الجغرافيا وطبيعتها التطبيقية

2020-02-06T01:28:53+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السابع من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

كانت دراسة الجغرافيا بالنسبة لـ”هيو روبرت ميل   Hugh Robert Mill ذات طبيعة تطبيقية. وكان السبب بسيطا، فالجغرافيا محورية لتحقيق الرفاهية، واستمرارية الأمة كقوة بين دول العالم. بالإضافة إلى أنها توفر آلية لحل كافة المشكلات التي تؤثر على العلاقات المتبادلة بين الأرض والناس لتكشف مسار التاريخ، وتساهم في توقع اتجاه الحركات السياسية، وتحدد الاتجاه الصحيح للتنمية الصناعية والتجارية. وفي ظل هذه المساعي لا عجب أن ميل – وهو أحد الجغرافيين البريطانيين والخبير في القانون الدولي خلال أواخر العهد الفيكتوري- توقف خلال خطابه الرئاسي في عام 1901، أمام لجنة الجغرافيا في الرابطة البريطانية للتقدم العلمي، لرثاء ما مر من القرن التاسع عشر دون الاهتمام بدراسة الجغرافيا، وكان الأمر أقرب لرثاء صديق عزيز.

وقد كان ميل مغرما بما قد أظهرته الجغرافيا من نزعة علمية تطبيقية خلال القرن الذي ظهر فيه داروين. وعلى نحو ما رأينا، كانت الجغرافيا في الفترة السابقة على ظهور نظرية داروين- على نحو ما ظهر في دراسة الجغرافيا الأمريكية والبريطانية- مُسَخَّرة لخدمة المصالح الوطنية سواء في داخل أو خارج حدود البلاد. ويمكن الوقوف على مثل هذه المصالح المحورية في دور الجغرافيا بوضوح في مناطق العالم المختلفة، فعلى سبيل المثال كانت المعرفة الجغرافية في فرنسا خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، مرتبطه ارتباطا وثيقا بالسياسة العسكرية لحكومة نابليون، فإلى جانب الخدمات الاستراتيجية والبيروقراطية التي قدمتها للدولة، لبت الجغرافيا الاحتياجات الوطنية للمعلومات المدنية، ومتطلبات تحقيق حضارة إمبراطورية. إضافة إلى أن الممارسات الجغرافية لهذه الفترة، عكست على نحو ما كشفت مؤخرا آن جودلشكا Anne Goldewska التغيرات التي شهدتها الخدمات اللوجيستية وتكنولوجيا الحرب.

وفي ظل حكم نابليون كان هناك شغف شديد نحو الدقة الجيوديسية وحصر الموارد البشرية لخدمة الأغراض العسكرية. الأمر الذي أوجد فريقاً من المهندسيين الجغرافيين -كما أطلق عليهم- مدربين على المهارات الحرفية للمسح الإقليمي. وقد قام هؤلاء الجغرافيون العسكريون كل عام بإنتاج آلاف الخرائط، ومئات المذكرات، وعشرات الأطالس. ففي المجلة التي كان يصدرها كونراد مالت برون تحت عنوان “حوليات الرحلات Annales des Voyages ” والتي أُسست عام 1807، احتل تمجيد النظام النابليوني مساحة كبيرة. وهكذا أظهر الجغرافيون العسكريون ولاءهم باعتبارهم وكلاء عن الإمبريالية والحداثة، عبر إيمانهم بعقيدة أن “كل ما هو محلي أو إقليمي أو مرتبط بالسكان الأصليين لهو أدنى في المنزلة الحضارية(3)“. ومع مثل هذا الاعتراف بما يعتقده الجغرافيون العسكريون، عمقت الجغرافيا الفرنسية نفسها بالمتطلبات الاستعمارية لتلك الحقبة من الزمن.

فالحملة العسكرية الفرنسية على  مصر (1798-1801)، ونظيرتها على الجزائر (1839-1842) مثلت مصدراً رئيسياً للاستخبارات الجغرافية. فقد كان ينظر إلى حملة فرنسا على الجزائر على سبيل المثال باعتبارها فتحاً حضارياً، وفي هذا السياق كان ينبغي فهم التحول المفاهيمي في طبيعة الجغرافية الفرنسية في منتصف ذلك القرن، وبخاصة الابتعاد عن التركيز التقليدي على الأبعاد الجيوديسية وعلاقتها بحتمية المكان. وبالنسبة للحملة على مصر، خرج الفرنسيون بموسوعة مكونة من ثلاثة وعشرين جزءا حملت اسم “وصف مصر Description de I’Egypte” والتي ظهرت في الفترة من 1809 إلى 1828، وقد اعتبر إدوارد سعيد هذه الموسوعة نقطة تحول في تاريخ تمثيل وتصوير ما هو غير مألوف. ولم يكن كتاب “وصف مصر” فريدا فقط في حجمه، بل مثل عملا متمتعا بوعي ذاتي يهدف إلى استنطاق غرائبي للحياة المصرية بطريقة تستأنس ما هو بعيد عن المحددات الأوربية الساعية إلى الإفتنان بالنفس. فمن خلال إعادة توجيه المصير المصري “بعيدا” عن الشرق، وأخذه “نحو” الغرب بفنه، وعلمه، ورؤيته البيروقراطية يمكن دمج مستقبل مصر الجديد بالمشروعات النابوليونية. على هذا النحو فإن الحملة الفرنسية على مصر، والتي أخذت شكل “بعثة تقصي الحقائق Fact-Finding Mission” قد تحولت – بكلمات إدوارد سعيد – إلى “إستيلاء جماعي رهيب لدولة على دولة أخرى”. علاوة على ذلك، فالاستراتيجيات التي وظفها الفرنسيون في هذه المناطق كانت تهدف إلى “الكشف عن الكنوز الفكرية في هذه الأراضي العريقة، وتقديمها في إطار المناخ العالمي”. وقد تكرر هذا الأمر- على نحو ما ذكر دنبار Dunbar- على الجانب الآخر من الأطلسي مع البعثة العلمية الفرنسية إلى المكسيك في منتصف ستينيات القرن التاسع عشر.

على هذا النحو ظلت هذه الاهتمامات تسيطر على الجغرافيا الفرنسية خلال الربع الثالث من ذلك القرن، وهو ما اتضح من الطابع الوطني في عمل الجمعية الجغرافية في باريس خلال سبعينيات القرن التاسع عشر. وقد ترددت أصداء تلك الدعاوى “الوطنية” عبر روابط جغرافية صغيرة ظهرت إلى حيز الوجود لاحقا. وقد واكب ازدهار الجمعيات الجغرافية الفرنسية تجدد الدعوات “من أجل السيطرة على الأقاليم”. ففي باريس على سبيل المثال، كان هناك اهتمام متجدد “بالفتوحات الحضارية الفرنسية على الشعوب الهمجية” لاستكمال القصور الذاتي الذي عانته الجغرافيا كتخصص علمي. لذلك لم يكن من المستغرب أن يحمل المؤتمر الدولي الثاني للعلوم الجغرافية بباريس في 1875، عنوان” العمل الدولي الكبير للفتوحات الحضارية السلمية على الهمجية”. وفي هذه البيئة تم الترويج للجغرافيا باعتبارها “واحدة من الضروريات الحتمية في الوقت الراهن”. وهنا ظهرت مرة أخرى وبشكل كبير فكرة “التطبيقية العملية للجغرافيا”. فقد لاحظ أحد المعلقين المعاصرين، أن الفتوحات الجغرافية لم يكن لها- على خلاف ما كان يعتقد لفترة طويلة- اهتمام علمي أو افلاطوني، ولكنها رسمت الطريق للاستغلال الاستعماري.

وبدعم من الحكومة الفرنسية، لم يكن من المستغرب أن تلقى البعثة الجغرافية التي قادها الراهب ديبيز Abbe Debaize عبر القارة الإفريقية ترحيبا في البرلمان الفرنسي والذي أعرب رئيسه جورج بيرن George Perin بالقول “بغض النظر عن الأهمية العلمية لهذه البعثة فإن مهمتها في العموم تحمل مصالح اقتصادية للبلاد. وفي ضوء الربط بين الجغرافيا الفرنسية والتجارة الفرنسية يمكن فهم الدعوة الحماسية للتوسع في إيجاد مجالات للجغرافيا التجارية، والجغرافيا الاستعمارية في فرنسا في هذا الوقت. وفي حقيقة الأمر جاءت مبادرة إنشاء جمعية جغرافية في مدينة ليون من قبل مجموعة من أعضاء مجتمع الأعمال، في حين أصر أمين الجمعية الجغرافية التجارية في مدينة بوردو، على أن الجغرافيا “يجب أن تُظهر قدرتها النفعية وتطبيقاتها العملية”.

ولم أكن أقصد من العرض السابق القول بأنه في السياق الفرنسي كانت الجغرافيا أو الإمبريالية هويات ذات توجه أحادي متناغم وكلي وغير عرضة للنقد. فقد كان هناك بالتأكيد تيارات وممارسات فكرية متعارضة بشكل ملحوظ، ظهرت جزئيا على الأقل من خلال نقطة ارتكاز متغيرة للطموحات الاستعمارية بعد عام 1870، والتي انتقلت من الهامش الاستعماري إلى النواة الحضرية الكبرى. وعلاوة على ما سبق، تغيرت الموضوعات محل الاهتمام بمرور الزمن. ففي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فإن ما أسماه هيفرنان Heffernan الاستعمارية “الطوباوية” التي روج لها أونفونتان و دوفيرييه Enfantin and Duveyrier (اللذان استعارا من مفاهيم النوع Gender في حديثهما عن الاتحاد المثمر بين الحضارة الذكورية الأوربية ونظيرتها الأنثوية الإفريقية والآسيوية) تعرض للتلاشي في أعقاب ظهور النسخة الأكثر وطنية التي روج لها أناتولي بريفوست – بارادول Anatoli Prevost- Paradol. وعند نقطة معينة فإن هذا الأداء الثقافي في العلاقة بين الطرفين يتحول إلى طبيعة اقتصادية نفعية. ولهذا كله، كانت الجغرافيا في فرنسا- وعلى نحو ما ذكر ميل Mill- شديدة العملية والنفعية؛ إلا أن هذه الصبغة العملية لم تكن فقط على النحو الذي عبر عنه هيفرنان، من كون “الجغرافيين الفرنسيين كانوا مع طليعة اللوبي الاستعماري، ومن أوائل الداعين والمدافعين عن الإمبراطورية، ولكن أيضاً في إطار الدعوة للإصلاح التعليمي الداخلي باعتباره وسيلة لتجديد الولاء الوطني في أعقاب الحرب الفرنسية البروسية.

وكان التضافر بين المعرفة الجغرافية والاستعمار، والذي عبر عن نفسه بوضوح في الحالة الفرنسية، قد استمر دامغا لجزء كبير من الجغرافيا الناطقة بالإنجليزية خلال العقود التي أحاطت بنهاية القرن التاسع عشر. وكما أشار براين هدسون Brian Hudson عام 1977، من أنه كان هناك انسجام وثيق وتزامن بين ظهور “الجغرافيا الحديثة، والاستعمار الجديد”. وفي حديثه إلى جمهور من المستمعين في الجلسة الافتتاحية للجمعية الجغرافية الاسكتلندية في ديسمبر1884 أعرب ستانلي  H.M Stanely  عن أمله في أن “ننظر إلى الجغرافيا من خلال ارتباطها الوثيق بنمو الإمبراطورية البريطانية”. وبعد مرور عقد ونصف من هذه المناسبة توسع هيربرتسون A.J Herbertson في مناقشة ما أسماه “العامل الجغرافي في المشكلات الاستعمارية”؛ فقد وجه في خطابه الرئاسي أمام الرابطة البريطانية للتقدم العلمي عام 1910، الدعوة إلى تدريب الجغرافيين على مهارة التنبوء الاقتصادي، وإنشاء قسم استخباراتي إمبريالي يعمل به الجغرافيون المدربون من خريجي الجامعات.

من الجدير بالذكر أنه في ضوء هذه الرؤى هناك خطورة للخلط بين الجغرافيا والإمبراطورية، حيث يتم النظر إلى الجغرافيا فقط باعتبارها الضامن العلمي لاستغلال الشعوب عبر البحار. بينما الحقيقة هي على النقيض من ذلك، حيث أن “زمن الإمبراطورية” – وكما ذكر درايفر Driver مؤخراً- قد “تشكل نتيجة لطرق مختلفة معقدة ثقافياً، وسياسياً، وكذلك اقتصادياً”. وينطبق الرأي نفسه على الجغرافيا، فالأمر ليس مجرد النظر إلى المعرفة الجغرافية باعتبارها ظاهرة مركزية داخل الإمبراطورية، ولكنها مسألة تبادلية، فقد ساهم كل منهما في تشكيل الآخر.

المناخ كمبرر للاستعمار

أود في البداية البحث في الروابط بين الإمبريالية الناطقة بالإنجليزية، والمعرفة الجغرافية وذلك من خلال تركيز حديثنا عن المناخ. وما أذهب إليه هنا أن المناقشات حول المسائل المناخية من قبل الجغرافيين طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت متضمنة إلى حد كبير في الدراما الاستعمارية وظهرت جلية في التوصيف اللغوي للأحكام العرقية. بعبارة أخرى، فإن مصطلحات التقييم السياسي والأخلاقي كانت جزء لا يتجزأ من قواعد علم المناخ. من ثم ومن خلال التركيز على المناخ، آمل أن أتمكن في السطور التالية من توضيح شىء عن الطريقة التي تم بها تشكيل الادعاءات العلمية من قبل المناصرين لتقييم أخلاق وسمات الشعوب بناء على السمات المناخية لبيائتها.

السلالة والإقليم والمناخ

خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، انتشرت في الكتابات الجغرافية فكرة أن الأقاليم المناخية على الصعيدين المحلي والعالمي تتضمن معالم للسلوك العرقي. فارتباط الجغرافيا والأنثروبولوجيا في منتصف القرن التاسع عشر قد ساعد على تسهيل مثل تلك المناورات المفاهيمية. وكما رأينا في وقت سابق، كان هناك تداخل كبير بين عضوية الجمعيات الإثنولوجية والجغرافية في فترة مبكرة من العصر الفيكتوري(1837-1901). لذلك لم يكن من المستغرب أن يقوم العالم الإثنوجرافي جون كروفورد  John Crawfurdفي 19 نوفمبر 1861، بلفت انتباه الإثنولوجيين إلى أهمية العلاقة بين الجغرافية الطبيعية والإثنوجرافيا”. وكان غرضه بسيطا للغاية، وهو إعداد سجل معلوماتي عن آثار المناخ الإقليمي على التكوين العرقي. فالطابع المتعلق بالقيم الأخلاقية لمشروعه كان واضحا للعيان، ويقوم على أن المناخ في أستراليا أوجد مجموعات بشرية من أعراق سوداء متوحشة، بينما في أفريقيا تتفق سمات السلالات البشرية مع مساوئ جغرافيتهم الطبيعية. ولم يكن واضحا ما إذا كانت الظروف المناخية هي التي “أوجدت” هذا التدني العرقي، أو ما إذا كانت “وُضعت” من قبل الرب أو “الطبيعة” في هذه النظم المناخية. وبغض النظر عن ذلك نظر كروفورد وزملاؤه إلى كون العرق والإقليم مرتبطين معا بإحكام. من ثم وبعد مرور ثلاثة أشهر، تمكن جيمس هانت  James Huntمن التوصل إلى المقولة ذاتها بأن “سكان الدول ذات “المناخ الاستوائي” يعيشون في ظل حالة سلوكية متدنية، ويتسم سكان هذه المناطق بأنهم ذوي ميول شهوانية. وعلى النقيض من ذلك، أكد على أن سكان “المناطق المعتدلة” يتمتعون بنشاط عقلي متزايد”.

وعليه، ظهرت فكرة الترابط الوثيق بين العرقية والإقليمية بين الجغرافيين في رصدهم الطبيعي والديني للتاريخ العرقي للجنس البشري. فإعطاء المفردات الجغرافية سمة طبيعوية، كان له أثر طفيف في تبرير المحاولات التي كانت قائمة، ومع تغير السياقات ظلت الأحكام كما هي. وقد ظهر هذا الأمر جلياً عند مقارنة الصورة الذي قدمها أرنولد جيو Arnold Guyot لجغرافية السلالات، مع تلك التي قدمها الجيولوجي ألكسندر وينتشل Winchell من جامعة ميتشجان، فقد أكد جيو على أن “الخالق” هو الذي وضع مهد الجنس البشري وسط القارات الشمالية، وليس في وسط المناطق الاستوائية، التي يتمتع مناخها بالصحو والإشراق من ناحية لكن المتسبب في حالة من الضعف والوهن ومن ثم الخمول والكسل من ناحية ثانية. وقد رأى وينتشل أن الطبيعة هي المسؤولة عن وجودهم في وسط المناطق التي لا تشهد أية إثارة أو كفاح اجتماعي أو قومي. وفي ضوء أي من التفسيرين – سواء الخالق أو الطبيعية- تم إرجاع التكوين السلالي إلى الاعتبارات المناخية.

وكانت صياغة رباط بين المناخ والسلوكيات البشرية قد قدم فرصة موازية يمكن من خلالها رسم الاختلافات السلالية على المستويات المحلية. وهنا على سبيل المثال يمكن الرجوع إلى التحليل الذي قدمه جوزيف طومسون Joseph Thomson، عالم الجيولوجيا والجغرافيا والمستكشف من جامعة إدنبره، الذي سافر خلال حياته بشكل مكثف إلى شرق أفريقيا. ففي عام 1886، وخلال فترات الراحة التي تخللت هذه الرحلات، تحدث في اجتماع الجمعية البريطانية في برمنجهام حول تجربته في النيجر والسودان الأوسط، وهي الكلمة التي ظهرت لاحقا من نفس العام في المجلة الجغرافية الأسكتلندية. ففي كلمته توقف مليا للحديث عن التأثير التطوري للسلوكيات التي تفرضها الظروف المناخية. وذهب يقول:

“كنا نمر أعلى نهر النيجر لنجد تحسنا مستمرا في المناخ، وصادفنا هناك نوعا أرقى من البشر، ومجتمعات أكثر تنظيما وراحة، وحرفا صناعية أرقي. ومن ثم فإن هذه الظروف الجيدة هي نتاج لتحسن البيئة بلا شك، وعلى دارسي المحفزات عند داروين أن يستقوا الدروس المتعلقة بدراسة العلاقات بين الإنسان والبيئة من هذه المناطق”.

ومن ثم فإن “الصراع من أجل البقاء” قد أدى إلى ظهور نوع من البشر أرقى عقليا وطبيعيا”. وبالتالي يمكن بوضوح تعيين ورسم المعالم المتغيرة للاقتصاد المتوقف على السلوكيات التي يفرضها النظام المناخي. وقد أكد على حقيقة أنه في الروافد العليا من نهر النيجر:

“ما زال هناك زنوج،.. لكن ما مدى اختلافهم، هل هم الهمج، وآكلو لحوم البشر، أم يقع أمامنا شعب يقظ بحماس ووعي ديني، متقدم في الفنون والتصنيع”.

وفي هذا النمط من الكتابة نجد تداخلا واضحا بين الكتابة العلمية والوعظ الديني. وقد استطاع طومسون أن يرهن السلوكيات السلالية بالظروف المناخية. كما كتب في العام نفسه لقراء المجلة الجغرافية الأسكتلندية أنه “يجب أن نتعامل مع الزنوج كما يتعامل الأب مع طفله، بدلا من تبديد سنوات في تطويع منظومتهم العقلية والسلوكية على مدار جيلين أو ثلاثة، قبل أن نطمئن إلى أنه يمكنهم أن يعتمدوا على أنفسهم.

وواضح هنا تأثير النزعة البيولوجية على هذا التحليل. وقد كانت هذه الالتزامات الأخلاقية في الوقت نفسه ذات تداعيات سياسية، فالأحكام المتعلقة بالحالة القيمية الحالية للجماعات الإثنية لها أثار مباشرة على مستقبلهم في ظل اقتصاد استعماري عالمي، ويكون الحل الأمثل لهذه السلالات المتأخرة هو الوقوع تحت وصاية السلالات الأرقى، وذلك مع تعذر المساواة العرقية، وقد مثل ذلك الحل الذي دعا إليه جيمس بريس Bryce- كبير سفراء بريطانيا عبر المحيط الهادئ وحليف هالفورد ماكيندر-  في الجلسة الافتتاحية لفرع لندن من الجمعية الجغرافية الاسكتلندية في أبريل 1892.

فعلى نحو ما لاحظ بروس حينما تحدث عن الصينين:

” فإن أيا من هذه الشعوب الاستوائية ليس لديها حضارة محلية، ولم تلعب دورا في التاريخ؛ سواء على شكل قوى غازية أو فكرية أو بأي شكل من الأشكال، ولم يتجاوز دورهم تقديم الأيدي العاملة والثروات المادية، لكن أيا من هذين الجانبين لم يكن عرضة للتنمية والتطوير بما يؤدي إلى أوضاع أفضل مما هم عليه. وظلوا محافظين بقدر المستطاع على ثقافتهم، تحت وصاية الشعوب الأوروبية الخمس أو الست التي اقتسمت هذه المناطق الحارة بينهم وقسموا مواردها بينهم. وفي ظل محفزات العلم والسلام، تمكنت أعداد هائلة من هذه السلالات الصفراء والسوداء من النمو، علاوة على قدرة البعض منها على استيعاب الجوانب المادية للحضارة الغربية، الأمر الذي مكن البعض منهم من لعب دور أكبر في مستقبل العالم مقارنة بالدور الذي لعبوه  في الماضي”.

على هذا النحو كانت فكرة أن للمناخ بصمة واضحة في التكوين العرقي، ليس من الناحية الفسيولوجية فقط بل من الناحية النفسية والمعنوية، قد قدمت حافزا ذا أثر عميق ودائم في الجغرافيا الناطقة بالإنجليزية. وليس لدينا هنا متسع لعرض تسلسل زمني لمثل هذه الدراسات رغم أهمية تقديم ذلك. وتكفي هنا الإشارة إلى الكتاب الأصولي الذي ألفه أوستن ميللر وعنوانه “علم المناخ”، والذي نشر لأول مرة في عام 1931،  شارحا فيه أن “كل مناخ يفرض من الناحية النفسية عقلية فطرية طبيعية خاصة بسكان هذه المناخ، ويصبغ بها المهاجرين إلى هذه الإقليم المناخي”. إلى جانب ذلك هناك ارتباطات سلوكية مباشرة تفرضها تلك الظروف المناخية، حيث ذهب يقول: “إن المناخ الرتيب الذي تتميز به معظم المناطق الاستوائية، جنباً إلى جنب مع وفرة موارد الغذاء التي يحصلون عليه بسهولة، تؤدي إلى وجود شعوب خمولة وكسولة، ميالة للعمل كأجراء، نتيجة لذلك تعرضت هذه الشعوب في الماضي إلى العمل القسري الذي بلغ ذروته في العبودية. اللافت للنظر هنا هو الطريقة التي مازالت تستخدم بها المصطلحات القيمية مثل الرتابة، الكسل، الخضوع، كثوابت علمية مستقرة، نتيجة للسلوك العقلي والأخلاقي تحت ما عُرف باسم” الاقتصاد السلوكي المحكوم بالمناخ” Climate’s Moral Economy.

وتؤكد فكرة أن التكوين العرقي كان ناتجا عن الظروف المناخية على المرجعية المكانية للطابع العرقي. وبالتالي يمكن تقديمها في شكل خرائطي، فما يطلق عليه “الكارتوجرافيا الأنثروبومترية “Anthropometric Cartography وهو مشروع تم تناوله بدرجات متفاوته حسب التوجه الأيديولوجي لعلماء الأنثروبولوجيا والجغرافيا على حد سواء. وقد استعرضنا من قبل محاولات جليدون Gliddon لتناول هذا الأمر في كتاباته. حيث تبين أن المشروع الكارتوغرافي كان بمثابة أداة دعائية لإقناع وتبرير قوة الحجج المزعومة. ويمكن إثبات هذا الأمر من خلال الإشارة السريعة لاستخدام ألسويرث هنتنجتون للخرائط كأدلة في مؤلفه عام 1924 الذي حمل عنوان شخصية الأعراق Character of Races.

وهكذا أعلن عن رأيه الذي أثار الجدل حوله في عشرينيات القرن التاسع عشر، بأن حالة قصر الرأس لدى الصينيين Brachycephalic (ومن ثم الزعم بتدنى مستواهم العقلي بدرجة مساوية لسكان أستراليا الأصليين) قد يقدم الحل السكاني لمشكلة المستوطنات بتشجيع هجرة الصينين إليها. وقد تعارضت وجهات النظر تلك مع السياسة التقليدية لأستراليا البيضاء، الأمر الذي جعل من تايلور عرضه للهجوم من قبل الصحف، حتى غادر سيدني في 1928، ليتقلد منصبا في جامعة شيكاغو.

وإلى جانب الاستعانة بالمنطق الكارتوجرافي، أراد كل من تايلور وهنتينجتون صياغة نظرياتهم في إطار تاريخي لنظرية داروين عن التطور، حيث احتل دور المناخ في التطور العرقي محور اهتماماتهما. والمجال في هذا المقام لا يتسع سوى للتأكيد على الطابع الاستعماري التوسعي في كتاباتهم؛ فقد أشار تايلور مرارا في دراسته التي نشرها في مجلة “جيوجرافيكال ريفيوGeographical Review” عام 1919 بعنوان “الدورات المناخية” والتطور إلى أن المناخ قد يكون شاقا، صحيا، مواتيا، ومعززا للطاقة ..إلخ  حيث تبين خرائطه الملونة في هذا المجال مناطق الهجرة وارتباطها بتطور السلالات، التي تستند بالأساس على مؤشرات حجم الجمجمة للقبائل البدائية في كل منطقة. وقد قام تايلور بعد عامين بتوسيع نطاق تحليله من خلال الربط بين نمط السلالة ومؤشر حجم الرأس في مقابل السمات اللغوية والثقافية.                                                     النطاقات التي قدمها تيلور عن هجرة السلالات

 والمجال هنا لا يتسع لاستعراض المزيد من المحاولات التحليلية التي تستند إلى السمات اللغوية والرسم الخرائطي، فبدلاً من ذلك أريد ذكر الاستعارات الثلاث التي استخدمها تايلور للإشارة للتوجه الأيديولوجي لعلم المناخ القيمي وهي:

أولا: استخدم تيلور مقياس الدونية العرقية والطفولة، فقد أنتج هذا التطبيق لنموذج الشباب/ النضج/ الشيخوخة، صورا نمطية سلالية. فكثيرا ما اعتبر سلوك الزنوج الشبيه بالسلوك الطفولي صفة بدائية. أما الأجناس البيضاء فذات صفات متجددة المواهب والإبداعات وكلها صفات مرتبطة بمرحلة الشباب، بينما الأجناس الصفراء تتصف بأنها وقورة ورزينة، معتدلة ووسطية، ولكنها ذات نظرة سوداوية وميالة إلى الكآبة melancholic خطيرة، تأملية، الأمر الذي يشير إلى احتمالية أن يأتوا في مرحلة النضج في تطور الأجناس.

 ثانياً، أكد تايلور على وجود تناظر بين هجرة السلالة والسلوك المرتبط بطبقة ما في محفل رياضي كبير: ففي البداية ستأتي الطبقات الدنيا والمنبوذة، وهم الذين ستجدهم يتجولون بحرية حتى قبل وصول الجمهور الكبير للمكان، وقد وصلوا للمكان من خلال استخدامهم للطرق والممرات العادية لكنهم في الأخير يجلسون في أقل الأماكن جذبا للانتباه. وبعدهم ستأتي طبقة البروليتاريا (الطبقة العاملة) الذين سيتقدمون في نفس الطرق والممرات، ويتم دفعهم للخروج من الأماكن المخصصة لأفضل المقاعد والمخصصة لمن سيأتون بعد قليل من علية القوم.

 وبعد سنوات من تقديمه لهذه الرؤية وفي عام 1936، عاد تايلور مرة أخرى لدراسة هذا الأمر عندما قدم تمهيدا لدراسته حول “البيولوجيا البشرية Human Biology” معبرا عن رؤيته لنظريته عن النطاقات والطبقات. باختصار قام تايلور بالتوصل إلى أن خروج سلسة من الهجرات من منطقة ما يقدم تفسيرا لتاريخ التطور السلالي.

ومن ثم تأتى الاستعارة الثالثة – الاستعارة الجيولوجية عن النطاقات والطبقات – والتى أثارت فكرة انتشار المجموعات السلالية على حساب الثقافات الأولى البدائية، ثم خضوع هذه المجموعات بدورها لشعوب مهاجرة فى فترات لاحقة. كان تيلور قد طور سابقا استعارة فى صور رسم بيانى استراتبجرافي للتاريح اللغوي محدد عليه “الوافدون” و”الأصليون ” وموجات الطوفان البشرى.

وكان هذا المخطط قد طوره سابقا جوستاف فريتش Gustav Fritsch، أحد مُريدي موريتس  فاجنر Moritz Wagner،   ثم تم تطويره لاحقا على يد ماثيو W. D. Mathew. وكان مخطط تيلور يتضمن أيضا أن التوسعات المبكرة للأجناس البشرية لم تكن تتحرك بمعدلات أسرع فحسب، بل إنها أحاطت أيضا وطوقت الجماعات البشرية الأقل تطورا. وقد افترض تيلور أن مهد البشرية قد ظهر فى مكان ما فى وسط آسيا، وبناء على هذا قدم مخططه حول انتشار الإنسان عبر الكرة الأرضية. وذهب تيلور إلى أن التغيرات المناخية قد دفعت نسبه من البشر ليتجهوا إلى إفريقيا. وكانت النتيجة حتمية وهى أن الجماعات السوداء فى إفريقيا هى نمط قديم من البشرية مناظر أو قريب النسب بإنسان نياندرتال. وعلى نحو ما ذهب تيلور في 1951 بقوله:

“يقوم الافتراض على أن نمط نياندرتال قد عاش فى جنوبى آسيا وخرج منه الزنوج فى فترة تعود لأوائل البلايستوسين، ربما فى الفترة بين العصرين الجليديين جونز ومندل Gunz-Mindel. وليس هذا مرتبطا بأجناس متعددة Polygenism، بل هى تؤكد على تلك الاختلافات السلالية المبكرة. علاوة على ذلك، فإن اللوم الأخلاقى المرتبط بهذا المقترح يمكن أن نجده بوضوح فى كلمات تيلور القائله: “اعتقد أن ما ذهبت إليه صحيحا لأن الزنوج قد دفعوا نحو البيئة الراكدة فى المناطق المدارية . . ومن ثم احتفظ فيها بالعديد من الصفات البدائية”. ثم يخلص تيلور إلى أن “التطور السلالى قد ترك الزنجى خلفه فى حالة من التأخر. ويمكن العثور على الأثر التراكمي للمناخ على التكوين السلالى على مدار التاريخ التطورى للجنس البشري فى أعمال هنتنجتون بوضوح. ففى عام 1924 قدم عمله المعنون “البيئة وسمات السلالة” وذلك فى إصدار جمع عددا من المقالات التى كانت تتناول “التكيف العضوى مع البيئة” وهنا نجد أن المناخ كان “محددا رئيسيا” للنشاط البشري ومن ثم كان عنصرا أساسيا فى قصة هنتنجتون التى روى فيها تاريخ السلالات وسماتها.

وكما أوضح هنتنجتون، كانت السلالة البشرية قد ظهرت أولا فى مكان ما في آسيا، لكن ليس في المناطق المدارية بل ربما نحو الشمال أكثر. ثم أدخل هنتنجتون عاملا بيئيا محوريا ألا وهو حدوث تغير مناخي فى شكل فترات جليدية. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من الهجرات، والتى بدورها مارست تأثيرا حاسما لتاريخ التطور البشري. فأولئك الذين انتهى بهم المطاف فى المناطق المدارية، حيث كان التطور “راكدا وآسنا” أصبحوا يعانون من تأخر نفسي وبيولوجي، ذلك لأنه خلال مئات الآلاف من السنين لم يشهد وجود الإنسان فى هذه المناطق أية تغيرات ملموسة. ولم يحدث الكثير من أنماط الانتخاب الطبيعى “الجديد” يؤدى إلى مزيد من تقدم القدرات العقلية. وكنتيجة لهذا، فإن الأفارقة السود “يمثلوا أجدادنا البدائيين”. وكانت سمات هؤلاء الأجداد، يمضى هنتنجتون، تعبر عن “إنسان غير متخصص عقليا أو مهاريا بدرجة تقترب من الحالة التى انفصل فيها عن القردة العليا وحين هبط من الأشجار إلى الأرض. وليس من المتوقع إذن أن يتمكن هؤلاء البشر من الارتقاء كثيرا فى سلم الحضارة. على هذا النحو فإن العالم المداري يقع من الناحية القيمية على هامش التاريخ وتم استبعاد شعوبه من السجل الرئيسى للتقدم والتطور.

والشىء نفسه عن سكان أمريكا الأصليين الذين وصلوا إلى العالم الجديد عبر شمال سيبريا ومضيق بيرنج. وهنا وجد هؤلاء الناس أنفسهم “خاضعين لتطور قمعى”. وبناء على ذلك يحمل الهنود الأمريكيون معهم وللأبد خاتم المرحلة القمعية فى ماضيهم التطورى. وعلاوة على ما سبق فإنهم قد جلبوا معهم من الحياة البرية فى شمال سيبريا “الهستيريا القطبية” وتبتلى به المرأة أكثر من الرجل. وتكون النتيجة الإجمالية على نحو ما يصور هنتنجتون على النحو التالى :

“كان لهذا المرض الذي تركته البيئة القطبية من تداعيات سلبية على الإنسان أن أصبح الانتخاب الطبيعى عاملا  حاسما فى تحديد القدرات العقلية لمعظم شعوب أمريكا، وإذا ما قارنا الهنود الأمريكيين بالسلالات الأوربية، سنجد أن أحد أبرز الاختلافات ليست قاصرة فقط فى انخفاض المستوى العقلى وتدني القدرة على الأصالة والمبادرة، بل فى السلبية الواضحة. إذ كان للتاريخ البيئى القمعى الذى عاناه الهنود الأمريكيون آثارة فى تقليص الأنماط الشعورية لديهم.

الوفيات والهجرة: مسألة التأقلم

مع التغلغل الأوربي إلى العوالم المدارية وشبه المدارية، أصبحت مسألة التأقلم البشري برمتها محل اهتمام متزايد وبصفة خاصة مع نهاية القرن التاسع عشر. فعلى سبيل المثال قدم السير جون كيرك  John Kirk تقريرا إلى المؤتمر الجغرافي الدولي السادس والذى عقد فى لندن 1895 مشيرا فيه إلى أن “المناخ هو أكثر الاعتبارات على الإطلاق فى خيارات الأوربيين فى البحث عن مستقر لهم فى إفريقيا الوسطى”. وقد أكد الشىء نفسه رافينشتاين E. G. Ravenstein  حين أكد علي أن “مناخ أية دولة واستعمارها يرتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا”. كما كان قراء دورية المجلة الجغرافية الأسكتلندية على اطلاع بالقضايا المناخية – الاستعمارية من خلال التقارير التي عرضت للتجربة الألمانية فى إفريقيا المدارية، والمستعمرة البريطانية الجديدة فى جنوب إفريقيا، ومن خلال مراجعات ما قدمه مختلف الكتاب حول هذه القضية. وعلى نحو ما ذهبتُ سابقا، كانت مشكلة التأقلم والتصرف حيالها قد شكلت اهتماما علميا ومؤسسيا واستعماريا فى ذلك الوقت. وإضافة إلى ما سبق،  كانت المواقف التى يعتنقها المشاركون فى الجدال فى تلك القضية قد عبرت عن نفسها بالمثل.

وكانت ترد تقارير من ضباط الجيش حول إحصائيات المرض والوفيات فى الهند، وكان الموظفون الإداريون المستقرون فى الهند يتلقون معلومات دورية عن كيفية التكيف مع الأحوال البيئية فى المناخ الهندي، وأصبح الكتاب الذى ألفه جيمس جونستون James Johnston بعنوان “تأثير المناخات المدارية على الاستقرار الأوربى “قد أصبح بمثابة “الكتاب الطبي المقدس” للمسافرين إلى المناطق القطبية، وظهر فى ست طبعات بين عامى 1812 و1841.  وإلى جانب ذلك، ازدهرت صناعة الأشياء المتعلقة بالصحة العامة والنظافة للمسافرين إلى المناطق المدارية، مثل تصنيع ما يعرف بحزام الكوليرا (شريط قماشى يلف حول البطن للحد من رعشة ما بعد العرق) والقبعات الشمسية والقبعات التى تتدلى من الرأس على الرقبة للحماية من الشمس المدارية المُلهبة.

وكان الجغرافون بالتأكيد على دراية بهذا الحشد من التقارير والبحوث. ومن ثم فإن رافينشتاين أخذ ببساطة الأحكام التقييمية التى صاغها المؤيدون لفكرة عدم إمكانية تأقلم البيض باعتبار أن ما توصلوا إليه هو الحكمة بعينها وذلك حين بدأ فى رسم خريطته عن “يابسة الأرض التى ما تزال متاحة للاستقرار الأوربى”. وكان التدهور الديموجرافى للبريطانيين فى الهند، والهولنديين فى جاوة بإندونيسيا والبرتغاليين فى البرازيل، كلها ببساطة قدمت البرهان المُفحم. إضافة إلى ذلك، قدم سيلفا وايت Silva White  فى العام (1891). خريطة بعنوان “القيمة المقارنة للأراضى الإفريقية”. قام من خلالها برسم العناصر المناخية التى خلص منها إلى أن المناطق الصالحة لسكنى الأوربيين هى فقط الواقعة فى النطاقات شبه المدارية أو المعتدلة.

ويجب أن نلاحظ أن خريطة وايت مثلت حالة أخرى من استخدام الكارتوجرافيا كأداة إمبريالية. وقد اعتبر وايت فى النهاية أن خريطته بمثابة توضيح بيانى حول “القيمة النسبية للأراضى الإفريقية لأية قوة من القوى الأوربية الاستعمارية”، وأعرب بشكل صريح أن “كافة الدوافع الإنسانية يمكن أن توضع جانبا لأنها ليست وثيقة الصلة بمسألة البحث الذى نتناوله هنا.

وبالمثل كانت الاهتمامات الطبية والديموجرافية بالموضوع على جانب كبير من الأهمية فى التقييم الجغرافى لمسألة التأقلم. لكن الاهتمام الجغرافى سرعان ما وُجه إلى قضية الأيدى العاملة. وبدأ الجغرافيون يتساءلون هل السلالة البيضاء قادرة على أداء الأعمال البدنية فى المناطق المدارية؟ كان هذا هو السؤال. وإذا كانت الإجابة بالنفى، فما هى إذن السياسة الواجب اتباعها؟ على هذا النحو قام هنرى أونيل Henry O’Neill، القنصل البريطانى فى موزمبيق، والحائز على الميدالية الذهبية من الجمعية الجغرافية الملكية، بتقديم رؤيته للجغرافيين فى جامعة إدنبره فى عام 1885 بأن ساحل إفريقيا الشرقية “غير مناسب للعمالة البيضاء”.

وكانت هذه قضية على جانب كبير من الأهمية،  خاصة أن القوانين الإنجليزية لم تعد تقبل “بالعمل القسري أو الإلزامي بأى شكل وبأية درجة”. وفى العام اطلع الجغرافيون الاسكتلنديون، فى صورة مختصرة على نتائج العمل الذى قدمه فيشر Dr. Fisher وخلاصته أن مناخ إفريقيا المدارية “غير مناسب على الإطلاق للأوربيين “وبالتالى فإن “الزراعة أو أية أنشطة استزراع أخرى يمكن أن يقوم بها فقط الزنوج أو غيرهم من السكان المحليين. وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ سمع الجغرافيون من جامعة لندن الشىء نفسه من “جراف فون بفيل” حين ذهب الى “أن العمالة اليدوية لا يمكن أن يقوم بها المستوطنون البيض بأية درجة ممكنة”. وفي ضوء تلك الحالة المحزنة، ذهب السير هارى جونستون – أحد الموظفين الإداريين فى إفريقيا الشرقية – إلى الاعتراف بأن النقطة الفاصلة تكمن فى التساؤل عن “كيف يمكننا بعدد محدود من الأوربيين أن “نحكم” الأقاليم المدارية . وكيف يمكننا دون خسارة كبيرة فى الأرواح أن نلزم أتباعنا من المواطنين المحليين بأن يحكموا تحت إشرافنا الأقاليم المدارية.

 على هذا النحو كان جونستون يريد “حكم” البيض للمناطق المدارية وليس “العمل” فيها.  وفى هذا الصدد ذهب فى عام 1920 فى تقريره الذى يحمل عنوان “الشعوب المتخلفة وعلاقتنا بها” إلى القول بوضوح إن “التمييز الأساسى والجلى بين الشعوب المتأخرة والمتقدمة هو تمييز أساسي يتسم فيه النوع الأول ببشرة ملونة بينما النوع الثانى ذو بشرة بيضاء”. وكان هذا النوع  المريح من الأحكام قد شجع بنيامين كيد Kidd  مبكرا فى 1898 للحديث عن التنافس للسيطرة “غير المباشرة” على المناطق لأن مناخها لا يناسب سوى الأجناس السوداء المحلية ولا يمكن له أن يصبح “وطنا طبيعيا “للبيض.

وفيما بين الجغرافيين، كانت الأبحاث الطبية المتعلقة بالتأقلم قد تم ترجمتها باعتبارها حتميات استعمارية عن العمالة البيضاء فى المناطق المدارية. لكن كانت هناك فجوة فى الحملة المناهضة للتأقلم، تمثلت فى ظني فى عودة الحديث عن تأثير المناخ في السمات العقلية والمهارية للسكان المحليين. إذ لم يكن الحديث عن آثار المناخ على سمات البشر قاصرا على السكان المحليين فحسب، بل شمل أيضا تأثيره على مدى فعالية الهجرات العابرة للمناطق المناخية المختلفة.

وستبدو تفاصيل هذه المسألة حين نراجع المعالجات الأمريكية للموضوع، ويعد هنتنجتون أبرز من ساهموا فى معالجة المسألة. ففى 1914، كتب فى دورية “مجلة تطور السلالات” مقالا عن “الخمول المدارى Tropical Inertia” الذى يؤثر على أولئك الذين هاجروا إلى تلك المناطق. كان هنتنجتون يقصد بالخمول المدارى التدهور فى القدرات الذهنية والمهارية التى تعبر عن نفسها فى “نقص الطاقة الفعالة ” و”نقص الصناعة ” و”الطبع المتهيج والمزاج الحاد ” والميل الى “الإفراط فى الشراب لدرجة الثمالة” و”الإفراط فى الملذات الجنسية”. ولم يكن هنتنجتون وحده فى إطلاق هذه الاحكام،  فكثير من الجغرافيين اللاحقين استعانوا بما قدمه هنتنجتون فى هذا الصدد. فقد قام آرثر بلفور – مدير مدرسة لندن للطب المدارى خلال الفترة من 1923 إلى 1931 – باستخدام بحث هنتنجتون فى دعم أحكامه حول التدهور الحضارى والمناخ المدارى. وقبل ذلك بسنوات قليلة كانت إلين تشرشل سمبل تحذر من “الاعتلال الذى يصيب الوظائف الفسيولوجية للقلب والكبد والكُلى والأعضاء التناسلية “لدى المستوطنين البيض فى المناطق المدارية. وخلصت سمبل إلى أنه يجب استبعاد فكرة استيطان البيض القادمين من بيئات معتدلة المناخ، إلا إذا تمت عمليات تهجين بين السلالتين، واعتبرت ذلك خيالا مكلفا للغاية.

وفى عام 1926 قدم جلين ثريورتا لمجلة “جيوجرافيكال ريفيو” مراجعة للأعمال الطبية الحديثة عن مسألة الأقلمة. وقد لاحظ فى مقاله مجددا أن “الأوربى لا يمكنه تحمل العمل العضلى الثقيل فى المناطق المدارية الرطبة “وأن الرجل ذا البشرة البنية هو أفضل من نظيره الأبيض فى تكيفه مع تلك البيئة من خلال كميات عرق أقل تحفظ لجسده توازنه. وقد ذهب ثريورتا إلى الحديث عن تأثير النظام البيئى المدارى على الجهاز العصبى. فالإجهاد العصبى الرهيب الذى تفرضه الظروف المعروفة باسم “وهن الأعصاب Neurasthenia” هو بالتأكيد تأثير مباشر للمناخ: ثم انتهى ثريورتا إلى تلخيص السمات العامة للقدرات العقلية والمهارية التى يكتسبها المواطنون البيض فى المناطق المدارية بقوله:

“هناك نزوع نحو استخدام مفرط للكحوليات، ووضع اجتماعى غير مستقر،  والتجمع بشكل قريب مع ما يسمى السلالات الأدنى منزلة، وميول نحو الإفراط في الملذات الجنسية التى توفرها تلك الظروف، وصعوبة الحصول على غذاء صحى ومتوازن، وكلها عوامل تحول دون تحقيق البيض حياة مريحة فى المناطق المدارية.

وتكشف مناقشات الجغرافيين عن التأقلم كيف كان يتم الحكم على القدرات العقلية والمهارية لسكان المناطق المدارية. ففى واقع الأمر أصبح من الشائع الإشارة إلى هذه القدرات حين يتم تقديم تعريف لموضوع الأقلمة، لدرجة دعت إلى الإصرار على أن التأقلم الناجح هو الذى يجب أن يأخذ فى الاعتبار الحفاظ على التميز المفترض للجنس الأبيض. فعلى سبيل المثال آمن روبرت دى كورسى وارد Decourcy Ward  أن التأقلم مستحيل تحقيقه طالما كان معناه أن يتمكن الرجال والنساء البيض من أن يعيشوا لأجيال متتابعة فى المناطق المدارية ويتكاثروا دون أن يتعرضوا لتدهور بدني أو ذهني أو أخلاقي.

ويجب ألا نأخذ المعلومات السابقة دليلا على أن الموقف المؤيد للتأقلم لم يكن ممثلا داخل التراث الأدبى الجغرافى.  ففى 1898 قام لويجى ويستينرا سامبون  Luigi Westenra Sambon  (وهو طبيب ممارس من روما أصبح محاضرا فى مدرسة لندن للطب المدارى ومدافع عن النظرية المؤيدة للتأقلم) بتقديم محاضرة للجمعية الجغرافية الملكية عن الموضوع وأعاد ما كان قد قدمه قبل عام لدورية “المجلة الطبية البريطانية(75). ومضى سامبون يفند واحدة تلو الأخرى “الخرافات” التى قيلت عن المناطق المدارية والتى سادت النقاشات العلمية عن التأقلم لفترة طويلة عن الزمن، واستبعدها مكوما إياها فى سلة مهملات العلم. وقد كشف سامبون عن العديد من المشكلات من خلال مقارنته معدل الوفيات فى لندن بنظيره فى الهند، مشيرا إلى أن هذا النوع من المقارنة العامة يتغافل عن الجغرافيا شبه الإقليمية للإحصائيات الديموغرافية. وبشأن مسألة العمل قال رأيه دون مواربة: “إن القول بأن الرجل الأبيض لن يكون قادرا على العمل بسبب الظروف المناخية المدارية إنما مرده نيته المبيتة لاستنزاف العمال المحليين والحصول على ثرواتهم دون عمل، وهو شكل من أشكال العبودية.

ولسنا فى حاجة إلى القول، إن وجهة نظره لم تجد طريقا معبدا، وانبرى العديد للرد عليها، فعلى سبيل المثال انتقدها هارى جونستون بطريقة تهكمية مستعيدا ذكريات خبرته السابقة عما تعرض له الأطفال البريطانيون المولودون فى بلادهم والمنقولون لاحقا إلى الهند من وقف النمو وضمور الأعضاء. أما بايناس Baines فقد تحدث عن التدهور والتأخر الذى يصيب الأطفال الأوربيين فى المناطق المدارية. كما اعتبر روبرت فيلكين أن حجج سامبون عن التأقلم السريع  غير مقنعة بالمرة. ولكل ما سبق،  فقد مضى نحو ربع قرن قبل أن يتمكن جريجوري Gregory  من أن يشير الى أن ورقة سامبون “المميزة” قد حظيت أخيرا بتأييد السير باتريك مانسون Patrick Manson وكانت “مدعومة بالرأي العام في الأوساط الطبية خلال السنوات السبعة عشر الماضية”، بعد أن كانت قد لقيت الرفض قبل ذلك نتيجة الأحكام المسبقة عن المناخات المدارية التى أطلقت دون أسس علمية.

ولكن حتى بين المناصرين للتأقلم المناخى، ظلت فكرة تأثير المناخ على القدرات الذهنية والمهارية قائمة. فورقة جريجوري نفسها التى قدمها فى عام 1924 لم تتمكن من الإفلات فعليا من الصور النمطية السلالية، خاصة وصف الزنجي بأنه ودود وعاطفى، والآسيوي بأنه مطيع سهل المراس ومثابر، بينما الأوربي مبتكر وصاحب جرأة وعزيمة، وكان جريجورى يرى بوضوح أنه ما تزال هناك جغرافيا إقليمية للسمات العرقية. وعلاوة على ذلك كانت هناك سياسات سلالية انبثقت بشكل مباشر من هذه الوقائع الجغرافية. فالعلاقة “الوثيقة” بين السلالات لم تكن لتحقق نجاحا، ذلك لأن الزواج المختلط بين هذه السلالات سينتج عنه حتما جيل ذو صفات متدنية، كما أن الاستيطان المتقارب بين الأجناس لن يحقق أيضا النجاح،  وليس هناك من سبيل سوى أن يعيش كل جنس “منفصلا” عن الآخر.

وفى هذا الصدد تجدر الإشارة أيضا إلى رأى روبرت فيلكن Felkin الخبير فى جامعة إدنبره فى الأمراض المدارية، والذى كان يحاضر فى “علم المناخ وأمراض المناطق المدارية” وكان يكتب بشكل دوري مقالات عن خبراته فى السفر عبر أفريقيا وينشرها فى دورية المجلة الجغرافية الاسكتلندية. وكان فيلكن زميلا للجمعية الجغرافية الملكية ورأى أن من واجبه أن يطلع الجغرافيين على المظاهر الطبية لعملية التأقلم. وكان موقفه الشخصى – والذى عبر عنه أمام الرابطة البريطانية للتقدم العلمى، وفى المجلة الجغرافية الاسكتلندية – يتمثل فى موقف شبه مؤيد للتأقلم. وقد ذهب إلى أن مايمكن أن نعتبره ذروة التكيف هو ما قد نجده فقط بعد مرور عدة أجيال،  لكن بالنسبة للاستعمار الأوربي الحالى فيجب أن يبقى قاصرا على مناطق المرتفعات. ولذلك قدم فيلكن مقترحات لمشروع متكامل لنقل الأوربيين بشكل سريع من النطاق الساحلي غير الصحى إلى محطات استقبال داخلية مؤقتة ليتمكن المهاجرون من الإفلات من التأثيرات المؤذية للساحل خلال يوم واحد من وصولهم إلى إفريقيا.

وعلاوة على ما سبق، لاحظ فيلكين أن المرتفعات المدارية هى أفضل فى المعيشة حتى بالنسبة للسكان الأصليين مقارنة بمناطق المستنقعات الساحلية. وقد خلص إلى نتيجة وصف فيها سكان إقليم ساحل البنغال بأنهم “جبناء خانعين يؤمنون بالخرفات” بينما أولئك المستقرون على الهضبات المرتفعة فى إقليم مايسورMysore فى الداخل فهم “شجعان وعلى درجة عالية من الرقي”.

وفى النهاية، فان أولئك الذين ذهبوا الى إمكانية حدوث تأقلم قدموا نصائحهم عن كيفية الحياة فى المناطق المدارية بلغة تنطلق من الاعتقاد فى التأثير المناخي في السلوك الإنسانى خاصة فى صفات الفطنة والاعتدال، والاحتراس، والسلوك القويم. فهنا أيضا نجد أنفسنا أمام الاقتصاد السلوكى للمناخ، لكن ليس ذلك المناخ الذي “يحكم “ويوجه معايير السلوك بل الذي “يتطلب” تلك المعايير. وتستحق الصبغة الوعظية التي تملأ كتب الرحلات إلى المناطق المدارية نظرة تفصيلية وقد تكون محل اهتمام، لكن كل ما لدى الآن من مساحة متاحة لاتكفى سوى لأن أقول إن الأعمال التى تناولت كيفية التكيف مع الظروف البيئية فى الهند المدارية قد تضمنت نصائح وقائية حول ممارسة الرياضة،  والاستحمام، واستهلاك الكحوليات، وتحمل الآلام. وعلى نحو ما خلص ستانلى H. M. Stanley فإنه باستخدام طعام طيب، وبالعمل فى شؤون تشغف العقل، وبالانتباه إلى التأثيرات الناجمة عن التغير التى يتطلبها المناخ المدارى، وبالسلوك الاخلاقى القويم.. يمكن للأوربى أن يعيش فى أى مناخ على الأرض تحت شمس الحياة.

الجغرافيا في مجال الخدمة الفعالة

لم يكن دور الجغرافيا في خدمة الاستعمار قاصرا من الناحية “العملية الحاسمة” على ترويج الخطاب السلوكي لتأثير المناخ. فقد كانت هناك وسيلة أكثر مباشرة تربط الجغرافيا بالحرب والاستعمار. فمنذ الأيام الأولى للحملة التي سعت إلى إعطاء مهنة الجغرافيا في بريطانيا صفة احترافية،  كان هناك حضور واضح لمحفزات مهنة الحرب والخدمات اللوجستية التي يمكن أن تقدمها الجغرافيا. وفي تقرير ذائع الصيت عن التعليم الجغرافي لاحظ جون سكوت كيلتيKeltie  في 1885 وجود الجغرافيا داخل الدوائر الاكاديمية لمختلف القوات المسلحة.

وفي هذا الصدد، اعتقد كيلتي أن بريطانيا تقف متأخرة بعيدا عن بقية القارة الأوربية،  ليس في التعليم الجغرافي فحسب بل في أشياء أخرى. فقد كانت هناك متطلبات بمعرفة جغرافية واسعة في الأكاديمية العسكرية في برلين، وفي مدرسة الحرب العليا الفرنسية في باريس حيث كانت الجغرافيا “هي أكثر الموارد أهمية في التعليم”. وكان هذا الموقف قد لفت انتباه الميجور تشارلز ويلس الذي قال في كلمتة أمام اجتماع الرابطة البريطانية للتقدم العلمي والذي عقد في مدينة دبلن إنه “لاتوجد لدينا مكانة مرموقة للمعرفة الجغرافية بشكل مناسب في العلوم العسكرية” وقد علق على هذا الكلام داعما دالىDaly  رئيس الجمعية الجغرافية الأمريكية الذي اعتبر أن “خوض الحرب الفرنسية – البروسية قد تم اعتمادا على الخرائط بنفس درجة الاعتماد على البارود” وبدا واضحا أن دفع التعليم الجغرافي كان مطلب عسكريا.

لقد كانت قصة التخصص المهني للجغرافيا في العقود التي أحاطت بنهاية القرن التاسع عشر مرتبطة بالحاجة العسكرية لبريطانية الاستعمارية، واتفق حشد هذه الحجج دوما مع الدعوات الساعية إلى اصلاح البرامج التعليمية. فعلي سبيل المثال أعرب هربرتسونA.J.Herbertson  في 1904 عن رأيه قائلا “إن الإهمال الكبير الذي تبديه البرامج الحديثة في التعليم العسكري لدراسة التهديدات المحتملة للحرب “ناتج في الأساس عن أن الجغرافيا اعتبرت لفترة طويلة من الزمن مجرد “معلومات تجميعية عامةKnowledge  gazetteer  ”  وحتي الجغرافيا العسكرية التي كانت معروفة آنذاك – إذا اعتبرنا كتاب ميللر ماجي Miller Maguire والمعنون “الخطوط العريضة للجغرافيا العسكرية ” كتابا نموذجيا لتلك الفترة – فكانت عرضة للنقد لأنها أخضعت الجغرافيا للتاريخ بشكل مفرط.

وكانت هناك حاجة جلية لإصلاح وتدريب الضباط من خلال تطوير تعليم الجغرافيا في الكليات الجامعية.  وخلال كلمتة أمام الجمعية الجغرافية الملكية قال كليمنتس مركهام Clements Markham  – معبرًا عن حالة مناهج تدريس الجغرافيا في بعض الجامعات – إن الأمر يدعو للارتياح لأننا اليوم في عام 1905 نجد أن “أفضل الآراء العسكرية ” تؤيد وتشجع التعليم الجغرافي. وقد أعرب بسعادة قائلا “إن وزارة الحرب تقف إلى جانبنا”. وقبل ذلك بسنوات قليلة أعربت المجلة الجغرافية الاسكتلندية عن سعادتها بأن وزارة الحرب قد شكلت لجنة معنية بتعليم الضباط اقترحت بدورها أن تصبح “الحقائق الأساسية عن جغرافية الإمبراطورية البريطانية” يجب أن تصبح في المستقبل “مادة إلزاميةCompulsory subject   ” في اختبارات الأهمية الأولى.

ومن بين المدافعين الكبار عن القدرات العسكرية التي تحتويها الجغرافيا من داخل الوسط الجغرافي نجد السير توماس هولديتش وهو أحد مؤسسي الجمعية الجغرافية الملكية ورئيسها خلال الفترة من 1917-1919.  كان هولديتش من قدامى المحاربين الذين شاركوا في حملات المسح الأنجلو – أفغانية فضلا عن مساهمته كعضو لجنة تحكيم في النزاع الحدودي بين شيلي والأرجنتين على إقليم بتاجونيا في 1916.  واعترف هولديتش في دراستة التي تحمل عنوان “التخوم الساسية وصناعة الحدود” بأن “الحرب تمثل في تاريخ العالم أول وأعظم العوامل الصانعة للحضارة”. وعلاوة على ذلك ، فإن هولديتش – الذي كان مشبعا بالروح الطبيعانية  لنظرية الحتم البيئي التطوري اللاماركي – أراد أن يضع التعبير الجغرافي العتيد الخاص بالتطور السياسي في قلب أفكار صناعة الحدود بين الأنواع البشرية.  وقد نظر إلى ذلك باعتبارة ناتجا عن “غرائز أولية متوارثة ” تمكنت – في عصر تقارب الفضاء المكاني العالمي – من تعزيز التقدم الكبير الذي حدث في رسم الحدود بين المناطق والأقاليم.  وكنتيجة لذلك تم النظر إلى الصراعات القومية والدولية بالمفاهيم البيولوجية – الديموغرافية المتعلقة بـ” الصراع الشرس للبقاء للاصلح، والتي يجب أن ننظر إليها كموروث ناجم عن الإفراط في نمو سكان العالم.

ولفترة طويلة أكد هولديتش على “الطبيعة العلمية” للجغرافيا والتي بوسعها أن تحل المعضلات السياسية والعسكرية للإمبراطورية. وبينما كان الجغرافيون في الجامعات قد استغرقوا في ترسيخ البعد النظري للجغرافيا العسكرية، فان مختلف القوات المسلحة قد أكدت على القيمة “العملية “للمعرفة الجغرافية.

ومن ثم فإنه في عام 1899، أعلن هولديتش في حديثة إلى الجمعية الجغرافية الملكية نقده لقصور تدريس الجغرافيا العسكرية في الوسط الأكاديمي الجغرافي محذرا بكلمات بالغة الفصاحة من “الكلفة الفادحة للجهل الجغرافي وأثره الكارثي على “المصالح العسكرية والتجارية والقومية. وفي فسحة محدودة من الوقت تحدث هولديتش عن الحاجة لإرساء ما سماه مدرسة الجغرافيا العملية لخدمة الفصائل العسكرية العاملة في مجال الرفع الطبوغرافى.

وكان الفصل بين الجغرافيا الجامعية التقليدية والواقع العسكري العلمي قد أثار اهتمام العقيد تشارلز كورت ريبنجتون الذي شن حملة هجوم على هذا الوضع وذلك في مقالة نشرها في مجلة تايمز بتاريخ 19 نوفمبر 1904 بعنوان “الجغرافيا والحرب “. وفي مراجعة لتفاصيل تلك الحقبة من الزمن، لاحظ ديفيد ستودارت أن الالتماس الذي قدمة ريبنجتون لتحقيق إدماج رسمي للجغرافيا في العملية التعليمية “كان شبيها بما سلكه ماكيندر في هذا الصدد”.

فالحالة البائسة للجغرافيا العسكرية والمعرفة الجغرافية داخل الجيش قد اتضحت بجلاء وذلك مع سلسلة من التدخلات العسكرية بنهاية القرن التاسع عشر وخاصة في ساحات الحرب في أفغانستان وبورما وحرب البوير (جنوب افريقيا). وكانت القيمة العملية التي يمكن للجغرافيا أن تقدمها لوزارة الحرب والخدمات المدنية – على نحو ما يؤكد ريبينجتون – تعاني من غياب ملحوظ. وكانت المؤسسات العسكرية إما أنها تُهمل تدريس الجغرافيا كلية نظرا لبساطتها أو أنها توكل تدريسها لتخصصات أخرى مثل الجيولوجيا والاقتصاد والتاريخ والطبوغرافيا، باعتبار أن ذلك أفضل ما في الإمكان. غير أن ريبينجتون انتقد بشكل لاذع الجامعات التي ليس لديها كفاءة على تلبية المهمة. معتبرا أن “تلك الأروقة الجامعية الباردة التي تدرس موضوعات عفى عليها الزمن غير قادرة على تلبية ما نحتاجه من عقول مدربة تتطلبها الخدمات الوطنية لحماية الإمبراطورية البريطانية العالمية.

علي هذا النحو ترتبط قصة التخصص المهني وإصلاح المناهج التدريسية الجغرافية في بريطانيا عند نهاية القرن التاسع عشر بالتحرك نحو جيش أكثر احترافية. وكانت الدعوة للإصلاح قد استثارت الجغرافيا والجيش معا وكان شعار المرحلة هو “نحو جغرافيا عملية بشكل حاسم”. وفي مجالات أخرى كانت الاستعارات البيولوجية التي عادت إليها شخصيات من أمثال هولديتش ذات أهمية حاسمة في بناء الجغرافيا ذات النفع العلمي الحاسم. وليس أبلغ من الكشف عن ذلك من حالة “الجيوبوليتيك” الألماني الذي تطور في كنف شخصيات مثل كارل هوسهوف ورتشارد هينيجHENNIG .

كان لدي هوسهوفر – مثل راتزل من قبل – شغف فك شفرة ما اعتبره قوانين حاسمة للحياة السياسية، وهي المهمة التي تطلبت مبدأ جوهريا يكمن في إعادة تكوين العلوم الطبيعية والسياسية على أسس جديدة من مفاهيم البيولوجيا التطورية. وفي ظل هذا المسعى فليس هناك مفاجأة إذن أن نجد هوسهوفر يمجد ماكيندر معتبرا إياه “عبقرية جيوبوليتيكية ” فضلا عن أن هينيج أعد كتابا  حمل عنوان “الجيوبوليتيك: نظرية الدولة ككائن حي”،  وهو عنوان يعبر عن التأثر بالبيولوجيا بشكل واضح. وبعد كل  ذلك قام رودلف كيلينRudolf Kjellen –  السويدي الذي صك مصطلح الجيوبوليتيك في نهاية القرن التاسع عشر – بتأليف كتاب في 1924 حمل عنوان ” الدولة كائن حى”.

وهناك الكثير من الأساطير التي أحاطت بشخصية مثل كارل هوسهوفر . فما سمي بعلم ألماني جديد عرف باسم “الجيوبوليتيك” قيل أن هوسهوفر قد أسسه،  إنما يستمد زعمه من تلك المقالة التي ظهرت في عدد يوليو 1941 لمجلة “ريدرز دايجيست” وتحدثت عن “الألف عالِم الواقفين خلف هتلر”، وعن أن أفكار هوسهوفر ورجاله سيطرت على تفكير هتلر. لكن الحقيقة لم تكن كذلك على الاطلاق.  فوفقا لدراسة هينيج هسكي Henning Heske  فإنه لم يكن هناك مطلقا معهد للجيوبوليتيك في ميونخ ولم تكن هناك أية علاقة وثيقة تجمع هوسهوفر بهتلر. فهذه الأساطير انتشرت من حقيقة أن هوسهوفر كان قائدا عسكريا رفيع المستوي خلال الحرب العالمية الاولى، وكان جيوبوليتيكيا رائدا، ورئيسا لتحرير دورية الجيوبوليتيك  فيما بين 1924 و1944.

وبالنسبة لهوسهوفر كانت الجيوبوليتيك علما لدراسة سياسات العالم، وفي هذا العلم فإن الفكرة التي صاغها راتزل عن “المجال الحيوي” تحتل مكانة مهمة ولم تكن الجيوبوليتيك بالطبع حركة أحادية الطابع، بل كان لها أطياف مختلفة تعرض لها المؤرخون المحدثون للموضوع. ومع هذا يضم الجيوبوليتيك عددا من الموضوعات ذات الصلة التي كانت تهدف إلى غرس شعور بالوعي بالمكان في الشعب الألماني، لإحداث تأثير يؤدي إلى مراجعة شروط معاهدة فرساي، وتزويد الألمان بدليل عملي يساعدهم خلال عملية إعادة تنظيم الأراضي الألمانية. وبالنسبة لهوسهوفر كانت الجيوبوليتيك تقدم الإطار العقلاني لتوسع “المجال ” الألماني الحيوي، وقد أسهب هوسهوفر في عرض الإمكانات الاستراتيجية الموروثة في نظرية قلب الأرض القاري الشبيهة بنظرية ماكيندر، والتي تمتد لدى هوسهوفر من ألمانيا إلى اليابان مرورا بروسيا. وكان هوسهوفر يرغب في أن يتجاوز ماكيندر واقترح نموذجا سياسيا عالميا تم فيه تقسيم خريطة العالم إلى ثلاثة أقاليم عظمي هي: الأمريكتين، أورو- أفريقيا، وآسيا الشرقية. وكان هوسهوفر ينزع دوما نحو تقديم أفكاره الجيوبوليتيكية ضمن العلوم التطبيقية، وضمن مجالات الدعم اللوجيستي الأرضي Geologistics  والممارسات البراغماتية الأرضيةGeopragmatics   حيث يتم فيها صياغة السياسات من خلال دراسة الطرق التي تخضع فيها العمليات السياسية لحدود الوقائع الأرضية.

يذهب بسارجه على سبيل المثال إلى أنه من أجل تحقيق انتخاب بيولوجي جديد فلابد من إلغاء الدعم الممنوح للرعاية الصحية الشعبية، والضمان الاجتماعي، علاوة على ضرورة اعتبار البيئات الحضرية والصناعية هي العوامل الفعالة في تحديد مستوى التدهور السلوكي. علي هذا النحو تم اللجوء إلى الجغرافيا من أجل تشخيص معالجة أمراض المفهوم الألماني عن “الشعب” أما فكرة ان السمات السلوكية للجنس البشري محكومة بيئيا أو عرقيا وبالتالي فهي عرضة للوقاية العلمية، فكانت دوما فكرة جوهرية في البرامج العنصرية. بهذه الطريقة فقط أمكن لبسارجه أن يتحدث في آن واحد عن “الموضوعية العلمية” و”النواقص السلوكية “و”البرجوازية المتدهورة ” و”التأثير المسمم لليهود “.

وعلي مدار هذه الحقبة الزمنية، كانت الجغرافيا مرتبطة بشكل وثيق بالطموح العسكري في السلطة. وفي خلال حديثة عن الجغرافيا والحرب أشار بنكPenck     على سبيل المثال إلى أنه “بما أن المعرفة سلطة، فإن المعرفة الجغرافية هي سلطة شاملة\ world-power وكان عالم الجغرافيا السياسية الأمريكي أشعيا بومان متفقا بشكل تام مع هذه الفكره وحتي وإن كان قد أصر على أنه كان يشعر بقلق عميق من النمو المتسارع لما يسمي زيفًا علم الجيوبوليتيك وحذر من خطورة نظرياته على الأقاليم والأراضي. ولم يكن بومان يطالب بتعليم عسكري في الجامعات فحسب بل وضع مهارته الجغرافية رهن إشارة وزارة الخارجية الأمريكية والمجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية. وفي حقيقة الأمر ظهر بومان نفسة كمسوغ للمجهود الحربي الامريكي في أربعينيات القرن العشرين. كان بومان تلميذا لكل من شيلر وديفز في مدرسة لورنس العلمية بجامعة هارفارد، وذلك خلال العقد الأول من القرن العشرين وظل وفيا لكل منهما طيلة حياته.  وقد كتب إلى ديفز في عام 1912 يقول له ” يبدو أن شيئا ما شبه مقدس أجده في علاقتي تجاه أعمالك.

 وفي تلك المرحلة كان بومان يعمل في قسم الجيولوجيا بجامعة ييل Yale نحو ثمان سنوات، وعززت هذه الخبرة من توجهاته نحو الجغرافيا البيئوية Environmentalist      على غرار نموذج شيلر.  وقد افتتن بالأعمال التي قدمها كل من بريجهامBrigham  و سمبل عن الأثر الجغرافي في التاريخ الأمريكي،  كما قام بتدريس مقرر عن هذا الموضوع بعينه وشارك في تدريس مقرر آخر مع ألسورث هنتنجتون عن “الضوابط الجغرافية للتاريخ” ولا عجب إذن أن بومان قد بذل جهدا في أن ينقل لطلابه عدوى حماسية للجغرافيا الأنثروبولوجيةanthropogeography  التي جاءت إلى الولايات المتحدة من ألمانيا عبر أعمال كل من راتزل،  كريتشوفKirchoff   ،  بيتشيل Peschel      وهيتنر وطلب من تلامذته قراءات إلزامية لهؤلاء المؤلفين.

وفي نهاية مساره المهني – وخلال توضيح أفكاره عن “الجغرافيا” – في علاقتها بالعلوم الاحتماعية عام 1934- أكد بومان على أن “الأفكار والمعرفة الجغرافية المعاصرة قد طرحت جانب الحتم الآلىmechanistic  الذي قدمته المدارس الفكرية القديمة”. فحقائق الأرض لا “تحدد بشكل حتمي شكل وطبيعة المنهج الإنساني خلال تطوره، ولكنها “تفرض عليه شروطها” ورغم أن في ذلك شكل من أشكال المراوغة فإنه قد سجل عدم رضاه عن المذهب الثقافوي  Culturalism الذي قدمة فرانس بواز Boas  حين تحفظ بومان على نقد بواز معتبرا أنه “قابل للتطبيق فقط على تلك المذاهب العامة من “البيئوية” و”الحتمية” والتي كانت قد رفضت مبكرا من جميع العلماء باستثناء نفر ممن أغوتهم المصطلحات المراوغة لـ “التأثير Influence” و”التحكم Control“.

وقد ظل بومان في جامعة ييل لإحدى عشرة سنة إلى أن صار مديرا للجمعية الجغرافية الأمريكية 1915. وقد بدا نجمه في الصعود الكبير على الساحة القومية خلال فترة التحضير الأمريكي لإعادة البناء فيما بعد الحرب العالمية الأولى وإعادة تشكيل خريطة أوربا. وخلال رئاسته للجمعية الجغرافية الأمريكية، قدم بومان مصادر كارتوجرافية مهمة للرئيس وودرو ويلسن استخدامها خلال مؤتمر الصلح في باريس عام 1919.  إضافة إلى ذلك سعى بومان لاستكتاب جغرافين بمقالات للنشر في دورية الجمعية الجغرافية (دورية “جيوجرافيكال ريفيو”) وكانت لها أهمية كبيرة لهذا الغرض، ودفع في مقابلها عدة مئات من الدولارات لكاتب مثل جوفان تسيفييتش Jovan Cvijic   نظير مقال عن شعوب البلقان، وكان المقال يضم خريطة إثنوغرافية.

وقد عادت هذه الخدمات في المحافل الدولية على بومان بما يستحق. فبعد عودته إلى الولايات المتحدة من رحلة لأوربا نشر كتابة “العالم الجديد ” في عام 1921،  وهو عمل استعرض فيه المسرح العالمي في أعقاب الحرب العظمي (العالمية الأولى) متخذا منها أساسا للسياسات المستقبلية. وخلال العقد التالي حافظ على حضور متميز في الدوائر العلمية والمجالات الاستشارية وعُين في عام 1935 رئيسا لجامعة جون هوبكنز John Hopkins  . وكان بومان قد نجح خلال عمله في مجلس البحوث القومي في عشرينيات القرن العشرين – والذي صار رئيسا له في عام 1933 – في إعادة بناء العلم الجغرافي بحيث يلبي المصالح القومية من خلال إقامة شبكة من العلاقات بين مراكز القوى الأمريكية الرئيسية سواء كانت مالية، تعليمية أو حكومية. وإلى جانب المناصب الإدارية التي تبوأها، أجرى بومان بحوثا عن الاسيتطان الأول فأخرج أعمالا تحمل عناوين مثل “الهامش الاستيطاني الأول” في 1931. وكان المبرر الوظيفي لهذه الدراسات واضحا للغاية. فكان غرض بومان والمساهمين معه يتمثل في تحديد إمكانات الاستيطان عبر العالم حيث يمكن تخفيف الضغط عن مناطق التركيز السكاني والوصول إلى الأساليب المناسبة لتعزيز الاستعمار الاستيطاني بشكل علمي.

كما أنه حين نظر إلى المشهد الداخلي الأمريكي أعرب عن اهتمام بأنماط التغير للهجرة الوافدة إلى الولايات المتحدة والتي لم تعد “أنجلو- ساكسونية من حيث الأصل السلالي” بل أصبحت متأثرة “ليس فقط بالأشكال السياسية والمؤسسات الاجتماعية بل أيضا بنوعية وكفاءة السكان”. فالمهاجرون الإيطاليون والبولنديون والمجريون وما شابهم هم “أقل تعلما وذوي أمزجة متقلبة الطبع مقارنة بالمهاجرين الذين جاءوا من شمال غرب أوربا، ومن ثم فقد صار المهاجرون الجدد يمثلون مشكلة متزايدة. وقد ظل بومان مقتنعا بأن السود أقل منزلة وأدنى في المستوى وأصحاب تجربة حضارية أقل. وكما يشير نيل سميث فإن الكتابة عن الأنشطة الأخيرة لبومان في أربعينيات القرن العشرين تحمل كثيرا من المتناقضات التي جمعها بومان معا. فالسلوكيات الراقية المتعلقة بالاستقلالية والرغبة في تحرير الشعوب من وطأة الإمبريالية الأوربية لم تستأهل اهتماما كافيا من بومان.

وعلي هذا النحو كانت الجغرافيا السياسية عند بومان في جميع جوانبها محكومة بظروف اجتماعية على غرار نظيرتها الألمانية. وفي هذه الحالة سنجد أن هذه الظروف تمثلت أولا في المثالية الديموقراطية في رؤية وودرو ويلسون ولاحقا في موقف حازم أكثر رجعية أحاط بالمشهد السياسي الأمريكي، غير أن التزام بومان بالموقف السياسي للحكومة الأمريكية قد أفسد التنوعات الممكنة التي كان بوسع الجغرافيا السياسية أن تتناولها كما أفسد محاولاته في إعطاء هذه الجغرافيا السياسية الموضوعية العلمية التي كانت في حاجة إليها. فالجغرافية السياسية كانت “سياسية ” بقدر ما هي “جغرافية ” وبالتالي ظهر صراع واضح في كتاباته بين حالات الشد والجذب في محاولات الوقوف على الحياد العلمي من جانب والاحتفاظ بموقف سياسي مناصر للحكومة الأمريكية من جانب آخر.

هل نجحت الجغرافيا في وظيفتها العملية؟

لقد كانت الطريقة التي اتبعتُها في سردي لهذا الفصل من قصة الجغرافيا هو تقديم تعليقات كثيرة على كلمات ميل H.R.mill التي بدأت بها هذا الفصل من الكتاب والتي يقول فيها إن الجغرافيا “علم للممارسة العلمية الحاسمة”، ومن خلال مراجعة أوضاع قومية مختلفة – في بريطانيا الإمبريالية، وألمانيا النازية والولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العظمي – كنت أؤكد على ظهور الوظيفة الذرائعية (التسويغية) للجغرافيا وانتقدت هذا المسلك واعتبرته نوعا من إساءة الفهم للفصل بين علم الجغرافيا والسياسات العملية.  فالمناصرون الأوائل للموضوع كانوا سعداء للغاية – مثلهم مثل المحدثين من أتباعهم – بالحديث عن الصلة الاجتماعية للجغرافيا. وسيكون من الخطأ أن نعتقد أن الدور العملي والنفعي للجغرافيا انحصر فقط في الحشد العسكري والسياسي. فقد كانت هناك حالات أخرى من الجغرافيين الذين كانت لديهم قناعات أخرى ممن سعوا إلى إعطاء الجغرافيا الجديدة غاية إنسانوية، وكان لكل منهم أهداف وغايات مختلفة، وسأترك للقارىء الحكم على إذا ما كان ما سعوا إليه جديرا بالثناء مقارنة بالتجارب السابقة أم لا.

وفي مقدمة أصحاب التوجهات الفكرية الراديكاية الجديدة التي تبحث عن الجانب العلمي للجغرافيا نجد بلا نزاع بيتر كروبوتكين Kropotkin  (1842-1921) المهاجر الروسي الذي هجر ميراثه الاستقراطي من أجل انخراط شخصي أعمق في السياسات الفوضوية Anarchism . وكانت الرؤية التي تزعمها كروبوتكين للجغرافيا مختلفة عمن عرضنا لهم قبل قليل. ومن زنزانة السجن كتب كروبوتكين في 1885 مقالته “ما الذي يجب أن تكون عليه الجغرافيا “، وذلك بعد أن تم اعتقاله بتهم التورط في محاولة تأسيس الفوضوية العالمية في فرنسا، ووصفت هذه المقالة بأنها “دعوة صريحة لإدراج البعد الاجتماعي في محتوى ومنهج التعليم الجغرافى. وقد رأى كروبوتكين الجغرافيا بوضوح مشروعا عمليا بوسعه تأدية “خدمات جليلة”،  وفي ذلك يقول:

“يجب أن نعلم أنه منذ طفولتنا المبكرة أننا جميعا أخوة وأشقاء في الإنسانية بغض النظر عن قومياتنا. ففي زمن الحرب، وزمن الخيلاء بالنفس والغرور القومي والكراهية، حين يُشعل الفتيل أصحاب المصلحة الشخصية والنزعة الأنانية والطبقية، علي الجغرافيا إذا أن تصبح وسيلة من وسائل تبديد تلك التحيزات العنصرية وأن تخلق مكانها ماهو خير للبشرية. وعلي الجغرافي أن يقدم هذه الحقيقة، بكامل نورها، لتفنيد تلك الأكاذيب التي تراكمت بسبب الجهل والتبجح وغرور الذات”.

ورغم التحديات التي تضعها تلك الكلمات أمام الجغرافيا الجديدة المدفوعة بالاستعمار في انجلترا،  استمر كروبوتكين في اتصاله مع كيلتي Keltie  والذي بلغ ذروته في سبعينيات القرن التاسع عشر،  خاصة خلال سنوات نشاطه في المذهب الفوضوي. وفي حقيقة الأمر فإن ذلك الدفاع الذي قدمة كروبوتكين عن البعد الإنسانوي في الجغرافيا قد سمعه الجغرافيون في جمعية مانشيستر الجغرافية حين خرج كروبوتكين لتوه من السجن وحين دُعي كروبوتكين كضيف شرف على مأدبة طعام أعدتها الجمعية الجغرافيا الملكية في 1890. كانت جغرافية كروبوتكين تقدم طرحا بديلا، على نحو ما كتب المعلقون كثيرا لاحقا، كما لم تخطئ الأعين التضمينات التربوية في رؤية كروبوتكين بحيث حاول أن يقدم التعليم متحررا من الهيمنة الأيديولوجية وذلك من أجل تحقيق تكامل بين ماهو عقلي وما هو يدوي، بين ما هو ممارسة وماهو تأملي، ولتحقيق قيمة التقليد القديم بوجو مريد وعالم عبر عملية التلمذة والتعلم.

ورغم كل ذلك، كانت الحملة الأخلاقية التي دشنها كروبوتكين تتضمن في الوقت نفسه – حسب ما يبدو لي – عملية من تطبيع الأخلاقيات السلوكية بشكل يستمد أفكاره من البنى المفاهيمية التي قدمها الإمبرياليون الداروينيون. وكان كروبوتكين شغوفا بأن يغرس رؤيته المثالية في البناء الطبيعوي التطورىEvolutionary Naturalism      . وربما كان لدى كروبوتكين قراءة مختلفة للنظرية الاجتماعية بعيدة عن فكرة التطور، ولكنه لم يكن لديه شك في أن التطور يمكن أن يفسر المبدأ الأخلاقي في الطبيعة. وفي واقع الأمر، فإنه خلال الجهود التي قدمها كروبوتكين، تم إصباغ الصبغة البيولوجية على الفئات الفكرية السياسية بشكل واضح للغاية. فالوظيفية البيولوجية   Biological Functionalism    كانت – على سبيل المثال – قد عرضت على أنها رابط لعلاج مشكلة تجزئة المجتمعAtomization  الذي تسبب فيه مبدأ تقسيم العمل Divison of labor،  وكتفسير للغيرية Altruism  سواء في مجتمع الحشرات أو المجتمع البشري.  ولا عجب إذا أنه في مقالته عن “الفوضوية” التي قدمها لطبعة عام 1910 من الموسوعة البريطانيةEncyclopedia Britannica  كتب عن نفسه قائلا “سعى بيتر كروبوتكين لسنوات عديدة إلى تطوير الافكار التالية: (1) إظهار الارتباط المنطقي الوثيق بين الفوضوية والفلسفة الحديثة للعلوم الطبيعية، (2) وضع الفوضوية على أسس علمية، (3) صياغة أساس للأخلاقيات الفوضوية. وهذا التكامل بين ماهو أخلاقي ومادي كان له درجة متساوية من الأهمية لمفهوم كروبوتكين عن الجغرافيا.  وفي حديثه أمام مؤتمر لمعلمي المدارس في أكسفورد 1893 يقول كروبوتكين ” لا اومن في فيزيوغرافيا تستبعد الإنسان” ذلك لأن “دراسة العلوم الطبيعية دون الإنسان هي الضريبة الأخيرة التي يدفعها العلماء المحدثون لتعليمهم المدرسي السابق.

وكان عدم الرضا الذي عبر عنه كروبوتكين بشأن الداروينية الكلاسيكية قد تمخض بشكل أساسي في تفضيله للبديل اللاماركي والذي وجد فيه أن الصفات المكتسبة يمكنها الانتقال من جيل إلى آخر. وقد أقنع التعاون العضوي كروبوتكين بأنه “في بعض الجوانب فإنه قد تم القفز على لامارك وتجاهله بشكل غير عادل” ومن ثم فقد نشر لاحقا – في النصف الأول من العقد السابق لنشوب الحرب العالمية الأولى – سلسلة من المقالات في دورية “القرن التاسع عشر” حملت عناوين على شاكلة “التأثير المباشر للبيئة عى النباتات”، “استجابة الحيوان للبيئة”، و”وراثة الصفات المكتسبة Inheritance of Acquired Characterisitics “(142). وكان مذهب كروبوتكين الإنسانوي الفوضوي Anarchistic Humanism – بتركيزه على التبادل وتفكيك المركزية والحكم الذاتي للجماعات العضوية – قد قام بناء على ذلك على تفسير كروبوتكين الطبيعاني للقدرات الاجتماعية المكتسبة، وهو التفسير الذي كان مغموسا بمزيج من المبادئ اللاماركية الجديدة.

 وكانت هذه الروابط بالمقارنة ذات طبيعة شاملة ذلك لأنه كان لدى اللاماركية تاريخ من الارتباط الوثيق بالمجموعات الراديكالية في الفترة السابقة على ظهور النظرية الداروينية. وفي الأوساط الطبية في لندن كان استقدام المفاهيم اللاماركية قد جاء ممزوجا بمبادئ الجمهورية الثورية الفرنسية، وهنا ازدهرت اللاماركية لأنها قدمت نموذجا للتحول “من أسفل”. ومن خلال الدعوات المتطرفة لحل الكنيسة وإخضاع الأرستوقراطية، حظيت هذه المبادئ بإعجاب مباشر من الطبقات العاملة المنبعثة آنذاك. وعلى نحو ما ذهب ديزموند فإن ذلك كان بمثابة “توجه راديكالي بدرجة أكبر من أي شىء كان داروين قد تصوره”. وكان المحرضون على تبني هذه الأفكار قد استخدموا لفترة طويلة “المبادئ اللاماركية الاجتماعية المتعلقة بالتقدمية، والمادية، والحتم البيئي من أجل إقرار الانتقال إلى مجتمع ديموقراطي وتعاوني.

وبشكل واضح وجد كروبوتكين أن المهمة الصعبة هي مواجهة أولئك الساسة من أصحاب الأفكار الرجعية الساعين إلى التوظيف الكامل للنظرية التطورية لخدمة الأهداف السياسية(144). وفي الوقت الذي اعتمد فيه هؤلاء على الإسهاب في الأسس التطورية للإخضاع والهيمنة، سعى كروبوتكين إلى توضيح الأساس البيولوجي لتحقيق الحرية. وسنكون مخطئين إذا ما افترضنا أن النظرية التطورية ، سواء في لونها الدارويني أو اللاماركي كانت الأساس الوحيد الذي كان بوسع الجغرافيا المرتبطة أكثر بالنزعة الراديكالية أن تقوم عليه. وفي حالة إليزيه ريكلي Elisee Reclus رفيق كروبوتكين وأحد مؤيدي الفوضوية، فإنه كانت هناك عقبات تتمثل في الكوابح التباطؤية التي فرضتها الفلسفة الطبيعوية Naturphilosophie  والتي أخذت شكلا رومانسيا Romanticism.  ولأن ريكلي قد وقع تحت تأثير كارل ريتر، والذي كان قد لقي معارضة شديدة في جامعة برلين في مطلع خمسينيات القرن التاسع عشر، رغم أنه قد تخلى لاحقا عن الأرثوذكسية المسيحية التي اعتمد عليها كثيرا من جغرافية ريتر الشمولية holistic، بل إن ريكلي قد حول هذه الأفكار إلى شىء أقرب إلى الفلسفة الطبيعوية الصوفية near-mystic nature philosophy. وفي أعقاب فترة كوميونية  باريس  Paris Commune فإن النسخة العصرية الراديكالية المُعلمنة من الفوضوية التي قدمها ريكلي قد صارت أكثر نعومة من نسخة كروبوتكين. وبناء على هذا فإن الجغرافيا الإيكولوجية التي قدمها كروبوتكين – والتي تذكرنا بما قدمه جيو Guyot – قد اعتبرت أن الأعمال التي قدمها ريكلي وفي مقدمتها “الإنسان والأرض L’home et la Terre ” و”الجغرافيا الجديدة للعالم Nouvelle Geographie Universelle (1876-1894) تمدنا بأفضل تمثيل للأعمال الجغرافيا في عصرنا”. وعلى نحو ما كتب دنبر Dunbar فإن تأكيد كروبوتكين على القضايا الدائمة المتعلقة بالأمراض الاجتماعية وطرق البحث عن حلول لها، قد دفع جغرافية ريكلي إلى التركيز على “التوزيع غير العادل للثروة..وأهمية دراسة ابتداع طريقة تضمن توزيعا عادلا لموارد العالم وثرواته بين شعوبه.

وبشكل مشابه فإن هذا المنهج القائم على دراسة العلاقة بين الطبيعة والثقافة عبر نهج غير تطوري، وتوازن بين النظرية والتطبيق، ونزعة توليفية تحليلية، قد قدم المنهج المثالي الذي كان يبحث عنه الأمريكي جورج بيركينس مارش George Perkins Marsh، بطريقة أثمرت عن إنتاج مؤلفه “الإنسان والطبيعة Man and Nature” في عام 1864 (148). وفي واقع الأمر فإن مارش قد احتفى كثيرا بكتاب ريكلي “الإنسان والأرض” وسعى إلى طرح ترجمة إنجليزية له، وكان رد ريكلي على مبادرة مارش أن أبدى استعداده بدوره لأن يترجم إلى الفرنسية كتاب مارش “الإنسان والطبيعة”.  وقد كان هناك اختلاف في الأفكار التي تبناها والتزم بها كلاهما، حيث كان مارش يؤكد على الدور التدميري للإنسان في البيئة، بينما كان ريكلي يفضل في المقابل التركيز علىى ذلك الرباط الصوفي بين الإنسان والطبيعة والذي يتجلى في اللاندسكيب المؤنسن Humanized Landscape. ولكن مع ذلك فإن كليهما – مثلما نجد في ثنائية شويو J.F Schouw وناتانيال شيلر Shaler في سياق مختلف – كان يسعى إلى الوصول إلى طرق لصياغة العلاقة بين المجتمع والطبيعة التي كانت مختلفة بشكل طفيف في جوانبها الفلسفية وممارستها الإيكولوجية.

وإلى جانب ذلك نذكر أيضا كارل ويتفوجيل  Karl Wittfogelالناقد الماركسي للجيوبوليتك، والذي استدعى التأكيد الذي صاغه ماركس على أن تحويل الطبيعة الخارجية  external nature من خلال آداء العمل  labour سيتغير الإنسان تلقائيا. وكي يصيغ ويتفوجيل مذهبا ماديا محكوما بشروط جديدة، ذهب إلى الاعتماد على تراث فكري متنوع، لدى كل من مونتسكيو وهيردر Herder  وريتر، ووصل إلى نتيجة أكد فيها على أننا نشهد بشكل متزايد تبلور الدور الوسيط الذي تلعبه الطرق التي يصاغ من خلالها اعتماد المجتمع على الظروف الطبيعية. ووصف ويتفوجل الموقف الفكري الذي يتخذه بأنه “مادية نشطة Active materialism”، لكنه موقف يؤكد على “نشاط” المادية بقدر ما يؤكد على “مادية” هذا النشاط.

ورغم أن بعضا من هذا التراث الفكري الحديث قد عانى من تجاهل الجغرافيا “العملية” وبصفة خاصة من قبل المدارس الفكرية الجغرافية الغربية، إلا أن هذه المواقف الفكرية ستصبح بمثابة النماذج المثالية الجميلة التي سيعود إليها جيل جديد من الجغرافيين بحثا في التراث عن موطن يُسكنون فيه نسختهم الراديكالية الجديدة. وعلى نحو ما حاولت أن أعرض خلال هذا الفصل، فإن القوة الدافعة للبحث عما هو وثيق الصلة بالجغرافيا، وعما هو عملي في نفس الوقت، قد لقي دعما، حيثما أتيحت الفرصة، من المصطلحات الموضوعية العلمية التي دمغت المشروع الفكري الجغرافي خلال الطيف السياسي الذي خيم على نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وعلى نحو ما شدد هربرتسون A.J Herbertson متفاخرا في عام 1902 فإن “تجاهل الجغرافيا الذي خلق العديد من الصراعات والحروب، كان مدفوعا بغباوة وجشع الأطماع التجارية، وآراء طائشة وحمقاء قدمها كتاب المجلات والصحف، فتمخضت عن ذلك خسائر فادحة في الأرواح، وسواء كان السبب سياسيا أو ماليا أو تجاريا، أو حماسة دينية تبشيرية، أو مجرد السعي لتحقيق متعة ورخاء على حساب الآخرين، فبوسعنا أن نضع حدا لكل ذلك إذا ما تمكنا بمهارة من دراسة البيئة.