تأريخ علم الجغرافيا

تأريخ علم الجغرافيا

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الأول من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

في مارس 1974 نشرت مجلة “ساينس Science” الأسبوعية المرموقة مقالا مؤثرا كتبه المؤرخ والفيزيائي البارز ستيفين بروش Stephen Brush حمل عنوان “هل من ضرورة لفرض رقابة X-Rated على تأريخ العلم ؟”. كانت الفرضية الأساسية في حجته – على نحو ما لخصها بروش في العنوان الفرعي الساخر الذي وضعه للمقال –  في أن “الطريقة التي يتصرف بها العلماء (طبقا للمؤرخين) ربما لا تكون نموذجا يحتذى للطلاب”.

ستيفين بروش Stephen Brush

كان مقصد بروش ببساطة يكمن في لفت انتباه القراء إلى الطرق الجديدة التي رويت بها قصة العلم على يد مؤرخيها المحدثين، ذلك لأن مجمل صورة العلم قد شهدت ثورة بعد أن وضع المؤرخون أيديهم على عناصر ذاتية ـ ومن ثم “غير علمية” في نظر البعض ـ تمس قلب المشروع العلمي. وفي نفس الوقت استخف مؤرخو العلم بفكرة أن تجميع المعلومات، والملاحظة التجريبية، وتنقيح النظرية، هي الأحجار الصلبة التي يمكن أن يُنحَت منها العلم الرصين. ولنأخذ مثال حالة الاحتفاء بعالم الفلك كوبيرنيكوس. فمن خلال تنقيبهم بين رماد ثورة كوبيرنيكوس، أوضح المؤرخون أن ملاحظاته التجريبية حول دوران الأرض حول الشمس لم تكن في حقيقتها أفضل مما تم التوصل إليه سابقا في نموذج مركزية الأرض. لكن أسس علم الفلك الحديث، من المفترض، جاءت من انصراف كوبيرنيكوس عن نظام بطلميوس البالي لصالح نظام جديد يتمتع بالبساطة، ناهيك عن اتساع أفق وخصوبة إطاره النظري.

ولعل إعادة بناء تاريخ العلم على نحو ما وصل المؤرخون حيال ثورة كوبيرنيكوس ليست حدثا منعزلا. فالنظرية التقليدية الكسولة التي ترى العلم يسعى بشكل حيادي وموضوعي نحو المعرفة عبر طرق التحليل التجريبي والصرامة المنطقية قد تعرضت لتفكيك بُعدها الأسطوري الذي أحاط بأساطين كبار من العلماء من أمثال جاليليو وكبلر ونيوتن ودالتون وداروين ومِندل وأينشتاين. وهناك بعض من الحيرة من قبل العلماء الممارسين اليوم ممن يتشككون في مثل هذا العمل التاريخي. فإعادة بناء تاريخ العلم يقوض جهودهم التي يغرسون من خلالها في نفوس طلابهم مبادئ راسخة حول ضرورة اتباع “الإجراءات الأصيلة”، وهي النصيحة التي أهملها “أساطين” العلم السابق الإشارة إليهم. وهل كان هناك ما يدعو إلى الدهشة أن يقترح أحد فلاسفة العلم (على نحو ما فعل بروش في مقالته) أنه من أجل تاريخ تخيلي للعلم فلابد من توضيح مدى وجود ملاءمة منهجية في هذا التاريخ؟ وفي ذلك يذهب بروش ساخرا في ختام مقالته بالقول:

“أدعو المعلمين الراغبين في تلقين طلابهم الدور التقليدي للعلماء كباحثين محايدين عن الحقيقة ألا يستخدموا المواد التاريخية من النوع الذي يعده الآن مؤرخو العلوم، ذلك لأنهم لن يحققوا هدفهم بهذه الطريقة… فسيجد هؤلاء المعلمون أنهم إن أرادوا مواجهة نصوص الكتب الأصولية ذات الطبيعة الصارمة غير النقدية ويقدموا في المقابل قدرا من الفهم الأفضل للعلم كنشاط إنساني لا يمكن فصله عن الاعتبارات الميتافيزيقية والجمالية فعليهم أن يجدوا ضالتهم إذن في التاريخ الجديد للعلم”.

فعلى سبيل المثال ما الدور الذي لعبته الجغرافيا في المجتمع قديما؟ وهل استخدم هذا الدور لأغراض سياسية أو دينية أو اقتصادية من قبل مجموعات بشرية بعينها؟ ومن الذي استفاد من النظريات الجغرافية الحديثة ومن تخلف عن الطريق؟ وسنحاول قطعا عبر هذا الكتاب التأكيد على النظريات التي تطورت، والتعريف بمن لهم فضل تطويرها، لكننا سنتوقف قليلا لنسأل “لماذا “نشأت هذه النظريات؟ ولماذا تم الترحيب بها؟ أو لماذا  أبُطلت وانصرف الناس عنها في أحيان أخرى؟ فمن المعلوم أنه لن يتحقق قبول أية نظرية علمية أو رفضها بدون فعل مشترك تضطلع به مجموعة اجتماعية، وفي ظل ملابسات ثقافية بعينها.

ولن نغفل في كتابنا هذا الممارسة العملية للجغرافيا، والتي نعني بها تحويل ما يضمره الفكر إلى أرض الواقع. وغالبا ما تأتي الترجمة العملية للنظرية غافلة عن المحتوى الأصيل للفكرة. وفي حقيقة الأمر فإن الصفة “التطبيقية” لكثير من الجغرافيا ـ سواء في المشروعات الإمبريالية أو البرامج التخطيطية ـ تجعل منها مرشحا بارزا لاستنباط العلاقات القائمة بين كل من البنى السياسية والألغاز الفكرية والقوى الاجتماعية والمشكلات النظرية.

ودعوني في ذلك أؤكد منذ البداية على أن هذا الكتاب لا يقدم بأي حال “كل التاريخ” الجغرافي أو حتى “تاريخ الجغرافيا”،  بل إن ما أحاول تقديمه هنا ليس سوى تحديد للفصول الرئيسة في تاريخ الجغرافيا منذ عام 1400 م على نحو التقريب، آملا في الكشف عن بعض إجابات لقضايا تتعلق بالأفق المفاهيمي للعلم. وبدون شك قد لا يتفق القراء مع الطريقة التي اتبعتها هنا لرسم معالم قصة الجغرافيا. فإعادة البناء الفكري للجغرافيا ليس عملا هينا يقوم به المرء مرة واحدة ثم ينفض منه يديه. وللنقاد الحق والحرية في سرد قصة الجغرافيا بالطرق التي تروق لهم.

ومع هذا آمل أن يتم تقدير صعوبة المهمة التي تصديت لها، ولعل أهمية هذه المهمة تكمن في مقاصدها البعيدة. ومن الناحية العملية، سيمضي بنا هذا المقصد إلى قراءة أكثر واقعية للوحة المعرفة الجغرافية، باعتبارها منتجا ثقافيا ومصدرا سياسيا، دون افتراض مفتعل بأن المعرفة العلمية فريدة واستثنائية في قوتها. فمن الناحية المفاهيمية، سيحول ذلك بيننا وبين الشعور بأنه من غير الملائم التفكير بشأن بحث علمي بالطريقة نفسها التي نفكر بها بشأن أشكال الأنشطة البشرية الأخرى. ويعلمنا التاريخ ضرورة أن نتحلى بالتواضع بشأن زعم امتلاك المعرفة. بل إننا بإظهار أن طبيعة الجغرافيا دوما ما كانت مثار نقاش وجدال وتفاوض سنتمكن ـ بوعي تاريخي ـ من الإبقاء على القضية مفتوحة للنقاش والحوار.

ومن الناحية العملية أيضا، يحسن بنا أن نتجاوز استعراض الأحداث الماضية. ولأن المستقبل وثيق الصلة بالماضي، فقد ذهب التقرير الذي أعده الكونجرس الأمريكي بعنوان “تقرير مجموعة العمل عن السياسة العلمية للجنة العلوم والتكنولوجيا” في ديسمبر 1984 إلى أن ” مقترحات المبادرات الجديدة، أو التوجهات الحديثة، أو التأكيدات العلمية المستحدثة، الساعية لأن تدرج ضمن السياسات العلمية المستقبلية ستكون أكثر فاعلية وأكثر قدرة على النجاح إذا ما وضعت نفسها في مواجه الخلفيات التي تتضمن فهما للعوامل والقوى التي شكلت مسار سياسات الماضي. وكي يتحقق ذلك اقترحت مجموعة عمل الكونجرس دراسة تاريخ العلم والسياسات العلمية في الولايات المتحدة.  وحتى لو تركت روح الانتصار بهذا النهج قدرا من المهام المرغوب فيها، فإن ميزة استيعاب دروس الماضي لا يمكن التفريط فيها، هذا إذا ما افترضنا أن المرء سيمتلك حكمة تدبر ذلك بعد انقضاء الأحداث.

رواة القصة

القصص عبارة عن سرديات يرويها الناس، عن الناس، ومن أجل الناس. وليست قصة الجغرافيا بدعا من القصص. فالكتب الأصولية ذات الطبيعة المسحية العامة كتبها جغرافيون، عن الجغرافيين، من أجل أن يطلع عليها جغرافيون آخرون. ومن ثم فإن هذا النوع من التواريخ الجغرافية هو أقرب إلى مراجعة داخلية (داخل بيت الجغرافيا) لتتبع خطوات تطور المعرفة في هذا العلم. وفي معظم الحالات فإن المحفز الأساسي من وراء كتابة القصة الجغرافية هو إمداد الطلاب بالمشاهد التاريخية التي من خلالها يمكنهم تحقيق رؤية أفضل للحالة الراهنة للشأن الجغرافي. وبعبارة أخرى، فإنه لا يتم التفكير في الماضي إلا من خلال مفاهيم الحاضر الراهن. والنتيجة المرجوة من وراء ذلك أن التاريخ يكتب بالعكس، أي انطلاقا من الحاضر للماضي، وهذا هو ما يفضل المؤرخون الإشارة إليه باسم التاريخ التحرري الـ” ويجي Whiggish” أو “الحاضري Presentist”.

ولا يمكن قطعا تجنب عناصر مذهب الحاضرية Presentism. فمؤرخو الجغرافيا يعيشون في الحاضر، وكذلك من يقرءون أعمالهم. وليس هناك غرض لادعاء شئ مخالف. ومن البدهي أن الجغرافيين يواجهون ـ خلال سعيهم لتوثيق الماضي ـ استفهامات وافتراضات تحاصر عقولهم. فالمهمة التاريخية متضمنة في الإبداع التاريخي، والمؤرخون لا محالة منخرطون في المفاضلة بين ما هو متاح من مصادر يقدّرون أهميتها في ضوء مشكلات الفحص والتمحيص. ولم يكن لدى مؤرخي الجغرافيا في أي وقت إطلاع على كافة الحقائق معا، وحتى تلك الحقائق التي كان لديهم إمكانية الوصول إليها فقد تعاملوا معها بانتقائية لخدمة أغراضهم في البحث التاريخي ولم يتم تغطيتها بشكل كامل. وعلى هذا النحو، فليست هناك جثة للتاريخ في المشرحة. فالحقائق إذن “لا تتحدث عن نفسها” ببساطة، وعلى المؤرخين أن يضبطوا أداءهم على مسرح الأحداث الراهنة.

صحيح أنه لا مفر من آفة الانتقائية في تحليل النصوص التاريخية، لكن استخدام وتوظيف هذا الانتقاء قضية مختلفة من مؤرخ لآخر. فالشياطين الكبرى في الحاضر العفوي تطل برأسها حين يسعى أنصار أطروحات معينة إلى العثور على تسويغ ذاتي لدى أبطال الماضي، حينها فإنهم يعطون أفضلية لبعض أجزاء من القصة رغم أنها لا تتمتع بتقدير معاصر، ومن ثم يفرضون نظاما ملفقا برمته على الماضي معتبرين اياه “إرهاصات” للمعتقدات التقليدية الراهنة. ويلخص جورج ستوكنج George Stocking هذه المزالق بشكل أوضح في تعليقه الذي يقول فيه:

“مع تزايد انخراط الموالين لأطروحات تاريخية بعينها، وجهود مؤرخي الجغرافيا، قد يحاول الباحث في تاريخ الجغرافيا إضفاء شرعية على وجهة نظر راهنة بمنحها افتراضا مفاده أنها “قاعدة مؤسِسة” للتخصص العلمي، ومن خلال عملية تمشيط  يُبحث فيها عن الويجيين whigs (التحررين)  والتوريينTories  (المحافظين) في زوايا وشقوق كل قرن من قرون التاريخ. وحتما سنجد خطايا التاريخ المكتوب “سعيا وراء الحاضر” تطل برأسها عبر مفاهيم ومسميات على شاكلة “المفارقة التاريخية anachronism”، والتشويه، والقياس المضلل، وإغفال السياق، والتبسيط المخل.

وبوضع هذه الخطايا المميتة في الاعتبار، قدم “آى Aay” مؤخرا تحليلا لـ “السجلات التاريخية” والتي غالبا ما تضمها القائمة الرئيسية لمقررات تاريخ الجغرافيا. وبعد جهد في التخلص من هذه الخطايا تحلى “آى” بمهارة المثابرة الطويلة، مقدما كشفا دقيقا، ليس بوسعي تقديم مناظر له، في تتبع الخطوط العريضة للعمل النقدي الذي طرحه، مكملا الصورة التي كنت قد بدأتها في مسح بحثي سابق.

وهذا المسح الصغير في حجمه الذي أقدمه في هذا الكتاب ـ دعوني أؤكد ـ  لا يسعى إلى التربص بمواطن ضعف الماضي. بل على خلاف ذلك، فإن غرضي هنا هو الذهاب إلى أن الافتراضات المسبقة المحملة بتاريخ “أسماء عظيمة” ومرصعة أيضا بخطوات التقدم من الماضي الظلامي إلى الحاضر المبهر ـ وهي النتيجة التي نصل إليها عبر كثير من كتابات تاريخ الجغرافيا ـ تحتاج إلى مراجعة وتمحيص في ضوء الأعمال الحديثة عن تاريخ العلم.

وخلال سعيهم لتحقيق تماسك مفاهيمي واستمرار سردي، كثيرا ما يستخدم مؤرخو الجغرافيا تعريفهم الخاص لمحتوى الجغرافيا فيجعلون منها عدسة لفحص وإعادة تفسير الماضي. ويصبح تعريف العلم الجغرافي بناء على ذلك نوعا من معايير التمييز بين شخصيات الأبطال وشخصيات على هامش تاريخ البحث الجغرافي، ويصبح أيضا نوعا من أنواع الفصل في النزاعات الحديثة المتعلقة بالمناهج، ونوعا من معايير اختيار أبطال الأدوار الرئيسة في دراما تاريخ الجغرافيا.

ففي دراسة روبرت ديكنسون Dickinson التي تحمل عنوان “صُـنًاع الجغرافيا الحديثة” (1969) كانت الفكرة المهيمنة تكمن في “الإقليم”. وعلى هذا فليس من المستغرب أن تأتي مناقشات ديكنسون لأعمال ألكسندر فون همبولت وكارل ريتر ـ وهما الأبوان المؤسسان للجغرافيا الحديثة ـ قاصرة على إسهاماتهما حول مفهوم الإقليم. ويقول ديكنسون ـ بثقة وسداد رأي ـ عن همبولت وريتر إن “كليهما ينظر إلى فكرة الإقليم باعتبارها قلب الجغرافيا”. كما أنه ليس من المستغرب أن شخصيات الجغرافيا في الماضي تم استدعاؤها إلى قاعة محكمة التاريخ لتدلي بشهادتها لحسم النزاعات المنهجية التي أثيرت في زمن ديكنسون.

ويخلص ديكنسون إلى أن تاريخ الموضوع محل الاهتمام يكشف عن أن “أساس العمل الجغرافي يضرب بجذوره في الارتباطات المكانية للظاهرة على سطح الأرض، وليس في الارتباط الحصري  للعلاقات بين الإنسان والأرض في المفهوم التقليدي للعلاقات البيئية. فالجغرافيا في المقام الأول هي العلم الإقليمي أو الكورولوجي chorology لسطح الأرض”. وليس هذا القول قابلا للتصديق. وليست هنالك حالة أوضح مما ذهب إليه ديكنسون للتدليل على استخدام تاريخ التخصص العلمي لتسويغ التحيزات المسبقة للمؤرخ.

وحتى إذا تجاوزنا على سبيل الاحتراز هذا الطعن، فسنجد أن ديكنسون أتبع مخططه المبدئي عن صُنّاع الجغرافيا بعمل آخر أكثر تركيزا، يحمل عنوان “المفهوم الإقليمي” والذي قدمه عام 1976. في ذلك الكتاب يؤكد ديكنسون بشكل قاطع على أن “الجغرافي الحق هو الجغرافي الإقليمي” وهو تقرير تصنيفي يفتح الباب بلا شك أمام عاصفة من الاعتراض، لكنه يُبقي الدرس المستخلص من أحد جهود التقييم التاريخي للجغرافيا. ولعل هذه الخلاصات التي توصل إليها ديكنسون جاءت من سمات واجراءات ومنجزات صُـنًاع الجغرافيا الحديثة في كل من غرب أوربا وأمريكا بشكل تام.

ويتشابه مع ما سبق، وإن كان بنغمة أقل حدة، أعمال مختلفة. ففي العمل الذي قدمه بريستون جيمس في 1972، والذي يحمل عنوان “كل العوالم الممكنة All possible worlds“. تم تقديم مفهوم المكان المأهول “Occupied space” ليبسط ويبتلع ويوّحد ظاهريا ماضي الجغرافيا، على نحو ما يلاحظ “آى”. وقد أكد جيمس في الواقع على أن “الفضاء المأهول على وجه الأرض قد قدم المادة الموضوعية التي تعتني بها القضايا الجغرافية(8)“. وهناك تدريبات مفاهيمية موازية يمكن فحصها في تلك الأعمال ذات السرد التاريخي على غرار ما قدم فارنتس و وولف Warntz & Wolff تحت عنوان “اكتشافات معرفية جديدة في الجغرافيا Breakthroughs in Geography   والعمل الذي قدمه ديكنسون وهوارث Dickinson & Howarth  تحت عنوان “صناعة الجغرافيا The Making of Geography” والجهود المشتركة التي قدمها كل من فيشر وكامبل وميللر Fischer, Campbell and Miller  حول “مسألة المكان The Question of Place“.

ولسنا في حاجة لسرد نقاط الضعف التاريخي التي ضمتها تلك الأعمال. ومن ثم يكفي أن نعطي مثالا أخيرا لاتباع المنهج الحاضري في المسح المختصر الذي قدمته مارجريتا بون Bowen عن “المعرفة الجغرافية.. من بيكون إلى  همبولت” والذي نشرته في 1981.

فرغم ما احتوته دراستها من اطلاع واسع، إلا أنها لم تصمد أمام إغواء استغلال رؤيتها الإيكولوجية في الجغرافيا لإعادة إحياء المنهج الذي قدمه همبولت في أوائل القرن 19. لقد وجدت مارجريت بون في النظرة الكلية التي اعتنقها همبولت عن الطبيعة بحيادها الرومانسي والمضاد للوضعية ممرا جيدا لتمرير أفكارها العلمية هروبا من الأساليب الرياضية الجافة لتلك الفروع المعرفية القائمة على المعالجة الكمية. وعلى هذا فليس بمستغرب أن تخلص بون إلى أن “مهمة الجغرافيا” كما هي في كل العلوم، تكمن في الاستخدام الأكثر فعالية للتراث القديم استجابة لقضايا الحاضر.

وفي واقع الأمر تسبب ذلك النهج الذي اتبعته بون في تقويض الوحدة التاريخية للعمل الذي قدمته وهو ما كان سببا في توجيه نقد لاذع من قِبل روي بورتر Porter مؤرخ العلوم الذي قام بمراجعة كتابها. فقد ذهب بورتر إلى القول بأن “مناقشات بون التاريخية يهيمن عليها هاجس إصلاحي، على غرار الطرق العتيقة الكبرى لتأريخ العلوم المعروفة باسم المنهج الويجي. فقد وجد جغرافيو الماضي أنفسهم مسحوبين إلى معسكرات الفلسفة الحديثة، ويتم التحليل عبر دراسة “الأسلاف” و”الأصداء” بحيث “تتقدم” الجغرافيا و”تتراجع” بناء على النظام الفلسفي الحاكم لها.

ويجسد المنهج “الويجي” المتدفق عبر هذه العروق عددا من الممارسات التي تعمل على الإبقاء على الماضي أسيرا للحاضر. وعلى نحو ما يؤكد تعليق بورتر المشار إله سلفا فإن البحث عن الأسلاف ليس له أهمية سوى في كونه نهبا مستمرا لوثائق التاريخ خلال عمليات اقتناص ما يسمى “توقعات” و”هواجس” و”إرهاصات” الحكمة الحالية. وفي أفضل الأحوال فإن طريقة البحث “الويجي” تشوه أهمية ما قام به الممارسون السابقون. وفي أسوأ الأحوال يصبح هذا النهج بمثابة وسيلة لإصلاح الأحكام المسبقة لدى المرء حول الأسماء الأكثر كارزمية، وذلك تحت قناع التفسير التاريخي البريء . ويصبح التاريخ بناء على ذلك سلسلة من الخداع.

فلو أن التعريف الخاص الذي يقدمه المؤرخ للجغرافيا يمكن أن يؤدي إلى إضفاء صفة التناغم على الماضي بحيث يمنحه شكلا زائفا من الاتصال والاستمرار، فإنه من الممكن على الجانب الآخر أن يستخدم هذا التعريف سواء لمحاكمة التاريخ أو لإهمال العناصر الأكثر تعقيدا في القصة. فعلى سبيل المثال لم يتردد أنوشن Anuchin في أن يأخذ مفهومه المادي عن المجتمع ليوجه نقدا لاذعا لهمبولت. وذلك لأن الأخير “فشل في الوصول إلى فهم صحيح للظاهرات الجغرافية ذات الصبغة الاجتماعية”. ويصر أنوشن على أن مادية همبولت تعاني من عدم الاتساق حين تتصدى لتفسير الاختلافات الوصفية للمجتمع الإنساني عن بقية الطبيعة.

والوقت نفسه فإن الوصف الذي قدمه عالم المناخ الأمريكي “دي كورسي وارد DeCoursy Ward” عن نهاية القرن ـ ضمن الدراسة التي قدمها ديكنسون عن مفهوم الإقليم ـ لم تشر بأي حال إلى الاختلافات العرقية وعلاقتها بسياسات الحد من الهجرة الوافدة إلى مدينة بوسطن (الساحل الشرقي للولايات المتحدة)، وهو ما أدى إلى قناعة بأنه ربما كانت هناك قوة دافعة وراء معظم أعماله الفكرية بما فيها أعماله في علم المناخ الأنثروبولوجي.

ولكي نجمل ما سبق، فإن الافتراض الذي يؤكد على توجيه التاريخ نحو قنوات فكرية مفضلة يكمن في أن التراث الفكري معياري بطبيعته، حتى إن تاريخ العلم الجغرافي يكشف عن حالته الراهنة، وطبيعته اللامتغيرة. ومن ثم فإنه حين أعلن هارتسهورن أنه “إذا كنا نرغب في أن نبقى على الصراط ـ أو أن نعود إلى الصراط المستقيم ـ فإن علينا أولا أن ننظر إلى الوراء كي نرى في أي اتجاه يأخذنا الطريق الذي نسير فيه”، فإن هارتسهورن بذلك كان يصيغ تقريرا منهجيا حول طبيعة الجغرافيا أكثر من صياغته بحثا تاريخيا.

وهل هناك من تفسير آخر لإدراج هارتسهورن فصلا كاملا بعنوان “انحرافات عن مسار التطور التاريخي” وذلك في كتابه الشهير “طبيعة الجغرافيا”؟. فبحسب إعادة هارتسهورن للقصة فإن تاريخ الجغرافيا لم يصبح أكثر من ظل لفلسفتها، أو بالأحرى لفلسفة هارتسهورن الجغرافية. ومثل هذه المواقف الفكرية تخدم في صياغة تكامل المناقشة المنهجية وذلك من خلال وضع هذا التكامل بعيدا عن متناول الجدل الشرعي.

“في 1910 منحت جامعة أوكسفورد دبلومات في الجغرافيا لأربعة من المرشحين الذين اجتازوا بنجاح تلك المرحلة، وفي السنوات اللاحقة اجتاز عدد آخر من الجغرافيين المحترفين في البلاد  اختبارات تلك الدبلومات وفي مقدمتهم: Howarth (1877-1954) (1902), Eva G. R Taylor (1878-1966) (1908), C.B Fawcett (1883-1952) (1912) and E.W Gilbert (1900-1973) (1924). وفي المقابل درس الجغرافيا في أوكسفورد آخرون مثل J. McFarland, A.G Ogilvie (1877-1954), P.M. Roxby (1880-1947) ولكن دون أن يؤدوا اختبارات نيل تلك الدبلومات”.

ولا يمكن الاستهانة بحجم العمل المتضمن لجمع هذه القوائم، حتى لو كان سرد هذه الأعمال سيتم دون فحص مغزى كل جزء منها.

وبناء على هذا فإن لدينا طريقة هي أقرب إلى “كتالوج التسوق” وهو عبارة عن رسم مختصر لأهم الأعمال الرئيسة جنبا إلى جنب مع سلسلة من مستخلصات تلك الأعمال غير ذات صلة سياقية. ويعزف ديكنسون في كتابه “مفهوم الإقليم” على هذه الأوتار، فعرضه لكتاب “تسلسل شيكاجو” ـ إذا أخذنا مثالا عشوائيا ـ يمهد له بسلسلة من المقالات القصيرة أعدها كل من رولن ساليزبري Salisbury وهارلن باروز Barrows وبول جودي Goode و ويلنجتون داوننج جونزWellington Downing Jones، وتشارلز كولبي Colby وهكذا. وكل ما كان ينقصه هو صورة للمنتج محل العرض.

وفي النهاية فإن هذا “الدليل المُتحفي” يقدم رسما للفروع الأساسية للموضوع، كل منها مزود بعرض لأحداثها التاريخية. ومع تنقلنا في هذا الكتاب عبر الأقسام الفرعية للجغرافيا ـ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والطبيعية وغيرها ـ نجد أنفسنا مدعوين لرؤية عينات من العرض يجسدها أولئك الرواد الذين رسموا قسمات لمفاهيم غير معلومة آنذاك. وبالتأكيد كان كتاب براون Brown “الجغرافيا الأمس واليوم” من تلك الأعمال التي فضلت ذلك المنهج في العمل.

وأيا كانت صناعة واستخدام مثل تلك القوائم ذات النهج الداخلياني، فإن ضعفها الموروث كان واضحا للعيان. فمن ناحية كانت هذه المعالجات تبتر الجغرافيا عن التيارات الأوسع للحركات الثقافية وعن دينامية الحياة الاجتماعية. وبدون قدر من الربط مع الحركات الفكرية والممارسات الفعلية الأوسع يصبح من الصعب تلمس المعنى أو المغزى الذي قصده الكاتب في أي نص جغرافي، فضلا عن صعوبة تقدير أهمية ذلك المعنى. فبإهمالنا السياق فإننا سنفشل في فهم العلة التي وقفت خلف افتتان الجغرافيين، على سبيل المثال، بقضايا السلالات البشرية خلال القرن 19 وأوائل القرن العشرين.

 ولكي نقف على اهتمام الجغرافيين بالسلالات فإن ذلك يتطلب منا بعضا من الوعي عن النظريات البيولوجية والقوى الاستعمارية، والسياسات المتبعة في ذلك الزمن. ولنأخذ مثالا آخر عن القضية ذات الصلة بهذا الموضوع ألا وهي مسألة “التأقلم البيئي Acclimatization” فالسؤال عن “هل بوسع الجنس البشري أو غيره من الحيوانات التكيّف مع أوضاع مناخية جديدة؟ كان يطرح عادة بربطه بسؤال آخر أكثر تحديدا وهو “هل بوسع سلالة الرجل الأبيض الاستقرار في المناطق المدارية؟” وهنا نؤكد مرة أخرى على الربط الوثيق بين ما هو “علمي” وما هو “اجتماعي”. وهذه موضوعات سنعود إليها لاحقا.

إعادة التفكير في العلم

اعتاد الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الاجتماع على تجريد المعرفة العلمية عن وضعها المميز المتمتع بالحصانة أمام النقد. ويتسم القوام الأساسي للانتاج العلمي المعبر عن هذا النهج في النقد بخصال من التعقيد . وكل ما آمل فيه هنا هو أن أتمكن في السطور القليلة القادمة أن أنقل شيئا من نكهة هذه الجدالات المعرفية. لكن لأن الأسئلة المطروحة على جانب كبير من الأهمية في عصرنا الذي يسيطر العلم على أرجائه، ولأن التيارات الفكرية التي تمثلها هذه الأسئلة متضمنة أكثر وأكثر داخل الجغرافيا، فإنه من المهم أن نبدأ بتعيين بعض قضايا المفاهيم الأساسية محل الاهتمام. وسيحمل ما سأقدمه في السطور المقبلة مواقف انطباعية، هدفها تلمس الخطوط الفلسفية العامة في هذه القضايا محل النزاع.

شهد منتصف القرن العشرين ثورات في فلسفة العلم تمتعت بالزخم والسرعة. ومنذ القرن السابع عشر، حظى العلم بشكل نموذجي ـ وإن لم تشمل رقعته العالم بأسره ـ بنظرة رأت فيه المعرفة المستمدة من الملاحظة التجريبية لحقائق الطبيعة. ومن خلال معالجة البيانات المتنوعة بحيادية ودون تمييز، وتحليل دون كلل، وصياغة الفرضيات، واختبارها أمام الواقع، صار معتقدا أن القوانين الحاكمة للطبيعة ستنكشف في النهاية أمام البحث والمعرفة. وكانت الصعوبات الفلسفية في تحقيق هذه الرؤية قد قادت مجموعة من فلاسفة القارة الأوربية في ثلاثينيات القرن العشرين للسعي نحو وضع مفاهيم محددة وأكثر صرامة للرؤية التجريبية، ونحو توليد حركة علمية عرفت باسم “الوضعية المنطقية Logical Positivism“.

وكان مبدأ هؤلاء الفلاسفة ينطلق من أن المقولات الوحيدة التي يمكن أن يكون لها أي معنى هي تلك القابلة للتحقق عبر الوسائل العلمية. فعبارة تقريرية مثل “تحتوي هذه الصخور على الكوارتز” هي لديهم ذات معنى لأنها قابلة للتحقق العلمي دون الدوران في افتراضات نظرية. وفي المقابل كانت مزاعم وافتراضات ما وراء الطبيعة واللاهوت غير ذات معنى وسرعان ما أهملت. وهنا نجد أنفسنا أمام مجموعة من الافتراضات التي طرحت في محاولة لتحصيل المعرفة دون أن تكون متأثرة سلبا بالمعتقدات الشخصية والسلوكيات الاجتماعية والطموحات السياسية.

وعلى هذا النحو سرعان ما أصبحت الوضعية المنطقية محبطة للكثيرين ممن أدركوا أن الملاحظات في حد ذاتها لم تكن بلا نظرية. فحتى المعلومة التقريرية البسيطة بأن بعض “الصخور تحتوي على كوارتز” قامت على افتراض نظري مسبق حول ماذا يشكل “الصخر” و”الكوارتز” وحجم ومقدار وجود ذلك الكوارتز في الصخر. وتصبح التجربة العلمية لاحقا توضيحا للنقطة الافتراضية السابقة. وبوضوح فإن الإجراء برمته يفترض تمييزا بين العمليات ذات الصلة والعمليات غير ذات الصلة. ويصبح الوضع أصعب حين نتذكر أن العلم يهتم بشكل غير تمييزي بالافتراضات “القانونية العامة” وذك من أجل الخروج بتقرير عام على شاكلة “تتحرك الكواكب في مدارات بيضاوية حول الشمس” وعلى نحو ما أوضح “كارل بوبر  Popper” فإن تلك هي بعينها الافتراضات التي لا يمكن التحقق منها مطلقا. لكن مع إدراك استحالة التأكد من فرضية بسيطة مثل “كل البجع أبيض اللون” وصل بوبر إلى التقرير بأنه يمكن تكذيب هذه الفرضية. فاكتشاف بجعة واحدة سوداء ستحقق ذلك. وبعبارة أخرى ـ يقترح بوبر ـ فإن العلم ليس قضية التحقق verification  بل هو قضية القابلية للتكذيب falsification، فالعلم بناء على ذلك هو فن أن يكون الشىء خطأ بدقة Being Precisely Wrong!

وعلى هذا النحو يلقي المبدأ المتألق ـ في ظاهره ـ الذي يقدمه بوبر غموضا لدرجة تغالي من درجة بساطته. ووجه بعض نقاد بوبر اهتمامهم إلى صعوبة العثور على حالات للدحض المطلق في النظرية. ذلك لأن العلم يعمل في نطاق يهتم أكثر بالاحتمالات مقارنة باهتمامه باليقين المطلق. بل صار واضحا أن ثمة فرق بين القول بأن النظرية زائفة والقول بأن أي من النظريات المطروحة أقرب للحقيقة. ومع هذا استمر يدعو إلى فتح الخطاب العلمي أمام مناقشة صعوبات تأسيس معايير ملائمة للمطالبة بمعرفة حقيقة العالم الذي نعيش فيه. فهل حقيقة أن التبجيل الذي حظي المنهج العلمي به دوما كان في غير محله لدرجة أن المعرفة العلمية شغلت نفسها بالكشف عن العلماء بقدر ما شغلت نفسها بالكشف عن العالم نفسه؟ .

وكان أي اهتمام ربما أولاه بوبر لوضع هذه الأسئلة موضع تساؤل قد تم التخلي عنه سريعا في كتاب توماس كون “بنية الثورات العلمية” المنشور سنة 1962. فقد وجد المؤرخون والفلاسفة وعلماء الاجتماع في فكرة “كون” عن “النماذج الإرشادية” (البارادايم Paradigm ) لهوا جديدا نجحوا في ربط تخيلاتهم به. وقد قدم “كون” تعريفا ملتبسا للنموذج الإرشادي، واعترف هو بذلك في البداية على الأقل وحسب هذا التعريف فإن النموذج الإرشادي يعني “تراثا من النماذج التاريخية”. وبعبارة أخرى، تتم ممارسة العلم الناضج داخل إطار اجتماعي ومفاهيمي يضع المعايير للبحث وثيق الصلة بالموضوع، ويحدد الأهداف الساعية لحل المعضلات، وينسق الأعمال المشتتة لمجموعة العلماء، ويبادر بدفع تلامذة هذا العلم نحو طرق ومسارات التراث المعرفي. ثم مضى “كون” بعد ذلك إلى القول بأن الثورات العلمية تحدث حين يحل محل النموذج الإرشادي المقبول نموذج إرشادي آخر يقدم برنامجا علميا جديدا بشكل كلي. فالانتقال من ميكانيكا نيوتن إلى فيزياء أينشتاين مثال على ذلك. والأمر هنا أشبه بتحول جشطلتي Gestalt-Switch.

وبعبارة أخرى، فإن ذلك أقرب لأن نرى فجأة صورة قديمة مألوفة بطريقة جديدة تعطينا شكلا مختلفا بالمرة عما ألفنا النظر إليه. فجميعنا رأى صورا لعدد من المربعات التي حين ننظر إليها بطريقة ما نجدها ستة مربعات لكن حين نعود وننظر إليها بطريقة ما نجدها سبعة. فالانتقال من نموذج إرشادي إلى آخر شائع الحدوث، وسبب هذا التحول ليس أمرا غريبا، فالنموذج الجديد قد يحتوى على معلومات جديدة، وقد يكون أكثر إمتاعا من الناحية الجمالية أو مريحا من الناحية النفسية، أو أكثر خصوبة في بنيته النظرية، بل قد يكون لديه أفق تفسيري أكبر. لكن ـ وهذه هو الأهم ـ ليس هناك معيار سببي “مستقل” لاتخاذ قرار بالانتقال من نموذج قديم إلى آخر جديد. ولعل هذا يحدث ببساطة لأن ما يعد تفسيرا منطقيا يتم تحديده عبر النموذج الإرشادي نفسه.

ففي الواقع لا يمكننا التعبير عن مشكلات النموذج الإرشادي الجديد بلغة النموذج القديم. فالنظرية الجيولوجية المعروفة باسم الألواح التكتونية مثال جيد على ذلك. فتبعا لهذه النظرية فإن القارات وقيعان المحيطات تطفو على ألواح ضخمة، وغيرت في شكل الكتل الأرضية القارية عبر ملايين السنين. وقد أدى ذلك إلى إعادة تفسير جديد كليا لقضايا عدة في مقدمتها توزيع الحفريات، الأمر الذي أعاد بناء كلي للنظريات الأقدم التي ناقشت هجرة الحيوانات. وعلى هذا النحو فإن المشكلات التي انخرط الجيولوجيون في العمل عليها خلال التقليد المعرفي الجديد ليست ذات معنى لجيولوجي القرن 19.

وفي أعقاب أطروحة “كون” انطلقت حزمة من الأعمال التأريخية في مختلف التخصصات العلمية وأقيمت على أفكار: اقتفاء أثر النموذج الإرشادي، والبحث عن النماذج المعرفية، والتحولات من نماذج معرفية إلى أخرى، والإبقاء على نماذج معرفية سابقة. ولم يكن الجغرافيون استثناء في ذلك. وسنحلل جهودهم بعد قليل. ولعل المهم في السياق الحالي، على أية حال، هو أن “كون” قد قدم ملاحظة ثاقبة ذات بعد نسبي وأدخلها إلى فلسفة العلوم. وبعبارة أخرى، فما دام النموذج الإرشادي يتضمن مجموعة من المعايير المعنية بتحديد المشكلات التي تستحق الحل وكيف يمكن تعيين الحلول، فإنه لن يكون هناك أساس متبادل متفق عليه لتحديد أفضل النماذج المعرفية المتنافسة. وبناء على ما سبق ترتبط نتائج البحث العلمي بالمجتمع العلمي الذي يتم داخله البحث، وإن كانت غير مرتبطة بشكل مباشر بوصف الطرق التي يكون عليها العالم في واقع الأمر.

وعلاوة على ذلك سيقت النزعة النسبية لتفسير “كون” نحو الوصول إلى الحدود القصوى التي طرحها فيلسوف الفوضوية “بول فيرابند”. فلدى الأخير، ليس العلم سوى عمل طليق حر في مجمله. وبدون توفر منطق خال من قيود النموذج الإرشادي ـ المتضمن في نموذج كون ـ فسيتلاشى كل شىء. كان فيرابند قد رفض فكرة أن العلم يتفوق من الناحية الإدراكية على أي شكل آخر من أشكال المعرفة، سواء كان شعرا أو دراما أو مجرد ممارسة هامشية مثل التنجيم أو السحر أو الشعوذة.

وباتباع الخطوط العريضة لهذا النقد، ذهب “رتشارد رورتي Rorty” مؤخرا إلى أن علينا أن نتوقف عن فكرة أن العلم يسافر نحو نهاية اسمها “الاتفاق على الواقع” بالقول بأن العلم يمكنه ـ بحسب تشبيه رورتي ـ أن يصبح “مرآة للطبيعة”. فلدى رورتي فإن التراث العلمي كان بمثابة مستودع  لقاموس من المفردات ساعدتنا في التوقع بتحقيق مستوى أفضل من التنبؤ بالعالم، وممارسة سيطرة أفضل عليه. وبعض من هذه المفردات تعمل أفضل من غيرها لتحقيق هذا الغرض. فجاليليو على سبيل المثال استخدم مصطلحات ساعدت في تحقيق قصده، بينما أخفق أرسطو في ذلك. غير أن تلك اللغات ـ بالنسبة لرورتي ـ هي بشكل قاطع ليست “مفردات الطبيعة الخاصة” بل هي الطريقة التي يمكن للطبيعة أن تستخدمها لوصف ذاتها، لو تمكنت من ذلك.

وعلى نحو ما يقول رورتي فإن “الإنجازات العلمية ليست في حقيقتها قضية تحديد أي من الفرضيات البديلة حقيقي وأي منها ليس كذلك، بل إن جوهر الإنجاز العلمي يكمن في العثور على الرطانة السليمة التي يمكن من خلالها صياغة الفرضيات في المقام الأول. وللطلاب الذين يدرسون الطبيعة البشرية، فإنه أحيانا ما تخدم اللغة السلوكية في تحقيق تلك المهمة، بينما في حالات أخرى يكون الحديث التفسيري هو الأكثر ملاءمة. وعلى هذا فإنه بالنسبة للجغرافيين،  أحيانا ما تنتج المفردات الكمية أفضل التوقعات، بينما في حالات أخرى فإن لغة الإنسانيات هي الأفضل في تحقيق الهدف، بينما في أغراض ثالثة فإن أفكار العامل البشري في الطبيعة والبناء الاجتماعي تبدو هي الأكثر ملاءمة. ويرى رورتي أنه أيا كانت الطريقة فإن المنهج العلمي يعني ببساطة أن تكون لدينا قائمة جيدة برؤوس الموضوعات أو المسودات التي ستؤدي مهمتنا، كنموذج جيد نفرغ فيه معالجتنا للموضوع.

وعلى هذا فإن المنطق العلمي يعني اتباع قوانين التخصص العلمي الذي تعمل فيه، لا أن نفرط في استخدام البيانات. كما يعني المنطق العلمي أيضا بهذا المعنى أن نستمع لزملائنا في البحث. ولعل هذا هو ما أطلق عليها رورتي “الخصال الحميدة للمعرفة epistemic good manners ” وهي بالطبع ليست اللغة الخاصة للطبيعة. وهي ببساطة ليست فكرة مفيدة.

ولنأخذ في اعتبارنا أولا المصالح الشخصية لمجموعة العلماء. فمن الناحية المثالية يتطلب العلماء مهارات فنية خلال مسار تدريبهم. وقد تتضمن هذه المهارات تقنيات مسحية، وبراعة رياضية وخبرات معملية، أو مهارات كارتوجرافية. ففي كل حالة تمثل هذه المهارات مصالح شخصية راسخة يتم تقديرها والدفاع عنها بين رفاق العلم. وتذهب الفرضية إلى أن هذه المصالح تتحكم اليوم بشكل مباشر في محتوى المعرفة العلمية. ولعل النزاع الذي نشب بين علماء النبات خلال القرن 20 على التصنيف الصحيح للنباتات هو نزاع معبر عن تلك الحالة. فقد تطورت مجموعة من العلماء على التعاطي في التصنيف مع الدراسات المورفولوجية للنبات، وتعلمت بالتالي أن الأنواع النباتية يجب أن تُعرّف على أساس بنيتها الشكلية. في المقابل كانت هناك مجموعة ثانية تطورت في مناهجها على التحليل المعملي واعتمدت على العمل التجريبي القائم في أغلبه على التصنيف البيوكيميائي. وماذا كانت النتيجة؟ خرج لنا اثنان من الأسس التصنيفية وذلك لأن كل مجموعة فسرت الحقائق النباتية بطريقة مستقلة عن الأخرى.

 وهناك أمثلة أخرى يمكن أن نضربها في هذا الصدد. فما سُمى بالثورة الكمية في الجغرافيا خلال ستينيات القرن العشرين يمكن أن يصبح مثالا جيدا على ذلك. فالجغرافيون الذين اكتشفوا إمكانية توظيف الرياضيات في البحث الجغرافي كانوا مستعدين فقط لإظهار براعتهم الإحصائية لزملائهم غير المستخدمين لهذا الطرق الكمية. وكانت مهاراتهم الجديدة بمثابة مصالح شخصية سعوا لأن تحظى بالدفاع والحصانة داخل الوسط الجغرافي. ومع ذلك كانت هناك شكوك في أن النتائج التي توصلوا إليها جاءت في المقام الأول انعكاسا لأنماط التقنيات الإحصائية التي وظفوها بقدر متساوٍ لتحليل الظاهرة محل الاهتمام. وعلى أية حال، فإن الفرضية الجدلية تكمن هنا في أن محتوى المعرفة العلمية يأتي نتيجة مباشرة للتنافس المهني للباحثين أكثر من رسمه لصورة الواقع. وإلى جانب ذلك فإن الوعي بالمصالح الشخصية فيما بين المختصين في البحث الجغرافي يشي بأن ممارسة التخصص المهني ـ مثله مثل الشغف بالابتداع والابتكار لتطوير مستقبل الباحث ـ يحتاج لأن ينظر إليه بعين الاعتبار بمفهوم أكثر جدية خلال مراجعتنا لتاريخ العلم. فهنا نجد أنفسنا وجها لوجه مع سياسات المعرفة. ويدين شكل صناعة المعرفة/العلم في كثير من أصوله إلى الدفع الأساسي من أجل السيطرة على الملكية الفكرية وذلك من خلال السيطرة على منافذ النشر والرقابة العلمية، وإقامة هيئة من الموظفين الإدارييين، فضلا عن الرعاية السياسية.

وعلى نحو ما ذهب شابين Shapin، فإن التمثيلات العلمية الحديثة للعالم الطبيعي تطورت في مضمار تعيين الفروقات بين ما هو مصدر تقليدي للسلطة وما هو خبرة ثقافية، على نحو ما مثّل الدين. فهنا من جديد ننظر إلى مزاعم امتلاك المعرفة العلمية عن العالم باعتبارها أقرب لأن تكون وصفا للطبيعة والثقافة والظاهرات منها إلى توضيح الموقع الذي يمكن أن يتخذه الجدل الاجتماعي حول السلطة في مجتمعنا. وفي هذا الصدد قد يرد إلى الذهن استخدام الأدوات العلمية والتقنيات الحديثة والرطانة العلمية من أجل تسويغ مواقف واتجاهات سياسية معينة أو مصالح اجتماعية ـ كما هو في حالة العنصرية، أو الاتجاهات الجيوبوليتيكية أو البيولوجيا الاجتماعيةـ. وفي كل هذه الحالات ـ يقول النقاد ـ فإن مصالح جماعات بعينها تتعزز بفضل لغة العلم.

لقد كان جزء لا يتجزأ من نموذج “كون” عن التغير العلمي يتمثل في رفضه لأي أرضية منطقية كافية للانتقال من نموذج إرشادي لآخر. ولقد لقي المشروع الفكري مؤخرا تحديا من قبل دادلي شابير Dudley Shapere الذي ذهب إلى أن هناك الكثير الذي قدم بشأن عدم الاستمرار بين النماذج الإرشادية أو البرامج البحثية المتتابعة (إذا استخدمنا مصطلحات لاكاتوش Lakatos). وحتى إذا ما سمحنا بذلك فإن ما يشكل نظرية شرعية أو مشكلة أو حل قد يتغير بشكل جذري بمرور الزمن. ويعتقد شابير أنه مع ذلك ثمة زعم بوجود سلسلة من التطورات تربط بين المجموعتين المختلفتين من المعايير، وهي سلسلة يمكن من خلالها تتبع “ثورة منطقية” بين الاثنين. والخلافات الأساسية الواقعة بين المعتقدات العلمية والمعايير المطروحة في حقبتين مختلفين “لا تزيل بشكل آلي إمكانبة الارتابط والمقارنة والتطور”. وما نحتاجه هنا هو دراسات تجريبية في تاريخ العلم وذلك من أجل تحديد ما الذي وقع فعليا خلال مسار “الثورة العلمية”. فبكل تأكيد نجد أن ما تم تمريره من أجل إضفاء الشرعية أو حتى إيجاد دليل للمحافظة على ما هو قائم، سيتغير بتغير الزمن. لكن يجب الانتباه ـ وهذا ضروري للغاية ـ أنه ستكون هناك دوما أسبابا قهرية لهذا التغير. فالتغير في المعيار الحاكم للتفكير المنطقي لما يشكل المعقولية reasonableness يمكن أن يصبح في حد ذاته عملية منطقية.

وفي السيناريو الذي قدمه دادلي شابير ليس هناك ضمانا من أن نظرية معاصرة ترسم بشكل صادق العالم الذي نعيش فيه بأي قدر من المعني. ومن ثم فإن استراتيجيته ترفض أن نعود ببساطة إلى مذهب واقعية ساذجة. لكن سيناريو شابير مع ذلك يعترف بالنظريات القديمة رغم كل قيودها على المستوى الأوسع، ويرى فيها قدرا أو آخر من النضج. وإلى جانب ذلك فإن سيناريو شابير يجعل في الإمكان. وإن لم يكن بشكل حتمي ـ أن تبقى النظرية محصنة أمام النقد المنطقي لفترة طويلة من الزمن. وإذا ما حققت النظرية نجاحا، بمقياس واسع، وبشكل غير متنازع عليه، فسيكون من الصعب أن تبقى هذه الشكوك حيال مزاعمها الإدراكية. وعلى نحو ما يتساءل شابير فإنه “هل هناك شىء أهم من اكتشاف الطريقة التي تتخذها الأشياء”.

وهناك مستوى ثان للجدل المناهض للنسبية يضرب بجذوره في فكرة أن النماذج العلمية هي في النهاية مجازات (استعارات تشبيهية) معقدة. وسنوضح هذه الفكرة الجدلية في السطور التالية. فخلال سعيهم للإمساك ببعض مظاهر الواقع غير المفسر حتى الآن، يبحث العلماء عن عملية أكثر اتساعا يفهمونها على نحو جيد، ويفسرون المشكلة محل البحث في ضوء هذه المعلومات. ويرسم هؤلاء العلماء ـ بعبارة أخرى ـ نوعا من الصورة من أجل تمثيل ما يفهمونه، مصورين إياه على أنه الطبيعة الحاكمة للعملية السائدة. والصور المرسومة من هذا النوع تسمى عادة نماذج Models. غير أن هذه الصور ـ مع كل ذلك ـ ليست سوى أشكال مناظرة (مماثلة analogies) أو (مجازات تشبيهية metaphors ) ، بمعنى النظر إلى شىء ما “كما لو كان” شيئا آخر. ويصبح هذا المجاز التشبيهي بدوره نوعا من العدسات التي ننظر إلى الشىء من خلالها؛ ويتم إغفال بعض المظاهر أو تجاوزها بينما يتم التأكيد على أشياء أخرى أو تنظيمها بطرق بعينها. فعلى سبيل المثال يقول لنا علماء الفيزياء إن الضوء يتصرف “مثل” الموجه وأن بعض الجزئيات دون الذرية” تتحرك “كما لو كانت” نظاما مداريا مصغرا. وعلماء طب الأعصاب يقولون لنا أن عقولنا تعمل “مثل” الحواسيب الآلية، ويقول لنا الجغرافيون أن الدولة عضو ينمو، وإن اللاندسكيب عبارة عن نص قابل للتحليل أو إن الأحياء الفقيرة التي يسكنها السود  black inner city هي مناطق معزولة “كما لو كانت” مخافر حدودية.

وفي ظاهر الأمر، قد يبدو ذلك مفهوما نسبيا مكتملا للنماذج العلمية، ذلك لأنه وعلى نحو ما طورت ماري هيس هذه النقطة الجدليةـ ليس هناك ارتباط مباشر أو متصل بين حديثنا المجازي عن العالم والعالم في حقيقته. فالارتباط الموجود ارتباط تماثلي فقط. وإلى جانب ذلك، فإن الانتقال من مجاز إلى آخر سيبدو فجائيا وكأنه انقطاع في النموذج الإرشادي. ولكي نفكر في العالم كآلة (أي نوظف النماذج الآلية) لأمر جد مختلف عن النظر إليه كعضو (أي نلجأ إلى التناظر العضوي). لكن بالنسبة لإيرنان ماكمولن   McMullin فإنه يمكن نشر فكرة المجاز كاستراتيجية واقعية. ولديه، فإن توسعة استخدام مجاز بعينه ـ بافتراض مناطق جديدة للبحث والتوقع باكتشاف حقائق جديدة ـ هي بمثابة علامة على ثراء محتواها من الحقيقة. وتبعا لذلك، فإن نظرية الألواح التكتونية حالة مميزة في علوم الأرض. فتبعا لهذه النظرية، فإن القارات وقيعان المحيطات تحملها ألواح واسعة تتحرك فوق القشرة الخارجية لكوكب الأرض. وبتضمين فكرة الألواح إنما هو بالطبع حركة مجازية من البداية. وعلاوة على ما سبق فإن المجاز الأصلي يمكن توسعته عن طريق طرح سؤال مفاده “ما الذي يحدث حينما تتصادم الألواح؟” يجيب ماكمولن  “تتجه إحداها أسفل الأخرى (عبر عملية الانزلاق) فيما قد يرتفع اللوح الأعلى ليشكل حافة جبلية”. ويستمر ماكمولن  بالقول بأننا هنا نجد مفتاحا للجانب الواقعي في المجاز. ولعل أفضل ما يفسر العملية التنبؤية للمجاز هو “الافتراض بأن النموذج يقرب بشكل كاف البنى الهيكلية للعالم…وذلك حتى يتسنى للعلماء أن يتعاطوا مع توسعة استخدام النموذج بشكل جاد. ولأننا قد نفكر في أن هناك شيء يشبه اللوح الطافي أسفل أقدامنا فقد يكون من المفيد التساؤل “ما الذي يحدث حين تتصادم الألواح؟ وما هي الآليات التي تكفي للإبقاء على هذه الألواح في حالة حركة؟ وهذا يعني أن التشبيه أو المجاز الجيد يتمتع بالقدرة على التطبيق والقابلية للخضوع لإجراءات اختبارية.

وتمثل التكتيك الثالث الذي تم تطبيقه لحماية المكون الواقعي في العلم في التأكيد المتجدد على أهمية التجريب. فعلى نحو ما يذهب إبان هاكينج Hacking  فإن الفيزياء التجريبية تقدم أقوى دليل للواقعية، واقعية لا تنشغل بالنظريات أو التفسيرات، بل بالكينونات entities. وبعبارة أخرى، فإن حقيقة أنه في التجارب ـ حين يكون شيء ما هنالك في العالم قابل للمعالجة، سواء كان إلكترونات أو ذرات أو أيا كان، فإن ذلك دليل على وجودها بشكل مستقل عن نظرية بعينها من النظريات التي تشاغل عقل الباحث. وبناء على ذلك فإن استخدام هاكينج للتجريب يعد حالة مقيدة وضيقة، ومن الصعب رؤية تأثير ما يحمله على العلوم التاريخية مثل البيولوجيا التطورية أو الجيولوجيا أو كثير من العلوم الإنسانية التي يستحيل إجراء التجريب في عملياتها التاريخية أو الاجتماعية. وعلاوة على ما سبق، فإنه على الرغم من أن ذلك قد يصل بنا إلى نقطة أن نصبح واقعيين بشأن الآليات أو الكينونات في العالم (بمعنى أنها موجودة فعليا) إلا أن ذلك لا يرد التهمة أن نظرياتنا عنها ذات نزعة نسبية بشكل متزايد ومتعمق. ورغم ذلك فإنها تشير إلى الطرق المتجهة نحو وضع بعض العقبات على مستوى الشك العمومي.

وبحسب روي باسكر  Bhaskerفإن التجريب يؤخذ كوسيلة عبر مدى واسع من الإمكانات، وتمضي حجته على هذا النحو. فالتجريب ببساطة عبارة عن أنشطة تمارسها العناصر البشرية. فالناس عادة ما يبتكرون مواقف تجريبية تؤلف ـ بقدر الإمكان ـ النظام المغلق المناسب لاختبار قانون بعينه. وعلى هذا فهناك شعور يتم من خلاله رصد الأحداث في أي تجربة، سواء كانت ومضات على شاشة أو وضع الأيدي على قرص الهاتف. وإذا لم تكن هذه الأحداث تتدخل في الطبيعة، لم يكن لها أن تحدث. لكن في نفس الوقت فإن القوانين التي صممتها هذه الأحداث كي تخضع للاختبار لم ينتجها البشر. فهي توجد بشكل مستقل عن العوامل الفاحصة لها. وبوضوح فإن هناك تمييزا بين تتابع الأحداث المسجلة في التجارب والقوانين الفعلية للطبيعة. وينبع هذا من أن القوانين نفسها تنتخب فقط مظاهر بعينها للموضوع محل الاهتمام. فالأشياء أو النظم الخاضعة للتحليل تمتلك سمات أخرى غير التي يحددها القانون. ولنأخذ مثالا على ذلك غطاء ثلجي متحرك. فهو من جانب يعد نظاما ميكانيكيا، وهيدروليكيا، وكيميائيا، وحراريا. والآن إذا ما أردنا أن نحدد على سبيل المثال آليات حركة الثلج، فعلينا أن نتحكم في الظروف المؤثرة في تلك الحركة بمعنى أن نسمح للقانون أن “يعبر عن” نفسه. ومن ثم فإننا نسعى إلى تقليل تلك الاتجاهات أو القوى أو الآليات التي تعمل في النظام بشكل يتجاوز وربما يناقض قانون الحركة.

ويتخذ الواقعيون فكرة ماكمولين عن المرونة التاريخية للنظريات كاستراتيجية أخيرة بوسعها أن تحبسنا عن الحركة. ولكي ننطلق من هذا المحبس، فإن على النظرية، باعتبارها ساعية إلى المعرفة، أن تظهر قدرا من المرونة عبر الزمن. وتحتاج النظرية لحيازة نوع من القدرة على البقاء أمام التقاليع العلمية المتغيرة. وعلى نحو ما يذهب ماكمولين فإن “أكثر العناصر أهمية لدعم صحة النظرية ليس نجاحها في التنبؤ، بل مرونتها، أي قدرتها على اتباع طرق إبداعية ومثمرة لمواجهة ما يطرأ من شذوذ”. ولعل نظرية التطور مثالا معبرا عن ذلك. فعبر السنين، منذ أن وضع داروين نسخته الأولى من هذه النظرية، ثار نزاع وجدال حول الطبيعة الدقيقة لآليات عمل تلك النظرية، وحول دلالة الطفرة الجينية Genetic Mutation ، وحول الفلسفة الإجتماعية المتضمنة التي تجسدها وتفرضها هذه النظرية، وما إلى ذلك. ولكن النظرية كما نعرفها اليوم ما تزال تعرف بالنظرية الداروينية رغم كل ما أدخل عليها من تعديل. وبالتأكيد يقدم لنا ذلك بعضا من التبرير للقول بأن النظرية تخبرنا بشىء عن التاريخ العضوي organic للعالم. ومن المؤكد أنه ربما تكون هناك عوامل اجتماعية متوطنة في صياغة النظرية، لكن مثل هذه الزوائد (الاجتماعية) يتم التخلص منها تلقائيا بمرور الزمن.

سيرة ذاتية جديدة للجغرافيا

من بين كل الأشياء الجديدة التي جاءت مع التاريخ الحديث وفلسفة العلم كان مفهوم النموذج الإرشادي (الباردايم) دون شك هو أكثرها حداثة واحتفاء من قبل مؤخي الجغرافيا المحدثين. وهناك أسباب تدفعني إلى التوقف قليلا لتقديم مراجعة لمفهوم النموذج الإرشادي الذي انتشر في حقل التخصص الجغرافي وخاصة ما أولاه الجغرافيون لأنواع النماذج الإرشادية، ولعل أحد هذه الأسباب هو أن التراث الجغرافي قد انتشر بشكل تحرري مفتونا بمصطلح “الباراديم” الجديد.

ومن بين الجهود المبكرة للتعاطي التجريبي مع النموذج الإرشادي ما قدمه هاجيت و تشورلي في مقدمتهما لكتاب “النماذج في الجغرافيا Models in Geography”. وفي سنوات ذلك الكتاب ـ 1967 ـ كان تبني هاجيت و تشورلي لمبادئ “كون” موجها بشكل مباشر نحو كشف صعوبات النموذج الإرشادي القديم “التصنيفي” (الجغرافيا الإقليمية التقليدية) ومن ثم الدفاع عن ضرورة ظهور نموذج إرشادي جديد قائم على أسس نمذجية. ومنذ تلك المداعبة الأولية لنموذج “كون” ظل الجغرافيون مفتونين بوعد ظهور جغرافيا جديدة معاد بناؤها على أسس نمذجية. وقد رأى بعض الجغرافيين أن هذا المقصد كان عريض الآمال ، بينما رأي آخرون أن هذا التوجه محكوم بوعي تاريخي. ولسنا في حاجة إلى قول الكثير عن أن تبنى مجموعة العلماء السابق ذكرهم لمنظور “كون” كان دعائيا في روحه وانفعاليا في غرضه.

فلدى هؤلاء العلماء بدا النموذج الإرشادي ليس أكثر من راية يلوح بها لحشد الجنود. وقد وجد هاجيت وتشورلي في فكرة النموذج الإرشادي وسيلة للدفاع عن مناهج نظم قائمة على أسس رياضية. من جانبه انجذب بيري Berry  نحو النموذج الإرشادي معتبرا أن فيه قوة ثورية في اتخاذ القرار القائم على النظم، أما هارفي فقد استند على فكرة “كون” عن الأزمة ليطور منهجية وضعية. ولسنا في حاجة إلى تقديم التفاصيل عن هذه الاتجاهات (أو غيرها من الحالات المشابهة). ويكفي القول بأن أنفاسها  ذات الفوضى الثورية المنتشية بالانتصار لم تكن تحمل شيئا كثيرا مما دعا إليه فكر “كون” حين رسم المستويات الأكبر للانتقال الجشطلتي في تاريخ العلم.

ولم يستنفد مثل هذه الزخم الفوضوي كافة أسلحة المدافعين عن النماذج الإرشادية الجغرافية.  ففي الواقع، لم يكن هناك مفر من أن بعض مؤرخي الجغرافيا سيجدون في فكرة النموذج الإرشادي مفتاحا للكشف عن التغيرات التاريخية في الجغرافيا. وتكشف لنا المراجعة الخاطفة للجهود المتنوعة التي قدمت في سبيل ذلك عن تفاوت متباين للنماذج الإرشادية التي قدمت لحقل المعرفة الجغرافي. ومن ثم وجدنا بيري يتعاطي مع ما يسمى الثورة الكمية باعتبارها مبادرة استراتيجية جغرافية نحو الوصول إلى حالة كاملة من النموذج الإرشادي (ومن ثم اكتساب صفة العلمية). أما هارفي وهولي فقد وجدا خمسة نصوص جغرافية مقدسة، وذلك في الكتابات التي قدمها كل من راتزل وفيدال وساور وهارتسهورن وشيفر معتبرين هذه النصوص متمتعة بصفة النموذج الإرشادي. من جانبه قام جونسون Johnson ـ رغم تزايد شكوكه في مدى ارتباط نموذج “كون” بالجغرافيا ـ بالتأكيد على بضع مصفوفات من الأعمال الجغرافية التي اعتبرها محققة لصفة النموذج الإرشادي. أما مارتن Martin فركز بشكل أكثر تحديدا على الجغرافيا في الولايات المتحدة ـمشيرا إلى نحو خمس أعمال تحقق صفة النماذج الإرشادية. (في مقدمتها فكرة “التعددية الانتقائية” التي بدأت منذ عام 1957) وإن كانت تلك الأعمال الخمس ليس بينها وبين أفكار “كون” أية روابط عند أي مستوى من المستويات.

وحين فترت حماسة هذه الموجة من أمواج النماذج الإرشادية في الجغرافيا وتحقق قدر أكبر من مراجعة مدى ارتباط أفكار “كون” بتاريخ الجغرافيا، أصبح واضحا أن معظم هذه الكتابات قد وقعت في محظور إهدار الطاقات والجهود. ومن ثم ـ وعلى نحو ما يلاحظ بدقة أندرو مير Andrew Mair ـ فإنه حتى بين هذه الانتقادات كانت رائحة أفكار “كون” ما تزال تهيمن على الطرح. ويبدو أن مطاردة أشباح “كون” من تاريخ الجغرافيا كان أمرا عصيا. وأيا كانت حالة التردد والمفاهيمي الداخلي التي سرت في جسد كتابات “كون” وحالة الارتباك المفاهيمي التي اكتنفت الطريقة التي جاءت من خلال أفكار “كون” إلى تاريخ الجغرافيا، فإنه ليس هناك شك من أنه قد تحصل نفع وفائدة على المستوى السوسيولوجي الأوسع حين تمت محاولة المزاوجة بين العلم Science والجغرافيا معا. أما حالة النفور التي أظهرها بعض مؤرخي الجغرافيين. وعدم تشجعهم للتفكير عبر مصطلحات مثل “التراكم المفاهيمي” والتقدم في التخصص العلمي، والتأريخ الداخلي، كلها قد شجعت ظهور عدد من القراءات “السياقية” لتاريخ التخصص الجغرافي. وليس في الإمكان في هذا المقام تقديم سجل تفصيلي بمثل تلك الأعمال. وإن كان من المفيد تقديم ولو صورة مصغرة لبعض المناهج ذات التوجه السوسيولوجي التي تم الاستعانة بها داخل تاريخ العلم الجغرافي.

ومن بين الخطوات الجادة التي تقدمت على هذا الطريق ما نجده من شبكات عمل متعددة نشط الجغرافيون من خلالها. والنقطة الجدلية محل الاهتمام هنا هي أن تلك الدوائر الاجتماعية/ العلمية غير الرسمية، أو على غرار ما تسمى في بعض الأحيان باسم “الزملاء غير المرئيين” والتي تتحكم في شكل وجوهر معرفتنا بالعالم الطبيعي. ومثل تلك المزاعم قد تأتي في حالة ضعيفة أو قوية. فالمدافعون عن النسخة الضعيفة يرون هذه الشبكات غير الرسمية من زملاء المهنة باعتبارها مسارات انتشار للأفكار أو باعتبارها “السياق الخارجي” لـ “النظريات الداخلية” او باعتبارها بناء تنظيميا عارضا تتجسد من خلاله المجموعات الفرعية للتخصص العلمي للجغرافيا.

وبتحليل المجموعات الاجتماعية/العلمية في الجغرافيا وبنيتها المؤسسية، لا تغطي مع ذلك كافة أبعاد التفسير السوسيولوجي لتاريخ الموضوع الجغرافي. فقد أكد ديفيد هارفي على سبيل المثال على دراسة مادية تاريخية في مجملها، فذهب إلى القول بأن بنية ودور ووظيفة الجغرافيا قد تغيرت “استجابة لتغير الإطار المجتمعي واحتياجاته(46)“. ولدى هارفي فإن قصة الجغرافيا كانت بمثابة قصة إضفاء الشرعية الجغرافية على الظروف الاجتماعية التي أنتجتها. ومن ثم فإنه في الفترة التي أسماها هارفي بالفترة البرجوازية لم تقدم الجغرافيا تحقيقا علميا للاقتصاد الرأسمالي العالمي. وبناء على هذا فإن تلك الممارسات الجغرافية في العصر الفيكتوري (1837-1901) ـ مثل الاستكشاف ، والمسح الكارتوجرافي، والدراسات المسحية الإقليمية، والتصنيفات الجيوبوليتيكية، وتصنيف الموارد ـ يمكن أن تفهم فقط في سياق الاستغلال والإدارة والاستنزاف الإمبريالي. ومن ثم فإنه ليس “شكل” الجغرافيا هو الذي يمثل فقط استجابة للظروف الاجتماعية، بل إن “محتوى” تلك المعرفة لا يقل خضوعا للعوامل الاجتماعية. وسواء كان ما قدمه هارفي اختزاليا من الناحية الاجتماعية أم لا، فإن جهوده لوضع المعرفة الجغرافية في موقعها الزمني يجب أن تحظى بالثناء دون شك. ويمكن قول هذا ـ دعوني أؤكد ـ دون اللجوء إلى الاختزالية الفجة التي ترى في الأفكار سوى ظاهرة ثانوية وصدى للتحيزات الاجتماعية. وبالطبع فإن بحثا يأخذ بجدية تغلغل المعرفة الجغرافية والظروف الاجتماعيةـ الفكرية الأوسع ليس مضطرا للالتزام بالمادية الاختزالية.

دفاعا عن فوضى انتقائية

ليس لدي شعار ألصقه بالمنهج الذي أود أن أعالج به موضوعات هذا الكتاب. ففي كثير من الأحيان ليس أمامي سوى مزيج يجمع أطيافا من تلك الطرق التي تُعرف الآن تحت عنوان كبير هو “صورة التاريخ الجديدة”. ولكن هدفي هنا أن أتجنب “تفضيل رسم صورة مثالية او تبسيط مخل عند النظر لقضايا تشويش إدراكي”، إذا استخدمنا كلمات شابين وشيفر Steven Shapin and Simon Schaffer . ورغم أن الفكرة الملهمة بسيطة لكن التداعيات بالغة التعقيد ومترامية الأهداف. ودعوني في السطور القادمة أرسم ثلاثة معالم لذلك النهج.

أولاً، سيتطلب منا ذلك أن نوقف أية محاكمة للطبيعة الجوهرية للجغرافيا. وعلينا ان نتخلى من البداية عن الفكرة التي تقول إن للجغرافيا نواة ميتافيزيقية مستقلة عن الظرف التاريخي. وبالمثل علينا ان نتخلى عن السؤال عما إذا كان اعتقاد بعينه مستقلا عقليا عن ظروف بعينها، كما أنه في ظني ليس هناك معنى للتفكير في طبيعة الجغرافيا كثابت له صفة الخلود. وبوضوح فإن ما يعد عقليا (منطقيا) لدى راعي أغنام في القرن 12 يختلف عن نظيره لدى عرّاف في القرن 17 وعن نظيره لدى طالب جامعي في القرن 20. وبالمثل، فإن ما يعد من الجغرافيا في إنجلترا في القرن 16 يختلف عما كان يعد من الجغرافيا في مكان مثل الولايات المتحدة في عهد جيفرسون أو عما كان يعد من الجغرافيا في فرنسا في عصر التنوير، أو انجلترا في العصر الفيكتوري (1837-1901) أو في ألمانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين. وكما أن هناك عقلانية (منطقية( مشروطة ابنة زمنها وظروفها فإن هناك أيضا جغرافيا ابنة زمنها وظروفها. ذلك لأن الجغرافيا كانت تعني أشياء مختلفة لأناس متباينين في أماكن مختلفة، وبالتالي فإن “طبيعة” الجغرافيا كانت دوما محل نقاش وتفاوض. وكانت مهمة مؤرخي الجغرافيا ـ جزئيا على الأقل ـ هي مهمة التحقق من كيف ولماذا تم منح الشرعية “الجغرافية” لممارسات وإجراءات مختلفة وفي أوضاع مكانية متباينة ومن ثم حصولها على صفة المعيارية normative  في فترات تاريخية مختلفة وفي أوضاع مكانية متباينة.

ثانيا: سيتطلب النهج الذي اتبناه في هذا الكتاب أن ننأى عن التأكيد التقليدي في معالجة تاريخ الفكر الجغرافي. ولكي نكون على يقين من ذلك سنولي اهتماما للنظرية والتفكير في الجغرافيا، وإن كنا دوما سننشغل بوضع النظرية في ملابساتها الاجتماعية والفكرية. ومع رفض لوجود جغرافيا جوهرية essential أود ان أتحدث عن النظرية المشروطة Situated theory. وسيعني ذلك أنه لن يكون خطأ مطلقا إذا ما واجهنا أية نظرية بأسئلة على شاكلة: ما الذي وقف خلف ظهور تلك النظرية؟ أية مصالح وقفت خلف تقدم أو تراجع تلك النظرية؟ في أي وسط تم قبول هذه النظرية وتداولها؟ أي قدر من القبول لقيت هذه النظرية في بيئتها الإدراكية والاجتماعية؟

وبالتأكيد لا تعني هذه الأسئلة أن تلك هي الطرق الوحيدة التي يمكن بها فحص أية نظرية. لكن تلك هي الأسئلة الشرعية التي اعتقد بيقين جدوى طرحها، وعلاوة على ما سبق، أود ان أقترح أن المهارات التقليدية التي يمتلكها الجغرافيون ـ كالمهارات الكارتوجرافية والمسوحات الإقليمية ـ قد استحالت إلى أدوات للإقناع البلاغي استخدمها الجغرافيون لتعزيز سلطة توكيداتهم البحثية. ولعل الوسائل الكارتوجرافية وغيرها من أشكال التمثيل البصري التي وظفتها في نصوص هذا الكتاب هي الأخرى عرضة للتحليل البلاغي.

وثالثا، سيتطلب منا ذلك المنهج تجاوز التمييز التقليدي بين النص والسياق. وفي نظري أن النص والسياق لا ينفصمان ويتمتعان بتزاوج ترابطي في تاريخ العلم الجغرافي. ويبدو لي أن استخدام المناهج السياقية في معالجة التاريخ الفكري، لم تكن في كثير من الأحيان أكثر من اعتذار عن الاختزالية المسيسة المتطابقة للميزة التفسيرية ـ التي عادة ما تكون بطريقة غير مفحوصة أو مختبرة ـ للجانب الاجتماعي السياسي من المعادلة. وما نحتاجه بدلا من ذلك هو شىء أبعد ما يكون عن التماثل Symmetrical، نحتاج حقيقة إلى إحساس أكبر بكيفية تشكيل النص والسياق بطريقة تبادلية. ولكي نعرف ما الذي يشكل المجال الداخلي intramural للجغرافيا (النص أعني) ـ فإن ذلك يحدد جزئيا ما يؤلف المجال الخارجي extramural (السياق أعني). ولماذا لا نجد سوى القليل جدا من مؤرخي الجغرافيا منخرطين في هذا السؤال المهم المتعلق بضرورة عدم الفصل بين النص والسياق. كما أنني أعتقد انه بوقوفنا على كيفية ترابط النص والسياق سنتمكن حينها من البدء في فهم تاريخ التراث المعرفي الجغرافي. ومن ثم فإنه ليس دقيقا القول بأن الجغرافيا في إنجلترا في القرن 16 كانت تمارس في سياق سحري ـ كالتنجيم، والخيمياء alchemy  وما شابهها ـ بل الأدق القول بأن الجغرافيا كانت جزءا من سياق سحري. وهنا إذا فصلنا النص عن السياق وفسرنا أحدهما بمفاهيم الآخر فكاننا نقطّع إربا ما كان في الأصل كلا متصلا.

وحين نتعاطي مع النص والسياق معا سنتمكن حينها فقط من فهم المعاني الحقيقية التي يستخدمها الجغرافيون ـ وفي مقدمتها الخريطة، الإقليم، اللاندسكيب، البناء الاجتماعي، دور العامل البشري في البيئة الطبيعية، وحينها فقط سنفهم تغير حالة تلك المعاني من سياق إلى آخر، وحاملة معها في هذا الانتقال “سُحب من دلالات السياق السابق” على نحو ما يعبر ديفيد هل Hull. وفي حقيقة الأمر، فإنه إذا لم يكن لدينا إحساس أكبر بالتغيرات التي تشهدها المفاهيم والسياقات فإن مسميات مثل النص والسياق ستخفي أكثر مما ستكشف. ولعل مجمل فكرة العامل البشري أو الموضوع الإنساني لهو في حقيقته مثال على ذلك، وبدون أن نضع المصطلح في إطاره المفاهيمي المناسب سيكون من الصعب معرفة ما إذا كان مُستخدم هذه المصطلحات يقصد صورة أوغسطين عن الرب، أم يقصد ثنائية النفس والجسم لدى ديكارت، أم الفكرة الماركسية عن الحطام Flotsam & Jetsam في التاريخ الاقتصادي، أم داروينية إلباس الشمبانزي بنطالا. فالمحتوى الإدراكي في تلك المصطلحات التي نستخدمها عرضة للتغير التاريخي ولا يمكن أن تبقى ملائمة وفق افتراضات ذات توجه ماهوي essentialist  غير نقدي. ويعيدنا ذلك مرة اخرى إلى ما ذهبت إليه من قبل. وهو أن ما هو حقيقي وصحيح في هذه المفاهيم لهو ـ من باب أولى ـ حقيقي في الجغرافيا نفسها.

بيت الجغرافيا

2020-02-05T01:10:08+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا