ثورة في المجالات السماوية وعلى الأرض

2020-02-06T00:30:57+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثالث من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

شهدت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ثورة في كل المجالات تقريبا، كنسية وفكرية وسياسية. أما ثورة المجالات السماوية التي دشنها كوبيرنيكوس فقد غطت على ثورة معرفية أكثر أهمية في رؤوس الرجال والنساء. وغرست الثورة بذور الاضطراب السياسي والثورة الاجتماعية في الوعي الديني بسبب لوثر وكالفن. فهذه الفترة كانت فترة “حركة الإصلاح الديني” و”الحروب الدينية” و”التمرد الهولندي” و”الثورة البروتستانتية” و”ثورة كوبيرنيكوس” و”الثورة العلمية”. وكان لكل هذه الهزات المعرفية والاضطرابات السياسية انعكاسات كبيرة على المشروع الجغرافي. ولذلك تتمثل مهمتنا في هذا الفصل في تتبع تاريخ المعرفة الجغرافية على خلفية هذا العالم “الثوري”. وبالتالي فإن بعض الانعكاسات على السياق الأوسع لعلوم القرنين السادس عشر والسابع عشر ستمثل مقدمة للنمو الأكثر تحديدا للمعرفة الجغرافية في تلك الفترة.

العلم والسلطة والتطبيق العملي

لقد وجدت روح مناهضة السلطوية الفكرية التي أطلقها الرحالة والبحارة في الفكر الأوروبي سريعا تعبيرا أكثر دقة، وإن كان متراجعا، بين مؤسسي العلم التجريبي الحديث. إذ كان اهتمامهم ينصب على الواقع، وليس ترتيب المفاهيم، وعلى الحقيقة وليس الدقة الاكاديمية. ولا يعتبر هذا الأمر أكثر وضوحًا في أي مجال أكثر منه في حالة الفلكيين الجدد الأوائل: كوبيرنيكوس، وكبلر، وجاليليو. ومن المؤكد أننا نعرف الآن أن الحديث عن “ثورة” كوبيرنيكوس يعتبر غامضًا من الناحية اللغوية والتاريخية، وذلك لأن نشر كتاب كوبيرنيكوس “(في ثورات المجالات السماوية De Revolutionibus Orbium Coelestium) في 1543 لم يحدث سوى ضجة في ذلك الوقت. بل إنه ذاته توفي خلال أيام قليلة من نشر كتابه، وكان أتباعه المخلصون قليلين. ولم يجذب الأثر الحقيقي لنظريته عقولا كثيرة قبل مرور حوالي ستة أو سبعة عقود بعد وفاته. وفي الواقع، فإنه إذا كان هناك شىء اسمه “ثورة كوبيرنيكوس”، فإنه كان أكثر ارتباطًا بأسماء جاليليو وكبلر ونيوتن. وكذلك، فإن دليل كوبيرنيكوس التجريبي على دوران الأرض حول الشمس الثابتة لم يكن أفضل من الدليل على نظام بطليموس، ولم تتحقق المشاهدات الجوهرية قبل عام 1838 رغم اختراع التلسكوب.

ويتمثل إنجاز كوبيرنيكوس في تناوله للتمييز التقليدي بين التفسيرات الرياضية والطبيعية للظواهر الفلكية. حيث كان منهمكًا في إصلاح مفاهيمي كبير. ونحن لا نهتم بالتفاصيل الدقيقة، باستثناء تفسير أن الإغريق وجدوا أنه من الضروري تدعيم نظمهم الفلكية بالكثير من المعلومات عن الدوائر الفلكية Epicycles ومدى اشتراك هذه الدوائر الفلكية في مركز واحد من عدمه وما يرتبط بذلك من ترتيبات رياضية لتفسير عدم الانتظام الملحوظ في حركة الكواكب؛ ولكن حقيقة هذه الفرضيات الرياضية لم تكن مناسبة للاحتياجات العملية لعلم الفلك والملاحة، أو وضع التقويم. وعلى العكس، كان كوبيرنيكوس أكثر اهتمامًا بتقديم تصوير حقيقي لحركات الأجرام السماوية، وكان ذلك الأمر له قيمة جوهرية. ورغم أن مشاهداته التجريبية أفضل قليلاً من مشاهدات بطليموس إلا أن مشروعه المنهجي لتحديد وضع الأرض ككوكب من الحسابات الرياضية زعزع نهائيا قواعد الطبيعة الأرسطية.

وقد أثار نفس هذا التساؤل حول السلطة الأرسطية التنظير العلمي عند كبلر وجاليليو. ففي كتابه “علم الفلك الجديد Astronomia Nova” في 1609، أصر كبلر على أن غرضه يتمثل في نقل علم الفلك من الافتتان “بالدوائر الخيالية” إلى الأسباب الطبيعية، ومن ثم التخلص من النظام الأرسطي مرة واحدة إلى الأبد. وأبرز جاليليو ـ الذي كانت أعماله تقرأ على نطاق واسع، على النقيض من  كوبيرنيكوس وكبلر ـ النقطة نفسها بالإصرار على أن “التجارب الحسية” لها الأولوية على المعتقدات الفلسفية والدينية. وبالطبع، لا يمكن قصر إسهام جاليليو على مجرد المبدأ الفلسفي: إذ إن تجاربه الخاصة بالتليسكوب المخترع حديثا، والذي مكنه سريعا من تجميع العدسات التي تكبر الأشياء آلاف المرات، حولت نظام كوبيرنيكوس من حب الاستطلاع الفكري إلى إمكانية نظرية حقيقية. وكان جاليليو ـ من خلال إصراره على “عدم قيمة السلطة في حسم أية مسألة علمية” ـ لا يزال يقوي الأسس الفلسفية الأساسية للمشروع العلمي.

فإذا كان التساؤل حول هذه السلطة شرطا مسبقا لنمو الروح العلمية، فإن إمكانية تطبيق المعرفة كان يعتبر هدفها بالنسبة للكثيرين. وكان عالم الفلك الغامض ظاهريًا له مضامينه بالنسبة لفنون الملاحة، في حين كان للطب والزراعة فضائل اجتماعية معروفة بصورة مباشرة. ونجد المتحدث الرئيس باسم هذه الحتمية التقنية في شخصية فرانسيس بيكون. حيث يعتبر أن التحسينات والابتكارات العملية بمثابة القضية الطبيعية للعلم الحقيقي؛ إذ إن معرفة الطبيعة يمكن، ويجب، أن تؤدي إلى السيطرة على البيئة. وهكذا فإنه يلوم الانفصال بين “رجال التفكير” و”رجال التجريب”، ويعتبر هذا بمثابة السبب الوحيد لعدم التقدم في التعلم. ولكن بيكون لم يكن صوتا وحيدا. فخلال فترة الركود التي أعقبت الحرب الأهلية الإنجليزية مثلا، دمج صمويل هارتلب ودائرته العلمية بين “العلم” و”التقنية”، من أجل تطبيق كل شىء من الكيمياء إلى التعدين على احتياجات الحياة. ومن المؤكد أن التعميم بشأن الجهود العلمية على أساس أفراد مثل هؤلاء سيكون خطأ واضحا، لأن المنفعة لم تكن دائما وأبدا في أذهان ممارسي العلوم الجديدة، بل إنه كان يقال إن التركيز على التطبيق والمنفعة كان غالبا مسألة علاقات عامة يقودها المجتمع العلمي الأكثر وعيًا بالعداوات الخارجية. ولكن لا تزال المنفعة كما كانت هدفًا كبيرًا لدى الكثيرين، حتى وإن لم تكن تمثل أولويتهم الأولى.

وسوف تجذب أهمية هذا الدافع النفعي لممارسة الجغرافيا في ذلك الوقت اهتمامنا حاليا. أما الآن فسيكون من المفيد أن نذكر فقط كيف يمكن أن تنتشر التطبيقات العلمية. فمثلا، أعلن روبرت بويل Robert Boyle: “إنني لن أجرؤ على إعلان نفسي باحثًا طبيعيًا حقيقيًا ما لم تستطع مهارتي أن تجعل حديقتي تنتج أعشابا وزهورا أفضل، أو أن ينتج بستاني فاكهة أفضل، أو أن ينتج حقلي قمحا أفضل، أو أن تنتج مزرعتي جبنًا أفضل”. وكان بويل يمثل صوتًا واحدًا، ولكن التزام “الجمعية الملكية” بالرؤية التقنية كان ظاهرا بوضوح في مشروعها عن تاريخ التجارة. حيث كان الهدف هنا يتمثل في جمع المعلومات عن مجموعة من الممارسات التقنية، وبالتالي تم تقديم تقارير عن موضوعات مثل الصباغة والدباغة وصناعة الملح وعصر النبيذ وهندسة التعدين.

 وبالإضافة إلى ذلك، كان المجتمع مهتما أيضا بالتطورات في الممارسات الزراعية، وزراعة البساتين وزراعة الغابات. فمثلا، أصبحت الرسالة البحثية التي قدمت عن “الأشجار الحراجية Sylva”، أو “محاضرة أشجار الغابات ونشر الأخشاب في ممتلكات صاحب الجلالة” التي أعدها جون إيفيلين John Evelyn،في 1664، عملا تقليديا يشجع على زراعة الغابات والحفاظ عليها، ويشهد على نجاح البحوث الجماعية. وتساير هذه المنطلقات الجديدة الاهتمامات التقليدية الأخرى، مثل التقنية البحرية ومشاكل تحديد خطوط الطول في البحر. وهكذا فإنه سواء كنا نتناول الممارسات التي كانت تعتبر لزمن طويل تحت مستوى كرامة الإنسان المهذب، أو نواجه المشاكل المزمنة في جدول أعمال العلم، كان لدى الكثيرين اهتمام بإظهار المنفعة الاجتماعية للمعادلات الرياضية والقيمة العامة للعلوم التي تبدو مقصورة على فئة معينة من الناس. وتأكيدا لذلك، يمكن تحقيق الكثير من هذا. إذ إن الإتاحة العامة المفترضة للعلم، والهجوم على السرية العلمية، لم يقلل الصراعات بين العلماء حول ما إذا كان يجب نشر أو حجب المعلومات. وكذلك، غالبا ما فشل الكثير من اقتراحاتهم للتطوير ببساطة لأنها  كانت غير عملية مطلقا، أو كان الصناع المحافظون يقاومونها، أو كانت غير اقتصادية. وفي مثل هذه البيئة، نجد أن الاهتمامات التقليدية للجغرافي، والتي دائما ما تكون عملية، لا يمكن أن تظل غير متأثرة. ومع ذلك، وقبل العودة إليها، يجب تناول جانب سياقي آخر، وهو دور العوامل الدينية وشبه الدينية في ظهور العلم الحديث.

العامل الديني

كان ازدهار طريقة التفكير الإبداعي المناهض للسلطوية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر على درجة كبيرة من الأهمية متضمنا انفصالا جذريا تاما بين العقلية العلمية الجديدة وأشكال التفكير لدى الجيل القديم. ولكن هذا الموقف يتجاهل الكم المتراكم من الأدلة التي تشير إلى المكونات السحرية والدينية الرئيسة في تكوين العلم الحديث. وليس مدهشا أن العلم لم يكتسح الافتتان “الشعبي” بالفلك، والتنجيم، والسحر من جميع الأنواع. ولكنه أصبح واضحا أن هذه الأشكال من المعرفة المقصورة على فئة قليلة تتردد طويلا في أذهان الكثيرين من القادة في العلم الحديث.(4) فمثلا، كان كبلر ذاته منجما ممارسًا، وكانت كتاباته العلمية ممزوجة بما كان يسمى “أسرار الأرقام”، بينما أجرى نيوتن، الذي كان رائد الفلسفة الميكانيكية، تجارب كيماوية سرية، وكان شديد الاهتمام بالتنجيم، وخصص الكثير من طاقته لتوضيح الروائع الرمزية لسفري دانيال والرؤيا”.

ولا شك أن عالم التنجيم والسحر والعوالم السرية والكيمياء ـ أي السحر والتنجيم اختصارا ـ كان متنوعا جدا، وكانت أشكال ممارسته تتغير مع الزمن.(6) وبالتالي فإن العلاقة بين “السحر” و”العلم” (باستخدام الكلمتين المجردتين) كانت بعيدة عن الوضوح. فلا تزال هناك أصداء مفاهيمية هامة يمكن إدراكها بوضوح في مجالين واسعين هما علم التنجيم والسحر الطبيعي. إذ إن الافتتان بالأبعاد التنبؤية للتنجيم كان عميقًا ومستمرًا، واخترق عقولاً علمية كثيرة. وقد ذكرنا سلفا تورط كبلر لفترة طويلة في هذا الأمر. ولم يفعل “تيكو براهي Tycho Brahe”، الذي كان يمكن أن يكون أحد مؤسسي علم الفلك الحديث، شيئا لمقاومة نسبة الأهمية التنجيمية  للنجم الجديد الذي ظهر في السماء في 1572، فقد كان بالنسبة له يدل على فوضى سياسية في شمال أوروبا وظهور نظام عالمي جديد في النهاية. وكذلك، اعتنق فرانسيس بيكون بعض جوانب علم التنجيم، كما فعل المتعصب له جون بينبريدج John Bainbridge، الذي استغل مذنب 1618 لأغراض مناهضة للكاثوليكية لأقصى درجة. ولاحقا، بحث ويليام بيتي ـ الذي سنتناول إسهاماته الجغرافية بعد قليل ـ في 1647 عن مديرين “مهرة في أفضل قواعد التنجيم الشرعي” حتى يستطيعوا “حساب أحداث الأمراض والتكهن بالطقس”. وفي الواقع، فإنه في أعقاب استكشاف الجمعية الملكية للمذنبات خلال منتصف القرن السابع عشر، تم اكتشاف تفاصيل كثيرة عن التناظر بين ظهور المذنبات والأحداث السياسية والكوارث الطبيعية والثروات الاقتصادية.

تيكو براهي

وقد حظي التركيز على الخبرة ـ وهي الصفة الموروثة من الملاحين ـ التي اعتبرناها جوهرية للتجربة العلمية، بدفعة كبيرة أيضا من تقليد السحر الطبيعي الذي برع فيه باراكلسس  (1493ـ1541 تقريبا)، والذي كان متعدد الجوانب الثقافية، وكانت إسهاماته في الكيمياء والطب وعلم الكونيات تتفق مع اهتمامه باللاهوت وفنون التنجيم. وقد أدى الاعتقاد بأن العديد من الأسرار والأشياء الغامضة، التي كانت معروفة للساحر القديم ولكنها فقدت منذ فترة طويلة، تكون مختفية في الطبيعة ويمكن استردادها، إلى إثارة مقاربة تجريبية للعالم الطبيعي تسير جنبا إلى جنب مع التقدم العلمي. وهكذا عارض باراكلسس  وأتباعه أرسطو بشأن المعرفة المتعلقة بكل شىء من الطب إلى التاريخ الطبيعي. حيث تحققت نتائج كيماوية وصيدلانية وطبية عامة قيمة كثيرة من خلال عاطفة إطلاق الخصائص السحرية الكامنة في الأحجار، والأعشاب والنباتات الأخرى. ويرى الكثيرون أن هذا التقليد للسحر الطبيعي كان له دور حقيقي يلعبه في عصر العلم الجديد، وذلك على عكس السحر الشيطاني الذي كان يستبعد غالبا لأنه الطقس التافه للسذج الجهلة. حيث أدى السحر الشيطاني إلى ظهور الطوائف المقصورة على فئات معينة، والأخويات السرية، ومختلف أنواع الهراء والخدع، بينما تقدم السحر الطبيعي نحو ديمقراطية السحر ـ وهو التطلع الذي يتسق تماما مع النظرة العلمية لرجال مثل بيكون وهارتلب. وهكذا كتب “تشارلز وبستر Charles Webster” أن ذلك كان “متسقا تماما مع عقلية نمط باراكلسس  في السحر الطبيعي”، أي “أن ممارسيه يجب أن يعترفوا بمزايا الجهود المنسقة في المجال العلمي، وكذلك تطبيق رؤاهم على التخطيط في المجالات الاجتماعية والسياسية الأوسع”.

وإذا كانت فكرة الصراع غير مفيدة في فهم العلاقة بين العلم والسحر خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فإن فكرة الحرب بين العلم والدين تعتبر أقل جاذبية. لأنه على مدى فترة طويلة كانت صور الإدانة الكنسية، والحرمان الكنسي، والارتداد، الناتجة عن الحالات المأساوية مثل جاليليو، تعمم على الفترة كلها. ففي حالة جاليليو، اتضح الآن أن “الظروف السياسية غير المواتية، والطموحات الشخصية، والكبرياء الجريح” كانت أشياء مهمة جدا في إدارته للمعركة مع البابوية. ولكن الكتب ذات العناوين مثل “تاريخ حرب العلم مع الدين في المسيحية” أو “تاريخ الصراع بين العلم والدين” (1874)، التي لم تفعل شيئا لتبديد ضجيج المعركة، كونت انطباعا بأن تشبيه الحرب يفسر تاريخ العلاقة بين العلم والدين ـ وهو الانطباع الذي لا يزال يتردد في عقول الكثيرين حتى اليوم. ومع ذلك، فإنه من خلال تمحيص وثائق الماضي العلمي، توصل الكثيرون من المؤرخين إلى رؤية علاقات مهمة بين الدين وظهور العلم الحديث. وبالتأكيد، فقد ثبت أن إبراز الطبيعة الحقيقية لهذه المؤثرات بمنتهى الدقة يعتبر أمرًا صعبًا جدًا. فلا تزال هناك حركتان دينيتان مرتبطتان ببعضهما ـ حركة الإصلاح القارية، والبيوريتانية الإنجليزية ـ كانت موضوع استكشافات عديدة لتأكيد الارتباط بين إعادة التوجه الديني والثورة العلمية.

وتظهر تواريخ العلاقات بين الإصلاح والعلم في عدد من الأنماط التفسيرية، بداية من تلك التي تعتبر الإصلاح أحد أسباب الثورة العلمية، إلى التي تدعي أن غيابه لم يكن سيؤثر على مسار العلم. وتعتبر الكتابات في هذا الموضوع كثيرة ومعقدة، ومن ثم لا يمكن الترجيح بين الحجج والحجج المضادة بدقة هنا. ومع ذلك، وبدون إنكار الأصول الجماعية للعلم للحظة، فإنني أعتقد أنه كان يساند بعضهما يمكن إظهار أنه كان هناك تردد لأصداء مفاهيم هامة بين الحركتين. ولكنني أكرر أن هذا لا يعني إرجاع أصول العلم إلى الإصلاح. ولكنه يعني الإصرار على أنه كان هناك العديد من العلماء الإصلاحيين الذين لم يروا انفصالا معرفيا بين علومهم ودينهم؛ بل على العكس، أنه كان يساند بعضهما بعضا. فمثلا، من الواضح أن البروتستانت لم يعتنقوا تفسيرا حرفيا بسيطا للإنجيل، والذي كان لا بد أن يتعارض مع مبادئ كوبيرنيكوس. وعلى العكس، لم يجد أتباع كوبيرنيكوس صعوبة في العثور على تفسير إنجيلي مناسب، من خلال إستراتيجيات تكيف مختلفة. وكذلك، كان التزام البروتستانتية بالوحي الإلهي في الكتاب المقدس وبالطبيعة يبرز الإسهامات العلمية لرجال مثل روبرت ريكورد، بيرنارد باليسي، توماس ديجيس، وفيليبس فان لانسبرجن، بينما كان روبرت بويل يرى أن العلماء يمجدون الرب أكثر من غيرهم، من خلال أداء مهامهم لأنها أسندت إليهم لإظهار خلقه. وفي نفس الوقت، فإن الفردية الراديكالية للإصلاحيين، والمغلفة في منهج رهبنة كل المؤمنين، تميل إلى تفضيل التجريبية ومناهضة السلطوية في الأنشطة العلمية.

وبالطبع فإن أكثر مؤثرات الإصلاح الديني تأثيرًا على العقلية العلمية يمكن أن تكون غير مباشرة. ولفهم المقصود هنا، فإننا نحتاج إلى الاعتراف بأن العلم في أوروبا في القرن السادس عشر ولد في سياق انفعالي ـ أي الصراع بين الفلسفة الميكانيكية الجديدة والفلسفة الأرسطية القديمة. وبنقل مركز السلطة من التقليد والكنيسة إلى الكتاب المقدس، مهد الإصلاحيون الطريق للبحث البروتستانتي في الكونيات الأرسطية البطلمية؛ ومن خلال البحث في عقيدتهم بصورة استقرائية بما يمكن أن نطلق عليه “التجريبية الإنجيلية”، قوضوا العقلانية الاستنباطية للدارسين. وكانت هذه المواقف تتفق تماما مع الروح التجريبية للعلم الجديد، وليس مدهشا أن توماس سبرات Thomas Sprat، أول مؤرخ للجمعية الملكية، استطاع أن يدعي في 1687 أن “البروتستانتية والعلم … يمكن أن يقدما دعاوى متساوية بشأن كلمة “الإصلاح”: حيث حقق أحدهما هذا في “الدين”، بينما حققه الآخر في “الفلسفة”. ويسمح إدراك هذا التأثير غير المباشر للإصلاح بممارسة العلم (وإن كان بدرجة أقل) في الدول الكاثوليكية خلال تلك الفترة، ويشعرنا بالحاجة إلى وضع تاريخ الجغرافيا في نفس هذا السياق الفكري.

وبصفة عامة، يمكن اعتبار البيوريتانية أشد أنواع البروتستانتية، حيث تلتزم بشدة بالسلطة العليا للكتاب المقدس، وظلت مركزية في اللاهوت. ولكنها لم تكن تمثل جماعة موحدة أو متماسكة ككل؛ فيمكن أن يكون المرء منتميا إلى طائفة البيوريتان، أو المشيخية (البريسبيتارية Presbyterian)، أو الإنجليكانية، أو الجماعاتية Congregation، أو من طائفة الكويكر، أو من طائفة الحفارين (الديجر Diggers من الفلاحين البروتستانت) أو طائفة الساعين إلى الحقيقة Seekers، أو من الطائفة المجليتونية (من أتباع لودفيج ماجليتون Lodowicke Muggleton). ومن الواضح أنه لم تكن هناك أيديولوجية بيوريتانية واحدة، فبينما كان هناك بيوريتان يحثون على الانفصال الثوري عن الكنيسة المستقرة، كان آخرون قانعين بالمطالبة بمزيد من الإصلاح المعتدل. ومع ذلك، كانت هناك بعض الخيوط المشتركة. إذ إن التحالف البيوريتاني، كما يمكن أن نطلق عليه، كان كافيا لاستمرار استقرار النظام الجمهوري لفترة على الأقل. ويشترك الكثيرون في الإيمان العميق بكهنوتية كل المؤمنين، وهذا يميل إلى التحول الديمقراطي للمؤسسات الدينية وإلى الاتجاه المناهض للسلطوية في شئون السياسات المدنية والدينية. وجاء دعم آخر لهذا الموقف من إيمانهم بالأهمية القصوى للفرد، والذي أدى بدوره إلى زيادة التأكيد الفكري بين المستويات الاجتماعية الأدنى.

وعندما نأتي إلى العلم، كان معتنقو البيوريتانية يميلون إلى تفضيل العلوم الأكثر “تواضعا” مثل الكيمياء والزراعة والغابات والطب والتقنية البحرية ومسح الأراضي، الخ. ولذلك فإنه ليس مدهشا أن الكثيرين منهم ابتعدوا عن التقليد الدراسي بنشر نتائجهم باللاتينية لغة المتعلمين، وفضلوا في المقابل كتابة أبحاثهم بالإنجليزية لغة الشعب. وكانت مناهضة السلطوية، والمنفعة الاجتماعية، ومبادئ التنوير الشخصي، والإثراء الفكري، وديمقراطية التعليم، من المعتقدات والممارسات التي كان البيوريتان الذين يظهرون حماسهم للعلم يعتنقونها. وهكذا أطلق جون هول و صمويل هارتلب مناشدات من أجل التعلم الأقل تجريدية، والمزيد من استخدام الخرائط والنماذج والتجارب؛ وتطلع جون وبستر إلى اليوم الذي “يمكن فيه إدخال التعليم السليم والقاطع لكل من كوبيرنيكوس وكبلر وبراهي وجاليليو … وأمثالهم، مع رفض واستبعاد النسيج التالف والممزق لكل من أرسطو وبطليموس”؛(20) وكرس توماس ديجيس نفسه لممارسة الرياضيات التطبيقية لاهتمامه بتحسين تحصينات المواني. واتفق الكثيرون مع كالفن على أن المعلومات “العلمية” لا تجمع من صفحات الكتاب المقدس، مهما شعروا بالحاجة إلى مفهوم إنجيلي دقيق للحكم والأخلاق. ومن الناحية المؤسسية أيضا، كان هناك شعور قوي بوجود البيوريتان، وذلك من تأسيس كلية جريشام Gresham ، وهي الكيان الذي ظهرت منه الجمعية الملكية لاحقا. والتي كان من بين أهدافها الرئيسة الاهتمام بتجميع المثقفين والتجار من أجل نشر فضائل العلم في المجتمع الأوسع.

الجغرافيا في عصر العلم

كما هو الحال بالنسبة للتيارات الكبرى للفكر العلمي، يكشف تطور الجغرافيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر مجموعة معقدة من العلاقات بين التجريبية والمنفعة الاجتماعية والسحر الطبيعي والإصلاح الديني. وربما تتمثل أفضل طريقة لتصوير هذا المجال المفاهيمي في التدقيق في تاريخ المعرفة الجغرافية على خلفية بعض الحركات الاجتماعية والفكرية السياقية الرئيسة في تلك الحقبة. ولذلك تعتبر مقاربتي أكثر موضوعية في تركيزها، بالرغم من أنها تاريخية بصفة عامة، إلا أن هذه الموضوعات لا تعتبر مجالات منفصلة عن بعضها، ولكنها متداخلة ومتشابكة بطرق شتى.

السحر وعلم التنجيم

وجدت الفروض السحرية ـ التي كان العالم الفكري لأوروبا في عصر النهضة غارقا فيها ـ مكانا لها في دراسة وممارسة الجغرافيا، بدرجة لا تقل عن المجال الأوسع للعلم الطبيعي. ولنأخذ كنقطة بداية إسهامات ويليام كننجهام William Cunningham، الذي ألف عملا نشر في 1559 بعنوان “المنظورات الكوزمزجرافية، التي تحتوي على المبادئ الدقيقة للكوزموجرافيا، الجغرافيا، الهيدروجرافيا، أو الملاحة”. ففي هذا المجلد، أظهر كننجهام ـ الذي استخدم وسيلة الحوار بين معلم وتلميذ ـ الملامح المفاهيمية الكبرى في هذه المبادئ ذات الصلة. وبالتالي فإنه أدخل المبتدئين إلى أسرار دوائر العرض وخطوط الطول، وأسلوب المسح المثلثي، والأقاليم المناخية الكبرى في العالم؛ وإلى فنون القياس الربعية والاسطرلاب؛ وإلى تعريفات المصطلحات الجغرافية الرئيسة. وكذلك، تناول كننجهام جغرافية العنصر البشري بجدية، لأنه توسع في تأثير المناخ على الفسيولوجيا البشرية وعلى الاستيطان، وتناول بعد ذلك في مسحه الإقليمي لقارات العالم المسائل الإثنوجرافية مثل الطعام والسلوك الديني والثقافي، وأسلحة الحرب. وكذلك قدم بعض الملاحظات عن الخصائص النباتية والحيوانية لكل إقليم.

وبالنسبة إلى كننجهام، كانت منزلة الكوزموجرافيا التي صاغها كعلم كوني، تعتمد على وظيفتها النفعية القوية، واستخدامها العملي في عدد كبير من المصالح. فمثلا، اتضحت مزاياها العسكرية سريعا، لأن الخريطة كانت مهمة في الحرب مثل السيف والرمح؛ ولم تكن منافعها التجارية أقل وضوحا من خلال قدرتها على توجيه التجار والبحارة إلى مصادر السلع التي كانوا يبحثون عنها. وكان لها استخدامات أخرى أيضا. ولم يكن طلاب اللاهوت قادرين على مواصلة التعمق في دراستهم للكتابات المقدسة بدون معرفة الجغرافيا التاريخية للأرض المقدسة؛ وشعر ممارسو الطب منذ أبوقراط إلى الحاجة إلى معرفة المناخ الإقليمي، ونوعية المياه، وتنوع التركيب العرقي، والجغرافيا الحيوية للنبات والحيوان؛ واستطاع طلاب القانون والأدب التقليدي اكتشاف الكثير من المعرفة بجغرافية العالم.

وبالرغم من أهمية هذه الموضوعات بالنسبة إلى مفهوم كننجهام لعلم الجغرافيا، إلا أنني أعتقد أنه من الخطأ التخلي عن إسهاماته في هذه النقطة. وذلك لأن كننجهام في المجلد نفسه لم يهمل أن يقدم لقرائه رؤية عن نظام العالم بسياقه الفلكي والتنجيمي الأوسع. وهكذا قدم نماذج مرئية للأرض المحاطة بمجالات سماوية على نمط بطليموس. وكانت دائرة البروج جزء لا يتجزأ من هذا المخطط الكوني، وهو عبارة عن نطاق في المجال السماوي تحدث فيه الحركات (الظاهرية) للشمس والقمر والكواكب، وهو مقسم إلى اثني عشر جزءا (أو علامة) كان يقال إن الشمس تمر خلالها على مدار العام. وكان لهذا المركب الفلكي أساسا مضامين معينة بالنسبة للتنجيم لأغراض القضاء، وليس مدهشا أن كننجهام توسع في هذا المجلد ليوضح “الكواكب والعلامات التي تحكم كل إقليم … وأضاف إلى بطليموس أسماء كل من الأقاليم والمدن التي إما أنها لم تكن معروفة بالنسبة له، أو التي تركها عمدا”. وبالتالي فقد رسم قائمة تفصيلية لأقاليم ومدن العالم المعروف، عندما تقع تحت تأثير كل من علامات دائرة البروج، من برج الحمل والمريخ إلى برج الحوت وكوكب المشترى.

وكما اتضح، فقد كان كننجهام منجما متمرسا. ففي 1558، أي قبل عام من نشر مجلده، كان قد أصدر “التقويم الجديد والتكهن A New Almanacke and Prognostication”، حيث حدد فيه الأوقات السيئة في تلك السنة بالنسبة للبيع والشراء، وتناول الدواء، والحرث والزراعة، أو القيام بالرحلات ـ وهو العمل الذي كرره لسنة 1565. وكانت هذه التقاويم تعتمد على حسابات رياضية تفصيلية لوضع الكواكب، وتشهد على التوافق الكبير بين الفلك العلمي والتنجيم. وفي 1560، نشر مبرره الخاص لممارسة التنجيم تحت عنوان “رسالة ذم دفاعا عن المنجمين An Invective Epistle in Defence of Astrologers”. فمن الواضح أنه بالنسبة لكننجهام لا يسمح بوجود تمييز بين هذه الأوجه المختلفة لعمله. وكما لو كان يريد أن يؤكد الروابط بين التنجيم والجغرافيا، فقد أهدى مجلده إلى اللورد روبرت دادلي Robert Dudley، الذي عبر عن حماسه للتنجيم بالارتباط الوثيق بجون دي John Dee، وهي الشخصية التي يجب أن ننتقل إليها الآن.

لقد لعب جون دي (1527-1608) فعلا دورا تذكاريا على الساحة الفكرية لأوروبا في عصر النهضة، بالرغم من إخفاء أو تجاهل إسهاماته لفترة طويلة، بسبب هواياته الغامضة البغيضة الشهيرة (للاتصال بالأرواح). ففي الحقيقة، كان دي رياضيا دارسا له شهرة عظيمة وكان صانعا ماهرا للخرائط والأدوات. وبعد مسار متميز في كلية سانت جون في أكسفورد، لجا دي إلى جامعة لوفيان حيث درس مع جيما فريسيوس Gemma Phrysius، وهو واحد من أعظم ممارسي الرياضيات في عصره. وبالتالي، جذب دي بدوره أفرادا متميزين كطلاب مثل فروبيشر Frobisher، جلبرت Gilbert، رالغ Ralegh، وربما دريك Drake؛ وعددا من أصدقائه والرجال المقربين منه مثل ميركيتور، أورتليوس Ortelius، ليونارد، وتوماس ديجيس، وأتباع هكليت Hakluyts. وربما لا يوجد مكان آخر استعرض فيه قدراته الفكرية بوضوح أكبر مما فعله في “المقدمة الرياضية” التي كتبها في 1570 لأول ترجمة إنجليزية لكتاب “مبادئ الهندسة الإقليدية”. فهنا كتب “دي” مقدمة حاسمة للمبادئ الرياضية العامة التي يمكن أن يقوم عليها عدد كبير من الممارسات الفلكية والملاحية والكارتوجرافية والمسحية. وبالتالي فإنه قدم كما من المعرفة النظرية إلى طبقة الممارسين الرياضيين الظاهرة حديثا، وأظهر كيف يمكن استغلاله بسهولة للاستخدام العام في مختلف الفنون والحرف. وهكذا فإن بعض الممارسات مثل المسح والملاحة والهيدروجرافيا، خضعت لتدقيق “دي” عندما عرض هذه الممارسات لما يفضل أن نسميه الأسلوب الرياضي.

جون دي (1527-1608)

وشملت اهتمامات دي الجغرافية هذه الأشياء، إلى جانب المستوى الذي وصلته رحلات الاستكشاف. إذ إن “المجلد العظيم للكشوف التي قام بها المشاهير والأغنياء” الذي كتبه في 1577 مثلا، كان مخصصا بالتحديد لإظهار كيف أن الإنجليز كانوا يستطيعون تولي مهمة استكشاف ثروات الشرق، ولذلك فإنه ليس مدهشا أنه شمل أيضا الأدلة التي جمعها حتى ذلك الوقت عن الممر الشمالي الشرقي المحتمل إلى كيتاي  Cathay (الصين). ولكن بينما يمثل هذا العمل وغيره من الأعمال شاهدًا على اهتمام دي واسع المدى بالمشروع الجغرافي، إلا أن سياق نشاطه الرياضي هو الذي دفع مفهومه لطبيعة الجغرافيا بوضح تام إلى المقدمة. ففي مقدمة كتاب مبادئ الهندسة الإقليدية، أرسى دي محتوى مفهوم الجغرافيا في فكرة الموقع؛ فقد كانت الجغرافيا العلم الذي يتناول “موقع” المدن والبلدات والقرى والقلاع والحصون والجبال والغابات والأنهار، الخ، على وجه الأرض. ومن المفهوم أن الخريطة كانت حجر الزاوية في هذا المشروع، لأن وصف وتحديد هذه المواقع كان مصحوبا حتما بتصوير كارتوجرافي. وكان هناك علم وثيق الصلة، الكوروجرافيا، الذي يتمثل هدفه في تقديم وصف لأجزاء صغيرة من سطح الأرض بدون الرجوع إلى الكرة الأرضية ككل. وهنا أيضا لعبت الكارتوجرافيا دورا رائدا في هذا العلم الإقليمي أساسا، وكانت الخرائط التي كان ينتجها كريستوفر ساكستون في ذلك الوقت توضح بدقة ما كانت الكوروجرافيا تتطلع إليه. وكان هذا الوصف المحلي المفصل تسيطر عليه الرغبة في إطلاق الأسماء والتصنيف، وربما كان ينبع من الاعتقاد بأن ذلك يمكن أن يؤسس النظام الطبيعي. حيث كتب ليسلي كورماك Lesley Cormack “كما أنه يمكن اكتشاف الوجود والغرض الإلهي من خلال دراسة القانون الطبيعي في المجال السياسي، فكذلك أيضا يستطيع التصنيف الدقيق للريف، أي تحديد النظام الطبيعي القائم على الأسماء والقياس، الكشف عن اليد الإلهية في الشئون المحلية الإنجليزية”.

وفي ظني أن كننجهام ودي يوضحان بصورة كافية أن ممارسة الجغرافيا في أواخر القرن السادس عشر كانت واقعة في أحابيل شبكة السحر مثل العلوم الأخرى. وتؤكد كتابات توماس بلوندفي Thomas Blundeville الكونية في أواخر القرن السادس عشر هذا الادعاء. إذ كان بلوندفي كاتبا واسع المجال ألف أعمالا عديدة في الفروسية والملاحة والفلسفة الأخلاقية والمنطق والكارتوجرافيا والكوزموجرافيا. ومع ذلك، يكفي في السياق الحالي أن نشير إلى أن بلوندفي اعتبر “الفلك والتنجيم والجغرافيا والكوروجرافيا” بمثابة “أنواع خاصة من المعرفة” يشملها علم الكوزموجرافيا. وهكذا كان يرى أن الجغرافيا (معرفة العالم كله) والكوروجرافيا (معرفة الأقاليم) كانا مرتبطين عضويا بالتنجيم، “العلم الذي يدرس حركات وجوانب وتأثيرات النجوم للتنبؤ والتكهن بالأشياء التي ستحدث”. وتأكيدا لذلك، ركز بلوندفي جهوده على موضوعات يمكن تلخيصها برياضيات الكرة الأرضية ـ دوائر العرض، خطوط الطول، الأقاليم، المتوازيات، المسافات بين الأماكن، الخ. ولكن جغرافيته كانت تشمل أيضا مكونا تجريبيا دقيقا. فعندما كان يوضح الأقاليم المناخية المختلفة في العالم، أرجع خطأ القدماء بافتراض أن ثلاثة من الأقاليم الخمسة لم تكن صالحة للسكنى إلى “نقص خبراتهم، لأنهم لم يسافروا قط إلى هذه الأقاليم”. وأظهر الميل الواضح إلى إطلاق الأسماء: حيث أعطى كلا من الملامح الطبوغرافية، سكان أقاليم معينة، الرياح، والمناخ، مصطلحات محددة مستمدة عادة من دائرة البروج. وهكذا يمكن أن نفهم أنه في رسالته بعنوان “وصف واضح لمجسمي الكرة الأرضية عند مركيتور” التي أعدها لتعليم قرائه كيفية استخدام مجسم الأرض، قد توقف ليشرح طبيعة واستخدامات خريطة البروج، وأصر على أنه “ليس هناك شىء يتغير في الأجرام السفلية، ولكن البعض منها يسبب الظهور هناك عن طريق خريطة البروج في السماء، ولذلك قسم المنجمون السماء كلها إلى اثني عشر برجا، وهي الأبراج التي “تظهر الأسرار الفعلية للطبيعة”. وصاحب خطابه تصوير بياني لمعاني الأبراج بالنسبة للتنجيم.

وليس مدهشا أن مبادئ التنجيم شقت طريقها إلى التاريخ غير المكتمل للموضوعات القريبة من الجغرافيا. إذ إن البداية المبكرة للتنبؤ بالطقس، والمهمة لكل من الملاحة والزراعة، تظهر هذا الارتباط. ومثل الشخصيات الأخرى التي ذكرناها سلفا، كان ليونارد ديجيس (حوالي 1520ـ1559) ممارسا رياضيا متخصصا في المساحة والملاحة والمدفعية. وكذلك، كان “غيورا على الدين الحقيقي”، كما كان ابنه توماس تلميذ دي ودارس الهندسة والفلك، الذي ربط نفسه في أوائل القرن السابع عشر بقضية البيوريتان. وقد فصلنا دورهم في نشأة العلم الإنجليزي المبكر في مكان آخر، وهو ما لا نحتاج إلى ذكره هنا. ولكنني أريد أن أركز باختصار على المجلد الذي نشره ليونارد ديجيس ، والذي شرحه لاحقا ابنه توماس، بعنوان “التكهن المستمر للأبد A Prognostication Everlastinge”. فقد كانت في حقيقتها رسالة في المناخ، كما يتضح من عنوانها الكامل: “التكهن المستمر للأبد بالآثار الجيدة الحقيقية، والذي يتزايد بصورة مثمرة بسبب العوامل، والذي يحتوي على قواعد مختارة سارة مختصرة بسيطة للحكم على الطقس من خلال الشمس والقمر والنجوم والمذنبات وأقواس قزح والرعد والسحب، مع رموز أخرى غير عادية، وعدم إغفال جوانب الكواكب، مع أحكام مختصرة لكل من الوفرة، النقص، المرض، الموت، الحروب … A Prognostication Everlastinge of righte good effecte, fruitfully augmented by the auctour, containing plaine, brief, pleasante, chosen rules to judge the weather by the Sunne, Moone, Starres, Comets, Rainbow, Thunder, Cloudes, with other Extraordinary Tokens, not omitting the Aspects of Planets, with a briefe judgement for ever of Plenty, Lacke, Sickness, Death, Warres.” ومن الواضح أن نية المؤلف كانت تتمثل في تكوين منظور تنجيمي علمي يؤثر على التنبؤ بالطقس. ولذلك فإنه من المفهوم أن الرسم الجزئي الكلي التقليدي الذي يربط علامات دائرة البروج بمختلف أجزاء جسم الإنسان كان موضوعا بصورة إستراتيجية على صفحة العنوان، وأن كل أنواع “قواعد” التنبؤ بالطقس، مثل أهمية يوم الأسبوع الذي يبدأ فيه العام الجديد، كانت موضحة. ولكن المهم بصورة خاصة أن ديجيس كان مهتما جدا بحماية انضباط علم التنجيم، أكثر من الدفاع عن صواب علم الفلك. ولا يوجد هذا بصورة أوضح مما هو في طبعة ابنه الجديدة لهذا العمل. فهنا تخلى توماس عن نظام بطليموس القديم الذي اعتمد عليه ليونارد، وتبني نظام مركزية الشمس الجديد، وبالتالي عزز الادعاء بأن صناع التقاويم كانوا من بين الأوائل في انجلترا الذين تحولوا إلى أفكار كوبيرنيكوس. ومع ذلك، فإنه عندما أنتج توماس رسمه للنظام الشمسي المركزي، قدمه على أنه “وصف دقيق للمدارات السماوية، طبقا لأقدم مناهج الفيثاغورثيين”، وزينه بتعليقات لاهوتية. وفي الواقع، يجب أن نتذكر في هذا الصدد أن كوبيرنيكوس ذاته خضع لتأثير الأفلاطونية الجديدة المزدهرة التي نسبت الأهمية الروحية إلى الشمس كرمز سماوي، حسب الفيثاغورثية الجديدة. وبالتالي، استطاع كوبيرنيكوس توضيح لاهوته الشمسي المركزي الخاص به، من خلال حديث سحري صريح عن الشمس المشخصة بأنها “المصباح، العقل، حاكم الكون”. وهكذا فإنه هنا أيضا نجد عند ديجيس تشابك المعرفة العلمية مع المعرفة المعتمدة على مصادر الاعتقاد الأخرى “غير العقلانية”، باستخدام المصطلحات الحديثة.

واجهة التكهن المستر للأبد بالآثار الطيبة الحقيقية

ومن المؤكد أنه كان هناك ممارسون آخرون درسوا جغرافيتهم بدوافع مماثلة. فمثلا، وضح دينيس كوسجروف Denis Cosgrove كل هذا من خلال كتابات كريستوفورو سورتي Christoforo Sorte الفينيسي، وهو جغرافي مؤثر في عصر النهضة الإيطالي. وبعد ذلك كان هناك أمثال ويليام بورني الذين أنتجوا أعمالا عن المساحة بالإضافة إلى التقاويم التنجيمية، من بين موضوعات أخرى عديدة؛ ففي الواقع، قام بالجمع بين هذين الموضوعين في 1567 عندما كتب عملا بعنوان “تقويم وتنجيم لثلاث سنوات، مع قواعد مؤكدة للملاحة An Almanack and Prognostication for iii Yeres, with Serten Rules of Navigation”. وهنا أيضا فإن روبرت ريكوردي Robert Recorde ـ الذي يمكن إرجاع ظهور المدرسة الإنجليزية للممارسين الرياضيين إلى فضله في الالتزام الحماسي بالعلم الدارج، والذي كان متحمسا جدا بسبب دراسته للكوزموجرافيا في كمبردج ـ ظل مقتنعا بأنه “لم تكن هناك أية تغيرات كبيرة في العالم … ولكن الرب ينذر الناس بعلامات السماء من هناك”. ومع ذلك، فإنه بدلا من تصنيف الإسهامات الخاصة لأفراد مثل هؤلاء، فإنني أريد أن أنتقل الآن إلى السياق اللاهوتي الأكثر خصوصية لجغرافية القرن السادس عشر، خاصة كما كانت تمارس في المانيا اللوثرية.

اللاهوت الإصلاحي والإجراء العلمي

لا يمكن فهم تطور الجغرافيا الألمانية خلال فترة الإصلاح بمعزل عن تيارات الفكر اللاهوتي التي اجتاحت أوروبا في القرن السادس عشر. ولا شك أن ذلك كان يرجع أساسا في تلك الأيام إلى أن معظم ممارسي الجغرافيا كانوا لاهوتيين، وكانت مؤسسات التعلم الألمانية تقوم على العقيدة. وبالتالي فإن التغيرات الجوهرية في اهتمام الدراسة الجغرافية كان يرجع أساسا إلى الأسس اللاهوتية المتغيرة. ففي ألمانيا قبل فترة الإصلاح، كان المحتوى المعرفي للجغرافيا ـ الذي يمكن الحكم عليه بمعيار “المنظور الطبيعي”ـ عبارة عن مركب كاثوليكي تقليدي من الكوزموجرافيا الإنجيلية وأفكار أرسطو. وكان اهتمامها ينصب على تفسير الخلق، ولكنها أصبحت أكبر قليلا من مجرد جغرافيا تقليدية مصبوبة في قالب إنجيلي. ومع ذلك، فإنه مع ظهور الإصلاح، انتقل الاهتمام اللاهوتي من الخلق إلى العناية الإلهية ـ وهذه مراجعة منهجية سببت الابتعاد عن ربوبية العصور الوسطى والاتجاه نحو الفعل الإلهي الملازم في العالم. وكانت المضامين الجغرافية لذلك جوهرية. فمثلا، ابتعد فيليب ميلانشتون Philipp Melanchthon (1498-1560) عن مفاهيم أسلافه متجها إلى منحى جديد بالإصرار على أن المعرفة الجغرافية لا يجب أن تستمد من صفحات الكتاب المقدس، بل من التجربة في العالم. وتأكيدًا لذلك، لم يكن هذا النوع من الجغرافيا مصمما لقيادة الرجال والنساء إلى الرب، ولكن الطريق أصبح مفتوحا الآن من خلال الوعي بحكمه الحكيم للعالم. فكل شىء في “المسرح الكبير” للعالم كان دليلا على الهندسة الإلهية التي كانت تهتم دائما بالحفاظ على الخلق وحمايته. وبالتالي، وسع الميلانشتون مجال الجغرافيا لتشمل دراسة الثقافة الإنسانية بتتبع انتشار المسيحية وتأثيرها على الحضارة عبر الزمان والمكان.

فإذا كان أحد مضامين الإصلاح يتمثل في تحرير الجغرافيا من الإنجيلية الضيقة، فقد قام الجغرافيون الإصلاحيون المتأخرون بمواصلة المزيد من “علمانية” الموضوع. ويجب أن يكون مفهوما أن هؤلاء الجغرافيين لم يكونوا يهاجمون العقيدة الإنجيلية للديانة المسيحية؛ بل كانوا مقتنعين بأنه إذا كان الرب تجلى بذاته في الطبيعة بدرجة لا تقل عما هو في الكتاب المقدس، فإن العالم الطبيعي يمكن دراسته بصورة مستقلة عن التجلي الخاص. وقد كان الباعث الفكري الرئيس لهذا المسار في التطور يكمن لدى اللاهوتي الإصلاحي وعالم الفلك والرياضي بارثولوموس كيكرمان Bartholomäus Keckermann (1572-1609). وكان الشىء الجوهري في كتابه النظم الجغرافية Systema Geographicum الذي نشر بعد وفاته في 1611 يتمثل في التمييز الذي أظهره بين “الجغرافيا العامة geographica generalis” و”الجغرافيا الخاصة geographica specialis”. حيث تتناول الجغرافيا العامة ـ التي تمثل الجزء الأكبر من العمل (163 صفحة) قياس تقسيمات الأرض على المستوى العالمي. إذ شمل هذا المشروع الأبعاد الطبيعية والمناخية والفلكية للأرض، وشمل أيضا ملاحظات عن التمثيلات الرياضية للأرض في الخرائط والمجسمات الأرضية. ولا شك أن هذا التحيز يعكس ميوله الفلكية، ولكنه استكمل معالجته بملحق به 31 صفحة عن الجغرافيا الخاصة ـ أي دراسة الجغرافيا الطبيعية والبشرية لإقليم معين. ومهما كانت الأهمية النسبية التي منحها كيكرمان لكل من هذين المكونين، مع السماح باعترافه الخاص بأن هذا التمييز ناتج عن فصل بطليموس الجغرافيا عن الكوروجرافيا، إلا أنه أدخل مصطلحا جغرافيا جديدا سيصبح بمثابة الحكمة التقليدية لشخصيات هامة مثل فارنيوس Varenius وكاربنتر Carpenter.

ومع ذلك، لم تكن إنجازات كيكرمان البحثية قاصرة على إنجازاته الجغرافية. فقد درس الفلسفة واللاهوت في فيتينبيرج، وانتقل إلى هايديلبيرج حيث كتب في المنطق والعقيدة ـ وهي الأعمال التي استكملها بإسهاماته في الفلك والرياضيات. وفي الواقع، كان خلال حياته القصيرة رائدا في الكنيسة الإصلاحية الألمانية، حيث تكمن الجذور الفلسفية لجغرافيته في هذه القناعات اللاهوتية. فمن خلال التمييز بين العام والخاص، الذي تكرر في سياقه الجغرافي، وجد كيكرمان مفهوما له قيمته اللاهوتية أيضا. فبالنسبة له، كان يجب أن يكون هناك تمييز جوهري بين الأعمال العامة والخاصة للعناية الإلهية. إذ إن الأعمال الخاصة كانت تتعلق بطبيعتها بعقيدة الخلاص فقط، وكانت تمثل الطبيعة الخاصة للاهوت. وعلى العكس، كانت الأعمال العامة تتعلق بحكم الرب للعالم، والتي لا يمكن توضيحها إلا بالبحث التجريبي. وهكذا كان في صميم منطق كيكرمان الديني الإصلاحي أن الجغرافيا يجب أن تتحرر من اللاهوت. وكما يلخص بوتنر Büttner عقيدة كيكرمان: “إذا كان تدخل الرب في الطبيعة ليس، أو لم يعد، مهمًا لاهوتيًا، فإن الجغرافيا تستطيع ـ على الأقل فيما يتعلق بفرع الجغرافيا الطبيعية ـ أن تحرر نفسها من اللاهوت. فنظرا لكونها خادمة للاهوت فإنها لم تعد بحاجة إلى تأكيد العناية الإلهية، ولكنها يمكن أن تشيد نظامها على أساس معايير مستقلة عن اللاهوت، وتستطيع أن تحدد لنفسها أهداف مجالاتها البحثية الخاصة بها”.

وفي إطار الجغرافيا الألمانية، كان بيرنهارد فارينيوس Bernhard Varenius (1622-50) الوريث الشرعي لمشروع كيكرمان. ففي الواقع، نجد أنه من خلال كتابه “الجغرافيا العامة” الذي نشر في 1650، وجد المصطلح الذي نشره كيكرمان أساسا طريقه إلى مفردات الجغرافيا. فقد كانت دراسته في الرياضيات والطب، ولكنه عندما انتقل إلى أمستردام دفعته الاكتشافات الحديثة للبحارة الهولنديين بصورة متزايدة في اتجاه الجغرافيا. وكانت مواهبه الجغرافية أكثر وضوحا في كتابه الذي نشر في 1650، وهو العمل الذي وضع إطارا للجغرافيا استمر لأكثر من قرن. فقد كان هذا العمل “الجغرافيا العامة” رياضيا وفلكيا في دوافعه، ولكن الجغرافيا الخاصة التي اعتبرها مكملا لها كانت تعتمد أساسا على الاستكشافات التجريبية. وفي الواقع، كان التزامه بالجغرافيا الخاصة واضحا في كتابته الإقليمية عن اليابان وسيام Siam (تايلاند الآن)، والتي نشرت في 1649. ولذلك، تعززت مكانة الجغرافيا كعلم تجريبي دقيق على يديه، لأنه كما قال بنفسه، “إن الجزء الأعظم من الجغرافيا … يتأسس فقط على تجارب وملاحظات من وصفوا البلدان العديدة”. ولا بد أن كيكرمان كان سيوافق على هذا بسعادة. ولكن الأكثر من هذا أن الجغرافيا احتلت مكانها في العلم في القرن السابع عشر بفضل فارنيوس. وقد حدث ذلك تحديدا لأنه ترك فلك بطليموس وتبنى فلك كوبرنيكوس، وترك طبيعة أرسطو وتبنى طبيعة ديكارت، مما جعل نيوتن يستغل أعمال فارنيوس في تدريسه للجغرافيا في كمبريدج، وأصدر طبعتين لاتينيتين جديدتين منه في 1672 و1681.

البرنامج الاجتماعي البيوريتاني

لا يمكن قصر الاهتمام البيوريتاني بعلم الجغرافيا على مجرد تشجيع المبدأ الفلسفي للتجريب. بل على العكس، احتل مضمون مفهوم الجغرافيا دورا إستراتيجيا في المجتمع البيوريتاني الإنجليزي. ولنأخذ مثلا حالة صمويل هارتلب. إذ إن هارتلب جاء من بلدة إيلبنج Elbing للدراسة في كمبريدج في 1625-1626، وبعد أن قرر الاستقرار في انجلترا، أصبح بسرعة نشطا رائدا في الحركة البيوريتانية. وكان طوال حياته يشارك بنفسه بعمق في تعليم العلوم والإصلاح الاجتماعي وتكوين ونشر شبكة من الزملاء الذين لعبوا دورا كبيرا في تطور الجمعية الملكية. ومن المؤكد أن اكتشافات هارتلب العلمية كانت بسيطة، ولكن رؤيته لدور العلم في الإصلاح الاجتماعي البيوريتاني تعتبر مهمة في السياق الحالي. وذلك لأن هارتلب كان ملتزما جدا بتأسيس “مكتب الإرشاد العام Office of Public Address”، وهو مشروع مصمم لتقريب الفقراء من فاعلي الخير المحتملين. وكان جزءا لا يتجزأ من هذا المشروع يتمثل في دعوة هارتلب إلى إعداد مجموعة من السجلات التي تزود العامة بالمعلومات الاقتصادية والجغرافية الأساسية. وبالتالي، طالب بأن تزود المعلومات المتعلقة بوضع “أية ولاية، مقاطعة، إقليم، مدينة، قرية، قلعة، ميناء”، بتفاصيل جغرافيتها الاقتصادية، وبالتالي إدخال أساليب بيكون في التاريخ الطبيعي إلى مجال المسح الإقليمي. وقد ساهم كل هذا فيما سماه هو نفسه التحليل السياسي ـ وهو قدر من المعرفة الاجتماعية التي تضع البيانات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية المنظمة على أساس إقليمي تحت عنوان التاريخ الطبيعي.

وبالطبع لم تكن المنافع الاجتماعية للجغرافيا الاقتصادية قاصرة على الأغراض الخيرية. فقد لعبت الجغرافيا دورا جوهريا في الرؤية البيوريتانية للعلم، كوسيلة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي القومي. فقد نادى جون وبستر في 1654 بتعديل مناهج التعليم العالي “لتجهيز النخبة لدور نشط اقتصاديا”، وأصدر السير جون بيتوس Sir John Pettus في 1674 “دعوات نبيلة لدراسة الجغرافيا، الهيدروجرافيا، والعلوم الأخرى”، لأنها ستوفر معرفة “أغنى المعادن والنباتات والأحجار الثمينة”، وبالتالي ستحسن النشاط التجاري. وكانت هذه الاهتمامات جزءا من جدول الأعمال البيوريتاني، كما تكشف “خريطة التجارة Map of Commerce” التي أعدها لويس روبرتس في 1638؛ لأنها كانت دليلا للموارد الاقتصادية لكل قارة. وفي الداخل، أخذ هذا الدافع شكل التاريخ الطبيعي المتحيز إقليميا، على أساس المقاطعة غالبا. إذ كان تقليد إعداد خرائط المقاطعات مستقرا منذ زمن طويل آنذاك. إذ إن خرائط مقاطعات إنجلترا وويلز التي أعدها كريستوفر ساكستون، والتي ترجع إلى 1574، كانت متاحة على نطاق واسع، وكانت تستخدم لأغراض كثيرة بداية من السيطرة الإدارية حتى تزيين أوراق اللعب! وكذلك أنتج معاصره جون نوردن في 1607 مسحا طبوغرافيا لكل مقاطعة مصحوبا بخرائط. وبالطبع أصبحت خرائط جون سبيد البطولية في 10-1611 أشهر هذه الخرائط على الإطلاق، حيث “كانت مصممة للترويج لمعتقد فكري عن مقاطعته، وعن مسار تاريخها، وعن نظامها السياسي ومصيرها”. وفي 1652، اعتنق جيرارد بوتى Gerard Boate مبدأ المسح الاقتصادي في وصفه الإقليمي للتاريخ الطبيعي الأيرلندي، والذي تخلى فيه عن وجهة النظر الأثرية في الكتابات الكوروجرافية القديمة مثل كتابات كامدن Camden. حيث كان توجهه الاقتصادي القوي يعكس هدفه: تزويد المستوطنين بالمعلومات الإقليمية الأساسية. وقد شمل هذا تقارير عن المواني والنقل النهري، ومصايد الأسماك، وأساليب تسميد الأرض المحلية، وأساليب تصريف المستنقعات، بالإضافة إلى كم كبير من المعادن والرخام والأراضي العشبية والأشياء الأخرى التي تستخرج من الأرض”. وبناء على مبادئ بيكون، كان تجميع بوتى للموارد يمثل تطورا كبيرا في الجغرافيا الاقتصادية العلمية. وكان هذا يتناسب تماما مع المعالجة الرياضية للجغرافيا في القرن السابع عشر، والتي كانت رائجة بين ممارسي الرياضيات البحرية.

وإذا بحثنا عن شخصية واحدة تمثل هذه الاهتمامات المتنوعة، فإن الحالة المؤثرة سوف تنطبق على ويليام بيتي (1623-87) “فهو عالم مبدع بارز في عصر عبقرية متعددة الجوانب”. فقد كانت أعمال بيتي تغطي مجالات عديدة تتراوح من التشريح إلى تصميم السفن و”الحساب السياسي”. وكان تدريبه المهني في الطب، حيث أصبح سريعا جزءا من دائرة أكسفورد المكرسة للفلسفة التجريبية، والتي ظهرت منها الجمعية الملكية. وكان التأثير الشخصي لهارتلب وأتباعه عظيما. بل إنه كان يقال إن “الشكل غير الفتان للنشاط العلمي الذي قام به فريق هارتلب من الأتباع المنسيين”، الذي شمل أسلوب الاستبيان لجمع المعلومات، أثار الحماس العلمي عند بيتي منذ بداية مساره. ومهما كانت المصادر الدقيقة لهذا الإلهام، فإن بيتي وجد الكثير من الفرص لنشر منهجية هارتلب في مسوحه المختلفة للأرض في أيرلندا. حيث تزايدت الحاجة إلى هذه المسوح نتيجة وضعه كطبيب عام في أيرلندا، والحاجة إلى أن يدفع لقواته من الأراضي الأيرلندية. وكان أول وأشهر عمل لبيتي يتمثل في مسح داون Down Survey، وهو المشروع الذي أكمله بإعداد خرائط كاملة لأيرلندا طبعت حوالي 1685، والذي كان يتصور أنه يصحح أخطاء سبيد. إذ إن براعته الرياضية جعلته في موقف صلب، وأدت هذه العملية إلى إنتاج أول تقدير دقيق لشكل وحجم أيرلندا. فقد كانت ميوله كمية، لأنه كان مهتما بإحصائيات الحبال والقنب والكتان؛ ولكن كانت له أغراض إدارية أيضا، لأنه كان يهدف إلى تحديد “كمية، وشكل، ووضع كل البارونيات والأبرشيات والمدن والأراضي الزراعية، مع مقدار كل منها”.

السير ويليام بيتي Sir William Petty

ومع ذلك، لم يستنفد المشروع الكارتوجرافي الذي بدأ في مسح داون إسهام بيتي في علم الجغرافيا. وفي الواقع، كان هناك شىء جوهري في هذا المشروع يتمثل في الصياغة الكمية للظواهر الاجتماعية التي سماها بيتي “التركيب السياسي لأيرلندا ـ وهي أساسا رسالة في السياسة الاقتصادية والجغرافيا الاقتصادية. وبالتالي، فإنه وسع نطاق اهتمامه بالحساب السياسي الذي نشره في 1690، والذي ساعد فيه على وضع أسس علم الديموجرافيا. حيث تناولت أولى رسائل الحساب السياسي “السكان، الإسكان، المستشفيات، الخ، في لندن وباريس” واحتوت ثروة من المعلومات الديموجرافية المعروضة كميا، ولكنه بينما وسع الحدود الجغرافية لاهتماماته، نجد أنه أظهر التطبيقات الأوسع للأسلوب الحسابي. فقبل ذلك، في 1662، جعل جون جراونت ما سماه “رياضيات … حساب المتجر” تؤثر على قضايا السكان، واستخدم نتائجه، بناء على مقارنة قوائم وفيات لندن بالبيئة الحضرية في هامبشاير، لتأكيد دعاوى اللاهوت الطبيعي. حيث اكتشف من إحصاءاته أنه يمكن استنتاج التفوق الأخلاقي لمبدأ الزوجة الواحدة في المسيحية، ودقة التسلسل الزمني الإنجيلي لما بعد الطوفان.(47) وبالنسبة إلى بيتي وجراونت، كانت هذه التمارين الإحصائية في الجغرافيا الاقتصادية تتفق تماما مع رؤيتهم للتحول الاجتماعي على أسس البيوريتان والبرلمانيين ـ وهو الاعتقاد الذي عبر عن نفسه في الإيمان بأن التعليم العام كان الأولوية الأولى في البرنامج الاجتماعي للدولة المتحولة، وفي دعوتهم للتخطيط الرشيد كسياسة عملية.

الأماكن البعيدة والشعوب البعيدة

إذا كان تطور الجغرافيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر يدين بشىء ما لأصداء مفاهيم ممارسة السحر واللاهوت الإصلاحي على السواء، وللسياسات الاجتماعية للبوريتانيين الثوريين، فإن جذوره لا تزال كامنة في السفر للخارج. ففي الواقع، كان ذلك يرجع إلى الأهمية الكبيرة للاستكشاف في الخارج والفنون المتعلقة بالملاحة وإعداد الخرائط، لدرجة أن رتشارد ويليس في 1577 استطاع أن يؤكد ـ كما يقول كريستوفر هيل ـ أن “الجغرافيا لقيت استحسانا عاما فاق ما حظيت بعه قواعد اللغة والشعر والمنطق والتنجيم والفلسفة اليونانية “. وقد أظهر هذا التيار من الجهد الجغرافي نفسه بطرق مختلفة عديدة على المستويين الفني والشعبي للكتابة.

وكانت كتابات إدوارد رايت Edward Wright (1558-1615) من أشهر الكتابات السابقة. إذ إن كتابه “اكتشاف أخطاء محددة في الملاحة” في 1598 أحدث ثورة في علم الملاحة؛ ولكنه كان في ذلك الوقت قد حقق من قبل إسهاما عظيما في كل من الملاحة والكارتوجرافيا من خلال تقديم أسلوب نظري متكامل لإعداد الخرائط على مسقط مركيتور. والمهم أنه من خلال كتابات صديقه الشخصي توماس بلندرفي Thomas Blunderville أصبحت إسهاماته علنية للمرة الأولى، ويمكن قياس تأثيرها من خلال حقيقة أن يودوكس هونديوس Jodocus Hondius استخدم جداول رايت في عمله الكارتوجرافي في أواخر القرن السادس عشر. واستمرت العلاقات الوثيقة بين الجغرافيا والكارتوجرافيا والملاحة تميز تاريخ الجغرافيا طوال فترة الثورة العلمية، لأن كتابا كثيرين أنتجوا أعمالا ذات أهمية ملاحية عملية. وقد ظهر التسلسل التاريخي لهذا التقليد التقني في أماكن أخرى، أما في السياق الحالي فيمكن أن تقتصر الأهمية على مجرد تسجيل استمرار حيويتها.

وكذلك أدى الاهتمام بالأماكن البعيدة إلى ظهور كم كبير آخر من الكتابات الجغرافية ـ أي الملخصات الطبوغرافية. وهناك عملان شهيران من أوائل القرن السابع عشر يوضحان ذلك. حيث قام جورج أبوت George Abbot (1562-1633) وهو أسقف إنجيلي “ترعرع بحق على المناهج البيوريتانية” ثم أصبح مطران كانتربوري بكتابه “وصف مختصر للعالم كله” في 1599. وفي الحقيقة، كان هذا العمل بمثابة قائمة عالمية تزود قراءها بمعلومات مختصرة عن بلاد العالم الرئيسة، وهو نوع من الأدلة العامة التي استبعدتها إيفا تيلور باعتبارها “مجموعة صغيرة جافة”. ومهما كانت هذه المجموعة جافة، إلا أنها أدت وظيفة مفيدة، وهو ما يتضح من استمرار شهرتها؛ حيث ظهرت طبعة ثالثة وموسعة في 1608، وظهرت طبعات أخرى حتى 1664.(54) فقد كان هدفها يتمثل في جعل العامة مطلعين على آخر المعلومات الجغرافية، مثلما كان هدف كتاب “العالم الصغير Microcosmus” الذي نشره بيتر هيلين Peter Heylyn لأول مرة في 1621. ومن المؤكد أن هيلين، وهو رجل كنيسة رفيع المقام ومن أنصار البيوريتانية، كانت لديه رؤية جغرافية أوسع من أبوت، لأنه وضع عنوانا فرعيا لكتابه نصه “رسالة تاريخية جغرافية سياسية لاهوتية”، وبالتالي وثق العلاقات بين الجغرافيا والتاريخ الثقافي. وكذلك فإن ظهور طبعات جديدة عديدة يشهد على رغبة القراء في الإطلاع المستمر على أحدث المعلومات عن موارد وتجارة الأقاليم المختلفة في العالم.

وبالإضافة إلى هذه المجموعات المختصرة، كان هناك أدب الرحلات الأكثر جدية في مضمونه. إذ إن الكتابات التي في ذهني هنا ستظل دائما مرتبطة بأسماء “رتشارد هكليت Richard Hakluyt”و”والتر رالغ Walter Ralegh” وأتباعهما. فمن الواضح أن الإنجازات واسعة المدى لهذين الرجلين لا يمكن عرضها بالتفصيل هنا، ولكن من الضروري أن نسجل أهمية إسهاماتهما. إذ إن رتشارد هكليت الأصغر (1552-1616) كان المشجع والمؤرخ الكبير للتوسع الإنجليزي في الخارج. فمن خلال مجموعات رحلاته المذهلة، حفز أجيالا مقبلة من البحارة الإنجليز على رسم الكرة الأرضية والمشروعات الاستعمارية للمخاطرة برأس المال من أجل العقيدة والبلاد. ولم يكن هكليت نفسه كثير السفر، ولكنه أدى إلى دعم علاقات الجغرافيا بالبطولة والتوسع. حيث ساعدت مشروعات النشر التي قام بها على أن ترسخ في أذهان المؤثرين الإيمان بأن مسار مجد إنجلترا يكمن في التوسع في الخارج. ففي كتاب “الرحلات المختلفة المؤثرة على اكتشاف أمريكا” حاول أن يرسخ حقوق إنجلترا الإقليمية من خلال دعاوى أسبقية الاكتشاف؛ أما في كتابه “خطاب الزراعة الغربي” الذي كتبه في 1584، فقد اعتبر الاستعمار وسيلة حيوية إستراتيجيا لجعل إنجلترا مكتفية ذاتيا، وقام في طبعتين مختلفتين من كتاب “الملاحة الأساسية (1589 and 1598-1600) بسرد تاريخ المغامرات الملاحية لإنجلترا، وكشف عن رؤيته للمصير البحري لإنجلترا. وهكذا كان عمله مفعما بفرضيات عن تفوق القيم الإنجليزية، والديانة البروتستانتية، وفضائل العالم القديم.

وهناك كتابات رحلات لآخرين كثيرين تستحق المناقشة أيضا. إذ إن كتاب توماس هاريوت Thomas Hariot “تقرير مختصر وواقعي عن الأرض المكتشفة حديثا في فيرجينيا” (1588) كان حالة مبكرة من المسح الإحصائي الذي أجري على نطاق واسع على سبيل المثال. وقدمت رواية روبرت هاركورت Robert Harcourt (1613) لرحلته إلى جويانا وصفا جغرافيا تفصيليا للمنطقة. وساعد تقرير السير رتشارد هاوكنز Richard Hawkins (1593) عن رحلته إلى البحار الجنوبية، ووصفه لهنود فلوريدا والكاريبي وأجزاء من أمريكا الجنوبية، على الحفاظ على الجانب الإثنوجرافي في أدب الرحلات في المقدمة. وكذلك فإن صمويل بوركاس Samuel Purchas مؤلف كتاب “رحلة حج بوركاس”(1613)، والوصي الأدبي على هكليت، تفوق حتى على معلمه في قدرته على تحويل المصادر التي يبدو أنها لانهائية إلى مسح متماسك لشعوب وأديان العالم.(59) إلا أن تجاوز هذه الإنجازات بسبب الحاجة إلى المكان لا يعني إنكار أهميتها. ولكن حتى هذه النبذات المختصرة تساعد على تذكيرنا بالروابط العميقة القديمة بين الجغرافيا والإثنوجرافيا، وهو التزاوج الذي يدين نجاحه بالكثير إلى التنظير الاجتماعي السابق عند “جون بودان Jean Bodin (1530-96)”.

ويقول كلارنس جلاكن Clarence Glacken: “إن جون بودان يعتبر أهم مفكر في عصر النهضة في الموضوع العام المتعلق بالعلاقة بين التاريخ والحياة المعاصرة والبيئة الجغرافية”. حيث كان إسهام بودان نتاج عدة تقاليد فكرية متنوعة. فأولا وقبل كل شىء، كان هناك تأثير الفكر الكلاسيكي والوسيط الذي كان بارعا فيه؛ فقد كان بودان على علم تام بطب أبوقراط، وقوانين أفلاطون، وسياسة أرسطو، وجغرافية بطليموس. ولكن هذه المصادر التقليدية كان يكملها اهتمامه الشديد بأدب الرحلات المعاصر الذي فتح آفاقا إثنوجرافية جديدة له. وأخيرا، كان هناك تقليد الأنثروبولوجيا التنجيمية التي ربطت سكان العالم وخصائصهم الثقافية بعلامات معينة في دائرة البروج. فمثلا، كان سكان الربع الشمالي الغربي من العالم، والواقعون تحت حكم برج الحمل، وبرج الأسد، وبرج القوس، وحكم كوكب المشترى، يتمتعون بعقلية مستقلة، ويحبون الحرية، ومولعين بالقتال، ومشاكسين ومجتهدين. ونظرا لأنه جمع هذه المصادر المختلفة، فقد كان بودان ينسب الأنماط العالمية للتنوع الإثنوجرافي إلى تأثير البيئة، وخاصة المناخ. إذ كان يعتقد أن البيئات المختلفة تسبب توليفات مختلفة من الأمزجة، والتي تظهر نفسها بدورها في الخصائص الطبيعية والنفسية المختلفة. ولكن لم تكن رؤيته البيئية حتمية بحتة ـ فقد حظيت المؤثرات الأخرى بأدوارها. ولكن المضامين النسبية كانت صريحة: أي أن الدين والثقافة والمعنويات كانت كلها خاضعة لسيطرة البيئة، وذلك نسبة إلى الظروف الجغرافية المحددة التي تتطور فيها إلى حد ما. ومن المؤكد أن فكر بودان كان تقليديا: إذ إن جغرافيته كانت بطليموسية، وكانت تفسيراته تنجيمية غالبا، وكانت تقييماته الثقافية ذات نزعة عرقية دقيقة. ولكنه في محاولته ربط التاريخ بالجغرافيا، والثقافة بالطبيعة، كان يتوقع ظهور المادية والنسبية المتأخرة للحتميين البيئيين “المتشددين”، بينما حافظ على الثقافة الإنسانية مفتوحة للبحث الجغرافي في نفس الوقت.

فن التمثُـل

لقد ركزتُ في الصفحات القليلة الأخيرة على المنتجات المكتوبة والوصفات الشفهية للتجارب الخارجية وأهميتها في عمليات الإصلاح العلمي. ولكن ربما كان الأهم من ذلك أن الجغرافيين اندفعوا نحو إعداد الخرائط والتصوير، أي التمثيل البصري. فعندما أنتج بلو Blaeu الأطلس الكبير Grand Atlas المكون من اثني عشر مجلدا في 1663، شرح للويس الرابع عشر في مقدمته أن الجغرافيا كانت “عين وضوء التاريخ”. وأكد أن السبب في ذلك يرجع ببساطة إلى أن “الخرائط تمكننا من التأمل في بيوتنا، وتضع أمام أعيننا أشياء بعيدة جدا في الواقع”. وكان أطلسه مجموعة من صور الرحلات والاستكشاف، وهكذا كان مصمما لتضييق المسافة بين القريب والبعيد، وترجمتها غير المنظورة آنذاك إلى صورة مرئية. وبهذه الطريقة، تهدم الخريطة السلطة التقليدية للكلمة في التاريخ والتقارير لصالح ما يسميه ألبرز Alpers ؟الشهادة الجديدة للعين”. وبالتالي، أصبحت الخرائط في لوحات الخرائط محاطة بصورة متزايدة، بل ومغلفة في بعض الحالات، بعروض تصويرية لأنماط أنثروبولوجية، وعلامات فلكية، وأحداث تاريخية، وأنواع نباتية، وتضاريس حضرية، وملامح طبيعية، وخطط مدن، الخ. وكان الأمر يبدو كما لو كانت الطبيعة البيانية للخريطة ذاتها قد انتشرت في بقية المعرفة الإنسانية.

وفيما يتعلق بتراث الفكر الجغرافي، فإنه يمكن تتبع أهمية دافع تكوين الصورة منذ استعادة مفهوم بطليموس عن الجغرافيا كمشروع يهتم أساسا بتصوير (أو تمثيل) العالم، خلال عصر النهضة. وكما يقول ألبرز Alpers حقا، فقد أوضح بطليموس نفسه تمييزه بين الجغرافيا والكوروجرافيا، بالحديث عن الأولى باعتبارها صورة للرأس كله، والحديث عن الثانية باعتبارها صورة للملامح المختلفة مثل العين أو الأذن. وهنا نجد أن العلاقات بين الكارتوجرافيا والفن تؤكد نفسها. لأنه في الحالتين يبدو أن الاهتمام بتصوير الطبيعة يمثل ارتباطا كارتوجرافيا فنيا بالمشروع المعرفي الديكارتي. وكذلك، فإن التوافق بين إعداد الخرائط والتصوير ليس مجرد أمر شكلي. حيث كانت الرحلات تنفذ خصيصا لأغراض إعداد الخرائط والوصف من خلال الفنانين في القرن السادس عشر. وكذلك نجد في الفن الهولندي في القرن السابع عشر أن الخرائط وصور الخرائط كانت تعتبر غالبا بمثابة ملامح بارزة لأعمال فنية، وغالبا ما كانت تعتبر زخارف جدارية في المشاهد المسجلة على المنسوجات. وفي الواقع، كان ظهور مثل هذه الخرائط في الأعمال الفنية يشير لدى البعض إلى أنها أدت دور إثبات مصداقية الفنانين أنفسهم. إذ يقول ستيفين بان Stephen Bann “إن خريطة هولندا التي أعاد إنتاجها “فيرمير Vermeer” عبارة عن شكل بياني دقيق وتجسيد داخلي لدقة فيرمير في التدوين يضارع التفوق في فن الرسم”. وتساهم الطبيعة الوصفية للخريطة ـ حيث توجد كلمة “وصف Descripito” مكتوبة على خريطة فيرمير ـ في إبراز واقعية الرسم. ولا يغيب عن ذهننا أبدا أن الجغرافيا ذاتها كانت عند بطليموس عبارة عن وصف الأرض حرفيا.

وإذا كانت فترة الثورة العلمية برهنت على التحرك نحو التمثيل كإجراء معرفي، فقد كشفت أيضا عن التغير في موقع النفوذ الثقافي. واختصارا، فإن النفوذ يتراجع باستمرار في الهرمية الملكية. ويمكن اعتبار الطبعات المتتالية لخرائط كريستوفر ساكستون شاهدا على ذلك. وكما يقول رتشارد هيلجرسون Richard Helgerson، فإن خرائط ساكستون الأولى التي ظهرت في سبعينيات القرن السادس عشر لم تكن بها أية إشارة إلى ساكستون ذاته، ولكنها كانت تحمل طابع توماس سكفورد Thomas Seckford. حيث اتضح أن سكفورد كان الشخص الذي كلف بإعداد الخرائط، وقد فعل ذلك في الحقيقة بناء على أوامر الملكة وحكومتها. وبالتالي فإنه منذ نشر الخريطة الثانية كانت الشارة الملكية موجودة على هامش الخريطة. ومع ذلك، لم تظهر العلامة المميزة لساكستون نفسه حتى وقت متأخر ـ وهذه هي النقطة الهامة ـ حيث بدأ اسم ساكستون يظهر على الخرائط بحلول منتصف القرن السابع عشر فقط. فقد استعاد ملكية أعماله الخاصة فعلا. وهنا يظهر ما يسميه هيلجرسون “التحول التاريخي للنفوذ الثقافي من رعاية نظام الحكم الملكي ” إلى أيدي الخبير.

 وكما كان نفوذ من يمثل الواقع يحتل أهمية متزايدة في القرن السابع عشر، كذلك كانت أهمية الأشياء الممثلة تتزايد. فبالتوازي مع تاريخ نسبة الأعمال لمؤلفيها، من الملك والراعي إلى المساح، كان هناك تحول في “استخدام” التمثيل. إذ إن الخرائط المبكرة في منتصف القرن السادس عشر مثلا، كانت ملكية في دعاواها بصورة واضحة: حيث كانت الصورة الكارتوجرافية تمثل أراضي الملكة، وكانت سلطتها تتأكد بالوجود الطاغي لرموز حكمها. فالشيء المرسوم على الخرائط يمثل أرضها وشعبها. ومع ذلك، وبحلول القرن السابع عشر، كان هناك “تراجع في المكانة الممنوحة لشعارات السلطة الملكية، وزيادة مقابلة في الاهتمام الموجه للأرض ذاتها”. ولا عجب أن الكوروجرافيا والكارتوجرافيا، حتى عندما كانا يمارسهما ملكيون مثل سبيد، كانت تمثل أنشطة خطرة بالنسبة للموجودين في السلطة. فمن خلال إظهار أهمية الأرض ذاتها، أظهر التمثيل الجغرافي الطبيعة الأيديولوجية التي لا مفر منها لهذا النشاط. وهكذا يظهر الكارتوجرافي كوسيط للتغير الاجتماعي، حيث يتجاهل الولاء للأسرة الحاكمة لصالح الهوية الراسخة في الجغرافيا المحلية والقومية.

وهكذا يتضح الآن أن تطور المعرفة الجغرافية خلال القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر لا يمكن عرضه بمعزل عن السياقات الفكرية والاجتماعية الثرية التي ظهرت فيها هذه الأفكار الجغرافية. ولا شك أن عرضي هذا يعتبر بسيطا وعرضيا. ولكن من خلال التركيز على التفاعل بين الجغرافيا وهذه الحركات المعرفية والاجتماعية الهامةـ مثل السحر واللاهوت الإصلاحي والسياسة الاجتماعية البيوريتانية والتوسع الخارجي وفن رسم الخرائط والنظرية الإثنوجرافية ـ يمكن أن نبدأ في تكوين الإحساس بالطرق التي تشكلت من خلالها مجموعة متنوعة من الجغرافيات. ولذلك فإنني أدعي أن التقليد الجغرافي لم يكن موحدا من ناحية المفاهيم، ولم يكن متماسكا داخليا، وذلك ببساطة لأنه كان يكيف نفسه مع متطلبات ومصالح مجتمعات معينة في أوقات معينة. وهذا هو السبب في أن التقرير الداخلي البحت للنظرية الجغرافية سيقودنا بعيدا عن المصادر الحقيقية للتنوع الفكري للجغرافيا، وبالتالي سيقودنا بعيدا عن إدراك أن تاريخ الجغرافيا هو تاريخ تراث فكري متنازع فيه.