تطور وتأسيس علم الجغرافيا

تطور وتأسيس علم الجغرافيا

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السادس من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

كان دور الجغرافيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لا يتجاوز دور العلم المساعد للعلوم الأخرى، أو كحقل للتذكير بدراسة غير علمية للإقليم. وهو ما استوجب من أنصار الجغرافيا مواجهة مشكلات عديدة فيما يتعلق بإثبات وجودها كحقل علمي. وقد تفاقمت هذه المشكلات أكثر وأكثر مع تعرض الأسس الغائية (التي استندت عليها الجغرافيا لفترة طويلة) لانهيار منهاجي ونظري تحت وطأه سيطرة العلوم الطبيعية. وقد زامن انهيار السياق العام الذي استمر طويلا بفعل سيادة اللاهوت الطبيعي عملية تمزيق للمعرفة التي صاحبت التخصصات العلمية المهنية.

وفي مثل هذه البيئة الفكرية افتقدت موضوعات متكاملة مثل الجغرافيا للدقة العلمية الاحترافية المطلوبة لتقديم هوية علمية منظمة. فقد كان من الواضح إذًا أنه إذا أراد الجغرافيون المهنيون الجدد الإبقاء على مجالات الاهتمام التقليدية للعلم فعليهم إيجاد أسس مفاهيمية جديدة من شأنها جعل مشروعهم مقبولاً من الناحية الفكرية. ومن ثم تم استئناس وتطويع نظرية التطور لاحتياجاتهم، وفي ظني أن ذلك كان أفضل منظور فكري توصلوا إليه. وخلال تحولهم من اللاهوت الطبيعي إلى نظرية التطور، شرع مؤسسو الجغرافيا المهنية إلى الدعوة لما أسميه التجريب الجغرافي، من خلال الإبقاء على الطبيعة والثقافة تحت مظلة مفاهيمية واحدة.

وأود في هذا الفصل أن اختبر الأدوات النظرية التي استخدمها نفر من مفكري الجغرافيا الاستراتيجيين في سبيل إعادة تأسيس وتطوير الحقل العلمي في مواجهة التفكك الأكاديمي. وقد جاءت هذه المحاولات بعيدة عن التجريد البحت؛ بل على النقيض، ظهرت مرتبطة بالشئون السياسية والاجتماعية، وبهدف إظهار فكرة “التطبيق العملي” الذي سيكون محور التركيز في الفصل التالي. وإن كنا في البداية بحاجة للوقوف على ما كان يعتبر ثورة علمية كبرى في القرن التاسع عشر، ألا وهي نظرية التطور عند “داروين”

الدراما الداروينية

أكد “ديفيد ستودارت” في كتاباته عام 1966، على أن الكثير من العمل الجغرافي عبر المائة سنة الماضية قد جاء متأثرا ـ بشكل ضمني أو علني ـ بعلم الأحياء، وخاصة كتابات “داروين”. ويمكن اعتبار هذه المقولة مسلمة جغرافية، وذلك مع إصرار “إرنست ماير” في وقت لاحق، على أن الداروينية أدت إلى مزيد من الإثارة في الفكر الإنساني أكثر من أي علم أخر منذ إعادة ميلاد العلوم في عصر النهضة. الأمر الذي سمح ببعض المبالغة لدى المتحمسين نسبيًا لأعمال “داروين”، علاوة على بعض قراءات المراجعة الحديثة، والتي قللت من أهمية التشبيه “الثوري” بمعنى وجود ارتباط جاد بين تطور الجغرافيا وأعمال “داروين” فيما قدمه المؤرخون الجغرافيون. ولم يكن رصد الاحتفاء بالإسهام الدارويني في الأدب الجغرافي غير ملحوظ فحسب، بل إن أحد الأعمال التاريخية الرائدة في الفكر الجغرافي والتي قدمها “رتشارد هارتسهورن” في كتابه “طبيعة الجغرافيا” عام 1939، تجاهلت “داروين” تماما.

وتعني هذه الثغرة في التسلسل التاريخي للجغرافيا أن التعبئة الواسعة والجهود الثورية لأغراض مهنية وعملية للجغرافيا، قد ظلت مقيدة بقيود تاريخ المعايير الموضوعية. وقبل استعراض هذه المحاولات أريد التركيز على انخراط “داروين” الشخصي في فن الجغرافيا.

الجغرافيا و”داروين”

أسهم تشارلز “داروين” (1809-1882) في التراث العظيم للكشف الجغرافي، الذي يعود على الأقل إلى فترة “جيمس كوك”. وذلك فليس مستغربًا أن يصبح المؤلف الذي وضعه “ألكسندر فون همبولت” بعنوان “سرد شخصي لرحلات إلى الأقاليم المدارية بالقارة الجديدة” Personal Narrative of Travels to the Equinotial Regions of the New Continent ، من أقيم المجلدات التي احتفظ بها “داروين”. وبالرغم من تعليمه الرسمي، بداية من دراسته الطب في جامعة إدنبره، ولاحقا في جامعة كامبريدج تحضيرا لالتحاقه بالإرسالية الإنجيلية، إلا أن دراسة الطب هذه لم تسهم بشكل كبير في تحضيره للسفر في تلك الجولة التي استمر فيها لمدة خمس سنوات يدور حول العالم على متن السفينة بيجل Beagle. لكن في المقابل فإن ارتباطه بجغرافية همبولت، وصداقته مع “جون هنسلو John Henslow”، وميله للاهوت الطبيعي هو ما أهله للإسهام في الجغرافيا. لذلك عندما رست السفينة بيجل في ميناء بليموث  Plymouth الإنجليزي في 27 سبتمبر 1931، كان “داروين” آنذاك يبلغ من العمر 22 عامًا، هاويًا في التاريخ الطبيعي، وبرفقة قبطان الباخرة.

وخلال تلك السنوات الخمس على متن بيجل بدأ “داروين” في التساؤل عن العديد من الأمور التي كان قد تعلمها، والتأمل فيما افترضه من فرضيات. فالتوزيع الجغرافي للأنواع التي قابلها – كالأنواع المختلفة من النعام التي وجدها في أمريكا الجنوبية- قاده للتساؤل حول معيار التفسير الخلقي (إرجاع السبب لعلة رب خالق)، ذلك المعيار الذي يشكل اللُحمة الأساسية في تفسير اللاهوت الطبيعي عند “وليام بالي”. وتساءل “داروين”: هل ظهرت كل تلك الأنواع التي لا تعد ولا تحصى إلى الوجود نتيجة أفعال خلق خاصة؟ أم أن هناك تفسيرات أكثر طبيعية؟

تشارلز داروين

وكانت هذه التأملات مثلها مثل تلك التي واجهت الرجل الإنجليزي الذي لم يسافر للخارج بشأن الأنواع البشرية، تأملات مثيرة بشأن أصل الأنواع البشرية، خاصة إذا كان الأمر يتعلق مثلا بالثراء البيولوجي في أرخبيل جزر (تييرا دل فويغو Tierra Del Fuego)  بالطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية، الأمر الذي دفعه للتفكير في أصول الإنسان والعلاقات بين الهمجية والحضارة. غير أنه لم يتوصل إلى  فكرته بشأن الانتخاب الطبيعي كتفسير للتحول في الأنواع إلا بعد عودته إلى إنجلترا، ربما في مرحلة ما خلال أواخر ثلاثينيات القرن الثامن عشر.

ففي تلك الأثناء قام “داروين” بنشر أول مؤلفاته بشأن رحلاته في عام 1839، حيث تزوج ابنة عمه “إيما Emma”، وانتخب لزمالة الجمعية الملكية. وأصبح أيضاً زميل الجمعية الجغرافية الملكية في عام 1838، اعترافا لا شك برحلاته العلمية، ورغم أنه لم يكن عضواً نشطًا في هذه الجمعية، إلا أنه قدم تقارير عن بحوث للنشر، كما قام بنشر دراسته الشهيرة عن الشعاب المرجانية على صفحات مجلة هذه الجمعية، وقد استعان بكتب وأطالس من مكتبة الجمعية، وحافظ على مراسلة الأمين العام لها “هنري فالتر بيتس  Henry Walter Bates”.

ولا يمكن حصر تأثير “داروين” على الجغرافيا فقط في انخراطه الشخصي في المجتمع الجغرافي. فقد كان لنظريته عن التطور التي ارتبطت باسمه صدى عميق في علم الجغرافيا. فقد كانت لحظة ميلاد مبدأ الانتخاب الطبيعي هي مصدر تكهنات صعبة بين مؤرخي علم الأحياء. فالتفاصيل الكرونولوجية (التأريخية) لفترة اعتمال النظرية في ذهن “داروين” لا ينبغي الوقوف عندها كثيرا في هذا المقام، فالذي يعنينا في الأساس هو تأثير النموذج المعرفي التطوري على الجغرافيا. وتبعا لذلك، أظن أنه سيكون مفيدا أن نتوقف الآن وننظر في “بنية” نظرية “داروين” للوقوف على الطرق التي تم استدعاؤها للعمل داخل الجغرافيا.

الاستعارة والتشبيه لدى داروين

في الوقت الذي قام فيه “داروين” بتأمل التوزيع البيوجغرافي (جغرافية الأحياء)، والتشبيهات المحيرة التي كانت واضحة في مورفولوجيا الحيوان، أصبح من الواضح لديه بشكل متزايد أن العديد من هذه المشكلات يمكن أن تجد حلاً إذا أصبحت الكائنات الحية المختلفة ذات أسلاف مشتركة. فلو كانت الحكمة الواردة حول ديمومة الأنواع خاطئة بالمرة، وأن الأنواع يمكن أن تتطور وتتغير بمرور الوقت، فإنه يمكن إذن إرجاع الاختلافات بين هذه الأنواع إلى أسباب طبيعية في المقام الأول (أي تأثير البيئة وليس تأثير الخالق). وما كان يلزم “داروين” لإثبات صحة هذه التكهنات هو  آلية يمكن من خلالها لعملية التحويل Transmutation أن تكون ذات تأثير واضح.

وقد قدم له حدثان القرائن التي كان يحتاجها، الأول جاء من شغفه بطيور الحمام. فقد كان “داروين” يهتم به طيلة حياته، وكان واضحا له بجلاء أن المربي الماهر للحمام بوسعه أن ينتج خيارات لا نهائية من أشكال الحمام. من ثم وردت إلى داروين فكرة كيف تعمل عملية الانتخاب الطبيعي، وقام بعدد من المراسلات المكثفة مع هواة تربية الحمام في جميع أنحاء شمال إنجلترا، ليصل من خلالهم إلى المعلومات التي يريدها، وكانت هي المصدر الذي برز منه أول مجاز (استعارة تشبيهية) لدى داروين. فإذا اعتبرنا الطبيعة “كما لو كانت” هي المربي، يمكن حينئذ إلقاء بعض الضوء على مبادئ الانتخاب. فقد أقام “داروين” تناظرا بين النشاط الانتقائي للمربي، والانتقاء الطبيعي.

وكان المجاز موحيًا ومؤثرًا، وطالما أن “داروين” بوسعه تذكر أنه كان يقارن عملية اصطناعية بعملية طبيعية، فإن المجاز كان ذا قوة تفسيرية عظيمة. ومن الواجب القول، على أية حال، إن الخطر الكامن في قراءة عنصر ناتج عن التدخل البشري في عمليات الانتخاب الطبيعي بمثابة إغراء من الصعب على “داروين” مقاومته. وفي الواقع، وعلى نحو ما يعبر الاستشهاد التالي بوضوح، كانت هناك حالات بدت فيها الإيعازات اللاهوتية لدى “وليام بالي” وقد انتقلت إلى المبدأ الطبيعي لدى “داروين” وما تضمنه ذلك من قوانين:

’’يمكن القول إن الانتخاب الطبيعي يفحص ليل نهار، عبر العالم، كل تباين، حتى لو كان طفيفًا، متخلصًا من كل ما هو سيء، ومحافظًا وداعمًا ما هو جيد، ويعمل بطريقة هادئة وغير ملموسة، حينما وحيثما وفرت الظروف ذلك، بهدف تحسين كل كائن حي في علاقته بظروف الحياة العضوية وغير العضوية‘‘.

وحتى حينما كان “داروين” يقيس النسب التشريحية لطيور الحمام التي خرجت للتو من بيضها، اطلع على شىء آخر تناوله “توماس مالتوس” في مقالته التي تحمل عنوان “مقالة عن الأساس السكاني Essay on the Principle  of Population”، والتي نشرت قبل 40 سنة من ذلك التاريخ، أي في عام 1798. لقد كان هناك جدال ونقاش كبير في السنوات الأخيرة حول التحديد الدقيق لمغزى هذه الرؤية الفكرية التي طرحها مالتوس، وسيكون من الإنصاف القول إن أسطورة لحظة مالتوس –  إذا جاز التعبير – قد تم تفكيك بعدها الأسطوري بشكل تام وجيد. ومع ذلك تركت مقالة مالتوس تأثيرًا كبيرا في وقت لاحق بشكل تجاوز حدود القضية التي كانت تعالجها.

كان توماس مالتوس يكتب أطروحته في أعقاب الثورة الفرنسية واضعا يده على نزوع سكان العالم نحو النمو المتضاعف بشكل غير متناسب، بما يشكل ضغطا متزايدا على الموارد المتاحة، حتى يتم إيقاف ذلك النمو بقيود موارد الغذاء.

وكانت التداعيات التي لا مفر منها بناء على تسلسل تلك الأحداث – وهي لا مفر منها لدرجة ينظر إليها باعتبارها أحد قوانين الطبيعة – هو ظهور سلسلة من الكوابح السكانية Population Checks مثل الجوع، والمجاعات المهلكة، والأوبئة، والحروب. وهنا  قدمت أطروحة “مالتوس” نمطًا سيقوم “داروين” بتطبيقه على كافة الكائنات الحية، وهي فكرة الصراع من أجل البقاء. فمن خلال نقل قانون مالتوس الاجتماعي إلى العالم الطبيعي، أدرك “داروين” أن الكائنات الحية لابد لها أن تموت إذا تضاعفت بشكل يتعدى طاقة تحمل بيئاتها. وهنا عثر “داروين” إذن على أساس لصياغة مجاز آخر، وهو المتعلق بالصراع من أجل البقاء. لم يكن “داروين” يعني بالصراع – على نحو ما فهم “تينيسون Tennyson” – أن الطبيعة كانت “دموية بأسنانها ومخالبها”. بل كان الصراع مسألة قدرة بعض الأنواع الحية على التكيف بشكل أفضل مع بيئاتها، وفي كل حالة تتكيف أفضل بمعايير تجعلها قادرة على ترك أحفاد خلفها.

لقد كان الصراع صراعًا من أجل “التكاثر” ومن ثم يمكننا القول إنها كانت نظرية عن نجاح التوالد النسبي. وكما قال “داروين” نفسه: “لابد أن أقول مسبقا إنني أستخدم مصطلح الصراع من أجل البقاء من زاوية واسعة ومجازية بما يتضمنه ذلك من اعتماد الفرد على غيره، ومتضمنا (وهو الأهم) ليس فقط حياة الفرد، بل النجاح في أن يخلف الفرد وراءه سلالة”.

على هذا النحو بدت العناصر المفاهيمية الرئيسة لنظرية الانتخاب الطبيعي في مكانها بوضوح، وتمكن “داروين” من لم عناصرها ونشر نتائجها، ودفع “داروين” إلى ذلك رسالة وصلته من “أ.ر والاس A. R. Wallace” خلال وجوده في جزيرة بورنيو Borneo (في جنوب شرق آسيا) والذي يبدو أنه توصل إلى النتائج نفسها. ونشر “داروين” نتائجه في عمله المعنون “أصل الأنواع” في 1859. ورغم كبر حجم الكتاب والتغييرات الكثيرة التي أدخلت عليه من طبعة لأخرى، إلا أن هناك فقرة واحدة في هذا الكتاب بقيت دون تغيير، وتعبر عن أسس النظرية، وهي على النحو التالي:

“إذا كانت ظروف الحياة متغيرة فإن الكائنات الحية العضوية تظهر اختلافات فردية في كل جزء من بنيتها تقريبا، وهذا أمر غير قابل للخلاف؛ وإذا كان هناك – نتيجة المعدل الجيومتري (الهندسي) للزيادة – صراع حاد من أجل الحياة عند مراحل معينة، أو مواسم بعينها أو سنوات بعينها، وهذا أيضًا أمر غير قابل للخلاف، فإنه بناء على ما سبق وأخذا في الاعتبار التعقيد اللانهائي للعلاقات القائمة بين كافة الكائنات العضوية بعضها البعض وبينها وبين ظروف حياتها، وهو الذي يسبب تنوعًا لانهائيًا في البنية، والتكوين والعادات، بما يشكل ميزة لها، فإنه ستكون هناك بناء على ذلك حقيقة استثنائية تقول بأنه لا يمكن أن توجد تباينات مفيدة لرفاهية كل كائن حي على حدة، بالطريقة المفيدة نفسها التي تكون عليها التباينات للإنسان. لكن لو كانت التباينات مفيدة لأي كائن عضوي، فمن المؤكد أن الأفراد سيتصفون بالتالي بأفضل فرصة تحافظ عليهم خلال الصراع من أجل الحياة، ومن خلال مبدأ توارث الصفات، فإن هذه الظروف ستميل نحو إنتاج تفرعات ذات سمات متشابهة عن الأصل. ومبدأ الحفاظ على النوع هذا، أو البقاء للأصلح، أسميه “الانتخاب الطبيعي Natural Selection”… ومن ثم فإن الاختلافات الصغيرة التي تميز تباينات الأنواع نفسها، تميل بشكل ثابت نحو الزيادة، إلى أن تتساوى مع الفروقات الكبرى بين الأنواع من الأصل الجنسي نفسه، أو حتى مع جنس مختلف.

وهناك في الواقع الآن دليل لإظهار أن “داروين” كان متعمدا منذ البدايات المبكرة لأن يتم إدراج الإنسان خلال تقديمه لمشروعه التفسيري. ومن هنا فإن المجتمع البشري يمكن أن يُفهم بلغة التطور الطبيعي.

التطور والمجتمع

يمكن إدراج المجتمع الإنساني ضمن مدار القانون التطوري بشكل لا يدعو للمفاجأة. فالداروينية الاجتماعية، على نحو ما يبدو نموذجها التقليدي، مصطلح فضفاض يستخدم لتمييز نظريات اجتماعية متباينة ظهرت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان ما يجمعها معًا هو اللجوء إلى مفردات البيولوجيا التطورية. وسنكون مخطئين إذا اعتبرنا ذلك بمثابة “امتداد” للنظرية البيولوجية. فكما رأينا، كانت أفكار “داروين” عن الانتخاب والصراع ذاتها تطبيقا عمليًا للطبيعة من بين خضم السلوك البشري. ويعبر عن ذلك “ريموند وليامز” بقوله:

“من زاوية ما، بوسعك أن تقدم تحليلاً مناسبًا للغاية للداروينية الاجتماعية بمفاهيم أخطاء التأكيد التي ترتكبها بتوسعتها لنظرية الانتخاب الطبيعي ومدها إلى النظرية الاجتماعية والسياسية…. ولكن بينما ذلك حقيقي، أعتقد أن ذلك تبسيطا للأمر بشكل بالغ، لدرجة أن البيولوجيا نفسها لديها من البداية مكونا اجتماعيا قويا. وفي الواقع، فإن موقفي الخاص هنا يقوم على أن نظريات التطور والانتخاب الطبيعي لها مكون اجتماعي قبل أن يكون هناك أية تساؤل حول إعادة تطبيقها على النظرية الاجتماعية والسياسية.

ومن المؤكد، أن مفاهيم التطورية الاجتماعية كانت غامضة قبل ظهور أطروحة “داروين” التخيلية. فعلى سبيل المثال صاغ “سبنسر Spencer” نموذجه عن التطورية الاجتماعية في عمله المعنون “الثوابت الاجتماعية Social Statics، عام 1851، وفيه أسهب في استخدام مجاز سياسة الجسد. وقد اعترف “سبنسر” بالفعل بأنه “بشكل تام… يتسق المجتمع بالنظام نفسه الذي يتسق به الإنسان الفرد، حتى أننا يمكننا القول بأن شيئا ما أكثر من التناظر يجمع بينهما. ومن خلال التناظر العضوي الذي عاد إليه، حوَّل سبنسر العوالم الأخلاقية الثابتة عن التقليد أو التسليم إلى واحد من التقدم المادي الديناميكي. ولم يكن سبنسر فريدًا وحيدًا في هذا المذهب. فقد كان كل من “هنري مين Henry Maine” و”جون لوبك John Lubbock” و”إدوارد تيلور Edward B. Taylor” قد طرح كل منهم بشكل مستقل أفكارا تطورية تقدمية عن المجتمع كرد فعل على الفشل المسبق للوضعية من أجل العثور على علم اجتماعي يقوم على مفهوم طبيعة بشرية ساكنة؛ بينما قام والاس A. R. Wallace بتوظيف فكرة الصراع في تفسيره للمجتمع البشري قبل نصف قرن من ظهور كتاب “داروين” “أصل الأنواع”.

وتبعا لذلك، لسنا في حاجة لأن نشق على أنفسنا بشأن الاصطفاف الدقيق لمصطلح “الدراوينية الاجتماعية” أو أن نسمح للتفاصيل الاصطلاحية لأن تترك غموضها على الجغرافيا. وحين أقول ذلك، لا أنوي القفز فوق المعاني الدقيقة للمصطلحات. بل كل ما أعنيه أن الشعارات الغامضة لا يجب أن تعمى أبصارنا عن التطبيق الحقيقي عن اللغة ذات الصلة بالدراوينية في العلاقات الاجتماعية. وفي العمل الذي قدمه على سبيل المثال “فالتر بيجهوت Walter Bagehot” في عام 1872 وحمل عنوان “الفيزياء والسياسة Physics and Politics”  كان قد وضع له عنوانًا فرعيًا هو “أفكار عن تطبيق مبادئ الانتخاب الطبيعي وجذوره الكامنة في المجتمع السياسي”. وحين نقول هذا فإننا لا نحاكم مسبقا قضية “كيف” تم تطبيق الفكرة التطورية اجتماعيا.

ويمكن للحديث التطوري أن يشكل ركيزة ودعامة لمبدأ الفردانية القائل بـ “دعه يعمل Laissez – faire” على نحو ما هو معروف لدى “هربرت سبنسر”، وعلى نحو ما هو مستخدم في العدوان القومي المتشح بالعلم والعقلانية، وفي الاستغلال العنصري لتحسين النسل، والنزوات الاستعماريةImperialistic Impulses . وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، ذهب “سَمر Summer” على سبيل المثال إلى أن الحضارة كانت المُعبًّر الاجتماعي الأوضح عن مبدأ البقاء للأصلح؛ كما ذهب “جون روكفيللي John D. Rockefeller” إلى أن نمو الأعمال التجارية الكبرى أشبه بنتائج الانتخاب الطبيعي معتبرًا أن الاحتكار الصناعي كان بمثابة المرحلة التالية في تطور المجتمع. أما “جون فيسك John Fiske”، و”جون بورجيس John W. Burgess” وغيرهما من المفكرين المبدعين رأوا أن أمتهم الأمريكية هي في طليعة عملية التقدم التطوري الاجتماعي؛ كما أن أنصار تحسين النسل من أمثال “أرنولد وايت”، وجدوا في الخطاب البلاغي التطوري مسوغًا ليحاجوا بضرورة التخلص من غير الصالح من بني البشر حتى لا يؤدي إلى إضعاف التركيب العضوي للمجتمع من خلال نقل جوانب ضعفه وعجزه إلى أجيال المستقبل. ومثل هذه الأشياء الكريهة التي لصقت بالـداروينية الاجتماعية” قابلة لأن يساء استغلالها على أية حال.

وقد أوضحت “جريتا جونز Greta Jones” على سبيل المثال أن المحفزات الداروينية تخللت في نسيج النظرة الاجتماعية لدى أنصار الليبرالية السياسية. فعلى سبيل المثال قام كل من “جريج W.R. Greg” و”فرانسيس جالتون Francis Galton” باستخدام اللغة الدراوينية ليشنوا هجومهم على المميزات الارستقراطية وملكية الأراضي، ففي أعينهم كانت الأرستقراطية – تلك التي تمنح ميزة اجتماعية لسبب الميلاد وليس للإنتاج والإنجاز – بمثابة حماية لأولئك الكسالى غير المنتجين في المجتمع. وإضافة إلى ما سبق، هناك قطاعات واضحة لدى اليسار السياسي – خاصة الماركسيين والفابيين Fabians- استمرت في إظهار حماسة كبيرة للقدرات الكامنة لاستخدام سياسات تحسين النسل. فعلى سبيل المثال أصر “جورج برنارد شو George Bernard Show” على أنه “ليس هناك الآن عذر مقبول لرفض مواجهة حقيقة أنه لا يوجد شىء باستثناء عقيدة تحسين النسل بوسعها إنقاذ حضارتنا.

وهناك توضيحات أبعد من ذلك ظهرت في استخدام تلك المحفزات المتنوعة لمفهوم “الدراوينية الاجتماعية”، يجب ألا تشغلنا هنا. ويكفي ما ذكرناه، وفي اعتقادي أن ما صغناه يقدم دليلاً ليس فقط على استدعاء البيولوجيا إلى النظرية الاجتماعية، بل على أن مفاهيم “داروين” التطورية كانت محكومة بعوامل اجتماعية. فالعلم والمجتمع كانا دوما مترابطين معًا ترابطًا وثيقًا من خلال المجازات الداروينية المتضاعفة(27). وأود الآن أن أتوقف لإلقاء نظرة عابرة على نسخة بديلة للنظرية التطورية والتي كان لها دور في توجيه التشعبات الفكرية الاجتماعية، بل كانت لها – إذا كنت على صواب فيما أظن – تضمينات أكثر تأثيرًا على الجغرافيا خلال الفترة الداروينية.

بديل الداروينية.. النظرية اللاماركية الجديدة New – Lamarckian

لم تمر نظرية “داروين” عن التطور القائم على الانتخاب الطبيعي دون إثارة وعي معارض داخل المجتمع العلمي. ففي أيامه تعرض “داروين” لسلسلة من النقد من جهات عدة. فكان هناك على سبيل المثال، استفهامات حول طبيعة الآليات الموروثة، وحول ما الذي ينتج التباين، وحول طول الزمن الجيولوجي الذي افترضته نظرية “داروين” مسبقا. وبالتالي، وفي خلال العقد الأول من القرن العشرين تعرضت النظرية الداروينية الأصولية لأفول نجمها مع ظهور بدائل أخرى منافسه، وربما كان أكثرها انتشارا (وحسب ظني أكثرها أهمية للجغرافيا) ما أدخله “جون بابتيست لامارك Jean Baptiste Lamarck ” من التجديد الانتخابي الطبيعي للمبادئ التطورية المبكرة.

وليس هناك وضوح تام بشأن العلاقة الدقيقة التي ربطت الحركة اللاماركية الجديدة – على نحو ما عرضتُ لاحقا – مع المبادئ الأساسية التي وضعها لامارك بنفسه أولاً. لكنها تتفق مع عناصر بعينها في النظام الذي وضعه لامارك وتتزاوج مع مبدأ الانتخاب الطبيعي كآلية ثانوية بطريقة “غير “داروينية” مميزة، وهو ما سنهتم به كقضية أساسية في السطور التالية.

ويتألف المشروع اللاماركي الجديد، بصفة عامة، من آليتين مترابطتين. هناك في البداية مبدأ توارث السمات المكتسبة. وهو ما يعني في الأساس أن السمات المكتسبة من قبل عضو معين خلال تجربة حياته الخاصة ستنتقل مباشرة منه إلى نسله أو ذريته Offspring. ويمكن أن تقوم التعديلات التكيفية بعد ذلك من جيل إلى جيل ويتسارع معدل الإيقاع التطوري بشكل كبير. ثانيا، تعزى النظرية اللاماركية الجديدة القوى الموجهة للتباين العضوي إلى الإرادة، العادات، أو البيئة. فاستخدام أو عدم استخدام الأعضاء يعد بناء على ذلك بمثابة عادات طارئة (محتملة الوقوع) ومحورية بمثل ما هي متغيرة، يتسبب فيها التغير البيئي، الذي ينتج أنماطا سلوكية مختلفة.

وعلى هذا النحو فإنه رغم أن النموذج اللاماركي الجديد يفتقر إلى تأكيد تجريبي، إلا أنه يبدو وقد امتلك مؤهلات نظرية لحل كثير من المشكلات التي واجهت المشروع الدارويني المعياري، بمعنى أن هذا النموذج قد سرع من وتيرة العملية التطورية بأسرها من خلال إصراره على التعديل العضوي المباشر؛ ومن ثم أحاط النموذج اللاماركي بمشكلة التباينات الجديدة التي سوف “تداهم” الأجيال التالية؛ ومن ثم يعتني هذا النموذج بأصل وجذور التباينات العضوية من خلال تأكيده على أن هذه التباينات يمكن عزوها إلى البيئة والإرادة الذاتية عبر عملية تعاون تبادلي أكثر من عزوها إلى نزوات عارضة لتغيرات عابرة. وفي حقيقة الأمر كان “داروين” نفسه قد عاد بشكل متزايد إلى هذه الآليات في نسخته الأخيرة المعدلة من كتاب “أصل الأنواع”.

وفي الولايات المتحدة كما في المملكة المتحدة، كانت هذه النظرية التطورية البديلة قد جذبت دعمًا واسعًا، خاصة من قبل “كوب “Cope و”هيات Hyatt” الذين تزعما الحركة بين علماء الباليونتولوجيا (الحفريات) كما أضاف “لي كونت وكنج Le Conte & King” دعمهما في المجال الجيولوجي، و”أرجيل ورومانيس Argyll & Romanes” في الأنثروبولوجيا وعلم النفس. وسرعان ما تألف تحالف من المنشقين عن النظرية التطورية من أولئك المتحمسين لصبغ التطور بصبغة اجتماعية. ومن بين أولئك الذين كانوا يصفون أنفسهم بشكل تقليدي بأنهم أتباع الداروينية الاجتماعية – بل وأتباع سبنسر نفسه – استند كثير منهم على الإلهام الذي قدمته العقيدة اللاماركية الجديدة أكثر مما استندوا على الداروينية الكلاسيكية.

وكما يقول “بيتر بويلر Peter Bowler” فإن ’’الكثير مما وُصف بأنه يتبع الداروينية الاجتماعية في التراث الفكري لم يكن يتعدى كونه تابعًا لفكر سبنسر في المقام الأول، ومن ثم فقد كان اعتماده على اللاماركية مع قشرة سطحية من الخطاب الدارويني‘‘. ومع هذا فقد وجد كثيرون في اللاماركية الجديدة أرضية تطورية للنظر إلى البيئة باعتبارها القوة الدافعة وراء العمليات الاجتماعية، بينما قام بعض ممن أخذتهم الأهمية التطورية للنظرية اللاماركية الجديدة بإرجاع القوة الدافعة إلى العقل والإرادة وأخذوا منحى أكثر مثالية. وسواء هنا أو ذلك، أمكن حشد اللاماركية من أجل تسويغ سياسات التدخل Interventionism.

وكانت التشعبات المرتبطة باللاماركية الاجتماعية كثيرة ومتعددة. فعلى سبيل المثال كان “ليستر فرانك وارد Lester Frank Ward”  مدفوعًا بالتناقضات التي شهدها العقد الأخير من القرن التاسع عشر بشأن الداروينية الجديدة وقفز بنفسه بعيدًا في معسكر اللاماركية الجديدة، ووجد هناك المبرر لتعليم تلاميذه القيم الصحيحة والتي اعتقد أنها ستكون جزءًا من مجموعة الصفات الموروثة في السلالة البشرية. وبشكل مشابه وجد الجيولوجي “جوزيف” لي كونت في الموروث اللاماركي الجديد أسسًا علمية للتعليم. وذهب إلى أن كافة آمالنا عن تحسين النسل “محكومه بمدى فعالية هذه العوامل، أي محكومه بالتغيرات المفيدة، ومحددة بالتعليم في كل جيل، وهي بدرجة ما موروثه ومتراكمة في السلالة البشرية.

وأخذًا بهذا الاصطفاف المفاهيمي في الاعتبار، لن تكون مفاجأة إذن في ظني – أن عددا من الجغرافيين سيجدون في اللاماركية الجديدة تفسيرًا للتطور وفق ما يحبون، ولأن البيئة تلعب ذلك الدور المحوري في السيناريو، يبدو أن هناك تبريرًا كبيرًا لتشكيل التخصص العلمي الجغرافي على النسخة البيئية. وهذا في ظني كان أمرًا حيويًا وإدراكيًا في الوسط الأكاديمي كي تحتله الجغرافيا كتخصص بحثي علمي. وهو ما سيتضح في الفقرات التالية.

التجربة الجغرافية

هناك كثير من التفاصيل التي تحيط بكيفية إرساء البعد المؤسسي الأكاديمي للجغرافيا في مواجهة الإصلاحات التعليمية التي أدخلت في نهاية القرن التاسع عشر. وقد انطوى ذلك بدون شك على استراتيجيات مختلفة في أماكن مختلفة. ومن وجهة نظري فإن ذلك كان استجابة لإلهام النموذج التطوري خاصة تحت قناع اللاماركية الجديدة. وليس هناك كثير من الجغرافيين ممن كانوا يعرفون أنفسهم بأنهم أتباع اللاماركية الجديدة، بل كانت تظهر بشكل جزئي في أعمالهم. ويمكن أن يتضح ذلك من خلال الأنشطة الفكرية والأطروحات الاعتذارية التي قدمتها ثلاثة شخصيات في ثلاثة أماكن مختلفة من العالم: “هالفورد ماكندر” في بريطانيا، و”فردريتش راتزل” في ألمانيا، و”وليام موريس ديفز” في الولايات المتحدة.

جسر لعبور الهوة: حملة “”ماكيندر””

في مساء يوم الاثنين 31 يناير 1887 قدم “هالفورد “ماكيندر” أفكاره إلى الجمعية الجغرافية الملكية في محاضرة حملت عنوان “حول مجال ومفاهيم الجغرافيا”. وقد أشار في هذه المحاضرة إلى أننا ” نعاني في هذه اللحظة من تأثير جغرافيا سياسية لا عقلانية. ولا تميل هذه الجغرافيا السياسية إلى تتبع العلاقات السببية، بل تبقى فيه البيانات المنعزلة منعزلة ويتعين على المرء في كل مرة استحضارها من الذاكرة. ومثل هذا النوع من الجغرافيا لا يمكن اعتباره تخصصًا علميًا ولا يمكن أن يحتفي به مدرس للجغرافيا أمام تلاميذه”. هكذا كان “”ماكيندر”” قلقا من تشظي البيانات الجغرافية المتراكمة نتيجة غياب منهجية رابطة تجمع هذا الشتات.

وقد سعى “ماكيندر” على نحو ما يظهر تقرير مجلة “التايمز” إلى “إظهار أن الموضوع الجغرافي يمكن أن تتم معالجته بطريقة تجعله يستحق أن يتبوأ مكانه إلى جوار الأقسام المنشغلة بالبحث العلمي. وكانت الطريقة التي يقصدها “ماكيندر” هي تعيين مهمة للجغرافيا تتمثل في إعادة توحيد المجتمع والبيئة معا. وكان مسعاه من وراء ذلك هو جبر تلك الفجوة العميقة “بين العلوم الطبيعية ودراسة الإنسان” واعتبر “”ماكيندر”” أن جبر تلك الفجوة هي مهمة الجغرافي الذي عليه أن “يمد جسرًا فوق تلك الهوة التي تحول دون وصولنا إلى توازن ثقافي”.

وبالتأكيد لم يكن “”ماكيندر”” أول من صاغ هذه الرؤية الوحدوية بين الإنسان والبيئة، فعلى نحو ما رأينا كانت هذه الرؤية لفترة طويلة جزءًا من التراث الجغرافي. لكن مع التراجع السريع الذي شهده اللاهوت الطبيعي، بدا ضروريًا اللجوء إلى الإلهام التكاملي الجغرافي لعرض لغة الخطاب البديل وكانت النظرية التطورية – في نظري – هي الملاذ الذي قدم مفردات تلك اللغة.

على هذا النحو نجح “”ماكيندر”” في إكمال صياغة رسالته بشكل واضح، وذلك من خلال مناقشة الورقة التي قدمها في الجمعية الجغرافية بعد أسبوعين من محاضرته السابقة، أي في 14 فبراير 1888. وفي أروقة الجمعية الجغرافية انبرى “دوجلاس فريشفيلد Freshfield”، وهو أكثر أعضاء الجمعية نشاطا ودعمها لمسيرة الجغرافيا الأكاديمية – ليثني على ما أسماه ’’أحد الإنجازات العظيمة في أطروحة “ماكيندر”، والتي تكمن في تبنيه بشكل واضح وتحرري لوظيفة الجغرافيا كنقطة التقاء بين العلم والطبيعة والإنسان، وهي رؤية كان فريشفيلد نفسه مدافعا عنه في برمنجهام‘‘. وقد لقي “”ماكيندر”” الثناء نفسه تقريبًا من قبل “جيمس بريس  Bryce” (والذي كان آنذاك أستاذًا بالكرسي الملكي للقانون الدولي في جامعة أوكسفورد، وعمل لاحقًا سفيرًا فوق العادة لبريطانيا عبر الأطلنطي) وذلك قبل هذا التاريخ بنحو عام حين نشر تصوره الجغرافي عن تاريخ العالم. فقد ذهب بريسي إلى أن الجغرافيا هي “نقطة الالتقاء بين العلوم والطبيعة، وبين العلوم والإنسان”. وكان متوقعا إذن أن يلقي بثقله خلف مقترحات “”ماكيندر””. ومن ثم فقد اتفق بشكل تام مع ما ذهب إليه “”ماكيندر””، ذلك المحاضر الذي لم يتجاوز عمره 26عامًا، لأنه رأى أن “الجغرافيا ليست علمًا للوصف أو التوزيع، بل علم السببية وأن وظيفتها تكمن في عرض الطريقة التي من خلالها تمارس الأسباب الطبيعية دورها، أولاً فيما بين بعضها البعض، وثانيًا فيما بينها وبين الإنسان. وإلى جانب هذا الإطراء العلمي، كانت محاضرة “”ماكيندر”” في الجمعية الجغرافية الملكية قد ساعدته في نيل وظيفة محاضر في الجغرافيا في جامعة أكسفورد في السنة نفسها، وهي وظيفة رعتها الجمعية الجغرافية الملكية ذاتها. وكانت هذه الوظيفة تدشينا لمساره التعليمي، ذلك المسار الذي سيتضمن عمادة كلية ريدينج (1892- 1903) وإدارة مدرسة لندن للاقتصاد (1903 – 1908).

كانت تجربة “ماكيندر” الجغرافية بالإبقاء على الطبيعة والثقافة متكاملين غير منفصلين قد تأسست في ظني على التزامه المنهجي بالنموذج المعرفي التطوري الاجتماعي. فحتى بعد أن قدم رثاءه للجغرافيا “غير العقلانية” (غير الرشيدة) التي كانت تعاني الجمعية الجغرافية من تبنيها، أكد المذهب التطوري الاجتماعي على أن التداخل البيئي الذي يجمع “الإنسان” و”البيئة” يمكن أن نعثر على أفضل وصف له في السطور التي احتواها العمل الذي قدمه “بيجهوت Bagehot” وحمل عنوان “الفيزياء والسياسة”.

وقد لاحظ “ماكيندر” أنه “يجب أن ننظر إلى التجمعات البشرية كوحدات في الصراع من أجل البقاء، تواءمت بشكل أو بأخر مع بيئاتها المتعددة”. ولم يكن هذا بمفاجأة خاصة إذا تذكرنا أن “”ماكيندر”” قد تلقى تدريبه الأساسي في العلوم البيولوجية، خاصة علوم الحيوان، ومن ثم فقد استوعب الاتجاهات الرئيسية لنظرية التطور والتي كان يشرحها “موسلي H.N Moseley” عالم التشريح في جامعة أكسفورد  والذي كان عضوا في البعثة العلمية “تشالينجر Challenger”. فضلاً عن ذلك كان “ماكيندر” قد درس التاريخ في عامه الأخير في أكسفورد وفي عقله “فكرة البحث عن كيفية ظهور نظرية التطور في مسيرة التاريخ البشري”. وعلاوة على ما سبق، قدم “ماكيندر” محاضرات إضافية تالية عن الأطروحة التطورية الاجتماعية المتعلقة بـ: “التجمعات البشرية كوحدات ساعية إلى الصراع من أجل البقاء”.

ولا يمكن اعتبار أيا مما سبق دليلاً على أن “”ماكيندر”” بعيد وخارج عن الفكر الدارويني. ففي مرحلة لاحقة من حياته، رفض “ماكيندر” على سبيل المثال ما اعتبره الخطأ الفادح في آليات الداروينية الاجتماعية الأصولية. لكن هناك بعض الأدلة التي تشي بأن “ماكيندر” كان يميل إلى اللاماركية، خاصة بسبب حماسته للتطور الاجتماعي على النسق الذي قدمه بيجهوت، وبسبب احتفائه في مرحلة لاحقه من عمره بدور الوعي في العلاقات الإنسانية. لكل هذه الأسباب، فإن هذه الكتابات التي قدمها “ماكيندر” في منتصف العمر تركت انطباعا شاملاً عن بناء حتمي في العلاقة بين الطبيعة والثقافة وفي ذلك أكد “ماكيندر” في 1904م على أن ’’الإنسان وليس الطبيعة” كان هو البادئ بالتأثير في الآخر، لكن “الطبيعة تتحكم في المقام الأول” في الإنسان. ومن ثم فقد أعرب “ماكيندر” بشكل حماسي عن بحثه عن “معادلة يمكنها أن تعبر عن جوانب بعينها… للسببية الجغرافية في تاريخ العالم‘‘. وكان التحيز الضروري في هذه الكلمات قد دفعه عبر فترات طويلة نحو قراءة الكتاب الذي وضعه جون “رتشارد جرين Green” بعنوان “تكوين إنجلترا Making of England”. ففي هذا الكتاب وجد “ماكيندر” “استنتاجا من الظروف الجغرافية لما يجب أن يكون عليه مسار التاريخ. ومن خلال توضيح القوانين التطورية للتاريخ كان لا مفر لمسار الجغرافيا أن يتبع هذه القوانين فكريا. وبأي من الطريقتين، كان مفهوم “ماكيندر” عن المكانة المهنية التي يمكن أن تشغلها الجغرافيا في المشروع الأكاديمي قد صيغ وفقا لمحفزات تطورية.

وفي واقع الأمر فإن “ماكيندر” في ورقته التي قدمها للجمعية الجغرافية وحملت عنوان “مجال ومناهج الجغرافيا”، كان قد لاحظ أن التنافس بين التخصصين “لم يجلب شيئا جيدًا للجغرافيا، بل حمل الشر كله”. وكانت الجمعية الجغرافية منبرًا آخر لممارسة السياسات المهنية. ففي مرحلة لاحقة من حياته أظهر “ماكيندر” أنه هو نفسه كان بيدقًا في “معركة ملكية كانت تشحن من داخل مجلس إدارة الجمعية، حيث كان التنافس حاميًا بين فريق من المستكشفين والملاحين وصناع الخرائط وفريق آخر أصغر حجمًا من رجال العلم يقودهم “دوجلاس فريشفيلد” و”فرانسيس جالتون Galton” ممن رأوا في الجغرافيا شيئًا أكبر من مجرد توقيع الحقائق وتنظيمها على الخرائط.

وحتى في ورقته “مجال ومناهج الجغرافيا” اعترف “ماكيندر” بقوله إن “الخطوط الفكرية التي رسمتُها يمكن أن تستغل الجغرافيا بما يحقق المتطلبات العملية لرجال الدولة ورجال التجارة على حد سواء، وبما يحقق المتطلبات النظرية للمؤرخين والعلماء فضلاً عن المتطلبات الفكرية لمعلمي الجغرافيا”. بل إن رؤيته للجغرافيا كانت مصممة بشكل خاص لـ ’’تجذب العقول وتوجهها نحو الحكم والسيادة‘‘(54). وكان تدريس الجغرافيا لدى “ماكيندر” مهمة إمبريالية بحيث أن التشجيع على ما أسماه “ماكيندر” “التفكير بطريقة جغرافية Thinking Geographically ” كان جزءًا من استراتيجية هدفت على حد قوله إلى ’’الحفاظ على إمبراطوريتنا وضمان تقدمها ونموها‘‘.

لقد كان الميل الاستراتيجي لدى “ماكيندر” هدفًا محركًا له طيلة حياته. فخلال أيام دراسته الجامعية كان عضوًا في فريق المتطوعين على مستوى جامعة أكسفورد، وفي عام 1900 خاض انتخابات البرلمان وانضم إلى الحملة التي قادها جوزيف تشامبرلين Chamberlain للإصلاحات الجمركية في البلاد؛ ومن 1910 إلى 1922 كان عضوًا في البرلمان بتوجه محافظ ووحدوي(56). وعلاوة على ما سبق، كانت تلك السنوات العملية هي التي خرجت منها أفضل أعماله الفكرية، وفي مقدمتها: “بريطانيا والبحار التابعة لها” (1902) ومقالته الشهيرة “الركيزة الجغرافية للتاريخ” (1905)؛ “قوة الإنسان كمعيار للسلطة القومية والإمبريالية” (1905)؛ “تدريس الجغرافيا من وجهة نظر إمبريالية” (1911). “الأبعاد المثالية والواقعية للديموقراطية” (1919). وكلها أعمال تكشف عن كيف يمكن استخدام الجغرافيا لتعزيز الإمبريالية.

ولا يمكن عزل جغرافية “ماكيندر” بشكل كامل عن الظروف والملابسات التي أفرزتها. لكن القضية تتجاوز مجرد الفصل بين السياق السياسي والنص الجغرافي. فما قدمه “ماكيندر” كان إن أردنا الدقة جغرافيا مسيسة وسياسة مجغرفة. وقد حاول “ماكيندر” بالتأكيد – كوسيلة استراتيجية – أن يمد جسرًا بين الاثنين بمثل ما حاول استخدام الجغرافيا العلمية لتسويغ السياسات الإمبريالية، بحيث يتم توسعة مساحة الفضاء البريطاني الاستعماري على خريطة العالم.

لم يكن الأمر خطابا محايدًا لدى “ماكيندر”، فالجغرافيا كانت لديه قد طرُقَت على سندان السياسة، وكانت سياسات “ماكيندر” قد تم صهرها في بوتقة الجغرافيا. ويمكن القول أن مسيرة حياة “ماكيندر” بأسرها كانت “مهمة جغرافية” وجزءا من السيرة الذاتية الجغرافيا الجديدة.

القانون الأساسي لتاريخ العالم: برنامج راتزل

مع الهدف المزدوج الذي سعى إليه بإضفاء الصبغة العلمية على الجغرافيا ودفعها في الوقت نفسه لخدمة الإمبريالية، لم تكن مفاجأة أن يتم الاحتفاء بماكيندر في ألمانيا. ففي 1895، وخلال كلمته الرئاسية لرابطة العلوم البريطانية قارن “ماكيندر” بطريقة غير موفقة حالة الجغرافيا البريطانية بنظيرتها في ألمانيا، وهي مقارنة امتدت إلى الأبعاد العسكرية والاقتصادية الألمانية. فمن الناحية المؤسسية كانت الجغرافيا الألمانية بعيدة بالتأكيد عن النموذج البريطاني، على نحو ما كشفت دراسة كيلتي Keltie  عام 1885م التي حملت عنوان “تقرير عن التعليم الجغرافي”. فخلال عقد سبعينيات القرن التاسع عشر خطت الجامعات الألمانية خطوات أكاديمية واسعة، فقد عين “أوسكار بيتشل Oscar Peschel” في ليبتسج Leipzig، وعين “ألفريد كيرتشهوف Alfred Kirchhoff” في جامعة هيلي Halle، وعين “فريدريتش راتزل Friedrich Ratzel” في جامعة ميونخ، و”فيرديناند فون ريتشتهوفن Ferdinand Richthafen” في جامعة بون. ومضت هذه التطورات التعليمية يدًا بيد مع صعود الإمبراطورية الألمانية وسعيها للسيطرة على مستعمرات في أفريقيا وجنوب المحيط الهادئ. وأصبحت الجغرافيا في تلك الفترة مادة إلزامية في التعليم الثانوي وهو ما عزز من انتشارها في التعليم الجامعي.

وفي مثل هذا المناخ، حظي جغرافيون من أمثال ريتشتهوفن (1833- 1905) بترحيب واسع بما لديهم من مشروعات فكرية عالمية وطموحات استعمارية. ولأن ريتشتهوفن كان عالمًا ورحالاً على غرار همبولت، وخبيرًا في شؤون الصين، ومسًّاحا سابقا في المكتب الجيولوجي الإمبريالي في فيينا، فقد تمكن بدعم من الحكومة البروسية ووزارة الثقافة فيها من أن يحفر لنفسه اسمًا مميزًا في الجغرافيا الجامعية. وقد تركزت إسهاماته في إرساء سمعة علمية للجغرافيا، في الوقت الذي كانت إمكاناتها السياسية تطغى على السطح في خضم محاولاته النهائية غير الفعالة في تشجيع الاستعمار الألماني للشرق الأقصى.

وحين سُقت الملاحظة السابقة لم أكن أقصد أن أثير قضية ما إذا كانت جغرافية “ماكيندر” ذات أصل ألماني، وهو موضوع شغل بال العديد من الباحثين. ولا أنوي الاشتغال بهذا السؤال هنا، بل أود في المقابل إظهار أن القوى التطورية ذاتها التي شكلت جغرافية “ماكيندر” كانت تعمل بالطاقة نفسها لدى الجيل الأول من المتخصصين الألمان في الجغرافيا. فالتركيبة الفكرية التي خلفها ريتر في الجغرافيا تعرضت للتفكيك كمادية علمية لصالح أفكار “هكل Haeckel”، وظهور أسس مفاهيمية جديدة. وكانت النتجية إعادة التفكير في البناء النظري للجغرافيا في جوانب النظرية الطبيعية التطورية، وهو ما قام به بشكل فعال “فريدرتيش راتزل” (1844- 1904).

كان “راتزل”، مثل “ماكيندر”، قد تدرب في الأساس في مجال العلوم الطبيعية، وبصفة خاصة في علم الحيوان – وخلال سنوات دراسته الجامعية كان قد تأثر بالأفكار التطورية المطروحة باسم “الرؤية العالمية weltanschauung” التي اجتاحت ألمانيا آنذاك. وكانت هذه الفلسفة الجديدة للطبيعة، والتي صارت تعرف باسم النزعة الدراوينية Darwinismus، قد مثلها أعظم تمثيل في أوربا “إرنست هكل Ernest Haeckel” وتبناها عنه راتزل بعد تخرجه من الجامعة وأصبح واحدا من أكثر المتأثرين به. وكانت أولى أعماله المنشورة والتي تحمل عنوان “طبيعة وتطور العالم العضوي” قد بنيت – على نحو ما يذهب “مارك باسن Bassin” – بشكل أساسي على كتاب هكل “المورفولوجيا العامة”، وذلك في وقت كانت شدة بأس دراوينية هكل تزعج حتى “داروين” نفسه.

ومع بداية العقد التالي أسس “راتزل” لنفسه مكانا في جامعة ميونخ التقنية ونشر من بين ما نشر آنذاك عمله المؤلف من جزءين “الولايات المتحدة الأمريكية” Die Vereinigten Staaten Von Nordamerika . وبعد ذلك بفترة قصيرة، في عام 1881، ظهر الجزء الأول من تحفته العلمية “الجغرافيا الأنثروبولوجية Anthropogeographie”. وهنا صاغ راتزل الأسس المفاهيمية لمشروعه كاشفا عن انتقاله من منظور العلوم الطبيعية نحو الأنثروبولوجيا. وكان كتاب “الإثنوغرافيا العامة” الذي ظهر في 1885 – 1888 في طبعته الثانية قد ترجم إلى الإنجليزية تحت عنوان “تاريخ الجنس البشري (1896- 1898) وقدم له إي. بي تيلور E.B Taylor  قد ضمن له اعترافًا ومكانًا في تاريخ نظريات علم الأجناس. وقد امتدح تيلور نفسه هذا الكتاب معتبرا إياه “أساسًا صلبًا للدراسة الأنثروبولوجية” بغض النظر عن تحفظاته على بعض ما ذهب إليه “راتزل” في نظريته  وقد عرف “لووي Lowie” نظرية “راتزل” بأنها “عمل مميز بلاشك”. كما اعتبر “بينيمان Penniman” كتاب راتزل “أعظم الأعمال الكلاسيكية” عن تاريخ الجنس البشري.

وفي غضون ذلك، شكل راتزل تحالفا مع “مريتس فاجنر Moritz Wagner” عالم الطبيعة والمستكشف والمنظر التطوري الذي وصفه راتزل بأنه “الوالد والصديق بالغ الاحترام والتقدير” والذي كان قد ترك أثرًا بالغًا على أعمال “راتزل” طيلة حياته. وعلى الرغم من أن “فاجنر” قد ظهر كأحد الرواد الألمان المدافعين عن نظرية “داروين”، إلا أنه أخذ على “داروين” فشله في تقدير أهمية الهجرة والعزلة الجغرافية على عملية تشكل الأنواع. فبدون العزلة، يذهب فاجنر، ستمتزج التباينات مع الوسط المحيط؛ لكن مع ذلك فإن العزلة لا تفصل الأنواع في الأطوار الأولى من حياتها فحسب، بل إنها تؤدي إلى تشعبات على حساب التغذية المتغيرة، والظروف المناخية الجديدة، وغيرها من سمات البيئة.

وبتأثره الشديد بالتناظر المتعلق بالكائنات العضوية الراقية Super organic، ذهب فاجنر إلى أن للأنواع أعمارا (فترات حياتية) ثابتة، ومن ثم فإنه بدون الهجرة والعزلة فإن الفناء هو مصيرها النهائي. وخلال أفكار وأبحاث فاجنر، على نحو ما يظهر “سالواي Sulloway”، ظهر ميله نحو آليات اللاماركية الجديدة. ولذلك كان فاجنر مقتنعًا أن التعديلات العضوية المباشرة والتي تأتي استجابة للظروف البيئية يمكن أن تترك آثارها على الكائن الحي ويمكن أن تنتقل فوائدها إلى الأجيال التالية. وبناء على ذلك فإن الهجرة ذاتها تعد آلية مؤثرة على التباينات ومحافظة عليها.

وعلى نحو ما يؤكد “وليام كولمان William Coleman” فإن نظرية الهجرة تطلبت مرونة العضو وعلاقاته الضمنية مع الظواهر الطبيعية المحيطة بها. وتشترك هذه النظرية وتخلد المبادئ الأساسية للمذهب البيئي اللاماركي. فالهجرة والعزلة، والفضاء المكاني، والحتم البيئي كلها أجزاء من المشروع الفكري لفاجنر. وقد ظهر هذا المشروع الفكري على السطح بشكل درامي في المفهوم الجديد الذي قدمه راتزل عن الجغرافيا الأنثروبولوجية Anthropogeography.

ويمكن أن نحصل على أفضل قراءة للجغرافيا الأنثروبولوجية في محاولة وضع العلم الجديد للجغرافيا البشرية داخل الإطار الطبيعي لمفهوم فاجنر عن قانون الهجرة Migrationsgesetz والذي اعتبره بمثابة “أكثر القوانين أهمية في تاريخ العالم. على هذا الأساس فإن فكرة فاجنر عن التطور – والمشحوذة بالرؤية اللاماركية – قدمت لراتزل الإطار الذي صاغ من خلاله نظريته عن الجغرافيا الأنثروبولوجية. وتبعا لذلك فإن مبادئ الانتشار، والهجرة والمجال Raum قد حيكت معًا لتقديم شبكة من القوانين الطبيعية يمكن من خلالها فهم التنظيمات المكانية، والسمات الثقافية، والوظائف الاجتماعية للمجتمع الإنساني.

وفي واقع الأمر، فإنه نظرا لجهوده في دفع أفكار الانتشار الثقافي والهجرة فمازال “راتزل” حاضرًا جيدًا في ذاكرة الأنثروبولوجيا. وكانت فكرة التحيز الطبيعي لدى “راتزل” واضحة تماما، ذلك لأنه كان يضع الأنواع البشرية بشكل متعادل داخل مدار التطور العلماني (الدنيوي)، وكان هذا يتعزر بشكل قوي من خلال نزوعه للأفكار الفاجنرية – اللاماركية، والتي دفعته نحو أفكار الحتم البيئي في الجغرافيا البشرية. وكانت هذه الأفكار مع ذلك تثار من وقت لآخر عبر حساسية إيكولوجية كبرى.

ومن ثم فلم تكن هناك مفاجأة أن راتزل في بداية حياته العلمية كان منخرطًا بشكل كثيف في الجماعات الداعمة للاستعمار والتي كانت تطالب الحكومة الألمانية بالسعي قُدمًا في المشروعات الاستعمارية فيما وراء البحار. وفي نهايات عقد سبعينيات القرن التاسع عشر أسس راتزل رابطة ميونخ للدفاع عن المصالح الألمانية في الخارج، وشارك بالتالي في جامعة الوحدة الألمانية Pan – Germanic League. ويضاف إلى ما سبق دعم راتزل لتشييد ألمانيا أسطولاً بحريا قادرًا على المنافسة في المياه الدولية، وهو ما لقى احتفاء في أوساط الجماعات المؤيدة للأسطول الألماني.

لقد كان المزاج التوسعي في أفكار راتزل المنادي بالمجال الحيوي والمجال الواسع دافعًا لأن يجد فيه بعض المعلقين مصدرًا للسياسات العنصرية التي تبناها الاشتراكيون القوميون الألمان. ونظرا لاتهام راتزل بارتباطه بمعهد الجيوبوليتيك الذي أسسه “كارل هوسهوفر” – الذي تبني مفردات راتزل – فإن أعمال راتزل تعرضت بالتالي للتهميش بعد عام 1945 ولعدة عقود تالية. ولكن مؤخرا أعاد مارك باسن تفسير أعمال راتزل ووجد أن التوجه البيئي لديه لم يكن متوافقا مع العنصرية المتأصلة في عبادة النازية للأمة أو الشعب Volk. فلدى راتزل كان “المجال الواسع” يعزز فعليا من الامتزاج العرقي بما ينتج أخلاطا عرقية جديدة. وبناء على ما سبق فقد كان “راتزل” حريصا باستمرار على أن يبعد نفسه عن نزعة التعصب الآري التي صاغها أرثر دي جوبينو De Gubineau وهوستن ستيوارت تشمبرلين Houston Stewart Chamberlain واعترض بشكل حازم على مبدأ الوحدة العضوية للأجناس البشرية وأكد في المقابل على إحياء فكرة التعدد الجنسي الأنثروبولوجي، رغم أن راتزل بدا في بعض الأحيان مقتنعا بالترتيب الهرمي (الهيراركي) البشري وذلك حين كان يميز بين الشعوب الخاضعة والشعوب ذات السيادة.

زمن النضـج… استراتيجـيـة ديـفــز

في عام 1900، وعلى الجانب الآخر من الأطلنطي، أعلن وليام موريس ديفز (1850- 1935) لقرائه في مجلة “شهرية العلم الشعبي Popular Science Monthly أن “روح التطور قد دخلت عقول وأفئدة تلاميذ الجيل الحالي وتزداد نضجا بمرور السنين، ومطلوب أن يتم تطبيقها في كافة المستويات الدراسية”. لقد تعرضت الجغرافيا الطبيعية – وهو التخصص الذي شغف به ديفز – لفترة طويلة للتغافل عن إلهام هذا المبدأ التطوري، ومن ثم أصر ديفز على أن “الزمن قد صار مواتيا لتقديم هذه الأفكار” إلى النسيج الفكري للجغرافيا الطبيعية. ولأن ديفز مثله مثل “ماكيندر” وراتزل، كان مأخوذا بالتناظر العضوي، فقد ذهب إلى أن التعاطي مع “حياة منطقة جغرافية ما بمصطلحات حياة نبات سريع النمو” قد مكنت من تصوير عديد من المعالم التضاريسية بمفاهيم ومصطلحات الدورة الزمنية فمع عام 1900 كان ديفز يستخدم مصطلحات بيولوجية لرسم صورة عن تطور أشكال سطح الأرض لأكثر من عقد ونصف. فقد تحدث ديفز عن “دورة تعرية” تطورية وعن عملية أطلق عليها “انتخاب طبيعي غير عضوي Inorganic natural Selection” وكان كل منهما يحمل سمات قريبة من الداروينية.

وفي 1889 – وفي خلال دراسته الميدانية عن الأنهار والأودية في بنسلفانيا – قدم ديفز أول شرح مفصل ومنهجي لدورة التعرية. وكانت الدورة نمطا نموذجيا لتطور أشكال سطح الأرض، ومتضمنة المراحل المتعددة التي تبدأ بحركة رفع تكتونية سريعة لسطح الأرض، تعقبها عملية تنشط من خلالها قدرة عوامل النحت الهدمي لتشكل سطح الأرض إلى سلسلة من الأشكال المتتابعة، يعقبها تخفيض منسوب سطح الأرض إلى مستواه النهائي والأخير المتمثل في مرحلة السهل المستوي Peneplain.

وكان البعد التطوري الذي بدا حاضرا في نظرية سطح الأرض قد أفاد أغراضا أخرى أكثر أهمية. فمثل نظرائه الألمان، شعر ديفز بأن “المبدأ اللاهوتي القديم” الذي قدمه ريتر لم يعد يقدم الدعم الضروري للمشروع الجغرافي الحديث، وتحول عنه إلى “المبدأ الحديث عن التطور”. وبناء على ذلك، ولكي يعرف مبدأ “التطور الجغرافي” لقراء مجلة “سكول ريفيو School Review” ذهب ديفز إلى ما يلي:

“في أيام ريتر… كانت العلاقة بين الأشكال العضوية وبيئتها غير العضوية قد لقيت شرحا كاملاً، عبر الفلسفة الغائية، تلك الفلسفة التي تنظر – بين ما تنظر – إلى الأرض باعتبارها مُهدت للإنسان، لأنه لم يكن هناك أي مفهوم قد طرح حول طول الفترة الزمنية التي انقضت في الماضي، أو عن تطور مختلف أشكال الحياة. ومنذ تلك الأيام، تم الكشف عن مبدأين عظيمين، ولكليهما أهمية كبيرة للجغرافيا. الأول هو تطور أشكال سطح الأرض، والذي أسهمت به الجيولوجيا؛ والثاني هو تطور الكائنات الحية، الذي أسهمت به البيولوجيا.

وليم موريس ديفز

وكان الرجوع الناجح إلى مبدأ التطور الذي شق طريقه عبر صياغة ديفز للأسس الجديدة في الجغرافيا قد اعتبر لفترة طويلة دلالة على تغلغل الداروينية في هذا التخصص. غير أن النظرة المتفحصة لبعض الجوانب الخاصة في فكرة ديفز التطورية تكشف في ظني عن أساس جوهري من اللاماركية الجديدة متخلل في مشروعه برمته. فالبعد الحتمي في عبارته الأكثر شهرة القائلة “العلاقات الجغرافية الفيزيوغرافية تتحكم والأُنطوجرافية تستجيب” (والتي صيغت بعبارة أخرى هي “محددات غير عضوية واستجابات عضوية” هي نفسها تعبر عن نزوع ديفز نحو اللاماركية الجديدة.

وقد تأكدت هذه الشكوك بما قدمه ديفز في 1903 حول ما أسماه “المبدأ الحديث عن التطور”. فهنا تحدَث ديفز عن “البنى، والعمليات، والعادات” العضوية باعتبارها “استجابات للأسباب الفيزيوغرافية”؛ بمثل ما أن هناك “خمولاً لدى الحيوانات في الشتاء كرد فعل للظروف المناخية”؛ وأن “أكثر الاستجابات الموروثة أهمية هي تلك تحكمها ظروف بيئية طويلة الأمد؛ كما تحدث عن السمات الكامنة الموروثة مهما تغيرت الظروف التي تطورت فيها في الأصل”. وأخذا بهذه القناعات في الاعتبار، فلن يكون مستغربا أن ديفز خلال سعيه للوصول إلى توضيح الأنطوجرافيا Ontography من قبل نموذج معرفي (بارادايم) كان لابد وأن يعتمد على ما ذهب إليه راتزل بشأن الجغرافيا الأنثروبولوجية Anthropogeographie.

وسنكون على صواب منطقي إذا قرأنا تطورية ديفز باعتبارها لاماركية جديدة في جوهرها، خاصة حين نستدعي الظرف الذي تعرض فيها ديفز لجملة الأفكار التطورية. فخلال دراسته في هارفارد، تعرض ديفز لتأثير شيلر Nathaniel Southgate Shaler، والذي كان بدوره تلميذا للويس أجاسيز Louis Agassiz، الأب المؤسس للجغرافيا الأمريكية الحديثة. كان أجاسيز معارضا شرسا للمشروع الدارويني وظهر كأكثر المعارضين الأكاديميين في العالم الجديد. وبدأ عدد من تلامذة أجاسيز – أمثال كوب Cope، هيات Hyatt، بكارد Packard- يشعرون بأن معارضة مشروع التطور لم تعد تجدى، فحولوا أنفسهم إلى الاتجاه الآخر مؤيدين للنظرية التطورية.

وبدأ تأثير أجاسيز في التراجع، واستمرت المدرسة اللاماركية الجديدة في البيولوجيا التي تزعمها هؤلاء التلاميذ مع الأخذ في الوقت نفسه بالأفكار المثالية لمعلمهم أجاسيز في التاريخ الطبيعي، مع تحويرها إلى سلسلة وجود ديناميكية وتاريخية. وقد شارك هؤلاء التلاميذ معلمهم في الافتتان بعلم الأجنة embryology، وتدبروا في كيفية استخدام هذا العلم كتناظر للنظرية التطورية؛ على غرار فكرة هكل بأن دورة حياة الفرد Ontogeny  تُجمل معا دورة حياة العرق أو السلالة البشرية Phylogeny، وانتشرت هذه الفكرة بينهم انتشارا واسعا.

 وفي هذا السياق، كان من المهم بالتأكيد، وعلى نحو ما يقول ستودارت Stoddart – أن ديفز كان “متأثرا أكثر بلغز النمو بدءا من مرحلة البيضة أو البذرة إلى مرحلة البلوغ… أكثر من اهتمامه بالتأثيرات التراكمية للتغيرات صغيرة المقياس عبر أجيال عديدة. وقد فتنت فكرة دورات الحياة ديفز وأعطته إلهاما جيدا بأكثر مما شغله التطور الخطى Linear evolution.

ومن بين رواد هذه النهضة اللاماركية كان شيلر (مُعلم ديفز) قد مارس تأثيرا كبيرا على شخصية الجغرافيا الأمريكية. كان شيلر – الذي شغل منصب مدير مدرسة لورانس العلمية في هارفارد – جيولوجيا من حيث التخصص، لكنه كان يميل نحو الجغرافيا. وكان  شيلر تلميذا لأجاسيز في جامعة هارفارد خلال الفترة التي شهدت الحوادث الكبرى حول الداروينية في مطلع ستينيات القرن العشرين، ويوضح التاريخ العلمي لشيلر انتقاله من العلم اللاهوتي القديم لدى أجاسيز إلى المذهب الطبيعي التطوري الذي تبناه ديفز. وخلال تتلمذه على يد أجاسيز، ربما تعلم شيلر إغفال البيولوجيا الجديدة، لكن صداقته الشخصية مع هيات Hyatt وما كان يقدمه من قراءات للهرطقة الدراوينية سرعان ما أقنعته بحقيقة النظرية التطورية، وإن كانت بنكهة لاماركية.

ومع بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، كان شيلر قد أصبح مرتدًا بالكلية واعتنق المنظور اللاماركي لبقية حياته. وفي عام 1893، أصر شيلر بشكل قاطع على أن الكائنات العضوية “تكيف نفسها بطريقة مباشرة تبعا لخصائص البيئات التي تعيش فيها” وأن تلك “الظروف التي تحيط بتلك الكائنات تمارس تأثيرا على أجسادها وهو ما ينتقل إلى دورة حياتها الفردية. على هذا النحو مكنت اللاماركية شيلر من أن يحتفظ بكثير مما تعلمه من أستاذه أجاسيز ونظرته الكلية عن الكون. ومن ثم فقد كان مفهوما أن تتم دعوة شيلر لإلقاء محاضرات في الحلقات النقاشية اللاهوتية في مؤسسة وينكلى Winkley في عام 1891 واختار لمحاضراته عنوان “العلم الحديث والمعتقدات الدينية” وتم نشر هذه المحاضرات لاحقا تحت عنوان “تفسير الطبيعة”.

وقد استخدم شيلر البعد البيئي في التطور اللاماركي الجديد بأفضل ما يكون. وكان عمله المعنون “الطبيعة  والإنسان في أمريكا” بمثابة نوبات جديدة عن العلاقات الترابطية الوثيقة بين العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي. لذلك فإنه هنا رسم صورة الانتقال عبر الأطلنطي لمؤسسات وتقاليد العالم الجديد، والطرق التي من خلالها تم استئناس مفاهيم التطور في البيئة الأمريكية. كما انعكس ما تبناه شيلر على الأهمية الثقافية لانقراض الثور الأمريكي من الأجزاء الشرقية، وعلى عملية استيطان البراري، وعلى لغز “الصحراء الأمريكية الكبرى”. وكانت شروحاته التاريخية للشخصية الأمريكية باعتبارها نتاجا لجغرافيتها الخاصة قد وجدت صدى كبيرا في الرسالة العلمية التي قدمها فريدريك جاكسون تيرنير Frederick Jackson Turner عن “التخوم السياسية” والذي كان هو الآخر قد تأثر كثيرا بالاستعارات اللاماركية عن المرونة الاجتماعية، وإعادة الامتيازات الثقافية Cultural recapitulation، والجبر البيئي Environmental Compulsion.

وكان لدى شيلر اهتمامات أخرى استفادت من معتقداته الجيوبيولوجية. فمع نهاية القرن التاسع عشر، وفي أعقاب أشد موجات الهجرة في تاريخ الولايات المتحدة، شغل شيلر نفسه بشكل متزايد بالقضايا العرقية. وظهرت مقالاته وأفكاره في الدوريات الشهيرة مثل شهرية الأطلنطي The Atlantic Monthly  وموجز أخبار أمريكا الشمالية North American Review، ومجلة سكربنر Scribner’s Magazine، والأسبوعية المتأسسة حديثا آنذاك “أمريكا”. وحملت مقالاته في هذه الدوريات المنظور “العلمي” للمشكلات الاجتماعية التي يعانيها سكان نيوإنجلاند.

وبإيمانه بأن البيئة تترك آثارها على الشخصية العرقية بشكل لا يقاوم، تحسر شيلر على تغير أنماط المهاجرين إلى الولايات المتحدة، فالوافدون الجدد ليسوا هذه المرة من شمال غرب أوربا ببيئتها الجغرافية الحاضنة للحضارة الراقية، بل هم وافدون يفتقدون المؤهلات العرقية لصناعة المواطنة الأمريكية. وتبعا لذلك، ألقى شيلر بثقله وراء الحركة التي تأسست في بوسطن خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر، والتي طالبت بفرض القيود على الهجرة. وقد ربط شيلر نفسه بهذه الحركة لدرجة أنه شغل فيها منصب نائب الرئيس.

وإلى جانب هذه المواقف المبدئية الاجتماعية، نشر شيلر العديد من المونوجرافات خلال مسيرته المهنية كجيولوجي، سواء في جامعة هارفارد أو من خلال دوره العملي كمدير للمساحة الجيولوجية في كنتاكي، ولاحقا كمدير لشعبة نيوإنجلاند للمساحة الجيولوجية الأمريكية، تحت رئاسة جون ويسلي باول. وإلى جانب التقارير المسحية التي ألفها بانتظام، نشر شيلر أيضا أعمالاً عن الموارد المعدنية، ومشكلات التربة، وقطع الغابات، إلى جانب موضوعات عن نشأة الجبال، والنظرية الجليدية، والتعرية النهرية. وبالتالي فقد مارس شيلر الجيولوجيا بمعناها الواسع، وتكشف نماذج من ملاحظاته على مقرره الشهير في الجيولوجيا (مقرر السنة الرابعة) لعام 1899 – 1900 عن كيفية تعامله مع هذا التخصص باعتباره تطورا للمجتمع الإنساني، ونظرته للأنواع البشرية باعتبارها عوامل في التغير الجيومورفولوجي، والأهمية الاقتصادية للموارد الطبيعية.

وعلى هذا كان منهج النظرة الواسعة التي شجعها شيلر في الجيولوجيا قد وقف حائلاً في الوقت نفسه أمام استقلال قسم الجغرافيا في جامعة هارفارد. فقد كتب في 1893 يقول إن الجغرافيا “مادة متميزة نوعا ما عن الجيولوجيا. لكن التجربة أثبتت أن الفرع السياسي من هذه المادة يمكن في أضيق الأحوال تدريسه بشكل مستقل، لكن أية اعتبارات كبرى للجغرافيا تتطلب أن يؤخذ في الاعتبار الظروف التي أعطت الأرض مظهرها الحالي… ويمكننا في الواقع تسمية الجغرافيا بجيولوجيا الحاضر”.

وبهذا المفهوم ا وفي هذا السياق قة جغرافية ما “عن طبيعة الجغرافيا، تزعم شيلر في وقت ما قضية هذا التخصص العلمي ليكون جزءا من التدريس العلمي الجامعي، لكنه أبقى عليه بشكل حاسم داخل مجال الجيولوجيا. ومن ثم فإنه إذا كانت الجغرافيا قد انتعشت فكريا في جامعة هارفارد نتيجة جهود شيلر، فإنه كان السبب أيضا وراء عدم استقلالها في قسم مستقل. وكان هذا هو ما شغل وليم موريس ديفز وعمل على تحقيقه. فرغم أنه لقى تعليمه على يد شيلر، وبعد أن عينه شيلر في قسم الجيولوجيا في هارفارد، سعى ديفز إلى تحقيق الاستقلال المؤسسي بقسم الجغرافيا عن الجيولوجيا. وبناء على ذلك، وفي عصر شهد تحضرًا متسارعا، وعمليات تصنيع واسعة، وصعودا سريعا في تأسيس الجامعات الأمريكية وسعي هذه الجامعات لوظائف علمية ومهنية، سعى ديفز لرسم الحدود بوضوح بين الجغرافيا والجيولوجيا.

وقد اعترف ديفز في واقع الأمر بأنه شعر أنه من الضروري لدراسي الجغرافيا التركيز على الجانبيين الطبيعي والبشري من التخصص الجغرافي بشكل منفصل أولاً قبل الشروع في مهمة تفسير الآثار السببية التي يمارسها الجانب الأول على الجانب الثاني. ومع ذلك فقد رحب بحرارة بالجهود الكبيرة التي بذلها إلسورت هنتنجتون Ellsworth Huntington لقراءة التاريخ عبر المشاهد البيئية. ومن جانبه أهدى هنتنجتون كتابه الشهير “نبض آسيا The Pulse of Asia” إلى معلمه ديفز، بل إنه طلب رأي ديفز في فتاة اختارها للزواج، معترفا في خطاب لصديقه “الناصح المجرب” ديفز بقوله “لقد تعلمت منك ما لم أتعلمه من أي إنسان آخر”.

لغة العلم: من اللاهوت إلى الطبيعة

في السنوات الأولى من القرن العشرين حدث تغير جذري في السياق الفكري للنظرية الجغرافية. ويمكن تشبيه ذلك في ظني بعملية إنزال اللغة إلى الطبيعة بعد تعلقها في السماء، وهو انتقال من استخدام “المبدأ اللاهوتي القديم” إلى “المبدأ الحديث للتطور”، إذا استعرنا هنا كلمات ديفز. ويمكننا القول إنه إذا عدنا عبر أعمال ريي ودرهام Ray & Derham وصولاً إلى مؤسسي العلم الحديث من أمثال بويل Boyle ونيوتن Newton، فإن تراث اللاهوت الطبيعي قد قدم لنا – وعلى نحو ما يذهب يوو Yeo – سياقا لنقاش حاد حول الملامح المنهجية والمعرفية لكل من المعرفة العلمية واللاهوتية. ومن ثم فقد ذهب العالم والفليسوف وليام ويول Whewell في معالجته لجغرافية النبات، أن بوسعه أن يعثر في الطريقة التي تتكيف بها الكائنات العضوية مع الظروف المناخية على “شىء ما يتسق معا لينتج ويدعم من تلك الدهشة الوقورة”.

لقد تتبعنا في الفصل السابق ذلك التراث عبر كتابات رواد من أمثال ريتر في ألمانيا، موري Maury وجيو Guyot في الولايات المتحدة، سمرفيل Somerville في بريطانيا. وفي الواقع تخلل هذا النسق الغائي عبر الحوارات الجغرافية عبر الزمن. وفي عمله الشهير المؤلف من أربعة أجزاء حملت عناوين “السماوات”، و”الأرض”، و”الهواء”، و”البحر” يقول روبرت مودى Robert Mudie لقرائه أنه حاول أن يفسح مجالاً أكبر للعقل بحيث ينتهي به الحال بشكل لا يقبل المقاومة للانتقال من الخلق Creation إلى الخالق Creator، ومن ثم يجعل المعرفة العلمية صنيعة الدين الحقيقي والأخلاق الحميدة، دون مكر أو خداع أو زيغ أو نفاق. وفي واقع الأمر فإن إسهامات الجغرافيين اللاهوتيين كانت من وقت لآخر قد اعتادت على تثقيف وتعليم كتَّاب اللاهوت أنفسهم. وقد لاحظ روبرت فلنت Robert Flint في جامعة إدنبره عام 1883 أنه في كتاب ريتر “دراسات جغرافية”، وكتاب جيو “الأرض والإنسان” وكتاب كاب Kapp “الجغرافيا العامة Allgemeine Erdkunde” وغيرها  من الأعمال… سنجد مستودعًا ثريا ومليئا بالبيانات اللاهوتية ترى الأرض وقد مهدها الخالق لسكنى الإنسان واستقراره.

وحين حل ذلك النموذج التطوري لاحقا، قدم في ظني تحديا قاتلا لكل تلك الطرق القديمة. ولا يعني ذلك أنه تم استبعاد الرب من الخطاب العلمي بشكل عاجل ولحظي. فلفترة طويلة من الزمن كانت هناك محاولات لصبغ أطروحة التطور نفسها بصيغة لاهوتية. فقد لاحظ صمويل هنتنجتون في 1876 خلال معالجته للجغرافيا الطبيعية أن التطور “لا يمكنه أن يتضمن إنكارا لوجود عقل خالق ومدبر”. كما تحدث ديفز توماس أنستد Ansted عن “نظام وقانون الخالق” وذلك في كتاب “الجغرافيا الطبيعية” الصادر عام 1881. كما أصر أرشيبالد جيكي Archibald Geikie في عام 1886 على أن موضوع العلم بشكل عام والجغرافيا الطبيعية بشكل خاص هو إظهار الكثير والكثير من تلك الخطة البارعة التي من خلالها تم تشكيل ذلك العالم الشاسع، ولكي نصل إلى نظرة فاحصة أكثر عمقا عن تناغم الخلق وجماله، مع تقرير وتقديس بجلال من صنع وأحكم كل ذلك؛ بل إن شيلر ظل يؤكد في عام 1891 على أمله في أن “معارفنا ستعيد تأكيد المعتقد القديم الذي كان يؤمن به آباؤنا من أن هناك سلطة أساسية بيد خالق رحيم beneficent Providence “؛ كما أن دانيال كويت جيلمان عالم الجغرافيا السياسية ورئيس جامعة جونس هوبكنز Johns Hopkins لاحظ في 1906 أنه “ينظر إلى التطور من قبل العديد من علماء اللاهوت كتأكيد على المبادئ الصارمة للجبرية Predestination.

ومع كل ما سبق، فإن مثل تلك الاعتراضات، حينما ظهرت – كانت تقدم في تلك الفترة كمجرد ملاحق لأعمال تعتبر بالغة “العلمية” في مغزاها. لقد كان ذلك بمثابة خطوة قصيرة على طريق التخلص من كافة تلك الملاحظات اللاهوتية. ومنذ زمن هنري والتر بيتس Henry Walter Bates، الأمين العام للجمعية الجغرافية الملكية – حين قدم دراسته ذات المذهب الطبيعي والدارويني عن الفراشات في عام 1861، وحتى محاضرة وليم موريس ديفز أمام الرابطة الأمريكية للتقدم العلمي في 1933 والتي حملت عنوان “الإيمان بعلم مقدس The Faith of Reverent Science” تم توجيه خطاب الجغرافيا من اللغة اللاهوتية إلى اللغة الطبيعانية بشكل مطرد.

وبالتأكيد لا يعني هذا أن كافة اللغة المتعلقة بالجوانب الروحية المقدسة قد تم التخلص منها نهائيا. فراتزل، على سبيل المثال، قد تحرك بعيدًا عن ماديته المبكرة لصالح روح أكثر رومانسية، في الوقت الذي ظهر فيه على السطح اتجاه طبيعاني – تصوفي في الكتابات البيئية لدى فوهان كورنيش Vaughan Cornish كما ظهر اتجاه حيوي شمولي Holistic Vitalism لدى فرانسيس يونجهاسبند Younghusband. غير أن هذه لم تعد أسسا كافية يمكن أن ينبثق منها تخصص علمي؛ ولهذا الغرض كان يجب أن يحل العلم محل العقيدة. ومن جانبه – وبهذا الخصوص – كان ديفز قد تأمل في أن “الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه تلك الثقة الداعية إلى التطلع للأمام إن هي إلا فرصة مثالية… تنبع من إيمان راسخ بفلسفة التطور وإيمان بعلم مقدس. وفي الجغرافيا، كما في العلم بشكل عام، فإن “مقام القداسة The locus of the Sacral”  على نحو ما ذهب جيم سور Jim Moore “قد انتقل من الغيب noumenal   نحو الظاهر phenomenal ومن الخالد eternal نحو المؤقت temporal، ومن العالم الآخر another world إلى هذا العالم this world.

2020-02-06T01:15:12+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا