الطقوس الإقليمية

2020-02-06T01:40:47+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثامن من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

في ديسمبر 1940 انعقدت “رابطة الجغرافيين الأمريكيين” في بلدة باتون روج في ولاية لويزيانا. ووجد رئيسها كارل ساور الذي كان في ذروة مجده آنذاك نفسه في موقف محرج، إذ كان عليه أن يلقي خطابا رسميا على جمهور لا يكن له كثيرا من التقدير، وربما يضمر له الكثير من الاستخفاف. وكان على وشك أن يفضى إلى أحد زملائه بقوله “إنني أستطيع أن أعيش بصورة أفضل باستبعاد كل العمل الذي أنتجوه تقريبا”. لقد كانت المشكلة تتعلق بقلقهم من تعريف علم الجغرافيا. إذ قال ساور بأسف إن هذا “المرض المزمن للجغرافيا الأكاديمية الأمريكية” يبدو كما لو كان مرض الموت. وذلك لأنه عندما “لا ينشغل تخصص ما بحب البحث والاستطلاع، ويشغل نفسه أكثر بتعريف حدوده، فإنه يحتمل أن يواجه الفناء”. على هذا النحو ذهب الفضول العلمي، وحلت محله روح المنادمة والمسامرة.

وقد أرجع ساور هذا الانشغال المفرط بقضية المفاهيم إلى ما أسماه “التراجع الكبير” للتخصص خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الشعرين. وكان يعتقد أنه تمت صياغة معادلات مبسطة للغاية “في محاولة ابتكار علم طبيعي للبيئة البشرية، وتبسيط العلاقة تدريجيا من مصطلح “السيطرة” إلى مصطلح “التأثير” أو “التكيف”، وأخيرا إلى “الاستجابة” الطقوسية نوعا ما. ولكن هذا كان بالنسبة إلى ساور وضعا مؤقتا يرجع إلى الكفاح المبكر للتخصص “لتحقيق الاستقلال الإداري في الجامعات والكليات”. ولكن الرؤية المؤسسية تشابكت مع رؤية خاصة للهوية العلمية. وهكذا فإنه مهما كانت فائدتها العملية، فإن التجربة الجغرافية في الجمع بين الطبيعة والثقافة بمصطلحات تطورية مؤقتة كانت تنهار كمشروع أكاديمي. وكانت النتيجة أن واجهت الجغرافيا الأمريكية أزمة شخصية لأنها “فشلت مرارا في تحديد المجال المتفق عليه الذي يتواجد فيه الجغرافيون المهنيون رسميا فقط”.

ويرى ساور أن الطريقة التي تشكلت بها التجربة الجغرافية المعاصرة في أمريكا كانت معيبة جدا. حيث قام زميله المقرب إليه في بيركلي، جون ليلي John Leighly، بتشخيص أسباب وجوب التخلي عنها بعد ذلك بسنوات. وردا على محاولة ديفز Davis إعادة تشكيل البنية الجبرية التي طرحها جيو Guyot وصبها من جديد في قالب تطوري، فقد لاحظ قائلا: “من المثير للسخرية أنه في السنوات التي كان فيها ديفز يمر بسنوات نضجه في هارفارد، كانت مجموعة من المفكرين في نفس المؤسسة تهدم الهيكل الفكري الذي أقامه هربرت سبنسر والداروينيون الاجتماعيون”. حيث كان يسيطر على ذهن ليلي ما يوم به البراجماتيون في هارفارد من مراجعة وانتقاد الأحادية السطحية للطبيعية التطورية ومظاهرها في القراءات الميكانيكية لعلم النفس والأنثروبولوجيا والاقتصاد. وكانت السخرية تتمثل في أن “الحتمية البيئية ازدهرت في الجغرافيا الأمريكية في الوقت الذي تخلى فيه الدارسون المتخصصون للظواهر الثقافية عنها”. وعندما ظهر الاعتراف في النهاية بأن “العلاقة السببية المفترضة بين هاتين المجموعتين من الظواهر(الطبيعة والثقافة) غير قابلتين للقياس، كان اعترافا ضعيفا بصورة بائسة”. ولقد لاحظ ليلي أن “هذين الشطرين في بنية ديفز الجغرافية قد انفصلا عن بعضهما، وأن مجموعتي الظواهر اللتين كان يهتم بهما حافظتا على ارتباطهما التجريبي في المكان فقط”.

وطبقا لهذه الانتقادات، فإنه نظرا لأن الحوار الجغرافي اقتصر بصورة حادة على تعبيرات الآليات السببية، يبدو واضحا تماما أن السماح بسماع أصوات أخرى سيكون شيئا جيدا. بل إن ساور نفسه اشتكى من أن الجغرافيا الأمريكية في عصره كانت “منتجا محليا أساسا، حيث ظهرت في الغرب الأوسط في المقام الأول، وكانت تعكس خلفيتها بقوة من خلال الاستغناء عن الاهتمام الجاد بالعمليات الثقافية والتاريخية”. ولكنه التزم بنفس الشىء الذي ازدراه عندما فسر الحضارة التجارية الكبيرة في الغرب الأوسط بأنها “تشكلت” بسرعة وببساطة و”بصورة مباشرة من خصوبة الأراضي وثروات التربة”.(6) ومع ذلك، كان العلاج واضحا؛ إذ كان الجغرافيون الأمريكيون يحتاجون إلى التخلص من مناهضتهم المتأصلة للنزعة الثقافية، والتحول إلى مجال آخر بحثا عن الإلهام. وقد أوصى ساور بأن التعمق الدقيق في تاريخ التراث الأوروبي للجغرافيا سيحقق مكاسب طيبة. وهكذا اعتبرت “الأبحاث الفردية ذات الطابع الفرنسي والألماني” الإقليمية الدسمة بمثابة أمثلة على الممارسة الجيدة، على أمل إنجاز تجربة ضخمة في استعادة تقليد بديل.

علاقة عبر القارات (من أوربا إلى أمريكا)

كان الجدل المنهجي في ألمانيا في القرن التاسع عشر عميقا ومستمرا. فمثلا، خضعت جغرافية ريتر لسلسلة من الانتقادات، من يوليوس فروبل Julius Fröbel أولا، ثم من أوسكار بيتشل Oscar Peschel، وذلك في محاولة للتخلص من مضمونها الغائي. وبالطبع، وجد ريتر أن النزعة الطبيعية لهذه الانتقادات  – خاصة عندما تركز على مفهومه شبه الغامض: “الوحدات الأرضية terrestrial units” – بعيدة عن القبول، واستجابة لذلك أكد حاجة الجغرافيا إلى تبني “هدف أخلاقي”، ووجود دافع “موجه نحو غايات أسمى من مجرد الغايات الطبيعية”. واستمر الإحساس بالتردد بشأن التزاماتها الإدراكية الأساسية يطارد الجغرافيا الألمانية خلال منتصف القرن التاسع عشر. وأطلق مؤيدون مختلفون دعاوى لإعادة تشكيل التخصص بناء على أسس العلوم الطبيعية، وذلك في محاولة ـ كما يقول جون ليلي ـ “لتخليص الجغرافيا من العبء الذي فرضه مثال ريتر عليها”. ونتيجة لذلك، يعتقد البعض مثل جيرلاند Gerland أنه يمكن حل المشكلة بالبتر، ولذلك اقترح الابتعاد عن التقليد بنزع المكون البشري ببساطة لأنه غير متوافق مع الجغرافيا باعتبارها علم الأرض. بينما سعى آخرون مثل راتزل للتغلب على هذا التشعب المزدوج من خلال حشد التطور الحيوي؛ إذ إن هيرمان فاجنر Hermann Wagner ـ الذي كان يشعر بأن الاهتمام الجيوفيزيقي المتصاعد تراجع على أي حال بسبب اشتماله على توزيع النبات والحيوان ـ إذ كان يرى في علم الأحياء أساسا لحفظ التخصص البشري داخل حدود الجغرافيا.

ومع نهاية القرن، بدأت الطريقة التي يمكن من خلالها التغلب على ازدواجية الجغرافيا تأخذ شكل الدعوة إلى إعادة صياغة التخصص على أنه علم الأقاليم. وقد تخلى ألفريد هتنر Alfred Hettner بسعادة في خطابه الافتتاحي في مدينة توبنجن Tübingen (ألمانيا) في 1898 عن المكون الجيوفيزيقي باعتباره بعيدا جدا عن الاهتمامات التقليدية للتخصص، وحث على التجميع الإقليمي على أساس العودة غير اللاهوتية إلى ريتر. وهكذا فإن ابتعاده عن الطبيعة المحددة سلفا لأعمال ريتر لم يمنعه من التأكيد على مركزية (الدراسة الإقليمية Länderkunde) باعتبارها أحسن تعبير عن “مضمون العلم مقارنة بمصطلح الجغرافيا (دراسة الأرضErdkunde ). وبالتالي طرح هتنر بإصرار وعناد في صفحات المجلة الجغرافية Geographische Zeitschrift مبدأ الكورولوجيا ـ أي البحث التفسيري للحقائق الأرضية مقسمة إلى سلسلة من الأقاليم المكونة ـ باعتباره سبب وجود الجغرافيا الوحيد، ودعم تأكيداته الفلسفية بالاحتكام إلى النماذج التاريخية. وفي ظل هذا الإطلاق، ليس مدهشا أن عمليات التنظير الكبرى نظرت إلى عمل هتنر بطريقة خاطئة. وهكذا تراجعت دورة تحات ديفز، لأنها كانت تميل إلى تجاهل التباينات المحلية في علم الصخور والتركيب الجيولوجي والمناخ. ولم تستطع المشروعات الاستنباطية أن تحظى بالأولوية على الخصوصيات الاستقرائية، وهكذا ظل هتنر مقتنعا بأن الجغرافيا تستطيع الحفاظ بمكونيها الطبيعي والبشري على أساس المبدأ الكورولوجي فقط، وذلك لأن الأماكن الخاصة تكتسب طبيعتها الإقليمية من جدليتها الخاصة.

وكانت إعادة رسم شولتر لحدود الجغرافيا موضع هجوم متقطع من هتنر خلال الربع الأول من القرن العشرين. حيث كان يشعر مثلا بأن مبدأه الكورولوجي كان يتعرض لهجوم من رؤية مشهد الأرض عند شولتر، وأن تفرد شولتر بقصر مجال التخصص على التعبيرات “المادية” عن الثقافة كان يعني استبعادا لا مبرر له “للعنصر العقلي” بما يضر “الجغرافيا السياسية، والجغرافيا العرقية، وجغرافية النقل والتجارة، والتي لا تعتبر دراسة وسائل النقل المنظورة بديلا لها”. ومع ذلك فإن هذا العداء ـ وهو العداء الذي شعر المدافعون التاريخيون عن الجغرافيا بأنهم ملزمون بالمشاركة فيه ـ يجب النظر إليه على أنه شجار جماعي بين أنصار النموذج الإقليمي. وفي الواقع، فقد عرض شولتز Schultz الدقة التفسيرية لهؤلاء الذين يفرقون بقوة بين الدراسة الإقليمية والجغرافيا، حيث أظهر أن المصطلحات كانت تستخدم في الواقع بصورة مترادفة كمنهجية لاستكشاف المناطق الجغرافية. ولا شك هنا في أن الاهتمامات الأكاديمية كانت على المحك في محاولة السيطرة على مجال المفاهيم بالنقد اللغوي.

وإذا كان هذا التحول للأحداث غير خال من الصراع على ضمان احتكار الخطاب العلمي، فإنه لم يكن نقيا سياسيا أيضا. ففي داخل النظام الدراسي الألماني، كانت مبادئ الدراسة الإقليمية محشودة من أجل تخليص العلم من عبوديته للحصر الإحصائي. وتحولت الاهتمامات الأيديولوجية السارية هنا لتصبح بعيدة عن البساطة. لأنه كما اتضح لاحقا، انتقل نموذج مشهد الأرض Landschaft بصورة متزايدة في اتجاه مفهوم عضوي شمولي للعلاقات بين شعب وأرضه، أو بصورة أكثر بلاغة، بين الدم والتربة. وعلى أي حال، فقد اعترف ميكنج Mecking في 1934 بأن “شعارات التجديد الشعبية مثل “الدم والتربة” كانت تتردد في آذاننا على أنها وثيقة الصلة بمضمون وهدف البحث الجغرافي، وذلك بجمعها بين التربة والإنسان”. وكما تقول مجموعة من المعلقين المعاصرين: “أصبح الشكل الخارجي الآن يعتبر بمثابة مجرد انعكاس لقوى روحية أعمق. فالجسد يعكس الروح. وكان مشهد الأرض والجغرافيا يعتبران ضروريين لروح الشعب”. وكذلك، فإنه عندما اجتمع هذا الاهتمام مع الحماس للدراسة المحلية، نتج عن ذلك مجموعة من الأفكار التي استطاعت العمل على تشجيع ظهور لهجة قوية لمعارضة الإحساس المتزايد بالتضامن على الأساس التعليمي والنزعة الدولية. وهكذا كان كل من المحافظة السياسية وجغرافية مشهد الأرض يقوي أحدهما الآخر بصورة تبادلية. وفي هذه البيئة السياسية، كان يمكن تحويل المشهد الثقافي بكل سهولة إلى “مشهد مشكل شعبيا … وحقيقة مكان شعبي وكل مركب … والذي يعتبر بمثابة مركزية بشرية عرقية”.

وهكذا كانت أيديولوجية الإقليمية تستكمل وتتحول عندما أصبح الروائيون والمؤرخون يقدرون أهمية خصوصيات المكان. وكانت ارتباطاتها السياسية تتوسع في الواقع لتشمل أنصارا من كل من اليمين واليسار. وفي خضم هذه التطورات، انتعشت الجغرافيا الإقليمية نتيجة للدور المتوسع الممنوح لها في النظام الدراسي خلال أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر. ففي أعقاب الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871) وتأسيس الجمهورية الثالثة، وفي الوقت الذي كان فيه القطاع الجامعي يعيد توجيه طاقاته إلى الإحياء القومي، قام وزير التعليم يولس سيمون Jules Simon بخطوات لإحياء تدريس الجغرافيا في المدارس. فنظرا لاقتناعه بأن الخلاص القومي يكمن في التعليم، شكل “لجنة تدريس الجغرافيا” في نوفمبر 1871 لدراسة الأوضاع السائدة. وتمثلت نتيجة ذلك في المطالبة بإصلاح مناهج الجغرافيا في اتجاه المزيد من التركيز على الإقليم المحلي. وبدلا من البداية بالسرد المجرد للآليات السماوية، بدأ البرنامج الجديد “في السنوات الأولى بدراسة الجوار المباشر لبيت الطفل والمدرسة والمجتمع”.

وقد سهلت هذه الظروف ـ الممكنة إن لم تكن المحددة ـ انتقال مسار فيدال دو لا بلاش من الدراسات التقليدية إلى الجغرافيا عقب عودته إلى فرنسا من أثينا في 1870. ولكن الدور الذي لعبته هذه الظروف في تشكيل المضمون المعرفي لجغرافية فيدال غير مؤكد. ومع ذلك، كان مفهومه للجغرافيا باعتبارها “الدراسة العلمية للأماكن” يتسق بوضوح مع روح العصر السائدة. وذلك لأن فيدال كان مصمما على الابتعاد عن كل من المنهج الموسوعي التقليدي ومنهج راتزل في صياغة جغرافيته البشرية. فقد كان يرى أن المهمة الجغرافية تكمن في استكشاف كيف توفر مجموعة العوامل الطبيعية البيئة التي تتشكل فيها أساليب الحياة البشرية في أماكن معينة.

وقد فهم فيدال أساليب الحياة هذه على أنها أنماط حياة منظمة وظيفيا ـ رعوية، زراعية، الخ ـ تكون شبكة متكاملة من المواضيع المادية والاجتماعية والنفسية. وتعتبر الصبغة الإيكولوجية العضوية لهذه الرؤية واضحة ـ كما هي واضحة أيضا في نظيرتها عند راتزل. ولكن بينما توسع راتزل في القوة المؤثرة للبيئة، ركز فيدال على دور المجتمع في تعديل الطبيعة. إذ إنه كان يرى أن مصطلح “أسلوب حياة” يعتبر دليلا في حد ذاته على التحول القوي والمستمر والمنهجي للبيئة. وقد كان الأمر كذلك في المراحل المتأخرة من التطور الاجتماعي عندما كانت التقاليد الراسخة ـ الممارسات الزراعية، تقاليد البناء، أنماط الاستيطان، أنواع النقل ـ تضرب بجذورها عميقا في الأرض. ويمكن أن نرى كيف كان فيدال يعتقد أن ملامح سطح الأرض يجب أن ترسم ـ والتي كانت نتاج الطبيعة والثقافة ـ معروضا بوضوح في كتابه “المشهد العام لجغرافية فرنسا Tableau de la Geographie de la France (1903)”.

وفي الواقع كان فيدال يعتبر المقالات التي جمعت بعد وفاته في كتاب “مبادئ الجغرافيا البشرية Principes de Geographie Humaine (1921)” بمثابة بيان رسمي. حيث كتب “إن علمنا يقدم مفهوما جديدا للعلاقات بين الأرض والإنسان”، وهو مفهوم يعتمد على “معرفة أكثر تركيبا بالقوانين الطبيعية التي تحكم أرضنا والعلاقات بين الكائنات الحية التي تسكنها”. ومع ذلك ـ ربما بسبب الطريقة التي جمع بها النص، أو ربما لأن المشروع كان ناقصا ـ ليس هناك إحساس في هذا المجلد بأي تفصيل منهجي لقواعد “مبادئ” المشروع الوليد. وبدلا من ذلك، فإنه يكشف عن ميل فيدال إلى التقدم على أساس أكثر استقراء لتوضيح خصائص التجمعات السكانية الكبيرة في أفريقيا وآسيا وأوروبا والبحر المتوسط. وكذلك فإن المقالات تخلو بصورة مثيرة من المناورة المعرفية التي يمكن أن يتوقعها المرء من الدعوة إلى علم جديد. ولكن الذي ظهر بوضوح من خلال ذلك هو التوجه الطبيعي لفكر فيدال من الإيكولوجيا إلى الجغرافيا البشرية. حيث علق قائلا إن علماء جغرافية الحيوان “يستخدمون بعض التعبيرات مثل “مجتمع الحياة” أو حتى “الارتباط الحيواني”. حيث كانت هذه “مصطلحات هامة” حقا، وشجعته على التساؤل عن مدى إمكانية “تطبيقها على الجغرافيا البشرية”. ومع مثل هذه الميول يصبح مفهوما أن هذا المجلد يجب أن يلجأ إلى تشبيهات أرضية (حيث يتحدث فيدال مثلا عن إرساب “الطمي البشري”) وأنه يجب أن يركز على الأنشطة التحويلية للزراعة وتربية الحيوان ـ وهي وظائف طبيعية أساسا. وهكذا ينتشر إحساس واضح بالديناميكية التاريخية عبر المشروع. فهناك النمو السكاني، الهجرة، العزلة، تاريخ الأعراق، الاستعمار، الأقلمة، التطور، التقدمية، التداول: حيث خرج بحث فيدال في الحتمية من هذه المفاهيم، وليس من شرح عقيدة فلسفية إمكانية مجردة. وقد ترك لتلميذه ومنظره جين برون Jean Brunhes مهمة نشر إمكانية أكثر تفصيلا منطقيا في نشاط فيدال. ومع ذلك، فقد أرسى في نفس الوقت المشروع الجغرافي بصورة أكثر ثباتا في الحقائق المادية للثقافة البشرية.

وفي ظل الاهتمام الممنوح للأشكال المادية للحياة الاجتماعية، كان لا بد من ظهور السؤال حول طبيعة العلاقة التي يجب أن تحافظ عليها الجغرافيا البشرية مع علم التشكل الاجتماعي عند أميل دوركايم. ففي مواجهته المبكرة مع جغرافية راتزل، اقترح دوركايم الترحيب بالجغرافيا البشرية ـ الحليف المحتمل للعلم الاجتماعي الجديد ـ فنظرا لأن دوركايم كان يفهم التباين الاجتماعي من خلال مصطلحات شكلية أساسا، فقد كان مشدودا إلى التدقيق الجغرافي في أشكال الاستيطان المختلفة التي تتخذها المجتمعات على سطح الأرض. ولكنه رفض بشدة الاختزال المتضمن في تفسير الظواهر السياسية من خلال الجغرافيا الطبيعية. إذ إن إظهار التشكل الاجتماعي بتصوير الأنماط المكانية يمثل أمرا ما، ولكن تفسير الأشكال الاجتماعية على أنها تتشكل بالبيئة يعني الخلط بين القيود والسببية.(25) حيث يرى دوركايم أن السمات التي تكتسبها المجتمعات ناتجة عن الطبيعة وترتيبات العناصر المكونة لها.(26) أي أن الظواهر السياسية لا يمكن اختزالها إلى عوامل تتعلق بالتربة.

ومهما كانت خصوصيات اختلاف الجغرافيا البشرية مع المورفولوجيا الاجتماعية، ومهما كانت الانتقادات المثارة ضدها بسبب عدم دقتها العلمية، إلا أن هذه الأشياء تساعد فقط على إبراز الأهمية الإقليمية التي تميز تقليد فيدال. ومن المؤكد أن حل معضلات الهوية العلمية يجب النظر إليه في سياق الطريقة التي اختارها الجغرافيون الفرنسيون لمناقشة أسلوبهم في حل سلسلة من المشاكل: كيف يمكن صياغة جغرافيا غير حتمية تستعيد العلاقات التقليدية بين المجتمع والبيئة بدون انتهاك مجال المورفولوجيات الاجتماعية. ولكن مهما كانت مصادرها، فإن طاقات أتباع فيدال كانت مكرسة أساسا لتوضيح “الشبكة المعقدة من العلاقات التي تربط المجتمع بالبيئة”، وذلك من خلال إنتاجهم لمجموعة من الدراسات الفردية الإقليمية صغيرة النطاق لمناطق فرنسية معينة، وذلك في ضوء الضرورة وليس الحاجة. وتمثل كيفية ظهور هذه الفكرة في هذا المسار موضوع اهتمامنا التالي.

الدائرة الجيديسية  The Geddesian Circle

يرجع الفضل في تفصيل الإقليمية على النمط الفرنسي في بريطانيا العظمى إلى أنشطة الاسكتلندي متعدد المواهب باتريك جيديس Patrick Geddes (1854-1932) ودائرة الجغرافيين الذين وقعوا تحت تأثيره. فقد كانت العلاقات العلمية بين اسكتلندا وفرنسا عميقة ومستمرة، وذلك لأن محور إدنبره باريس ـ الذي كانت حياة جيديس الفكرية تدور حوله ـ كان يعمل منذ أوائل القرن التاسع عشر كوسيلة لاستيراد الثورية السياسية والعلمية الفرنسية إلى بريطانيا.

باتريك جيديس (1854-1932)

وخلال عيد فصح 1878، قضى جيديس أسابيع قليلة للنقاهة في العمل مع علماء الأحياء البحرية في روسكوف Roscoff (في أقصى شمال غرب فرنسا). ولكن خلال الفترة التالية في باريس في الشتاء التالي، أجرى مواجهته الفكرية الحاسمة ـ من خلال إدموند ديمولين Edmond Demolinsـ مع النظريات الاجتماعية التي وضعها فريدريك لو بلاي Frederic Le Play. فهنا وجد جيديس نموذجا للدراسة العلمية للمجتمع بما يمكنه من ترجمة العلم الطبيعي الذي كان يدرسه مع هكسلي Huxley في لندن إلى سياسة عملية.

وبصفته مهندس مناجم، كانت لدى لو بلاي فرصة السفر كثيرا في أنحاء أوروبا خلال العقود الوسيطة من القرن التاسع عشر. حيث ظهرت نتيجة التعرض لمدة عشرين عاما للتنوع الإقليمي للتنظيم الاجتماعي الأوروبي في كتاب “العمال الأوروبيين Les Ouvriers Europeens” الذي نشره في 1855. ومنذ هذه النقطة في مسيرته وحتى 1870، منح لو بلاي تأييده لنظام نابليون، وهكذا تأثرت مشروعات الإصلاح الاجتماعي التي كان ينادي بها بالاهتمام بالحفاظ على الوضع القائم. حيث كان يرى أن استعادة التوليفة الثرية من الارتباطات الوسيطة ستؤدي إلى التغلب على تدخل الدولة وتعجل بإحياء الحياة الأسرية والدينية والمحلية. وهكذا كان يدعم مشروع لو بلاي مجموعة من المبادئ السياسية الأخلاقية المستمدة من دى بونالد de Bonald، وكل شىء تقليدي وكاثوليكي وناقد “لعقلية التنوير”. وهكذا فإنه بينما كان لو بلاي يدرك العلاقات بين التغير الاقتصادي والتقاليد الثقافية ووسائل الإنتاج، كان يقاوم التحليل المادي الماركسي للتحول التاريخي بصياغاته الثورية. وبدلا من ذلك، ركز على مجتمعات معينة، وعلى التباينات فيما بينها، وكيف أنها تأثرت بالظروف الجغرافية. ففي مشروع لو بلاي، كانت الهياكل الاجتماعية مرتبطة تلقائيا بالبيئات الطبيعية، ومن المفهوم أن هذا المشروع تورط في اختزالية حتمية على يد بعض أنصاره مثل ديمولين. وبالتالي تعرض هذا المشروع لنقد لاذع من فيبيفيه  بسبب “الأسلوب الميكانيكي” الذي استخدمه ديمولين لاستنباط قواعد عامة من مسح أنماط عرقية واجتماعية.

وقد شجعت الإقليمية المفرطة التي تغلغلت في تحليل لو بلاي للبنية الاجتماعية على بحثه عن بعض الأساليب المنهجية لدراسة خصوصيات المكان. وعندما اعتبر الأسرة بمثابة الوحدة الاجتماعية الأساسية، نظم تقريره حول العناصر الأساسية للأسرة والمكان والعمل. وكان يعتقد أنه يمكن الكشف عن الآلية الداخلية للحياة الإقليمية من خلال توضيح العلاقات بين هذه المكونات: إذ إن أنماط المعيشة (العمل)، الناتجة عن بيئات معينة (المكان)، تؤثر على تقاليد العنصر الاجتماعي الرئيسي (الأسرة). وقد انتشر هذا المشروع على نطاق واسع من خلال المعجبين به ـ بصورة متكررة وليست ثابتة ـ في الصياغة الحتمية الجامدة لنموذج ديمولين.

وقد حظيت الرؤى الإقليمية التي كان جيديس يجمعها من أتباع لو بلاي بتأييد من المجلدات الأولى من “الجغرافيا العامة Geographie Universelle” التي كتبها ريكلي Reclus، والتي بدأ ظهورها في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر. ففي الحقيقة، أصبح جيديس معجبا جدا بريكلي لدرجة أن الأخير أحضره إلى مدرسته الصيفية الخاصة في إدنبره في أواخر القرن التاسع عشر. وفي تلك الأثناء، أصبح يعتقد أن ريكلي ربما “فقد كثيرا رؤية الفئات الوسيطة بين المدينة والدولة، والأمة والإمبراطورية” في لوحته الكبيرة جدا. ومع ذلك، كان تعليقه الخاص على تطور الحضارة ـ ما يسمى “قطاع الوادي Valley Section” ـ والذي ظهرت فيه مهن البيئة الطبيعية والطبيعة بوضوح، مشبعا بفئات ريكلي. ولكل هذا، شعر جيديس بأن هناك شيئا مفقودا في أعمال هؤلاء الإقليميين. إذ إنهم لم يسجلوا قوة التيارات التطورية. وذلك لأن جيديس كان مدركا تماما ـ كما أظهر لاحقا ـ أن “المكان الذي احتله تفسير بالي Paley اللاهوتي والميتافيزيقي أصبح يحتله ببساطة التفسير الذي اقترحه مالتوس على داروين وفالاس، من حيث انتشار حدة المنافسة الصناعية”.

وكان علم اجتماع أوجست كونت ـ الذي واجهه جيديس سابقا في لندن، والذي وجده الآن رائجا بحماس متجدد في باريس في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر ـ يبشر بطريقة للخروج من هذا المأزق. وذلك لأن كونت قدم نظرية وضعية للتقدم الاجتماعي كأساس لعلم المجتمع، حيث أعطت دافعا للبحث عن قوانين تنظم التطور الاجتماعي للجنس البشري، حتى إذا كانت أساسياتها مجرد تجميع لتقليد غربي طويل من الفكر التقدمي. وهكذا فإن المشروع التطوري للتقدم الاجتماعي الذي عرضه ـ والذي يتحرك فيه المجتمع حتميا على مساره ـ من اللاهوتي عبر الميتافيزيقي إلى العلمي أو الوضعي ـ كان مغريا لجيديس. ومن خلال أتباع كونت، أصبح يرى أن المجرد والمادي كانا مرتبطين ارتباطا وثيقا في علم الاجتماع التطوري. وحتى العلوم البحتة لم تكن منفصلة اجتماعيا: حيث أصر جيديس في 1919 على أن “المنطق والرياضيات، والطبيعة والكيمياء، والأحياء وعلم النفس، ليس منها ما هو مستقل عن الحياة الاجتماعية … بل إنها على العكس عبارة عن منتجات مباشرة للأوضاع والتغيرات الاجتماعية في عصرها”.

ومع ذلك، لم يكن تطوير جيديس للنظرية الاجتماعية يعتمد مطلقا على اعتناق وضعية كونت. إذ إن فلسفة هربرت سبنسر كانت حاسمة في هذا الصدد. وبالطبع فقد اعتمد سبنسر نفسه على أسس كونت عندما كان يبحث عن قانون علمي للتقدم مجردا من أي مكون للسعادة أو مبدأ أخلاقي. وهكذا سهلت ترجمة جيديس التقدم الاجتماعي إلى تعبيرات التقدم عند سبنسر رفضه المتكرر للانتقاء الطبيعي عند داروين باعتباره الآلية المطلقة للتحول. وكذلك، مكنه هذا من إساءة عرض ثلاثية لو بلاي ـ البيئة والعمل والأسرة ـ على أنها المكافئات الوظيفية لكل من البيئة والوظيفة والكائنات الحية عند سبنسر، وهي المعادلة التي اعتبرها لويس مامفورد Lewis Mumford بعد ذلك ذات أهمية كبرى. وعن طريق سبنسر، ثم عن طريق هكل Haeckel الذي درس معه في يينا Jena، أصبح جيديس يدرك الإصرار اللاماركي التقليدي على أن التكيف العضوي ناتج عن الاستجابات الإيجابية وليس السلبية للمحفزات البيئية.(44) وهكذا تكمن قدرة البشرية على الهروب من حتمية البيئية التطورية في تفسير جيديس النفسي الحيوي للتغير العضوي، مع ارتباطه المباشر بالهمة الحيوية Élan vitalé كقوة خلاقة. حيث ترددت هذه الأحكام ـ التي ظهرت إلى السطح في التطور الصاعد الذي قاده جيديس ولويد مورجان ـ بوضوح مع التطورية الخلاقة عند هنري بيرجسون.

وهكذا اعتبر جيديس النوع البشري بمثابة “ناشئ” تطوري جديد يتمتع بحرية كبيرة من قيود المصير البيئي. واعترافا بالجميل الفكري لكل من أتباع لو بلاي “الأكبر والأكثر عمليا واقتصاديا”، ولممثليهم “الأصغر والأكثر جغرافيا وتطوريا”، أخبر الجغرافيين في لندن في 1898 بأنه:

“بينما تؤثر الظروف على الإنسان، على فكره كما على جسده، يبدو أن الإنسان يهرب من قبضة البيئة خاصة خلال ارتقائه في الحضارة المادية، وأنه يقوم برد الفعل على الطبيعة بصورة أكثر عمقا؛ وبينما يطور أفكاره وينظم مبادئه في فلسفة أو دين مكانه وزمانه، فإنه يؤكد تفوقه على مصيره، ومسئوليته الأخلاقية واستقلاله؛ وهروبه من عبودية الطبيعة إلى السيادة المتزايدة”.

ومن المفهوم أن إمكانية الجغرافيا الفرنسية كانت جذابة بصورة خاصة؛ إذ يبدو أنها كانت تصيغ ترجمة جغرافية لوضع المادية والمثالية جنبا إلى جنب بصورة حيوية. وهكذا شكلت اللاماركية الحيوية والاجتماعية لحمة وسداة نظرة جيديس، والتي فسرت كلا من الإرث العضوي والتراث الاجتماعي بطريقة تقدمية تبعث الأمل في المستقبل بالسماح بالتدخل في الشئون الإنسانية ـ من خلال التخطيط التعليمي والبيئي ـ الذي كانت الأشكال الأخرى للداروينية الاجتماعية تستبعده.

وإذا كان جيديس قد تعرض لاحتمالات التركيب الإقليمي وللدوافع التفسيرية للفلسفة العلمية الأوروبية القارية في فرنسا، فقد ازدهر تفكيره وتأثيره في اسكتلندا. إذ إن إدنبره التي عاد إليها في 1879 ـ حيث كان يدرس علم الحيوان لمدة عقد قبل أن يتولى كرسي علم النبات في دندي Dundee في 1889 ـ كانت موطن مجموعة ناشئة من الجغرافيين الذين كان مجرد وجودهم يمثل تحديا لامركزيا للهيمنة التي كانت تمارسها آنذاك المجموعة الحضرية في الجمعية الجغرافية الملكية في لندن. حيث تضافرت مجموعة من العوامل المستقلة في إدنبره لتشجيع تكوين هذه الدائرة الجغرافية.

وبالنسبة لنشاط النشر مثلا، كانت إدنبره منذ فترة طويلة موطن أكبر شركتين لصناعة الخرائط في بريطانيا، شركة بارثولوميو وابنه Bartholomew and Son، وشركة جونستون W. and A. K. Johnston ـ وكانت مركز إنتاج عدد من دوائر المعارف. وكان بها تقليد علمي طبيعي قوي أيضا. ففي الجيولوجيا، أصبحت الإسهامات المبكرة لكل من فليمنج، بلايفير، هاتون، وميلر، تكملها أعمال كل من جايكيس، أرسيبالد، وجيمس، الذين ركزوا بصورة مطلقة على جيولوجية سطح الأرض، وذلك على عكس التركيز على علم الطبقات والمتحجرات عند نظرائهم الإنجليز. ثم كانت مكاتب بعثة تشالنجر Challenger expedition (1872-6) ـ التي كانت تهدف إلى تحديد الأوضاع الطبيعية لأحواض المحيطات الكبرى ـ تقع في إدنبره تحت إدارة وايفي تومبسون Wyville Thompson أولا، ثم جون موراي John Murray بعد ذلك. وكان عدد من الشخصيات الذين أصبحوا لاحقا أعضاء بارزين في النادي الجغرافي ـ مثل ديكسون، وميل، وهربرتسون ـ يشاركون في مشروع جغرافية المحيطات هذا. وكان نفس الشىء ينطبق على الأرصاد الجوية، حيث عمل جغرافيون كثيرون كمساعدين في المراصد المرتفعة والمنخفضة في بن نيفس Ben Nevis وفي فورت ويليام. وقد ساعد كل هذا، بالإضافة إلى تراث أصيل ونشيط من الاستكشاف والرحلات ـ ديفيد لفنجستون، منجو بارك، جوزيف تومسون ـ على تشجيع الميل إلى الجغرافيا.

وفي حالة جيديس، كان تحديد الخصوصيات الإقليمية فقط هو الذي يمكن أن يساعد على تحقيق “وعد التطوريين بالتجميع العلمي، من خلال توضيح التفاعل بين العوامل الجغرافية والقوى الاجتماعية، والاتجاهات التطورية. وكان هذا يرجع ببساطة إلى أن الصفة الإقليمية كانت بمثابة السجل المتراكم للتطور الاجتماعي. ولذلك يؤكد جيديس أن التطوريين كانوا يحتاجون إلى “النزول من إقليم التجريد الفلسفي إلى تنسيق وتفسير كل حقائق الجغرافيا والتاريخ”. ومع ذلك، كان يرى أن الإقليمية لا يمكن أن تعتبر مجرد صياغة أكاديمية. وكانت الأسس الكلية الحيوية التطورية لأيديولوجيته الإقليمية تترجم عادة إلى نقد للضحالة الأخلاقية والثقافية لمشروعات التخطيط في عصره. فقد رفض المثالية الوظيفية غير التاريخية لمدرسة “جاردن سيتي garden-city” عند إيبنزر هوارد Ebenezer Howard. ونظرا لأن جيديس كان يعتبر عملية التخطيط كعلم تطوري، كان يعتقد أن هذه المشروعات فشلت في مراعاة الآلية التاريخية الداخلية للحياة الإقليمية بالجدية الكافية. إذ كان جيديس يعتبر المدينة ـ كما قال أحد المعجبين به لاحقا ـ “كيانا متطورا مشحونا بمؤثرات من الماضي، يحمل بعضها آفاقا للمستقبل، في حين أن البعض الآخر يتواجد كمجرد بقايا غير مفيدة”. ومع ذلك، لم يدفع هذا التقدير للتقليد بجيديس إلى العواطف الحانية أو الذكريات الساكنة. إذ إن مثل هذه الآثار الباقية الرمزية أفسدت التاريخ الحي. ولذلك استدعى لاحقا في الهند المحافظة الثقافية الرمزية لغاندي عندما تحول إلى دولاب الغزل في نفس الوقت الذي كان فيه الفقر الريفي يتطلب المزيد من الزراعة المميكنة.

وهكذا كان التشبيهان الطبيان اللذان استخدمهما جيديس كوسيلة للإصلاح الحضري ـ “المسح التشخيصي” و”الجراحة الوقائية” ـ مصممين للحفاظ على التكامل التاريخي “للروح الجماعية” للمدينة، ولتيسير تغير المجتمع على المستوى المحلي. فقد كانا بمثابة النقيض الكامل للشمولية. وكما قال ميلور Mellor: “لم يكن التخطيط عملية لاستبعاد المشاكل الفنية والمادية لحياة المدينة المعاصرة. ولكنه كان عملية لفتح أعين الناس على طبيعتهم الحيوية، ومعاملة التفاعل بين الإنسان والبيئة باحترام، ومشاركة الناس في أنشطة تنميتهم، لأن الهدف الأهم كان يتمثل في التطور الاجتماعي للنوع”. وكان عمل جيديس التطوعي في عشوائيات جيمس كورت James Court في إدنبره بمثابة تفصيل خاص لهذا المبدأ. ومع وجود مثل هذه الميول النشيطة، من المفهوم أن جيديس وجد نفسه أكثر انجذابا إلى كروبوتكين وريكلي، منه إلى أي من الجغرافيا الإمبريالية لدى هالفورد ماكيندر، أو إلى الاشتراكية النظرية لدى الفابية.

وهكذا لم يكن المسح الإقليمي لدى جيديس مجرد عملية تقييم لأوضاع جافة، بل كان يمثل جوهر الإصلاح السياسي والتحول التعليمي. فمن الناحية السياسية، كان يأمل في أن يمثل دعم الوعي الإقليمي المرحلة الأولى من إعادة التأهيل المدني من خلال المشاركة الشعبية في صنع القرار. وكانت مقاربته الكلية للمجتمع على النطاق الصغير (حيث كتب أن: “الحضارة انتعشت بصورة أفضل في التجمعات الصغيرة”) مفصلة لتشجيع المشاركة المحلية. وكانت تشجع اللامركزية. حيث كان جيديس يرى أن “المدينة الحقيقية هي موطن الشعب المتمتع بالحكم الذاتي الذي يحكم نفسه من قاعات مدينته، ومع ذلك يعبر أيضا عن المثل الروحية التي تحكم حياته”. وكذلك، تتطلب الديمقراطية الفعالة لعملية التخطيط إصلاحا منهجيا. وهكذا ألقى جيديس بثقله بكل قوة وراء حركة دراسة الطبيعة، ونظم “برج الاستشراف Outlook Tower” في إدنبره، (والذي وصفه البعض بأنه أول معمل اجتماعي) كمتحف تعليمي يمكن من خلاله مواجهة العالم باعتباره هرما من المستويات الإقليمية، وذلك بسبب اقتناعه بأن “التعليم الحقيقي يبدأ بالمسح الإقليمي كعمل له فائدة إقليمية”. وكان الهدف من هذه المشروعات يتمثل في أخذ التعليم خارج الفصول إلى الحياة العامة، وجعل السكان المحليين يشاركون في صنع تاريخهم. ولذلك فإن تركيب المعرفة الذي كان جيديس يهدف إليه ـ كما حدده في 1917 ـ “لم يعد يتمثل في الآداب والعلوم، ولكنه أصبح يتمثل في المكان والناس … ولم يعد تصنيفا مجردا … ولكنه أصبح تصنيفا واقعيا. أي أن تحل الجغرافيا محل الفلسفة”.

وهكذا ترددت قوى المفاهيم الرئيسية في فكر هربرتسون مع قوى مفاهيم جيديس نفسه. وربما يتمثل الشىء الأكثر وضوحا في الدور الذي منحه هربرتسون للأقاليم الطبيعية في تصريحاته الجغرافية. فمثلا، عندما كان يتحدث عن نطاق الجغرافيا في 1904، نأى بنفسه عن توصيف ديفيس للموضوع بأنه “العلاقة بين البيئة الطبيعية والاستجابات العضوية لها”، وفضل بدلا من ذلك التركيز على “الوحدات الجغرافية التي يمكن أن نسميها الأقاليم”. وقد أصبح بيانه المبرمج في السنة التالية عن الأقاليم الطبيعية الكبرى في العالم بمثابة البيان التقليدي من نوعه. وقد أكد دادلي ستامب ـ بموافقة جلبرت ـ لاحقا على أنه “سيكون من الصعب الإشارة إلى أي تواصل فردي آخر كانت له مثل هذه الآثار بعيدة المدى في تطور تخصصنا”. حيث نادى هربرتسون بتحديد الأقاليم على الأساس الطبيعي “لوحدة تشكيلها ومناخها ونباتها الطبيعي”. ومن الواضح أن هذا الإحساس بالكلية الإقليمية يبرهن على عضوية جيديس؛ ومع ذلك يكون المرء انطباعا عن هربرتسون، وعن الممارسين المتأخرين للإقليمية طبعا، بأن التحديد الإقليمي أصبح هدفا في حد ذاته، بدلا من التحديد المسبق للوحدة الطبيعية التي يمكن إدراك العمليات التطورية الطبيعية والاجتماعية داخلها.

وهنا أيضا تأثرت مواجهة هربرتسون مع نموذج المجتمع عند لو بلاي، والدور المركزي الممنوح هناك للحياة الأسرية، بشكوك جيديس في أنه يمكن تعلم المزيد عن الانتقال الثقافي عبر الاستكشافات التناظرية للعلاقات النباتية بين الكائنات والبيئة. فقد كانت هذه المشكلة تحديدا هي التي جعلت جيديس يساند هربرتسون لمواجهة تشارلز فلاهولت Charles Flahault في مونبلييه في 1893. وفي ضوء هذا الدافع الطبيعي، كان من المفهوم أن عمل هربرتسون الأكثر شهرة “الإنسان وعمله Man and His Work”، الذي كان يهدف إلى تقديم تطبيق علم اجتماع لو بلاي على الجغرافيا البشرية، تحول إلى رسم حيوي بيئي ساخر لهذا المنظور. إذ إن التباين الواضح للأنماط الأسرية ـ “الأبوية”، “الحاجزة” و”غير المستقرة” ـ التي كانت أساس مشروع لو بلاي، لا يتضح إلا بعد غيابها. ويدعي هربرتسون أن هذه النظم تحولت إلى نظام من الفئات العرقية “التي لا تؤثر عليها أية ظروف تأثيرا كبيرا … سوى المناخ”. إذ إن الطبيعة الإقليمية المتأثرة “بنماذج الحياة” العرقية ـ البداوة، الصيد، الرعي، الزراعة، الخ ـ كانت مجرد “مرآة” للفئات الحيوية الكبرى في العالم ـ التندرا، الغابات المعتدلة، الصحاري الحارة، الغابات المطيرة الاستوائية، السفانا، الخ. ولذلك لا يصعب إدراك لماذا كان يجب أن يقتنص الفرصة لاحقا لإعادة جذب الانتباه إلى “العامل الحيوي”، عندما علق على “العامل الاجتماعي في الجغرافيا العامة”.

وهنا نجد تعبيرا عن شاعرية المكان، إذا جاز لنا أن نستخدم تسمية حديثة عفا عليها الزمن. فكما فعل جيديس نفسه، الذي فصل المركب العلمي الرومانسي، شكك هربرتسون في أن “كل مكان له عبقرية موقع، والتي عادة ما يقدم الشعراء أفضل تعبير عنها.” وهكذا فإنه كما أن المصادر الأساسية للالتزامات اللاماركية الجديدة عند هربرتسون ـ خاصة تعرضه المبكر للداروينية الجديدة عند فايسمان ـ يجب أن توضع في تراث جيديس، ينطبق نفس الشىء أيضا على المشاعر الإنسانية التي أظهرها هربرتسون بصورة متزايدة في السنوات الأولى من القرن العشرين.

وبالرغم من أنه ربما كان أكثر ميلا إلى إعادة صياغة فكر جيديس، إلا أنني أعتقد أن هناك الكثير مما يجب قوله عن فكرة أن هربرت جون فلير Herbert John Fleure (1877-1969) استوعب بصورة واضحة أساسيات رؤية جيديس أكثر من أي شخص آخر من الجغرافيين المتحمسين له. إذ إن تجربة فلير في مساعدة جيديس على إدارة مدرسة التربية المدنية في دبلن في 1914، واستقدامه لجيديس كمحاضر زائر في مدارسه الصيفية لمدرسي الجغرافيا في أبريستويث Aberystwyth، ومشاركته القوية في كل من “جمعية المسح الإقليمي” و”جمعية لو بلاي”، ومراسلاته المكثفة خلال سنوات الحرب، كانت تمثل مجرد بعض مسارات الانتشار التي انتقلت خلالها رؤية جيديس. وكذلك أعلن فلير في مناسبات عديدة أنه مدين للاسكتلندي المتألق. فعندما كتب عن “الجغرافيا والتطور Geography and Evolution” مثلا، تحدث عن التأثير الذي مارسته عليه “العقلية الملهمة للسير باتريك جيديس”، ثم كتب لاحقا سيرة ذاتية تقديرية للمجلة الاجتماعية Sociological Review. ولمثل هذه الأسباب شعر كامبل بأنه مضطر لتركيز تقييمه العميق لمصادر إنسانية فلير على ما سماه “تأثير جيديس”.

وكان فلير مثل جيديس يدرس العلوم الطبيعية أساسا،خاصة علم الحيوان، وحتى خلال دراسته الجامعية في أبريستويث، بدأ يتساءل عن مدى كفاية آلية الانتخاب الطبيعي عند داروين. فمن المؤكد أنه استوعب الإطار الإيكولوجي الواضح لنظرية داروين ـ أي تركيزها على التفاعل المعقد ما بين العضوي وغير العضوي ـ وتحدث لاحقا عن “الرؤية” التي لمحها هناك “لتيار التغير، والتغير الشامل، والتدفق عبر الزمان والمكان”. ومع ذلك، فإنه منذ أوائل مارس 1899 استخدم أدوات سبنسر لهدم الداروينية الجديدة عند فايسمان. وخلال عدد قليل من السنوات كان يشعر بوضوح بتأثير المبادئ اللاماركية. وتأكيدا لذلك، اعترف بأن “توازن الأدلة” يمكن أن يكون حاليا “ضد نقل … الخصائص المكتسبة”؛ ولكن التجارب الحديثة كانت قد بدأت “تظهر القابلية الخاصة لكل من الجرثومة والجنين للتأثر ببيئتيهما”. وقد تبعت هذه الشكوك المبكرة تحولات مسار فلير من الجيولوجيا والنبات والحيوان إلى الجغرافيا والأنثروبولوجيا، وهي التحولات التي ظهرت في سلسلة الوظائف التي شغلها في جامعة كلية ويلز في أبريستويث. ففيما بين 1908 و1910، كان مسئولا عن قسم الجيولوجيا؛ وفي 1910 عين أستاذا لعلم الحيوان؛ ثم في 1917 شغل كرسي الجغرافيا والأنثروبولوجيا. وهكذا فإن إدانات علم الحيوان المبكرة للداروينية الجديدة وجدت تعبيرا أنثروبولوجيا عنها في سلسلة من الإدانات: أنه كان هناك ارتباط ـ نتيجة “تفاعل الوراثة والبيئة” ـ بين النمط الأنثروبولوجي والبيئة الإقليمية؛ وأن الضمور الثقافي يمكن فهمه في ضوء التحلل العضوي؛ وأن “الملاءمة” في التطور العرقي كانت ترتبط بالضرورة بالظروف الاجتماعية؛ وأن الأقزام في أفريقيا يمكن أن يكونوا بقايا متحللة في مناخ يوصف بأن “الوهن يجعل الإنجاز صعبا”. وترجع أصول هذا التحول الأخير إلى التحلل الحيوي لتفسير الانحطاط الثقافي إلى قلق فلير من الصور غير الخطية للتطور الاجتماعي؛ حيث استخدمه لتبرير حدوث الحقائق الثقافية المتأخرة زمنيا والأقل وضوحا. وكان اعتماده (بالرغم من انتقادات الوظيفيين أمثال مالينوفسكي) على فكرة “الأحياء” ـ الأشكال الثقافية المستمرة التي توجد في المناطق الجغرافية البعيدة ـ يعتبر مؤشرا أيضا على عدم ميله إلى رؤية الثقافة الإنسانية تمر بمسار تطوري محدد سلفا، كما كانت رغبته في الاعتراف بإمكانية وجود تطورات ثقافية متوازية في أماكن مختلفة.

وإذا كانت ميول فلير التطورية تعكس ميول جيديس، فكذلك الأمر بالنسبة لتركيزه على الإقليم. فبينما كان هربرتسون يغازل الحتمية، رفض فلير تماما مثل هذا التفسير للعلاقات بين البيئة والمجتمع. وهكذا فإنه بينما كان يشيد بالتوجه الإيكولوجي للأقاليم الطبيعية عند هربرتسون، اعترف لاحقا بأنه كان لديه دائما شكوك في “تصويره للعالم بأعداد كبيرة من الأقاليم على أساس المناخ أساسا. إذ إن فكرة وضع قصة الإنسانية في إطار طبيعي كانت تبدو لي عرضة للانتقاد”.(84) وكذلك فإنه في مراجعة مبكرة لكتاب سمبل “آثار البيئة الجغرافية Influences of Geographical Environment” هدم أية مضامين مطلقة لمشروعها بقوله ممتعضا: “إذا كان الكتاب يدعي أنه تفسير لأعمال حياة الإنسان، فإنه يمكن انتقاده على إهماله تماما للتأثير المستمر لما سماه بيرجسون “الهمة الحيوية Elan Vital”، سواء لدى العظماء أو لدى المواطنين العاديين، ولكن هدفه محدد جدا ويتكون من تتبع الآثار البيئية”. ولمثل هذه الأسباب، لم يكن فلير متعاطفا مع دراسة “قطاع الوادي Valley Section” عند جيديس، والذي أطاح بالكثير من الحتمية على نمط ديمولين. وهكذا شعر بالحاجة إلى تعظيم نظام هربرتسون الطبيعي بمجموعة من الفئات الأكثر إنسانية، وكتب في 1917 ورقة عن “الأقاليم البشرية Regions Humaines، والتي نشرت بصورة مناسبة في “حوليات الجغرافيا Annales de Geographie”. وكان أثر الرسالة الذي ظهر أولا يتمثل في الوصول إلى الجغرافيا باللغة الإنجليزية من خلال صيغة منقحة ظهرت في المجلة الجغرافية الاسكتلندية Scottish Geographical Magazine بعد ذلك بسنتين.

وهنا حاول فلير إعادة صياغة مفهوم الإقليم بتناول التجربة الحية بمزيد من الجدية. حيث تحدث عن أقاليم الصعوبات، والحرمان، والوفرة، الخ. ولم تكن هذه الأقاليم مجرد نتاج اتحاد تكافلي بين الناس والمكان؛ ولكنها كانت أيضا نتيجة العلاقات المتغيرة بين الناس وبعضهم. إذ إن “التعاطف المدني” و”التكامل الاجتماعي” الذي شرحه جيديس، أصبح بالنسبة إلى فلير بمثابة عمليات حيوية في التطور الاجتماعي الذي يقوم على المساعدات المتبادلة. وفي الواقع، فإن هذا التركيز على الآليات التطورية التعاونية ـ المستمدة من كروبوتكين أساسا ـ أدى إلى تدعيم “الاشتراكية الحيوية” التي تحدث عنها فلير، وأظهر له أهمية التفاعل بين الثقافات في الوعي الإقليمي. وفي الحقيقة، كان لمناطق الالتقاء هذه نتيجة جوهرية في الدراما الإنسانية المتكشفة، وأقنعت فلير بأن الإقليمية الإنسانية لا يمكن أن تجتاز الدقة الكارتوجرافية. حيث أصر على أنه “مهما كانت أهمية الحدود الخطية في نظامنا البالي للدول العدوانية في السياسة، إلا أنه يعتبر أمرا مصطنعا عندما يطبق على دراسة الشعوب”.

وكذلك لعبت مناطق الالتقاء دورا حيويا في تفسير فلير للحظات الهامة في التاريخ الثقافي الإنساني. فمثلا، أرجع ظهور التوحيد إلى “تواجد الأصول المتنوعة والأفكار الطقوسية ذات الأساطير المصاحبة جنبا إلى جنب” ـ وذلك بعد خضوع المزارعين في عصر البرونز لفرسان الاستبس ـ والسعي المستمر للترابط العالمي. ونظرا لتبادل الأفكار والمعتقدات والمهارات والمصنوعات اليدوية عبر هذه المناطق الحدودية، فقد لعبت دورا جوهريا في عمليات التطور الثقافي.

وتتصف كل جغرافية فلير بوجود موقف أخلاقي منظور بوضوح، ومسموع وإن كان مكتوما. فمثلا، يتضح في الطبوغرافية الأخلاقية أنه اعتمد في تأملاته على الإقليم. فنظرا لإدراكه لضعف التخصص الحيوي المفرط، وافتتانه بالتشبيهات العضوية عند جيديس، أشاد بفضائل التنوع الاقتصادي الإقليمي. وهنا أيضا كان إدراكه للمهمة الجغرافية مرتبطا بتأثير الأخلاق العالمية، لأنها تشجع على التنوع الثقافي وتدعم التفاهم والسلام العالمي. وتعتبر هذه القناعات جديرة بمزيد من الاعتبار التفصيلي. ومع ذلك، فإنني أريد الآن العودة إلى الموقف الأخلاقي الأكثر دقة والأكثر وضوحا، والذي يشكل نوعا من النص الفرعي للتصوير الأنثروبولوجي القياسي الذي قام به فلير في بداية القرن العشرين.

ومن المؤكد أن فلير وضع نفسه في مواجهة مستمرة مع العنصرية بكافة صورها وأشكالها، حيث انتقد بشدة الأسطورة “الشمالية” وغيرها من مشروعات النقاء العنصري. ومع ذلك، طبق في بحثه في التاريخ العرقي لبريطانيا في 1918 تصنيف ربلي Ripley الثلاثي: “الشمالي”، و”الألبي”، و”المتوسطي” على المجموعات العرقية الأوروبية. حيث كان مشروع التصنيف هذا معروفا سلفا في الجغرافيا البريطانية، لأنه استخدم في كتاب ماريون Marion: “الجغرافيا الحديثة لنيوبيجن Newbigin’s Modern Geography” في 1911. فبينما كان الشماليون يقدمون على أنهم عنصر هام في الأرستقراطية المستقرة وفي التوسع الاستعماري الخارجي، كان نمط عرق المتوسط ـ بالرغم من إسهاماته الكبيرة في الحياة الكنسية والخبرة الطبية والخيال الشعري ـ غير متكيف مع حياة المدينة وتراجع بسرعة إلى حياة العشوائيات. وفي بريطانيا، كانت مسألة العلاقات الثقافية بين هذين النمطين العرقيين ـ التي سماها فلير التقاليد الإنجليزية والويلزية على التوالي، تمثل موضوعا كبيرا. فقد كان أمله في أنه “بدلا من النظر إلى التقليد السلتي على أنه تذكار بسيط لشعب مهزوم، تلاشى تماما بسبب غزاة الأنجلوسكسون، يمكن أن ننظر إليه بقدر أكبر من الحقيقة على أنه تراث ومرحلة قديمة ثمينة من تقليدنا، وأن فقدانه يعنى إضعاف الشعوب البريطانية للأبد”. وعندما خفت “حمى التصنيع” وروح شن الحرب أخيرا، كان فلير يأمل في استرداد ثروات التقليد السلتي. وبهذه الطريقة قدم ما يسميه ريتش Rich “الأبوية الليبرالية التي عبرت عن نفسها مرارا في السياق الاستعماري في شكل الفصل العنصري النافع”.

ونظرا لشكه في المجتمعات الصناعية الحضرية، اعتنق فلير موقفا أخلاقيا للقيم الريفية التي استمرت بين البقايا العرقية في تلك المناطق الغربية البعيدة من مقاطعة ويلز. حيث تسلل نوع من علم النفس الحيوي الاجتماعي في معظم كتاباته، لدرجة أن اقتناعه بأن الهامش السلتي كان بمثابة “الملجأ الأخير” لكل من “الأفكار والرؤى القديمة التي ضاعت في العالم”، اندمج مع ملاحظات كيريل فوكس Cyril Fox عن “حياة اللغة السلتية [و] استمرارها في الغرب في مناطق عرقية قديمة جدا”، بالرغم من تراجعها في المناطق السلتية القارية الأكثر عنصرية، والتي يدعمها نوما دينيس فوستل دى كولانج Numa Denis Fustel de Coulanges وموريس باري Maurice Barres. فمن الواضح أن فلير كان متأكدا من أن “الشعوب الداكنة القليلة” ـ النمط الويلزي الأساسي ـ برعت في الموسيقى والشعر والأدب والدين، تاركة الأنشطة التجارية للأنماط الشمالية الساحلية. وهنا يمكن تصوير الاقتصاد الأخلاقي على أسس إقليمية وعرقية بدرجة أو بأخرى.

وللحفاظ على استمرار هذه الأحكام، وجد فلير أنه من الضروري أن يصر على أن أشكال الرأس أظهرت استمرارا كبيرا عبر الزمن، وأن الأنماط البشرية لم تكن عالمية تماما، لأنه كما لاحظ “كلما تم غزو مناطق مناخية مختلفة، فإن الغزاة يفشلون في تأمين موطن دائم، ويتلاشون مباشرة، أو يختفون من خلال الاستيعاب”. وكانت هذه المشاعر تتماشى تماما مع اعتقاد جون بيدو John Beddoe بأن الخصائص العرقية تظهر ثباتا ملحوظا، حيث اعتمد فلير كثيرا على المسح البريطاني الذي أجراه بيدو مبكرا في 1885. ولكن مجرد حقيقة العودة إلى بيدو ربما كانت تشير إلى تزايد عدم الثقة في الأنثروبوميترية التي ظهرت في العقود الأولى من القرن العشرين، بالرغم من أن فلير نفسه كان له تأثير كبير على الأنثروبولوجيا في عشرينيات القرن العشرين. وهكذا لم يكن أمامه خيار سوى معارضة نتائج فرانس بواس Franz Boas الأخيرة عن تعديل شكل رأس الأوروبيين في أمريكا، لأنه شعر بأنها “ستدمر أسس البحث الأنثروبولوجي لتوضيح تاريخ الأعراق”.

وبالطبع، يمكن تصوير المسار الإقليمي في الجغرافيا البريطانية من خلال مسارات ممارسين آخرين. ففي مجال فلير، يمكن أن نتناول أعمال سلفه في أبريستويث، داريل فورد Darryl Forde، الذي دمج الأنثروبولوجيا في الجغرافيا التاريخية الفرنسية عند فيبيفيه  وفيدال، أو دراسات إيستن إيفانز Estyn Evans المشرقة لشخصية أيرلندا. ففي محاولة لموازنة الاهتمامات البيئية التقليدية للجغرافيا، أصر فورد على أن “الجغرافيا البشرية تتطلب الكثير من المعرفة بكل من الإنسانية والجغرافيا”.(110) ومن جانبه، عبر إيفانز عن امتنانه “للأستاذ فلير، الذي علمني دراسة التطور الاجتماعي الإقليمي كتفاعل مستمر بين الناس والبيئة”. وفي مجال آخر، نجد أن نظام التصنيف الإقليمي الأكثر طبيعية عند أنستيد J. F. Unstead، وتخطيط الأقاليم الزراعية في إنجلترا عند روكسبي P. M. Roxby، والتركيب التاريخي الدقيق لجغرافية “يوم القيامة” في إنجلترا عند داربي H. C. Darby، عبارة عن أعمال تستحق التدقيق من أجل التأكد بدقة من العناصر المؤثرة في هذه الأعمال. ولكن هدفي لم يكن يتمثل في تقديم مسح مستفيض، ولكنه كان يتمثل في نقل شىء ما من مدى الاهتمامات الفكرية والسياسية والأخلاقية التي قدمها منظرون رئيسيون محددون لاستكشاف الطبيعة الإقليمية. وأريد الآن أن أنتقل أخيرا إلى الولايات المتحدة لتحدي بعض القوى التي تدعو إلى الخصوصية الجغرافية، خاصة كارل ساور الذي حشد لمعارضة ما كانوا يعتبرونه بيئية مبتذلة.

الخصوصية التاريخية والجغرافيا الأمريكية

كما رأينا سلفا، وجدت الجغرافيا الأمريكية نفسها في السنوات الأولى من القرن العشرين متورطة فيما كان يصفه أنصارها بأنه حتمية بيئية متخلفة بصورة متزايدة، تحت تأثير شخصيات مثل ديفز ، سمبل، بريجهام، وهنتنجتون. ومع ذلك، فإنه حتى عندما كانت قواعد التفسير الجغرافي تعتبر سبب وجود الجغرافيا الأمريكية، كان كل تقليد الجغرافيا الأنثروبولوجية، كما كان يطلق عليها، يستبعد في أماكن أخرى كشعار أجوف. حيث تعرضت سمة السبب الوحيد للبيئية للنقد الأنثروبولوجي في 1928 واستبعدت، لأن “الأوضاع الجغرافية في حد ذاتها ليس لها قوة خلاقة، ومن المؤكد أنها ليست محددات مطلقة للثقافة”. وكما قال أحد الأنثروبولوجيين، فإن أنصار هذه النظرية فشلوا في مراعاة تاريخية الثقافة بقدر كاف من الجدية (أي “تأثير العوامل التاريخية على العوامل الجغرافية” كما قال لوفي Lowie لاحقا)، مما يعني أن البيئة لم تخلق أبدا ثقافة جديدة، وأنه في جميع الحالات “وجدت أنواع مختلفة عديدة من الثقافة تتكيف مع أنماط مماثلة من البيئة”.

وقد عبر نفس هذا الناقد مبكرا في استكشاف “عقلية الإنسان البدائي The Mind of Primitive Man” عن تفضيله للمثالية التاريخية على الاختزالية البيئية كوسيلة لفهم الأشكال الثقافية. حيث كتب “مهما كان كبر التأثير الذي يمكن أن ننسبه للبيئة، فإن هذا التأثير لا يمكن أن يصبح نشطا إلا عندما يؤثر على العقل، بحيث أن خصائص العقل يجب أن تدخل في الأشكال الناتجة من النشاط الاجتماعي”. وفي الحقيقة فإنه يمكن إرجاع جذور مفاهيم هذا الموقف الحتمي المناهض للبيئية إلى المقال الذي نشره في 1888 عن “دراسة الجغرافيا The Study of Geography”، والذي عبر عن إحساسه بالتردد تجاه المشروع الجغرافي. حيث ظهر التناقض هنا بين الجغرافيا الأنثروبولوجية الطبيعية، التي اعتبرت أن مهمتها تتمثل في البحث عن القوانين العامة، والكوزموجرافيا التاريخية التي تركز على وصف ظواهر أرضية معينة. إذ إن أساليب العلوم الطبيعية قدمت النموذج للحالة الأولى، بينما قدمت أساليب المؤرخين النموذج للحالة الثانية. ومن خلال وضع وضعية كونت بجوار كتاب “الكون” همبولدت، قارن بين الاحتياجات المنطقية للعالم الطبيعي والدوافع “الوجدانية” للكوزموجرافي. ولكن الأمر لم يكن مجرد توزيع الموضوعات على أي من هذين المجالين. فقد كشف المقال عن “التوتر الداخلي” لمؤلفه، كما يسميه استوكنج Stocking، بسبب طبيعة البحث العلمي ـ وهو التوتر الذي كان يعاني منه طوال عقد تقريبا. حيث يقودنا حسم هذا التردد إلى صميم رفض الجغرافيا الأمريكية للجغرافيا الحتمية، واعتناقها للخصوصية التاريخية.

لقد كتب الأنثروبولوجي الشهير فرانز بواس Franz Boas (1858-1942) هذا المقال والمجلدات التي كنت أقتبس منها، حيث شن حربا جدلية لمدة أربعين سنة ضد الحتمية البيئية البحتة، وكما يقول أحد المراقبين، فقد “درب عدة أجيال من الطلاب على النمط التاريخي لصياغة المفاهيم البيئية”. حيث بدأ مسار بواس الأكاديمي في جامعة كيل في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر بدراسة الطبيعة والجغرافيا. فبعد حصوله على درجة الدكتوراه عن عمله في لون المياه في 1881 بفترة قصيرة، قرر بواس أن يركز بشدة على الجغرافيا، وحول اهتمامه إلى هجرة الإسكيمو كوسيلة لتحديد العلاقات بين الثقافة والبيئة. وهكذا بدأت رحلة بواس الفكرية من الطبيعة إلى الإثنولوجيا عبر الجغرافيا.

وعندما قام بواس ببعثته إلى بافينلاند Baffinland في 1883، كان متمكنا بقوة من الجغرافيا التاريخية عند كارل ريتر، خاصة بعد تعديلها من خلال تعاليم تلميذه تيوبالد فيشر Theobald Fischer. حيث أصبح يدرك روح المثالية الرومانسية من خلال فيشر. وفي نفس الوقت، كانت دراساته في الطبيعة تدفعه في اتجاه المادية الأحادية. وقد تحقق دمج هذه المسارات المتنوعة في الجغرافيا الألمانية في بحثه “بافين لاند Baffin-Land” الذي نشر بعد عودته بعام. وذلك لأن المجلد كان مفعما بالأفكار المهيمنة لما سماه الجغرافيا الأنثروبولوجية الطبيعية ونزعتها الحتمية الطبيعية. ولكنه كان طوال السنوات القليلة التالية يتساءل بصورة متزايدة عن هذا المنظور. ومؤخرا أعرب عن أن المؤثرات البيئية التي تتبعها كانت واضحة جدا، وأن الدراسة كانت ضحلة جدا فكريا، بحيث لا تستطيع أن تلقي أي ضوء حقيقي على القوى التي تكمن خلف السلوك البشري. وهكذا فإنه عندما انطلق في رحلته الميدانية الثانية في 1886 ـ إلى كولومبيا البريطانية هذه المرة، حيث واجه شعب كواكيوتل  Kwakiutlفي جزيرة فانكوفر ـ كان يتحول من أنماط التفكير الجغرافي الأنثروبولوجي إلى أنماط التفكير التاريخي.

وكان جزء كبير من تراجع بواس الجغرافي الأنثروبولوجي يرجع إلى مواجهته فلسفة التاريخ عند فيلهلم ديلثي Wilhelm Dilthey. فخلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان ديلثي يسعى إلى تخليص التاريخ من عبودية الافتراضات المسبقة للعلوم الطبيعية الوضعية. ومن خلال التمييز بين العلوم التي تتناول العالم الطبيعي والعلوم التي تتناول الثقافة الإنسانية، أصر ديلثي على أنه بينما تعمل العلوم الطبيعية من أجل “التفسير”، كانت العلوم الإنسانية تهدف إلى “الفهم”. إذ إن الفترات التاريخية والتقاليد الثقافية لا يمكن اختزالها إلى بعض المعادلات الميكانيكية التي تشبه القوانين. حيث فشلت التعميمات التحليلية ببساطة في مراعاة الخصوصية التاريخية والثقافية. ومن المفهوم تماما أن بواس المتسلح بمثل هذه القناعات يجب أن يتساءل حول فكرة التقدم الثقافي الخطي الأحادي القائمة على قانون تطوري لا يتغير. وقد كتب هاريس أن “طقوس التأمل الانتشاري والتطوري قد أزعجته لدرجة أنه لم يعد يستطيع الشعور بالارتياح في وجود التعميم”. وكذلك، فإن الفلسفة الكانطية الجديدة التي تعرض لها تحت تأثير بينو إيردمان Benno Erdmann (الذي كان له تأثير كبير على شلوتر Schlüter، كما رأينا) بدأت تظهر في اقتناعه المتزايد بأن النشاط التفسيري للعقل البشري يؤثر كثيرا على طبيعة الأشياء المشاهدة في المجال “الخارجي”. وهكذا فإن الدافع المثالي لمشروع كانط، حيث يسبق الإدراك التجربة، يزيد قوة الدروس التي استفادها بواس من ديلثي.

وقد تسللت الثنائية الثورية التي طرحها ديلثي إلى تمحيص بواس للمشروع الجغرافي في 1888، وظهر تعاطفه المتزايد مع طريقة ديلثي في النظر إلى الأشياء لاحقا في تأكيده على أننا “يمكن أن نكون قادرين على “فهم” الظواهر الاجتماعية. فأنا لا أعتقد أننا سنكون قادرين على “تفسيرها” باختزال أحدها أو كلها في قوانين اجتماعية”. إذ إن نقد بواس للحتمية البيئية، واقتناعه الخاص بأنه “في الإثنولوجيا يتمثل كل شىء في الفردية”، يستمد وجوده الفلسفي من فلسفة التاريخ عند ديلثي. وكما وصف بارسونز لاحقا، فإن “الخصوصية الحقيقية للحالة التاريخية المحددة أصبحت محور اهتمام الأنثروبولوجيا التاريخية عند بواس. وبالتالي كان بواس يفضل العمل دائما من التوزيع الفعلي للظواهر التجريبية، وليس من فئات التصنيف المثالي وتجريدات المفاهيم.

وقد انتقلت التاريخية الأنثروبولوجية عند بواس إلى جيل جديد من الطلاب من خلال أعمال بعض الأتباع المخلصين، مثل روبرت لوفي Robert H. Lowie وألفريد كروبر Alfred L. Kroeber، اللذين كانا من تلاميذه في كولومبيا. فمن خلالهما اطلع كارل ساور (شكل 14) لاحقا على رؤية بواس في بيركلي.(128) ولذلك لا عجب أن ساور انجذب إلى هذا المدار المفاهيمي. وذلك لأن أتباع بواس كان لديهم اهتمام كبير بالمشروع الجغرافي حتى عندما استبعدوا الحتمية الجغرافية. فمثلا، وصف فيلدمان كروبر بمبالغة وصفية بأنه “إيديوجرافي، مناهض للثقافية ومؤيد للخصوصية التاريخية المادية”.                                                                                 كارل ساور

وأدى الإحساس بالخصوصية الثقافية الذي استمده ساور من لوفي وكروبر إلى الإسراع باستبعاده التقليد الجغرافي الأمريكي، باعتباره فرعا عابرا للأطلنطي وغير متقدم من الجغرافيا الأنثروبولوجية عند راتزل. وفي الواقع، لاحظ أن تصنيفات راتزل كانت الأكثر انتشارا في إنجلترا والولايات المتحدة. حيث صور سمبل Semple مثلا على أنها مجرد ناطقة أمريكية باسم سيدها الألماني، واعترف في وقت ما بأنه لا يستطيع أن يرى أن راتزل ساهم في الجغرافيا البشرية باستثناء فكرة المجال الثقافي. فقد كان يتبع في هذه الأحكام ـ سواء عن وعي أم لا ـ مسارات انتقاد بواس، ولذلك ليس مدهشا أنها ظهرت في مجلدات “دائرة معارف العلوم الاجتماعية Encyclopedia of the Social Sciences” التي نشرت في 1934. وقد رأس بواس نفسه قائمة مجلس المديرين، وكان تكليف ساور بكتابة مداخل ببليوجرافية عن كل من راتزل وسمبل يضمن أن تظل خطوط المعركة التي رسمها بواس بنفسه ثابتة. ومع ذلك، فإنه كان من الصعب الحفاظ على هذه الدقة في التحديد بدون قدر كبير من التنميط في تصوير الحتميين البيئيين. وفي دائرة معارف أخرى للعلوم الاجتماعية، واجه مايكسل Mikesell المشكلة بتأكيده على أن راتزل لم يكن حتميا متطرفا هكذا كما تصوره هذه الأنماط كثيرا، وكان شبيت Spate متألما من الإشارة إلى أن هنتنجتون “أعطى وزنا كبيرا للوراثة … ولاستمرار الصفات من خلال زواج الأقارب”.(133) أما بالنسبة إلى سمبل، التي يبدو أنها كانت توصف على الجانبين بأنها تمثل الحتمية البيئية النمطية، فلم تكن أحادية النظرة كما يمكن أن يبدو. فقد كانت سمبل ترى أن الأنجلوسكسون في جبال كنتاكي يمثلون وجودا عرقيا نقيا ـ بالرغم من مساوئ بيئتهم المحلية ـ استمر في إظهار “التفوق الدائم للعرق الأنجلوسكسوني”. ولكن حديثها عن العقليات “القوية والثاقبة بالفطرة”، وإشارتها إلى “انتشار تلك الروح الديمقراطية”، ومناقشتها للبقاء اللغوي والثقافي، ليس مما يسهل توقعه من مؤلفة كانت تصور عادة على أنها حتمية لم تسمح لمرة واحدة للعوامل الثقافية بلعب أي دور سببي في التطور الاجتماعي.

ومهما كانت الأسباب، فإنه لا يبدو أن هجوم ساور الشرس على الجغرافيا الأمريكية على طريقة راتزل، ورغبته في المقايضة في المجردات التاريخية والإمكانية والحتمية، يرجع بأي حال إلى كراهية البيئية والحماس للتاريخ الثقافي المقارن الذي تعلمه من كروبر. فهكذا وجد ساور في أنثروبولوجيا بيركلي دعما لمناهضة البيئية اللازعة التي تمتع بها منذ أيام ميتشجان عندما واجه الجدالات السابقة للجغرافيا الألمانية. حيث تعلم من هتنر مثلا أن تحديد جوهر الجغرافيا من خلال بعض “العلاقات” المجردة (كما فعل الحتميون البيئيون) كان يساء فهمه كثيرا. إذ إن المجال العلمي يحتاج إلى “محتوى” واقعي، لأنه بدون “فئة الأشياء” “يكون وجود الجغرافيا طفيليا”، حسب كلمات هتنر. ومع ذلك، أدى تعرض ساور للجغرافيا الألمانية إلى أكثر من مجرد توفير مصادر للخطب المناهضة للبيئية؛ إذ إنه شجعه على دعم “التحول الألماني من المشهد الطبيعي إلى المشهد الثقافي” وذلك “كبرنامج عمل مرضي” للجغرافيا. وكذلك فإنه نظرا لأن هذه التحولات في المشهد هي التي “ميزت وظيفيا” المناطق الثقافية عن بعضها، فقد وجد أن “مصطلح كورولوجيا، أي علم الأقاليم” عند رشتهوفتن Richthoften متجانس فكريا. وكذلك فإن بحثه الشهير في “مورفولوجيا اللاندسكيب The Morphology of Landscape” الذي نشر في 1925 قد أبرز جغرافية باسارج Passarge على أنها تقدم بيانا متسقا لأهداف الجغرافيا، والذي كان متوافقا تماما مع أنثروبولوجيا كلارك ويسلر Clark Wissler ـ وهو أحد تلاميذ بواس أيضا. وفي الحقيقة، فقد كان عند هذه النقطة يعتقد أن “الالتحام التدريجي بين الأنثروبولوجيا الاجتماعية والجغرافيا يمكن أن يمثل المرحلة الأولى من سلسلة اندماجات في علم أكبر للإنسان”.

وبينما اندمجت الجغرافيا الثقافية عند ساور مع أنثروبولوجيا طلاب بواس، فإن التركيز على المظاهر المادية للتنوع الثقافي، والذي برع فيه، يمكن أن يساعد على تغيير أي اتجاه للنظر إليه من منظور بشري فقط. ونظرا لأن بواس وكروبر وجدا الإلهام في الكانطية الجديدة عند ريتشرت Richert، وفي العلوم الإنسانية عند ديلثي، فمن المؤكد أنه لا يترتب على ذلك أن ساور تبنى هذا المنظور مطلقا. ولنتذكر أنه أصر في 1934 على أن “تعتبر الجغرافيا كلها بالمعنى الصحيح جغرافيا طبيعية”. لماذا؟ من المؤكد أن هذا “لم يكن بسبب التأثير البيئي على أعمال الإنسان، ولكنه بسبب أن الإنسان، الذي لا يمثل بنفسه موضوع البحث الجغرافي مباشرة، هو الذي أعطى الشكل المادي للمنطقة من خلال مساكنه وورشه وأسواقه وحقوله … ولذلك تهتم الجغرافيا الثقافية بأعمال الإنسان التي تظهر على سطح الأرض وتعطيها شكلها المميز. أي أن منطقة الثقافة تمثل تجميعا لهذه الأشكال التي توجد بينها علاقة اعتماد متبادل وتميزها وظيفيا عن المناطق الأخرى”. وهكذا كانت أعمال كامي فالو Camille Vallaux وأوتو شلوتر Otto Schlüter تعتبر أمثلة على الممارسة الجيدة في مواجهة البيئية الأمريكية. أي أن الجغرافيا كانت “علم الملاحظة” ـ حتى إذا كانت تشمل الفهم التاريخي الثقافي.

وكما يذكرنا إنتريكين Entrikin بقوة، فإن الفهم الطبيعي الدقيق لمشروع ساور يجب ألا يقلل من شأنه. حيث أكد ليلي Leighly مبكرا على هذا التراث العلمي الطبيعي عندما ركز على تعرض ساور لجيولوجية رولين سالزبوري Rollin D. Salisbury وإيكولوجية النبات لدى كاولس H. C. Cowles. ولكن إنتريكين وسع أهمية هذه المواجهات العلمية المبكرة بالإشارة إلى تأثيرها الفلسفي الكبير على ساور. إذ يبدو أن ميوله التجريبية، وعدم ثقته في النظرية الكبرى، ورغبته في تأييد فرضيات العمل المتعدد، كانت نابعة جزئيا على الأقل من الذرائعية المستمدة من مثل هذه المصادر. وهنا أيضا نجد أن المبادئ الإيكولوجية للتنوع والتوازن والاضطراب والموئل ـ وهي مصطلحات هامة في نظرية ثقافة ساور ـ كانت مصطلحات حيوية الأصل. وفي الواقع، كان يتساءل عما إذا كان هناك في “المجتمعات الإنسانية شىء ما يشبه الذروة الإيكولوجية”. وكذلك فإنه عندما قال إن “هذه النظرية عن الهجرة” يمكن أن يكون لديها “شىء ما لتقوله عن التنوع الثقافي”، فقد كان ذلك على أساس اقتناع ـ على نمط فاجنر ـ بأن أي “كائن حي يبقي في “موطنه” تنخفض فرصة تغيره”. وفي ضوء هذه الالتزامات، فإن تعليقه (على فرانك أيديلوتي Frank Aydelotte في 1938) بأنه يرغب في أن “يقوم المزيد من العلماء الاجتماعيين بمسايرة من يذهبون إلى أعمالهم على الطريقة التي يذهب بها الأنثروبولوجيون أو علماء الحفريات أو غيرهم من المؤرخين الطبيعيين” يصبح مفهوما تماما.

وإذا كانت الشخصيات التي اخترتها لتوضيح الحقبة الإقليمية في التاريخ الحديث للجغرافيا ممثلة على أي حال ـ ومن المؤكد أنني لا أدعي الشمول ـ فمن الواضح أن هناك عددا من حالات الارتداد الملحوظة بين الجغرافيين الذين كانوا يركزون على خصوصيات المكان والفترة. ولذلك سوف نقدم مفرداتهم كبداية. فقد كان هناك لجوء واضح إلى التشبيهات الإيكولوجية للكلية أو العضوية في محاولة تفصيل الوحدة الشكلية للإقليم. ويساعد هذا على تذكيرنا بالصفة الطبيعية لمشروعهم. وتأكيدا لذلك، فقد سعى الكثيرون إلى إضفاء الطابع البشري على الإقليم الطبيعي بإدخال أهمية العوامل البشرية، وأنماط الحياة، أو المناطق الثقافية. ومع ذلك، فإن هذا التوسيع للدائرة التجريبية لتشمل العنصر البشري نادرا ما كان يسمح له بأن يمتد إلى المجال النفسي؛ وبدلا من ذلك كان هناك بحث منتظم عن الأقاليم البشرية من خلال مظاهر الثقافة في المصنوعات المادية. ومن خلال هذه الإستراتيجية، استطاعت الجغرافيا أن تسترد صورتها كعلم طبيعي، وأساليبها في الملاحظة، وتوجه مجالها. ولكن تذكر أن الممارسين الكبار في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا تدربوا جميعا في العلوم الطبيعة، يجب أن يساعد على تخفيف الشك في أن الإقليميين لا يستطيعون ادعاء المكانة العلمية لمشروعهم، لأنهم تناولوا الخصوصيات وليس العموميات. بل على العكس، فإنهم يعتبرونه أعلى أشكال التركيب العلمي.

ونظرا لكل هذه التطلعات الطبيعية، فقد وجد أنصار الإقليمية فيها وسيلة للتعبير عن التزاماتهم الاجتماعية والأخلاقية. وبالنسبة لأصحاب التحيز التاريخي والريفي، فإن إعادة تركيب جغرافيات الماضي يمكن أن تصبح مشروعا في الصحوة الأخلاقية. أما بالنسبة للأكثر تأثرا بالسياسة، فإنهم يمكن أن يقودوا إثارة الوعي الإقليمي كمقدمة للإصلاح السياسي، أو كوسيلة لدعم الولاء العرقي. وهكذا فإنه حتى إذا كان هناك من يستريحون راضين بمنهج قائمة المراجعة في الإقليمية، أو من انطلقوا من التركيبات الإقليمية في انجاز متطلبات الدرجات العلمية، فإن مهندسي نموذج التركيب الإقليمي كانوا مدركين تماما للإيحاءات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والعلمية والفلسفية لمشروعهم.