصيلية بنظم دورة الرياح في البحر، عن مهارته كبحار؛ ويتكشف التزامه العلمي من خلال ملاحظاته التي دونها على هوامش الأعمال الجغرافية المعاصرة في زمنه، خاصة ما سجله من ملاحظات على هوامش خريطة إماجو موندي Imago Mundi (صورة العالم) المنشورة في عصره، وعلى رحلات ماركو بولو. وكانت هذه المهارات لا يدانيها سوى أساليبه في معاملة البحارة البسطاء. حيث وضع عادة عدم إخبار رجاله بالمسافة الحقيقية التي يقطعونها في اليوم، إذ كان يقللها، بحيث أنه إذا كانت الرحلة طويلة، فإن هذا لن يجعلهم عصبيين بلا مبرر، وحتى لا يزيد خطرهم. ومن المفارقات أن تقديراته المزيفة كانت في الحقيقة أكثر دقة من التقديرات التي كان يسجلها في دفتره “الحقيقي”، لأنه كان يميل إلى المبالغة في المسافة التي كان يقطعها. وفي حالة كولومبس، كان امتلاك المعرفة الجغرافية يمثل شرطا ونتيجة لتجربته في العالم الجديد. وعلى سبيل المثال، فإنه لو لم يكن يقظا بما يكفي لوضع يده على رسم الطريق الغربي البديل إلى جزر البهار، والذي وضعه الكوزموجرافي الفلورنسي باولو دل بوزا توسكانيللي ـ بالرغم من الخطأ الحسابي الكبير في قياس المسافات الفعلية المتضمنة ـ لما كان شرع في الإبحار لإثبات صواب توسكانيللي، مع كل النتائج التي ترتبت على مشروع هذه التجربة.

وهناك شخصان آخران، عملا في خدمة التاج الأسباني في وقتين مختلفين، وهما جديران بالذكر مع الآخرين الذين أدت رحلاتهم إلى تغيير مجرى التاريخ. حيث تتمثل الشخصية الأولي في التاجر الفلورنسي “أميرجو فيسبوتشي”، الذي أدت رحلته الثانية في 1501، والتي كانت تحت الرعاية البرتغالية، إلى تسمية العالم الجديد على اسمه. فبعد أن قضى فترة طويلة في نطاق الرياح الساكنة، استغرق الأمر أربعة وستين يوما لعبور الأطلسي، وقبل العودة إلى لشبونة في سبتمبر 1502، يقال إنه قد رسم ثمانمائة فرسخ من خط ساحل أمريكا الجنوبية. وقد سجل في سجلاته كل شىء من ممارسات الولادة إلى التقاليد الدينية للشعوب التي قابلها. وهنا نجد جذور العلاقات الطويلة بين الجغرافيا والتراث الأنثروبولوجي مكشوفة بوضوح.

وتتمثل الشخصية الثانية الجديرة بالذكر في فرديناند ماجلان طبعا. وبالرغم من أنه لم يعش حتى يكمل ما بدأه، إلا أنه كان مسئولا عن أول دورة بحرية حول الكرة الارضية. ونحن لا نعرف الكثير عن حياته المبكرة في الهند، ولكنه أصبح عند عودته مفتونا بإمكانية اكتشاف طريق أسرع إلى جزر التوابل. ولكن مانويل ملك البرتغال الذي قدم إليه خططه لم يكن مهتما، وبالتالي لجأ ماجلان مثل آخرين كثيرين إلى أسبانيا. وفي 1519، أبحر بخمس سفن، وبحلول أكتوبر من السنة التالية، كان قد اكتشف، وشق بأعجوبة طريقه عبر المضايق التي تحمل اسمه بين يابسة باتاجونيا وجزيرة تييرا دل فويغو. واستغرق الممر الرهيب خمسة أسابيع، بل إن الأمور كانت كئيبة لدرجة أن إحدى سفنه، سان أنتونيو، تمردت وعادت إلى أسبانيا. ومع ذلك، أصر ماجلان إصرارا شديدا وأخضع نفسه ورجاله لحرمان رهيب، حتى وصلوا إلى الفلبين. وبعد شرب المياه الصفراء الآسنة لعدة أيام، وأكل جلود الثيران، والتهام أي شئ يتحرك، كانت الفلبين تبدو كالجنة. ولم يكن الأمر ليكون كذلك. فقد كون ماجلان بسرعة صداقات مع زعيم محلي، وأصر على الانضمام إلى حليفه الجديد في حرب قبلية. ولكن هذا التعبير عن التضامن كانت بمثابة تهور انتهى إلى كارثة. حيث قام ألف وخمسمائة من محاربي الماكتان Mactan بسحق ماجلان وحوالي أربعين من رجاله حتى الموت في السابع والعشرين من أبريل 1521. ولا تزال أعمال البطولية، بجميع المعايير، تلقي بظلالها حتى على إنجازات دا جاما، وكولومبس، وفيسبوتشي، لأن الرحلة التي قادها قدمت إثباتا عمليا على أن العالم كان مستديرا، وأنه يمكن الإبحار حوله.

ولا شك في أن الحياة اليومية للملاَّح متوسط البنية في أواخر القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر لم تكن سعيدة قط. حيث كانت الأمور مزدحمة غالبا ومتشنجة دائما. وبالطبع كان الضابط القائد له قمرته الخاصة في الخلف، وكان الضباط الآخرون لديهم أسرة بطوابق على جانبي السفينة في الجزء المخصص للمسافرين من السطح الرئيس، ولكن طاقم البحارة كان عليه أن يعيش على السطح ذاته ببساطة، باستثناء حالات الطقس العنيف حيث يسمح لهم بالنوم على صابورة ثقل الموازنة في الأسفل. وكانت حقيقة أن السطح محدود ليسمح للماء بالجريان نادرًا ما تحسن الأمور، حتى في الطقس المعتدل. أما بالنسبة للطعام، فقد كان لحم البقر، ولحم الخنزير المنقوع في الماء المالح، والسردين أو الرنجة، وكسرات خبز السفن بمثابة الوجبة الأساسية. وكانت المياه العذبة تمثل مشكلة مزمنة، لأن معظم السفن الأوروبية كانت تخزنها في براميل خشبية حيث كانت تتلوث بسرعة. ولذلك كان يجب حمل كميات كبيرة من الخمور، وغالبا ما كانت براميل المياه تستخدم كجزء من صابورة ثقل التوازن. أما بالنسبة للصابورة ذاتها، فكان الرمل يستخدم فيها غالبا، وهذا له مشاكله الخاصة. لأنه عندما كان يتم غسل أية قاذورات، فإنها كانت تتسرب إلى الرمل ببساطة، وتحوله إلى فوضى موحلة من العفن الذي يتحرك مع السفينة في “حالة شبه سائلة”. وبالطبع فإن الطعام الخشن، وانعدام الصحة العامة، والزحام الخطير، والبلل المتكرر (في زمن ما قبل اختراع ثياب مقاومة للماء) يؤدي إلى الإسقربوط. ونظرا لأن هذا المرض ينتج عن نقص الغذاء، فقد كان بمثابة اللعنة القاتلة لكل بحار؛ فقد تسبب الإسقربوط في وفاة كثير من رجال ماجلان في رحلته حول العالم أكثر من أي سبب آخر.

وبالرغم من أن الأوضاع كانت قاسية، إلا أنه كانت هناك مهام لا بد من القيام بها. فبغض النظر عن القبطان، كان على قائد السفينة أن يكون بحارًا ماهرًا، لأنه يتحمل المسئولية الكاملة عن الطاقم، والحمولة، وصيانة السفينة. وكان المرشد ومساعده مسئولين عن الملاحة، وكان على خادم السفينة أن يراقب الإمدادات والمخازن المختلفة، مثل المصابيح والساعات الرملية، بينما كانت المراسي والحبال والأشرعة والصواري في أيدي عريف الملاحين أو الريس bos’n. وكانت كل سفينة تحمل نجارًا ـ وكان يجب أن يكون رجلاً دقيقًا يفعل كل شئ بنفسه ويقوم بمعظم الإصلاحات. وكانت مهاراته ضرورية، مثل مهارات الجلفاط (من يسد حزوز السفينة)، والذي كانت مهمته تتمثل في ضمان ألا يتسرب الماء إلى السفينة، وصانع البراميل، الذي يجب عليه الحفاظ على سلامة كل البراميل الخشبية. وكانت أرواح الجميع تعتمد على مهارات أعضاء هذا الطاقم. وبالإضافة إلى أية مهام متخصصة مثل هذه، كان على كل بحار أن يقوم بدوره في المراقبة. وكانت شركات السفن تستخدم نظام المراقبين الذي يتغير كل أربع ساعات، ويجب خلال الوردية تنظيف السطح، وإخراج المياه من السفينة، وتعديل الشرعة والصواري. وهنا أيضا كانت الحاجة أم الاختراع، لأن الحاجة إلى حسابات الوقت الدقيقة جعلت منتجي الساعات الرملية يلاحقون أحدث الأساليب. وكانت الساعات المضبوطة على نصف ساعة هي الأكثر انتشارا، ولذلك كانت تُــقلب ثمان مرات في الوردية. وكان أفضل هذه الساعات يصنع بكميات كبيرة في البندقية ويباع إلى متعهدي السفن في جميع أنحاء أوروبا.

وإذا كانت الشجاعة الشخصية والبراعة التقنية قد أرست أساس الرحلات الناجحة، فإن ظهور خريطة العالم يجب أن تكون من بين أفضل الإنجازات الفكرية لعصر الاستكشاف. ومع ذلك، وكما ذكرنا سلفا، كانت الصياغة الكارتوجرافية للمعلومات الجغرافية بمثابة شرط مسبق ونتيجة لاحقة لنشاط الاستكشاف. وكما يقول “سكلتون Skelton”، كانت الخرائط تعكس “المعرفة التي كان ينطلق بها المستكشف، وتعكس آماله وتوقعاته، والاكتشافات التي حققها. وكان الشكل أو الخريطة يعد أساسا كدليل للمسافرين على الطرق المطروقة. وعندما اتسعت حدود العالم المعروف للأوروبيين، أصبح المجهود الأساس للكارتوجرافيين يركز على هوامشه، وعلى الحدود الغامضة بين المعرفة والجهل”.

وأصبحت الخرائط ذات الأغراض المختلفة نوعا ما ـ كالتي تعبر عن التقسيمات الدينية للعالم ـ منتشرة بحلول القرن الخامس عشر. حيث تعتبر خريطة “ألبي Albi Map” في القرن الثامن، والخريطة “الأنجلوسكسونية Anglo-Saxon” للعالم في القرن العاشر، والتي تمتد شرقا حتى الخليج الفارسي والبحر الأحمر، و”خريطة سالتر Psalter Map” في القرن الثالث عشر ـ والأخيرة عبارة عن تصوير دائري أو دولابي للعالم ـ وخريطة “هيرفورد Hereford Mappamundi”، من بين أشهر الأمثلة على هذه الكارتوجرافيا المبكرة. وكان الغرض من خريطة هيرفورد متعدد الأبعاد. وكما أصبحنا نفهم الآن، لم تكن الدقة الجغرافية تمثل وظيفتها الأولى، ولم تكن تركز على القدس كما يفترض عادة. ولكنها كانت بمثابة “تمثيل كارتوجرافي لثقافة العصور الوسطى”، كما يقول “ديفيد وودوارد”، فقد كانت “تعليمية وأخلاقية أساسا”. وهكذا فإنها عرضت الأحداث الكبرى في الديانة المسيحية على قاعدة جغرافية بصورة رمزية ـ مثل التكوين، والخلاص، والدينونة، وبالتالي فإنها كانت تستعرض قوة النخبة الكنسية.

ولكن بالإضافة إلى هذه الإنجازات التعليمية للكوزموجرافيا المسيحية، كانت هناك خرائط أخرى مختلفة تماما عن هذه المحددات الخاصة بعالم العصور الوسطى، وكانت خرائط عملية تماما. إذ كانت عبارة عن رسوم portlanos يصنعها البحارة من أجل البحارة. وكما يقول “توني كامبل Tony Campbell”: ’’كانت خرائط العالم للعصور الوسطى Medieval Mappaemundi بمثابة كوزموجرافيات المفكرين على اليابسة. وعلى العكس، كانت تلك الرسوم تحفظ الخبرات المباشرة لبحارة البحر المتوسط‘‘. ففي البداية، كانوا يركزون على منطقة البحر المتوسط، وبالرغم من أنها كانت بدائية في البداية، إلا أنها كانت تراجع وتنقح كثيرا حتى تتفوق على خرائط الجغرافيين المهرة. وعادة ما كانت هذه الرسوم تغطى بخطوط متوازية متساوية الميل، أي بخطوط مستقيمة في اتجاه الريح تتقاطع مع وردة البوصلة، وغالبا كما كانت تجمع معا في أطالس تتكون من حوالي عشر لوحات. وبحلول القرن السادس عشر، كانت هناك عدة أسر شهيرة في صناعة هذه الرسوم، وكانت تنتج أعمالا ذات جودة فنية ومظهر جمالي جذاب. وحتى بعد السماح للطبيعة العارضة لما يكمن اعتباره تجاوزا للدقة، كانت هذه الرسوم تصور خطوط السواحل المعروفة بدقة ملحوظة ، وكانت الزخارف المصورة التي تغطي “المناطق المجهولة” تضيف المزيد إلى سحرها. ولكن بينما تراجعت هذه الرموز المبتكرة تدريجيا أمام “المعلومات الجغرافية القوية”، إلا أنه سيكون من الخطأ أن ننظر إلى تاريخها من منظور التطور وحيد الاتجاه، وذلك لأن السلوك المحافظ الموروث كان يحول من وقت لآخر دون تحقيق العرض الكارتوجرافي للمعلومات الجديدة. وعلى سبيل المثال، فإنه بالرغم من أن خريطة العالم التي أعدها “هنريكوس مارتيلوس جرمانوس Henricus Martellus Germanus” كانت بدائية، إلا أنها سجلت رحلة دياس حول رأس الرجاء الصالح؛ وكان رسم “جوان دى لا كوسا Juan de la Cosa” في عام 1500 يصور الاكتشافات الكولومبية وحملة دا جاما إلى الهند. وأظهرت خريطة “نصف الكرة الأرضية البرتغالية Portuguese Cantino Planisphere” في 1502 أحدث المعلومات المتاحة. ومع تقدم المزيد من الاستكشاف التفصيلي على الخطوط الساحلية لأمريكا الشمالية والجنوبية، وفي البحار الجنوبية، وفي الشرق الأقصى، كانت الكارتوجرافيا العملية تسايرها.

وبالإضافة إلى ذلك، واتفاقا مع بدايات عصر الاستكشافات، حدثت إعادة اكتشاف لأعمال بطليموس؛ الذي لا يمكن المبالغة في تأثير كتابه “الجغرافيا”، لأنه أثار اهتماما بحثيا كبيرا بالمشروع الكارتوجرافي. وطوال القرنين التاليين، كانت مهنة صناعة الخرائط تكتسب احتراما فكريا بصورة متزايدة، ليس من أجل طبيعتها الوظيفية الحتمية في عصر الملاحة فحسب، ولكن أيضا من أجل المهارة الرياضية والأدوات الدقيقة التي أصبحت علامة على الإنجازات الكارتوجرافية المحققة. وهكذا فإن الكثيرين من علماء عصر النهضة، مثل ليوناردو دا فنشي وبيتر أبيان، اهتموا بعلم وفن الكارتوجرافيا. ولكن كان هناك آخرون مارسوا الكارتوجرافيا بعقلية أحادية. وكان من أشهر هؤلاء صانع الخرائط البلجيكي “جيرهاردوس ميركاتور”، الذي ولد في فنلندا في 1512. حيث أصبح صانعا ماهرا للأدوات والكرات الأرضية، وطابعا محترفا، ينتج خرائط شديدة الدقة لأوروبا في أربعينيات وخمسينيات القرن السادس عشر. ولكنه وضع علامة بارزة في تاريخ الكارتوجرافيا في 1596. وكانت هذه تتمثل في خريطة العالم التي أنتجها بالمسقط الذي يحمل اسمه. حيث تصور كل الاتجاهات وكل خطوط الرمب Rhumbs بخطوط مستقيمة ـ وهذه حيلة تتضمن تربيع دائرة الكرة الأرضية. فقد حقق “ميركاتور” هدفه بالزيادة المنتظمة للمسافة بين دوائر العرض من خط الاستواء إلى القطبين. وكان هذا بمثابة حالة انحراف علمي لتحقيق أغراض خاصة. واستمر يواصل عمله هذا لربع قرن آخر، وعند وفاته في 1594، كان قد أصدر أول جزأين من أطلسه متعدد المجلدات الذي اكتمل بتوجيه من ابنه رومولد ميركاتور. وبعد ذلك، قام “جوديكوس هونديوس Jodicus Hondius” الذي سيطر على تراث ميركاتور، بطبع العديد من أعماله، وأصدر طبعات من “أطلس ميركاتور” مزودة بخرائط من صناعته هو .

وكان “ابراهام أورتليوس” الصديق والمنافس الكبير لميركاتور، وقد ولد في أنتفيرب Antwerp لأبوين ألمانيين في 1527. حيث بدأ حياته كملون للخرائط ثم أصبح تاجرًا. وكانت خبرته التي لا تمارى، والتي تتجسد في قائمة الكارتوجرافيين المشهورين التي أعدها ويصل طولها إلى 87 اسما، جعلته حساسًا لأوجه القصور في الأطالس المعاصرة، حتى أنتج في 1570 أطلسه الخاص “مسرح العالم Theatrum Orbis Terrarum”. وكان يوصف بأنه “أطلس عصر النهضة”، لأنه كان يجسد “روح البحث الحر الذي كان يميز ذلك العصر”. فقد كان متحررا من كل الآثار المعوقة من الكوزمولوجيا البطليموسية، وكان يقال إنه استهل عصرًا كارتوجرافيًا جديدًا، كانت كل الجهود الذي تبذل فيه تتم من أجل ’’العثور على المعرفة المتعلقة بالأرض من المعلومات الأولية والبحث العلمي، وليس من كتابات الأقدمين‘‘. ومع ذلك، فإن مثل هذه التصورات تؤثر بشدة على الرؤية التقدمية البسيطة لتاريخ الكارتوجرافيا. فالحديث عن الانتقال من الأسطورة إلى الخريطة، ومن العمل ما قبل العلمي إلى العمل العلمي، يعني استخدام هيكل سردي مريح جدًا. ولكن ما نواجهه هنا عبارة عن شئ شديد التعقيد. لأنه عند هذه النقطة، يجد المشروع الكارتوجرافي نفسه متشابكا جدًا مع حركة معرفية ذات مستويات مرتفعة: حيث يجد رسم الخرائط كطريقة للمعرفة، وكوسيلة للإدراك المفاهيمي والبصري على نفس القدر من الأهمية، تفصيلا أكبر. ويحتاج هذا المسار إلى مزيدا من المتابعة.

أطلس “مسرح العالم Theatrum Orbis Terrarum

التأثيرات

مهما كانت صعوبة العرض الدقيق لما يجب أن نعنيه بفكرة عصر “الكشوف” (هل يستطيع إيطالي في القرن الخامس عشر “اكتشاف” الصين؟)، ومهما كانت مرونة تعريفات المصطلحات الجغرافية في أواخر فترة العصور الوسطى (حيث كانت “الهند” لا تعني أكثر من شرق العالم الإسلامي لفترة طويلة)، فإن أثر الكشوف البحرية على كل من أوروبا والأراضي التي اكتشفها الأوروبيون كان عظيمًا. ولنأخذ موضوع الطعام البسيط مثلا. حيث ورد إلى العالم القديم من العالم الجديد البطاطس والفول السوداني، والطماطم والدجاج الرومي والفاصوليا والذرة، وفي المقابل استقبل العالم الجديد القمح والدجاج والخنازير المستأنسة. وتم تبادل أشياء أخرى أقل أهمية: حيث نقل الغزاة الحصبة وانتقل إليهم الزهري. وبالطبع فقد انتشر التبغ كالنار في الهشيم بمجرد أن وصل إلى أوروبا، من أجل خصائصه الطبية المفترضة على الأقل. ولكن الأثر الآسيوي كان كميا بصورة أوضح. فقد كانت أوروبا أسيرة ما يسميه “برودال” “طقوس التوابل” لقرون، وكانت التوابل تنساب من الشرق عن طريق البر والبحر المتوسط، ولكن الكميات تزايدت بصورة سريعة بعد أن كسر البرتغاليون احتكار المصريين والبندقيين الصارم لهذه التجارة. وأصبحت لشبونة مركزا كبيرا بسرعة ـ لفترة بعد رحلة دا جاما على الأقل ـ لتوزيع التوابل على كل شمال غرب أوروبا؛ وبحلول 1503، كان سعر التوابل في لشبونة تعادل خمس سعره فقط في البندقية. وبالرغم من أن هذه الأشياء لم تكن تستهلك على نطاق واسع قبل القرن السابع عشر، جاء البن إلى أوروبا من شبه الجزيرة العربية، وجاء الشاي من الصين، وجاءت الشيكولاتة من المكسيك. وعلى الطرف الآخر من الطيف الاجتماعي، كان الأرز يشحن من مصر من آن لآخر لإطعام الفقراء في فرنسا.

ومع ذلك، أدت “الكشوف” الجغرافية إلى ما هو أكثر من مجرد استكمال الطعام التقليدي والزراعة، أو إشباع رغبات الباحثين عن الحرير المولعين بالأزياء، أو توسعة مخازن الصيدلة؛ حيث أدت إلى مشاكل اقتصادية وإدارية تتعلق بنظام جديد تماما يحتاج إلى إجراءات عاجلة. وبالطبع كانت ردود أفعال القوى الأوروبية مختلفة في الأماكن المختلفة. وبينما يحتاج الوجود البرتغالي في الهند، ثم الوجود الهولندي في الهند الشرقية، إلى الدراسة المتأنية، نجد أن كلمات قليلة عن ثروات الأسبان في العالم الجديد يجب أن تكفي لتوضيح أساليب إدارة إمبراطورية بحرية في القرن السادس عشر. وكانت الانعكاسات الواضحة ملموسة في “أسبانيا الجديدة” وفي أسبانيا الأم ذاتها. حيث أقام الأسبان، في صورة الغزاة، مجالا دائما في أمريكا “الأسبانية” بصعوبة قليلة جدا. وتخلصوا بسرعة وكفاءة كبيرة من الزعماء والرهبان، وساروا على خطاهم الدكتاتورية. وبالتالي فازوا بسهولة بالطاعة المطلقة للشعوب التي عاشت طويلا على طرق الاستعباد. ولكن الأسبان لم يتركوا الثقافة التي استولوا عليها بلا تغيير. فمع تدفق المهاجرين الجدد، “تطور هناك إلى جانب الاقتصاد الهندي القائم على الزراعة المجتمعية”، كما يقول باري، “اقتصاد اسباني متميز جديد، كانت مهنته الأساسية والأكثر ربحية تتمثل في رعي الماشية واستخراج الفضة”(38).  وفي الحقيقة، فإن النجاح السريع في مراعي الماشية هو الذي أدى إلى توافر رأس المال لمشروعات التعدين على نطاق واسع، والتي أدت بدورها إلى توليد الطلب على العمالة اليدوية المحلية. ولم يكن الحصول على هذه العمالة أمرا سهلا، إذ كان يجب إجبار الهنود المحليين على العمل. وكانت ظروف العمل في معسكرات التعدين هذه قاسية؛ حيث كانت مزدحمة عادة، وكانت العدوى منتشرة، وكان المرض ينتشر سريعا في السكان المحليين، مما أدى إلى انخفاض أعداد السكان كثيرا في وسط المكسيك طوال القرن ـ من أحد عشر مليون نسمة إلى مليونين ونصف المليون فقط حسب بعض التقديرات. أما بالنسبة للإدارة، فكانت كل ولاية في أيدي الحاكم شبه المستقل، وكان يعتبر شبه مستقل لأنه بينما كان يتمتع بمكانة نائب الملك، كان يخضع دائما أيضا للأحكام التي كان يصدرها الملوك الأسبان الذين كانوا لا يثقون في إدارييهم في الخارج. وكانت أسبانيا تفضل سياسة المركزية القوية، والنظام البيروقراطي الذي يتمتع فيه المشرعون بالمكانة الفخرية.

وبحلول 1550، كانت هذه الإمبراطورية البحرية التي كانت تشمل كل العالم الجديد باستثناء ساحل البرازيل، تحقق مكانة دولية عظيمة لأسبانيا. ومع ذلك، فإن استثمارات العالم الجديد كانت قد بدأت في توليد العائد بحلول ذلك التاريخ فقط، حيث بدأ الذهب والفضة خاصة في التدفق من المناجم التي وراء الأطلسي. ويقدر أوسوليفان أن العوائد الأمريكية كانت تساهم بحوالي ما بين خمس إلى ربع إجمالي العوائد بنهاية حكم فيليب الثاني. وكما كان الحال مع البرتغال، كانت الآثار طويلة الأجل سلبية. إذ أن الاقتصاد الأسباني كان غير قادر على تكوين رأس المال اعتمادا على الثروات الظاهرة حديثا، وتدهور تدريجيا إلى اقتصاد “ريعي”، يشتري من الخارج ما يفشل في تصنيعه محليا”(39).  ولا شك في أن المعرفة الجغرافية الجديدة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر حققت أكثر من مجرد التجارة الغريبة، والاحتياطيات الجديدة من المعادن النفيسة، والابتكار البيروقراطي لأوروبا الغربية؛ حيث جلبت تحديا “فكريا” غير مسبوق للوعي القانع في العالم القديم. وتأكيدا لذلك، فإن هذا الأثر النفسي يمكن المبالغة فيه بسهولة أيضا. وكانت نسبة بسيطة فقط من الكتب المنشورة في تلك الفترة تركز على العوالم الآسيوية أو الأمريكية المكتشفة حديثا. وسيكون من السذاجة أن نعتبر أن رحلات الاستكشاف بمثابة مقدمة “الثورة العلمية” بأي معنى بسيط. وذلك لأنه كانت هناك دائما فجوة هائلة بين إنجازات البحارة والتقدم العلمي في الرياضيات والفلك. وتأكيدا لذلك، فإنه بالإضافة إلى هذا نجد أن العلوم الحديثة المبكرة انتعشت بصورة أكبر في إنجلترا وهولندا، وهما بلدان لا يرتبطان بالكشوف الجغرافية بصورة خاصة. ومع ذلك، فإن الاعتراف بتفوق التجربة على النصوص التقليدية ـ أي العودة إلى الفكرة التي بدأ بها هذا الفصل ـ يجسد مبدأ منهجيا ضروريا للمشروع العلمي الجديد.

ولا شك في أنه حدث اهتمام ديني كبير باكتشاف الشعوب الغريبة في البداية طبعا. حيث ظهرت تساؤلات مثل: من أين جاءوا، وكيف يتسق وجودهم مع التسلسل التاريخي المركب للخلق؟ وسريعا ما أدت مثل هذه المشاكل إلى إحياء هرطقة قديمة ـ أي الوجود قبل آدم، والاعتقاد بأنه كان هناك بشر قبل آدم (40) وكان البعض يتساءل عما إذا كانوا قد نجوا من طوفان نوح؛ وكيف هاجروا من مركز الخلق في العالم القديم؛ وكان البعض الآخر يتساءل عن وضعهم اللاهوتي بالنسبة للخلاص المسيحي ـ وهل كانوا بشرا، وهل لديهم أرواح، وهل يحتاجون إلى اعتناق الدين؟ وكانت هناك إجابات عديدة. ففي بعض الحالات، كان يتم تنصير السكان المحليين قسرا، مع طمس ديانتهم. وفي حالات أخرى كان الكهنة “الوثنيون” يحصلون على ألقاب كنسية يبدو أنها كانت ترضي الغزاة والسكان المحليين على السواء. ففي أسبانيا الجديدة مثلا، كانت الطقوس الكهنوتية التي تطورت ـ والتي كانت الأكثر وضوحا من أي شىء آخر محلي ـ “محاولة لتلبية تطلع الهنود إلى حياة الطقوس القديمة التي افتقدوها إلى حد بعيد‘‘(41). إذ أن طقس الأم الأرض طغى عليه طقس العذراء، وأضفيت القدسية على طقوس الخصوبة المحلية بفرض مفردات مسيحية معدلة بصورة مناسبة. ومهما كانت الإستراتيجيات التي اتبعت، إلا أن مجرد وجود عادات قبلية “غريبة” كان يثير خيالات مثيرة. فمن ذا الذي لم يكن يتأثر بقصص درجات المعابد المضرجة بالدماء البشرية، عندما كان الكهنة الوثنيون يقومون بأداء الطقوس البشعة وانتزاع الآلاف من قلوب أسرى الحرب يدويا، وكل ذلك من أجل عبادة آلهة الأزتك. وهكذا فإن تصويرهم خلق جغرافيا خيالية لأمريكا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بنفس قوة أساطير “المحيط الهادئ” و”الشرق” و”أفريقيا المظلمة” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وظهر مع هذا الافتتان شعور بالقلق. إذ أن مجرد حقيقة وجود هذا العالم “الجديد” أصبحت موضوعا لما أطلق عليه باجدن “القلق الميتافيزيقي”. لأنه إذا كان “العالم الجديد” تسبب كما سنرى الآن في فرض تحديات أمام فهم “الطبيعة”، فإنه بلا شك سيعقد المفاهيم المعيارية “للطبيعة البشرية”. فقد كان اكتشاف أمريكا حدثا أخلاقيا، كما كان حدثا اقتصاديا أو علميا.

وكان رد الفعل على الطقوس الدينية للأزتك، بالإضافة إلى الدهشة من تقدم النظام القانوني الذي لا يدين بأي شىء إلى النظم التقليدية، يمثل عرضا لصدمة إدراكية على نفس المستوى من القوة أثرت على المفكرين الذين شعروا بأن حقبة جديدة في تاريخ العالم كانت تبدأ أمام أعينهم(43). وكان واضحا منذ البداية أن العلوم القديمة ناقصة؛ بل وغير دقيقة. إذ أن مجرد وجود أمريكا كشف أخطاء جغرافية بطليموس؛ وأظهرت أنواعها الجديدة قصور تصنيفات أرسطو. وفي الأجل الطويل، كانت هذه المواجهة تغير فئات عرض التاريخ الطبيعي. ولننظر مثلا إلى أحد الأعمال المعرفية الموسوعية المعيارية التي تصنف أنواع التاريخ الطبيعي التي وضعت خلال منتصف القرن السادس عشر، وهو عمل كونراد فون جسنر Konrad von Gesner “تاريخ الحيوان Historia Animalium”، الذي وصل إلى أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة صفحة، وشمل المنحوت الخشبي الشهير لوحيد القرن ـ الذي شحن من أسيا إلى لشبونة ـ الذي أعده “ألبريشت دورر Albrecht Dürer”.

منحوت خشبي لوحيد القرن

ومع ذلك، فقد أدت رحلات الاستكشاف إلى بداية مرحلة تاريخية لا يمكن الرجوع عنها ولا يمكن إيقافها. وترتب على ذلك علمنة الثقافة العلمية، لأنه تم التخلي عن اللاتينية لغة الكهنوت لصالح البرتغالية، من أجل جعل التاريخ الطبيعي للعالم الجديد والأمجاد البحرية البطولية متاحة لجمهور أوسع. وكذلك كان الدارسون، أمثال “جواو دى كاسترو”، يتطلعون لنشر المعرفة العملية بين البحارة غير المتعلمين، مما أثار مسألة تبسيط العلوم للعامة. حيث أدركوا سريعا أن الكتابة بالأسبانية بالإضافة إلى البرتغالية ستساهم في تحقيق هذا الهدف. ولكن فوق كل هذا كان هناك شعور بأن الاكتشافات الحديثة كانت تتفوق حتى على أمجاد العالم القديم. وعلى سبيل المثال، يؤكد المؤرخ الفرنسي “لوي لو روي” في 1579 أنه لو عاد بطليموس إلى الحياة لوقف في خشوع أمام التقدم الحديث في الجغرافيا والفلك، وهما المجالان اللذان رعاهما بنفسه. وفي الواقع، كان رفيقه البروتستانتي الهوجونوتي الفرنسي “لانسيلو فوازون دي لابوبلينيه Lancelot Voison de la Popelinière ، يدعي بنهاية القرن السادس عشر أن العالم الجغرافي الجديد يجب أن يظهر حتما في العالم العلمي الجديد. ولم يكن بمفرده في هذا الموقف. فعند العودة إلى الوراء من منظور القرن السابع عشر، كان المعلقون يستطيعون تذكر الأهمية الفكرية لعصر الكشوف. لأن شخصية شهيرة مثل “فرانسيس بيكون” قال في عمله الشهير “الأورجانون الجديد Novum Organum” الذي ظهر لأول مرة في 1620:

“لقد أدى توقير الأشياء القديمة، وسلطة الأشخاص الذين كانوا يعتبرون عظماء في الفلسفة، والإجماع العام، إلى تعطيل الناس عن التقدم في العلوم، وغالبا ما كان ذلك يأسرهم … ويجب أيضا أن نأخذ في اعتبارنا أن العديد من الأشياء التي في الطبيعة، والتي تصلح لإلقاء الضوء على الفلسفة، قد أصبحت مكشوفة لنا، حيث تم اكتشافها من خلال الرحلات والأسفار الطويلة، التي كثرت في أيامنا. وفي الواقع، سيكون من المؤسف للبشرية إذا كانت أقاليم الأرض المادية والأرض والبحر والنجوم يجب أن تكون ظاهرة وواضحة بصورة استثنائية في عصرنا هذا، في حين أن حدود العالم الفكري يجب أن تكون قاصرة على الاكتشافات الضيقة للقدماء فقط”.

وهناك آخرون يوافقون على ذلك. ففي 1633 مثلا، عندما ألف “ويليام واتس” ملحقا من أجل كتاب “الرحلة الغريبة والخطيرة للقبطان توماس جيمس، في اكتشافه للممر الشمالي الغربي المؤدي إلى البحار الجنوبية”، انتهز الفرصة للدفاع عن قضيته في مواجهة الحكمة الدراسية التقليدية. وعلى سبيل المثال، لم يكن لديه أدني شك في أن “القراءة المتأنية “لكتب رحلاتنا” ستزيد وضوح “تاريخ الطبيعة”، وإلى المزيد من تطوير “الفلسفة”، بدرجة أكبر من أي شىء آخر يمكن التفكير فيه مؤخرا”. ولم يعد الفكر الأرسطي’’مثل الممر الملكي … يحمل الإنسان إلى جميع أنحاء العالم‘‘.

وقد أدت الأحكام التي من هذا النوع تحديدا إلى قيام بعض مؤرخي العلوم مؤخرا بادعاء أن الأصول الحقيقية للعلوم الحديثة ترجع إلى قوى الكشوف الجغرافية. وكان التركيز منصبا على التجربة البرتغالية والإنسانية البندقية، من بين هذه الأعمال.

وفيما يتعلق بالبرتغال، كانت الأهمية القصوى ترتبط بتشجيعها للعلوم الملاحية والتطبيقات الرياضية. فمن خلال أعمال صانع الخرائط والأدوات اليهودي مستر جاكوم، انتقل تراث “الكارتوجرافيا الميورقية (مايوركا) Majorcan” وصناعة الأدوات والعلوم الملاحية إلى الغرب. وبعد ذلك، وفي أعقاب المذابح المنظمة العنيفة التي اجتاحت أسبانيا في أوائل تسعينيات القرن الرابع عشر، أصبحت البرتغال ملاذا للاجئي مايوركا اليهود الذين جلبوا معهم مهاراتهم الكارتوجرافية. وهكذا فإنه عندما أراد الملك جواو الثاني إحياء التراث العلمي المبكر للأمة في أواخر القرن الخامس عشر، تحول إلى أبراهام زاكوتو Abraham Zacuto وجوزيف فيزينهو Joseph Vizinho  ـ وهما يهوديان خبيران بالعلوم الملاحية ـ لحل مشكلة تحديد خطوط العرض في البحر. وبالإضافة إلى هذه التطورات الرياضية، كانت هناك إنجازات علمية أخرى، كانت سببا ونتيجة لمغامرات الاستكشاف البرتغالية. حيث قدم كل من فرانسيسكو فاليرو (1480 ـ 1540)، وجارثيا دا أورتا (1498 ـ 1568)، وبيدرو نونس (1502 ـ 1578)، إسهامات في الملاحة والطب والكارتوجرافيا. وقد استخدمت هذه الإنجازات مؤخرا لتأكيد الادعاء بأن هذا النمط اليهودي الخاص من العلوم التي ظهرت في البرتغال في القرن السادس عشر، هو الذي مهد الطريق للعلوم الإنجليزية في تلك الفترة، وكان بمثابة “المحرك الدافع إلى ظهور العلوم الحديثة في أوروبا الغربية”. بل إن كولومبس ذاته صرح بأن وظائف الكوزموجرافيا والكارتوجرافيا والفلك كانت وظائف يهودية أساسا.

بيت الجغرافيا

2020-02-05T01:31:36+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا