جغرافية ما قبل داروين

جغرافية ما قبل داروين

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الخامس من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

رغم تأكيد “ألكسندر فون همبولت” على فكرة اتساق الطبيعة ودقة تصميمها إلا أنه لم يسمح لتوجهاته المثالية بأن توضع في خدمة الاهتمامات اللاهوتية. فكما كان يكشف تقديره لنظام الكون عن البعد الجمالي كان يكشف أيضًا عن منهج لا أدري. أما “كارل ريتر Carl Ritter” (1779- 1859) فكان على النقيض تمامًا. فكل مكان ينظر إليه يرى فيه دليلاً على التصميم الإلهي. ولذلك لم يكن من الغريب أن يمتدح الوضعيون من مؤرخي الجغرافيا “همبولت” على حساب “ريتر” الذي انتقدوه بسبب توجهاته وفتاواه اللاهوتية.

ورغم ذلك فإن تلك التقييمات التاريخية مضللة إلى حد بعيد؛ فالأنماط الغائية في خطاب الفكر الجغرافي قد استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، وحتى بعد ذلك في بعض الأحيان، بل أيضًا في العصر الذي تحولت فيه الدوافع والممارسات الجغرافية إلى الطابع المؤسسي. وهذان الفرضان المتلازمان – وهما القناعة الغائية والبنية التحتية المؤسساتية – سوف يقدمان الدربين السياقيين المتلازمين، اللذان سارت فيهما الحجج التي سوف نقدمها في الصفحات التالية.

كتب ميل H. R. Mill عن الجغرافيا عام 1929م في الموسوعة البريطانية ملاحظا أن “الغائية أو حجة التصميم قد أصبحت شكلا مفضلا للنقاش بين علماء اللاهوت كما يظهر في اللاهوت الطبيعي عند “بالي Paley”. فقد استخدمت لأجل التأكيد على الملاءمة بين كل سكان الأرض وبيئتهم الطبيعية. فالغائية تؤكد أن الأرض خلقت على هذا النحو لتلائم احتياجات الإنسان في كل جزئية خاصة. وقد تمت الموافقة على هذه الحجة ضمنيًا أو تأييدها بشكل صريح من جانب كل كاتب في النظرية الجغرافية تقريبًا، وقد قدرها “كارل ريتر” بشكل خاص، وتبناها كمبدأ أساسي داخل نسقه الجغرافي‘‘.

ورغم أنه يمكن عرض المعالم المعرفية لوجهة النظر “الريترية” بشكل سريع، إلا أنها تستحق منا إمعان النظر والتدقيق، ولكن بداية لابد أن نقدم كلمة عن “رتير” نفسه.

كان “ريتر” ذا حظ عظيم عندما تم اختياره وهو في الخامسة من عمره فقط ليكون ضمن ما وصف على أنه موضوع اختبار في تجربة عملية في سبيل الهروب من الطريقة التقليدية في التدريس داخل المدارس الألمانية. فقد تبنى “س . ج زالتسمنري C. G. Saltzmanri” فكرة ممارسة المنهج الطبيعي في التدريس التي نادى بها “روسو” و”بستالوتسي Pestalozzi” وأسس مدرسة أطلق عليها “معهد شنيبفينتال Schnepfenthal Institution استبدل فيها مناهج التدريس التقليدية بالخبرة المباشرة بالطبيعة. أو بتعبير آخر، كانت تلك المدرسة هي المؤسسة التعليمية التي أفسحت فيها الكلمة مكانًا للعالم. وقد وقع الاختيار على “ريتر” للالتحاق بتلك المدرسة. وهي التجربة التي أثرت عليه تأثيرًا عميقًا طوال حياته. ومن تلك الخبرة بات يكن احترامًا عميقًا للشىء في ذاته، وللملاحظة المعاشة، وللمناهج التجريبية.

  بعد ذلك درس “ريتر” في جامعتي “هاله” و”جوتنجن”.. وهناك تعززت تلك الاهتمامات التي بدأت معه في صغره من خلال دراسته للتاريخ وللعلم الطبيعي. وفي 1819م تم اختياره كأستاذ للتاريخ في جامعة “فرانكفورت”. وانتقل بعد ذلك بعام إلى برلين ليشغل كرسي الأستاذية في الجغرافيا الحديثة في ألمانيا. وهناك كان يدرس بانتظام في الأكاديمية العسكرية، وهي الوظيفة التي ظل يمارسها لمدة ثلاثة وثلاثين عامًا.

لقد تفجرت ينابيع مجهودات “ريتر” لتكوين جغرافيا علمية تتحرر من عبوديتها. فالجغرافيا ليست مجرد تلخيص أجوف خال من الحياة عن الوقائع والمدن والبلاد. ويكمن ذلك في رؤيته للوحدة في الاختلاف بدلا من النظر إلى الجغرافيا على أنها سرد كامل لشذرات من المعلومات. لقد أراد أن يقدم صورة حية عن الأرض ككل، طبيعتها، ومنتجاتها، وخصائصها الطبيعية والبشرية. أراد أن يقدم ذلك كله ككل واحد تكون فيه معظم الاستدلالات المهمة عن الإنسان والطبيعة واضحة بذاتها، خاصة عند مقارنتها بعضها ببعض.

ثم تحول بعد ذلك إلى موضوع الهوية مركزًا على مفهوم “ترابط واتساق هوية الأشياء Zusammenhang”. وهنا تتضح الجذور الكانطية في فكره. وبشكل أكثر دقة فإن “ريتر” كان مثل “هيردر”؛ حيث أراد أن يحافظ باستمرار على ما اعتبره اتصال جوهري بين الثقافة والطبيعة، أو بين التاريخ والجغرافيا. وليس من الغريب أن ينظر مؤيدو “ريتر” إليه في القرن العشرين على أنه كان المدافع الشرعي عن تصورهم للجغرافيا باعتبارها علمًا عن الأرض له مجاله الواقعي المميز، وأن ما يضفي لمسة فلسفية على أيديولوجيته الجغرافية إنما هو الأساس الغائي الذي ترتكز عليه رؤيته الجغرافية كلها. فدراسة الجغرافيا بالنسبة له لم تكن أكثر من اكتشاف قوانين الخالق في الطبيعة. فالخالق هو مؤلف قصة الإنسانية، ومهندس خطة العالم بأسره، وهو مشيد الأرض منزلاً للبشرية. ووفقًا لأحد الشُرَّاح فإن كتاب “ريتر” (علم الأرض Erdkunde) ’’ربما يكون التجربة العظمى الأخيرة في تراث العناية الإلهية في مجال الجغرافيا‘‘. ولذلك يصر “ريتر” على أن جهده الأساسي ’’لا يتمثل في محض تجميع كم هائل من المادة العلمية أكثر من تلك التي جمعها السابقون، وإنما يتمثل في تلمس القوانين الكلية التي تكمن وراء كل ذلك الاختلاف في الطبيعة‘‘.

     ولا نحتاج هنا لأن نعرض التفاصيل الخاصة بالجزء التاسع عشر غير المكتمل من كتاب (علم الأرض). وهو الكتاب الذي أريد له أن يكون جغرافيا شاملة عن العالم، لكنه لم يتجاوز أفريقيا وآسيا في حقيقة الأمر. ويكفي أن نشير إلى أن “ريتر” أراد أن يصيغ معطياته ومعلوماته التي كدسها في سياق الغائية والوحدة الكونية. ولكن الأمر الهام بالنسبة لنا هو التأكيد على أن تلك الرؤية الغائية كانت منتشرة إلى حد بعيد، بعكس ما يعتقد البعض. فقد انتشر اللاهوت الطبيعي كسياق عام للعلم خلال القرن التاسع عشر. وتم تأييد وجهة نظر “ريتر” في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال كتابات واحد من أهم المتحمسين والمدافعين عنه، وهو “أرنولد جيو Arnold Guyot”. ولذلك سوف أعرج سريعًا على التاريخ المبكر للتراث الجغرافي في أمريكا عسانا نوضح نشاط الجغرافية الغائية في العالم الجديد.

إطلالة على تاريخ الجغرافيا الأمريكية

ربما ستبدو الجغرافيا الأمريكية خلال تلك الملاحظات القليلة القادمة شيئا ما أكثر من مجرد كونها فرعا من فروع التراث الجغرافي الألماني العابر للأطلسي. فقد ظهرت عند “جيو” على أنها وجهة النظر الريترية المغتربة عن وطنها. وهذه الصورة للجغرافيا باعتبارها مشروعًا أوروبيًا قد وجدت مؤيدين لها بين المؤرخين المعاصرين(9). وهناك الكثير الذي يمكن قوله عن الرأي الذي يذهب إلى أن المناهج والوسائل الأساسية في العلم مثل الترتيبات التصنيفية والمناهج المقارنة بهدف معرفة الأشياء كما هي في ذاتها، كانت ملفقة في عصر التنوير الأوروبي. وإذا قلنا أن الجغرافيا الأمريكية كانت محض ظاهرة ثانوية أو ظلا باهتا للجغرافيا الأوروبية فإننا نتجاهل حيوية ونشاط الخطاب الجغرافي الأمريكي.

العصر الجيفرسوني

يمثل العصر الجيفرسوني الممتد من 1780 إلى 1830م نقطة بداية جيدة، ومع ذلك فإن وجهة النظر الأخرى التي ترى أنه نقطة نهاية ليست مستبعدة أيضًا. في تلك الفترة انتشرت حشود الرحالة والمستكشفين. وكان منهم من ينتمي للعالم القديم مثل “كونراد ويزار Conrad Weiser”. ومنهم من ولد في أمريكا نفسها. وقد شقوا طريقهم عبر سلاسل جبال أليجاني Alleghenies (قطاع من جبال الأبلاش) وإلى تخوم الغرب الداخلي. وقدموا معلومات ومعطيات خاما لعلماء طبيعة من أمثال “جون بارترام John Bartram” الذي أصدر صحيفة في 1751م تنشر تقارير عن “السكان والمناخ والتربة والأنهار والمحاصيل والحيوانات وموضوعات أخرى تستحق الملاحظة عبر جبال أليجاني”(10). وكانت تلك الصحيفة تقرأ بنهم في أوروبا. وقد اجتذب غموض أوهايو مجموعة من المستكشفين. فعلى سبيل المثال قام “توماس هتشينس Thomas Hutchins” بمسح ريف أوهايو، فضلاً عن مسحه للمسيسبي وساحل خليج المكسيك، وذلك قبل أن ينضم كجغرافي للجيش الثوري لواشنطون. وتلك المآثر وحدها كافية لتأكيد الزعم بأن الجغرافيا الأمريكية كانت وليدة للجهد الجغرافي في أمريكا أيضًا.

ولابد أن نشير إلى أن أوروبا كانت لا تزال هي التي تقدم السياق العلمي الأساسي. فقد ظهر علم الميكانيكا مع “نيوتن”، وطبق “لابلاس Laplace” مبادئه في علم الفلك، وانطلق “لافوازييه” في كيمياء الأكسجين، وطور “ويرنر” نسق تصنيفات المعادن، وأسس كل من “هاتون” و”بلايفير” الجيولوجيا، وكان “بلومنباخ” و”برتشارد” يعيدان تأسيس الأنثربولوجيا، وأسس “همبولت” القواعد الأساسية للجغرافيا الحيوية، وكان “لامارك” و”كوفييه” يعيدان التدقيق في تصنيف “لينايوس”.

ولتلك التطورات في العلم الأوروبي يدين العلم الأمريكي بالكثير بطبيعة الحال. ورغم ذلك كله فإن الخبرة الأمريكية الجديدة عن القومية قد قدمت بعض نقاط الإنجاز الإضافية التي تم توجيهها من خلال النشاط العلمي. فعقب الثورة الأمريكية مباشرة رأت الأمة الناشئة أن هناك حاجة لبث الروح العلمية سواء لأسباب علمية أو لأسباب شكلية. وأيًا كان الأمر فإن العلم والمعرفة أمران مفيدان للاتحاد الجديد الناشئ. وأيضًا فإن فائدة العلم لابد أن تبرهن للعالم العقلاني أن هناك كمالا ثقافيا ومعرفيا في نظام الحكم الجمهوري. وأنه يمكن للمعرفة العلمية أن تفيد القوة والرخاء والنفوذ للولايات الأمريكية المستقلة. حتى الفلك الذي على ما يبدو مجالا بعيدا عن التحقق التجريبي، كانت له قيمته العملية اعتمادًا على إجاباته عن التساؤلات الجغرافية والملاحية. وكما لاحظت الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم في جزئها الأول من (الذكريات) فإن الأوراق الفلكية كانت ’’من النوع العملي بشكل أساسي، فكانت تضع الملاحظات والنتائج في تقارير علمية باعتبارها مفيدة في مجال الجغرافيا والملاحة‘‘.

وهذا لا يعني بالتأكيد أن الاستقلال السياسي قد انعكس مباشرة على التحرر الثقافي. وتلك النقطة لا يهرب منها الجيفرسيون المناضلون أنفسهم. ففي ذلك الوقت كان لا يزال هناك الكثير من الأطباء الذين يتدربون في لندن وإدنبره حيث كانوا يثقون في تدريبهم هناك. وكان هناك الكثير من الطلاب الأجانب في علوم النبات والجيولوجيا وعلوم أخرى يستغلون المعطيات الخام والمصادر الهائلة التي أتاحتها لهم القارة الجديدة. وفضلاً عن ذلك، فإن السياق الديني نفسه الذي مهد للعلم في أوروبا كان قد تم صقله في أمريكا في عصر جيفرسون. وقد قدم اللاهوت الطبيعي النموذج الذي ازدهرت فيه كثير من العلوم الطبيعية. وكان هناك جدال بالتأكيد حول القوى الخارقة للطبيعة؛ فقد أصر المؤمنون بالوحي على خاصية التدخل الإعجازي، في حين كان الربوبيون على حذر للسماح لأية خروقات لهذا النظام الطبيعي. ووقف جيفرسون نفسه بثبات إلى جانب الربوبيين، لكن هناك آخرين كثر – ومعظمهم من رجال الكنائس- كانت لديهم قناعات أصولية أكبر، ومع ذلك أظهروا أنهم متحمسون للعلم تمامًا مثلهم في ذلك مثل قصة توماس المتشكك Doubting Thomas الذي كان معاصرا للسيد المسيح ولم يصدق انه صُلب قبل أن يتحسس ويلمس آثار جراحه بنفسه. وسوف نلاحظ هذا الأمر بشكل واضح في الجغرافيا الأمريكية. فعلى سبيل المثال، كان المبجل “صامويل ميلر” سعيدا للغاية حين أكد أن الاكتشافات الجغرافية لـ “كوك” و”بيرينج” وغيرهما إنما تؤيد ما جاء به الوحي الإنجيلي، خاصة في الإشارة إلى الأصل المشترك والهجرات التاريخية لأجناس البشر وبعده برر “وليام وودبريدج William Woodbridge” التزامه بنظرية “وحدة الأصل monogenism” وقال إن ’’الكتاب المقدس يخبرنا، والحتمية الجغرافية تدعم ما تخبرنا به العناية الإلهية، فهي تصف الشعوب الاستوائية بأنها شعوب (كسولة) و(نادرة النشاط) وليست بنفس نشاط ورؤية ومهارة العلوم لأولئك الذين يعيشون في مناطق المناخ المعتدل‘‘.

بالإضافة إلى ذلك، حتى لو كان الإطار المعرفي للعلم الجيفرسوني قد اُستُمِد من التراث الأوروبي، فإن محتواه الأساسي كان مشروطًا بحماسة جيفرسون النضالية والنفعية والتجريبية، وإيمانه بالعلاقة بين الخطابات العلمية والسياسية والدينية. ومن الممكن الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك والزعم بأن افتتان جيفرسون الشخصي بالجغرافيا الخام للقارة هو الذي مثل مصدر العلم في العصر الجيفرسوني كله. وليس هناك مكان أوضح يوحي بذلك سوى الكتاب الوحيد الذي كتبه جيفرسون (ملاحظات عن ولاية فرجينيا) الذي نُشر في 1780م. وكان بحق جغرافيا إقليمية عن الولاية التي يعشقها، كما يتضح من العنوان الكامل للكتاب: (ملاحظات عن ولاية فرجينيا، مكتوبة… للرد على بعض التساؤلات… بخصوص حدودها، وأنهارها، وموانيها البحرية، وجبالها، وشلالاتها وكهوفها، ومنتجاتها، ومعادنها، ونباتاتها وحيواناتها، وطقسها، وسكانها، وقوتها العسكرية، وقواتها البحرية، وسكانها الأصليين، وريفها ومدنها، ودستورها، وقوانينها، وكليتها، ومبانيها وطرقها، وصولاً إلى نوابها المحافظين، والدين والأخلاق، والصناعات، والتجارة، والأوزان، والمقاييس والمال، والإيرادات والنفقات العامة، والتواريخ، والذكريات، وأوراق الدولة).

ووفقًا لجون جرين John Greene فإن تلك الصياغة قد حددت المنهج وتنبأت بمحتوى جُل العلم الأمريكي للعقود الثلاثة اللاحقة، وأشارت إلى الأشياء التي سوف تتحقق(17). وقد وضع مؤلفه الذي يحمل عنوان “ملاحظات عن ولاية فرجينيا” في قلب الجلبة النضالية التي خاضها. وقد توقف جيفرسون مرارًا وتكرارًا للهجوم على تأكيدات “بوفون” عن البيئة الأمريكية المنحلة والأشكال الدنيا من الحياة. ولكي يرفض التأملات الزائفة للرجل الفرنسي، فإن جيفرسون – مثل همبولت –  قام بقياس كل شىء صادفه: محيط الشجرة، وزن النبات، طول الحيوانات. وفي كل حالة فإن المنتجات الأمريكية كانت في القوة والقياس جيدة مثل نظيرها في العالم القديم إن لم تكن أفضل. وبالتالي فإن نموذج جيفرسون الجغرافي كان يعزز من اهتماماته الأيديولوجية في الفخر القومي. وقد أشار “جرين” في تأملاته عن الجغرافيا الأمريكية المبكرة إلى ذلك الأمر قائلاً: ’’ما أدى إلى الوصف والقياس والتصوير في عالم الطبيعة هو النضال الوطني والمصالح الاقتصادية والفضول العلمي، والتي وضعت جميعها في خدمة الأمة الجديدة‘‘.

واستلهامًا لعمل جيفرسون تم نشر عدد ضخم من قوائم الجرد عن ولايات أخرى. على سبيل المثال أنتج “صامويل وليامز “Samuel Williams مسحا وطنيا مضادا للبوفونية عن منطقة فيرمونت في 1794م، وفعل “جيرمي بيلكناب Jeremy Belknap” الأمر نفسه عن نيوهامبشير، ونشر كل من “ديفيد رامساي David Ramsay” و”جون دريتون John Drayton” وصف لـ “ساوث كارولينا”، و كتب “جون فيلسون John Filson” عن كنتاكي. وهكذا أصبح من الضروري أن يتم جمع هذا الكم الهائل من المعلومات في عمل واحد كمرجع أساسي، وهي المهمة التي تصدى لها شاب من رجال الكنيسة الجماعاتية، وهو “جيديديا مورس Jedediah Morse”. وعلى الرغم من أنه لم يكن رسامًا للخرائط أو جغرافيًا ميدانيًا، فإنه جمع – إلى حد كبير عن طريق المراسلات وتمشيط الآداب الثانوية – كمية هائلة من المادة العلمية لينتج (الجغرافيا الأمريكية) في 1789م. وهو عمل تأليفي شامل ودقيق. وقد تعامل الكتاب مع الجغرافيا الفلكية، واكتشاف العالم الجديد واستيطانه، والنظريات عن أصل السكان الأصليين، والحيوانات، متبوعًا بمسح عن جغرافيته الطبيعية كتمهيد للحديث عن الوصف السياسي لكل ولاية وإقليم. وقد بدا أن مورس مصمم على أن يشمل كل شذرة من المعلومات الجغرافية، ولذلك انتشر الكتاب بشكل هائل مثل كتاب (كوخ العم توم). ولم يكن من العجيب أن صديقه وأمين سره “عزرا” قد كتب إليه محذرًا بأن النصوص الجغرافية الكبيرة الأخرى قد أصبحت (في طي النسيان)، أو في إضافة أخرى (على شفا الموت… مثل الإمبراطورية الرومانية إلى الخراب والهلاك‘‘.

وكانت تلك المهمة ناجحة بشكل كبير. وظهر الكتاب في طبعة تلو أخرى. وبالفعل، وجد “مورس” الوقت لإنتاج (الجغرافيا الأمريكية العالمية) في جزأين. وألف (الجغرافيا بشكل سهل) وهو نص مصمم خصيصًا لطلاب المدارس. لذلك، وبرغم الانتقادات، فإن مورس حصل لنفسه على لقب – مشكوك فيه – على أنه (أبو الجغرافية الأمريكية). وكان منافسه الوحيد في ذلك الوقت هو الألماني “كريستوف دانيال إيبلنج Christoph Daniel Ebeling” الذي نشر كتاب (Erdbeschreibung und Geschichte von Amerika: Die Vereinigten Staaten von Nordamerika جغرافية وتاريخ أمريكا: الولايات المتحدة التي في أمريكا الشمالية). ولكن الألمانية لم تكن تُقرأ في أمريكا، وبالرغم من أن “إيبلنج” عالم أكثر حذرًا ودقة إلا أنه لم يلق الشهرة التي يستحقها.

إلا أنه إذا كان الأسلوب الجيفرسوني قد تشكل من خلال قوائم الجرد الإقليمية ودون الإقليمية، فإن تراثه الجغرافي الأعظم قد ولد مع إشرافه على الإرسالية الإقليمية الغربية التي قام بها “ميريويذر لويس Meriweather Lewis” و”وليام كلارك William Clark”. وكان قد خطط في وقت سابق (1793م) للقيام بمهمة عبر نهر ميزوري يقوم بها عالم الطبيعة الفرنسي “أندريه ميشو” غير أن المشروع لم يتم. ورغم ذلك وضع جيفرسون مخططا آخر لإخضاع غرب القارة للبحث العلمي، وكان ذلك في 1802م، أي بعد فترة قصيرة على توليه رئاسة الولايات المتحدة.                                                          بعثة لويس وكلارك إلى المقاطعات الغربية

وقد خطط جيفرسون لهذه الرحلة الاستكشافية الداخلية ’’لتشجيع معرفتنا بجغرافية قارتنا، وليعطينا وجهة نظر عامة عن سكانها، وتاريخها الطبيعي، ومنتجاتها، وتربتها، وطقسها‘‘

وفي مايو 1804 بدأ كل من “لويس” و”كلارك” الرحلة صعودًا في نهر ميزوري. وقد مر ما يزيد على عامين قبل أن تطأ قدماهما سانت لويس مرة أخرى. وأينما ذهبا كانا يجمعان عددًا ضخمًا من المواد التعدينية وصنوف النبات التي عادوا بها إضافة إلى المعلومات العلمية عن كل الأنواع. وكانا يواجهان مواقف مرعبة يوميًا في الحياة البرية في الشمال. وقدمت إرساليتهما ثروة من المعلومات غير المكتشفة المتعلقة بالإثنوجرافية، والطيور، والنباتات، والحيوانات، والتعدين في الغرب. وعن تلك الإسهامات التي لا شك فيها يقول “جون جرين John Greene” ’’في التحليل الأخير، ورغم أي شىء، فإن النظرة الأصيلة للإنجازات العلمية لإرسالية “لويس” و”كلارك” لابد أن تؤكد على إسهامهما في جغرافية قارة أمريكا الشمالية‘‘.

وبعيد عن ذلك كانت هناك ممارسة هائلة للتثقيف الذاتي الجغرافي. لأن “لويس” و”كلارك” أكدا بكل أنواع المزاعم أن الغرب إقليم خصب بشكل مفرط، وأنه مناسب تمامًا للاستيطان الزراعي. وقد تبددت أوهامها عندما قاما بما يمكن وصفه على أنه (التحفة الكارتوجرافية)، وهي خريطة “كلارك” لتاريخ الإرسالية. وبعد ذلك تم التشكيك في تصويرهما للغرب على أنه صحراء عظمى مع ميلاد فكرة السهول العظمى. ومع ذلك فإن اكتشافاتهما الكارتوجرافية والجغرافية كانت مهمة جدًا؛ حيث تم رسم حدود القارة وتصوير السهل العظيم لنهر كولومبيا لأول مرة.

وأيًا كانت الإنجازات العلمية لقائمة “لويس” و”كلارك” الجغرافية. فإن المصالح الإمبريالية والسياسية لم تكن غائبة تمامًا. فقد تم إدراك الإمكانات الاقتصادية للغرب بشكل مباشر، وبدأ فتح الريف الخصب في أعالى ميزوري للتجار والصيادين. واختمرت الإمكانية الجيوسياسية للغرب بشكلها التخطيطي القابل للتقسيم في عقلي “لويس” و”كلارك”. وبجانب هذا، فإن حقيقة أن مخططهما كان تحت الرعاية الحكومية، إنما يعني أن تلك الاكتشافات كان ينظر إليها على أنها تخص شعب الديمقراطية الجديدة.

وهكذا لعبت الجغرافيا دورها في وسم المعرفة بالسمة الديمقراطية في الجمهورية الجديدة كمخلب قوي للمتحمسين للاستكشاف من رجال الأعمال وعلماء الطبيعة. انطلق رجال الجبال وموظفو الحكومة نحو الغرب صانعين خرائط بسيطة، ومنتجين صحفا وتقارير، وربما قبل أي شىء، منتجين تراث شفهي لا يصدق عن الغرب خلال القرن التاسع عشر. وقد أصبحت اكتشافاتهم جزءًا من نسيج الأمة المعرفي عن بيئتها الخاصة. أما بالنسبة لمآثرهم، فإن هذا قد تم عرضه في موضع آخر، وليس هناك موضع أفضل من كتابات “وليام جوتسمن”، والذي لا نحتاج لأن نستعرضه هنا.

وبالطبع فإن النهم للمعرفة العلمية والرؤى الطامعة في الإمكانيات الاقتصادية لم تكن الطرق الوحيدة التي تبلور فيها الغرب في عقول كل من الخاصة وعقول العامة. لم يقدم الغرب فحسب ظمأ لا يروى لأدب الرحلات والكتب الإرشادية، ولكن أيضًا للشعر، والروايات، وأعمال أدبية أخرى. رواية “الرواد” (1823)، ورواية “آخر الموهيكانز” (1826م) للروائي “جيمس فينيمور كوبر James Fenimore Cooper” تم نشرهما كالطوفان، محققان ما أسماه جيرالد كيندي (حدود الاستكشاف من الخيال). بالإضافة إلى أنه كان هناك بعض أفراد قلائل كان قائدهم هو “وليام داربي William Darby” (1775—1854) الذي انصهرت فيه البواعث العلمية والشعرية. لم ينشر “داربي” خمسة عشر جزءًا عن الجغرافيا والتاريخ الغربيين فحسب، لكنه أيضًا أنتج سلسلة واسعة من السرديات في المجلات الأدبية(24). والعديد من تلك السرديات كانت مفعمة بالتفاصيل اللافتة للنظر عن الجغرافيا في الغرب، ولذلك فإن افتتان “داربي” بالجغرافية الحقيقية والجغرافية التخيلية قد سارا جنبًا إلى جنب. ولذلك فإنه في العصر الجيفرسوني وما بعد الجيفرسوني كان الغرب الأمريكي حافزًا أساسيًا لتطوير الجغرافيا الأمريكية في كل من المجالات الإنسانية والعلمية. وفي الوقت نفسه فإن الحيوية المستمرة للتفكير الغائي داخل النظرية الجغرافية لم تكن قد خَبَت بعد، وهذا هو الموضوع الذي سنتحول إليه الآن.

التراث الغائي

لقد لاحظنا بالفعل أن جانبا كبيرا من العلم الجيفرسوني قد تشكل في سياق اللاهوت الطبيعي. ولا أنتوي أن أوضح أنه في الفترة ما بعد الجيفرسونية قد استمر هذا الخطاب في تقديم السياق العام للجغرافيا الأمريكية. وهناك العديد من الأشخاص الذين توضح مؤلفاتهم هذا الأمر. وسوف أركز ملاحظاتي هنا على شخصين كان لهما تأثير عميق ودائم على التراث الجغرافي الأميركي، وهما “أرنولد هنري جيو Arnold Henri Guyot” (1807—84) و” ماثيو فونتين موري Matthew Fontaine Maury”  (1806—73).

لقد مُنحت الجغرافيا الأمريكية معموديتها من فلسفة “ريتر” عبر “جيو”. فقد نشأ “جيو” في سويسرا، ودرس تحت رعاية ريتر قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة بسبب مواجهته لبعض الأحداث السياسية الأليمة. فقد تم قمع أكاديمية نيوشاتل السويسرية التي درس فيها التاريخ والجغرافيا من جانب المجلس الثوري في جنيف 1848م. وبات جيو بلا عمل. ولم يجد خيارًا سوى أن يتبع صديقه القديم “لويس أجاسيز Louis Agassiz ” إلى العالم الجديد. وكان هذا تغيرًا كبيرًا؛ فعائلة “جيو” تضرب بجذورها في نيوشاتل. ودرس في الجامعة المحلية قبل انتقاله إلى ألمانيا لإكمال دراسته. وهناك في “كارلسروه Karlsruhe” انغمس مع “لويس أجاسيز” و”كارل شيمبر Karl Schimper” – وكلاهما من رواد التاريخ الطبيعي- في التراث الألماني المثالي العظيم. ثم وقع تحت التأثير الأكبر لاحقًا في برلين عندما كان يتحضر لأن يصبح عضوا في مجلس إدارة الكنيسة.

وكانت برلين في ذلك الوقت متألقة فكريًا. ووجد جيو تحولات علمية مباشرة ليس في صورة “همبولت” و”هيجل” فقط ولكن أيضًا من “ستيفنز Steffens ” في علم النفس والفلسفة، و”ميتشرلخ  “Mitscherlichفي الكيمياء، و”هوفمان Hofman ” في الجيولوجيا، و”دوف Dove ” في الفيزياء وعلوم الأرصاد الجوية. وكان “كارل ريتر” هو صاحب التأثير الأعمق عليه، لأنه أكثر من مجرد شخص آخر أسر خيال “جيو” عبر توفيقه بين الإيمان الإنجيلي والفكر الجغرافي. فقد نظر “جيو” إلى رؤية “ريتر” عن الرؤية المبهجة الجديدة للخلق على أنها نظام عظيم تحركه إرادة عقل إلهي كلي الحكمة، لذلك غمره تكريس نفسه لتأييد الفلسفة الريترية، وبالفعل شعر بحاجة خاصة لأن يكرس نفسه لهذا الغرض لأنه لاحظ أنه رغم مرور سنوات (في 1860م) إلا أن عمل ريتر لم يتم تقديره بالشكل الكافي خارج العالم الناطق بالألمانية.

ورغم افتتان “جيو” بالجغرافيا الحماسية لـ “ريتر”، إلا أنه كان حريصًا مثل معلمه على ألا يفصل التأمل النظري عن العمل الشاق الدءوب. وقد دعمه “أجاسيز” ليقضي بعض الأسابيع من صيف عام 1838م في جبال الألب ليخرج ببعض الملاحظات الأساسية عن طبيعة الركام الجليدي، وتدفقات الأنهار الجليدية وطبيعة التجمع الثلجي. وكان كل هذا بغرض اختبار النظريات التي وضعها “آجاسيز” نفسه عن الجليد. وتم تبليغ النتائج شفاهية. وقد اختلط لدى جيو السرور بالألم؛ فلاحقًا تم تأكيد النتائج التي توصل إليها من جانب “أجاسيس” و”فوربيس Forbes” الذي حصل على وسام الإشادة العلمية. وبالإضافة لذلك شارك جيو فيما بعد في تأسيس سلسلة من محطات الأرصاد الجوية تحت رعاية مؤسسة سمثسونيان، وأصدر كتابًا مهمًا عن علم الأرصاد الجوية في 1851م.

قام جيو بالتدريس في نيوشاتل لمدة تسع سنوات. وكما أشرت فقد تدخلت بعض الأحداث السياسية لتوقف عمله في سويسرا. وهكذا لحق بـ “أجاسيز” إلى العالم الجديد. وكانت نعمة في شكل نقمة، فسريعًا ما قام بإلقاء محاضرات في “معهد المحترم لويل “Lowell في بوسطن عن (الجغرافيا الطبيعية المقارنة). وكانت تلك المحاضرات تلقى على جمهور عريض يقدرها تمامًا. ولم تمثل لغة “جيو” الفرنسية أي عائق لغوي. ثم نشرت تلك المحاضرات تحت عنوان (الأرض والإنسان). وعلى منوال ريتر، وبناء على جهد ضخم، فإن العمل تم تقديمه كشهادة جغرافية على اتساق الطبيعة والتاريخ، واللذان يدلان في كل مكان على تحكم العناية الإلهية الحكيمة. والنص مليء بالمجازات والاستعارات العضوية. ويؤكد على التفاعل بين الفيزيوجرافيا القارية ومسار التاريخ البشري. ويتمحور كتاب (الأرض والإنسان) حول فكرة التطور في تاريخ الأرض، والنمو العضوي، والتطور الاجتماعي كذلك. وكان هذا قطيعة جذرية مع القوائم الجغرافية التقليدية. وقدم ما يمكن أن نسميه المنظور البيئي أيضًا، وهو المنظور الذي يتم التعبير فيه عن العلاقات التكاملية داخل الطبيعة، وبين الطبيعة والجنس البشري. وبالطبع تم تدعيم الرؤية الكلية من جانب “جيو” الذي علم نفسه اللاهوت الطبيعي المثالي القائل بأن “الكل نظام، الكل متسق في الكون، لأن الكون كله مدرك من جانب الرب، ويظهر على أنه مركب من الكائنات العضوية، كل منها جزء متمم لآخر أسمى منه. والرب وحده يشملهم جميعًا، دون أن يكون هو نفسه جزءًا من أيً منها‘‘.

      واعتقد أنه من مجانبة الصواب إلى حد ما أن أشير إلى الافتراضات الغائية التي غمرت جغرافية “جيو” باعتبارها ملحقا غائيا تعيسا لعمله الأساسي. وقد أثبتت نسخته من اللاهوت الطبيعي أنها غنية معرفيًا. وفي سنوات الحرب الأهلية، عندما تأمل وليام موريس ديفز W. M. Davis على سبيل المثال، في تطور التراث الجغرافي الأمريكي احتفظ بمكانة خاصة لإسهامات “جيو” معلقًا بأن (الأرض والإنسان) ’’تخللته روح الارتباط العقلاني، ولذلك ربما يشار إليه على أنه يعطينا أول دفعة عظيمة للتعامل مع الجغرافيا على أنها علم جاد ومستقل‘‘.

ولذلك فإن الجغرافيا البيئية لـ “جيو” كانت الناتج المباشر لقراءته لحجة التصميم في صورتها العضوية. والتعبير نفسه، لو كان لاهوته الطبيعي يستحق التقدير العقلاني، فإنه أيضًا له منظور اجتماعي. فهناك تضمينات أيديولوجية مباشرة يمكن استنباطها من الاعتقاد بالنظام الغائي للأشياء. فالتوزيع الجغرافي للسلالات البشرية على سبيل المثال، ومكان هذه السلالات المدرك في الهيراركية العرقية الكلية، يجب أن يدعم الارتباط الجوهري بين الحتمية البيئية واللاهوت الغائي. ولذلك فسر موضع الحضارة كنتيجة للظروف الجغرافية والتحكم الإلهي: ’’وضع الخالق مهد الجنس البشري في وسط قارات الشمال، ولهذا صنعت جيدًا، بأشكالها، وبنيتها، ومناخها، كما سنرى فيما بعد. وقد صنعت كذلك لتحث وتحفز التطور الفردي وتطور المجتمعات الإنسانية، وليس في وسط الأقاليم المدارية الغنية بأشجار النخيل ولكن مناخها راكد رتيب، ربما سيسلم المرء نفسه معه للنوم.. نوم الموت.. في مهده الحقيقي‘‘. وقد حافظ “جيو” على هذا المنظور الفلسفي اللاهوتي لبقية حياته رغم التحديات الداروينية. وبالتأكيد هناك تلميحات في كتاباته المتأخرة أنه لابد أن يسمح ببعض النسخ الدائرية من نظرية التطور، لكن أيضًا لابد أن تتفق وبعض المسارات اللاهوتية المناسبة.

وقد اختلفت وجهات النظر حول ما قدمه موري للحياة العقلية الأمريكية؛ فقد آمن البعض بأنه قد قدم علمًا جديدًا مناسبا لتلك الفترة، وكان بالنسبة إلى البعض الآخر مجرد هاوٍ تعوزه الخبرة، أو حتى دجال. وبطريقة أخرى، فإن هناك أشياء فصلته عن بعض الشخصيات الرئيسة في الدورة الناشئة من العلماء المحترفين الذين شكلوا ما يعرف بمحور واشنطون وهارفارد. وأحد أسباب هذا الأمر أن منتقديه رأوا أنه عندما كان يشغل وظيفة مدير المرصد فإنه كان يقدم مصلحة خدمة الأسطول على التقدم العلمي. ورأى البعض أن إخفاقه في التنظير في ظل توافر المعطيات هو دليل على عدم الاحترافية، وشن البعض عليه هجوما لأنه كان يريد فقط أن يضع علمه في خدمة الأيديولوجية السياسية.

وبالنسبة لـ “موري” فقد حلم بتدعيم التوسع جنوبا مباشرة صوب أمريكا الجنوبية. وكان دائمًا ما يجد المبررات لمد سكك الحديد الجنوبية، وخطوط التلجراف، وسفن المحيط. وبصرف النظر عن تقييم إسهاماته العلمية الكلية، فإنه لا يمكن الشك في شعبية وأهمية (الجغرافيا الطبيعية للبحار). وليكون كلامنا دقيقا فإنه قد زخرف الكتاب بتأملات رنانة عن ما وراء الطبيعة، لكن هذه التأملات تعكس الطرح المعرفي الذي تم فيه صياغة علم “موري” كله. فلقد تم تشييد الصرح حول أسس اللاهوت الطبيعي لـ “وليام بالي William Paley”. فتأويل “موري” للأرض، توزيع نسب المياه في الكوكب، وفكرته عن التوازن بين البيئة العضوية وغير العضوية، ونمطه الميكانيكي عن تحولات الطاقة بين اليابس والماء والهواء، وفهمه لأنظمة الدورة الجوية والبحرية، كلها تم تقديمها في حدود مصطلحات القانون الطبيعي النيوتوني مسترشدة بالتصميم الغائي. ويوضح المقتطف التالي روح المشروع كله بشكل طريف:

’’ولذلك نستدل على أن البحر له مهامه وواجباته التي ينفذها، فربما نستدل، أن له تياراته، وهكذا أيضًا، سكانه، وبالتالي، فإن من يقوم بدراسة ظواهره، لابد أن يكف عن أن يشير إليه على أنه مياه لا فائدة منها. يجب عليه أن ينظر له على أنه جزء من الآلة الرائعة التي يتم بها حفظ التناغم في الطبيعة، ومن ثم سوف يبدأ في إدراك تطورات النظام والأدلة على التصميم التي تجعله أكثر جمالاً، وموضوعا مثيرا للتأمل. وبالنسبة للشخص الذي لم يدرس ميكانيكية الساعة، فإن أجزؤها الرئيسة أو عجلة التوازن هي بالنسبة له مجرد قطع من الحديد… ومن ثم فإنه لن يدرك التصميم، ولا أهمية القطعة، ولا العلاقة بين القطع بعضها ببعض، لكن ضعها معًا، واجعلها تعمل، وأشر إلى وظيفة كل جزء، كل ترس، وكل سن من ترس، أشرح حركتهم، ثم أعرض عليه النتيجة، عندها سوف يدرك أنها تعمل جميعها وفقًا لتصميم واحد. وهكذا أيضًا، عندما ينظر شخص ما إلى مظهر هذا العالم الجميل، فربما يعجبه هذا المشهد المحبب، لكن إعجابه هذا لن يتحول إلى افتتان إلا عندما يتحمل مشقة النظر فيما وراء هذا المشهد ودراسته، في بعض تفاصيله على الأقل، النظام الرائع للآلة الذي به تنجز مثل هذه النتائج الجميلة. وبالنسبة لمن يفعل ذلك، فإن البحر بجغرافيته الطبيعية، سوف يصبح تمامًا مثل الساعة‘‘.

مرة أخرى دعني أكرر أن هذه القناعات لا يشار إليها على أنها قناعات قيمة للغاية، فكما لاحظ “جوتسمن”، فإن تصور العالم على أنه ’’آلة يتحكم بها الرب عبر التصميم… كان هو التصور الذي اعتقد فيه تقريبًا كل عالم في الوقت الذي ظهر فيه “موري”، بما فيهم “جوزيف هنري Joseph Henry”، و”جيمس دوايت دانا James Dwight Dana”، و”آسا جراي Asa Gray”، و”بنيامين سيلمان Benjamin Silliman”، و”لويس أجاسيز  Louis Agassiz”، و”ألكسندر دالاس باش Alexander Dallas Bache”‘‘.

إن تطور التراث الأمريكي في المرحلة الجيفرسونية، والمرحلة ما بعد الجيفرسونية مباشرة، إنما يعكس على الأقل نموذجين مختلفين في البحث، ولكنهما متصلان. أولاً: هناك الحب الأمريكي للشأن القومي وبيئته الخاصة، وهو الحب الذي يعبر عن تهور القارة وعدم قابليتها للقياس. وبجانب ذلك فإن هذه الضخامة في المعلومات القارية غالباً ما كان يتم جمعها في ترنيمة صلاة تجد التعبير الكامل عنها في مصطلحات الغرض، والغاية، والعناية الإلهية، والتصميم. ورغم أن الحماسة الدينية نادرًا ما تكفي لتأسيس هوية معرفية، فإن ما تم الاحتياج إليه مراراً هو ترتيبات مؤسساتية يمكن للمتحمسين فيها أن تتلاقى اهتماماتهم المشتركة. وقد ظهرت تلك التسهيلات في بريطانيا في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وسوف نتحول إلى ذلك الآن.

المشهد البريطاني

 كانت الجغرافيا في بريطانيا في مرحلة ما قبل الداروينية متنوعة بشكل هائل إلى حد أن أية محاولة للسرد التاريخي سوف تنتهي إلى قوائم هائلة من الأسماء والأماكن. وبدل السير في هذا الطريق، اقترح أن ننظم أفكارنا عن الجغرافيا البريطانية في أربعة موضوعات: إطارها المؤسسي العام، ظمأها للإرساليات، ودوافعها الإمبريالية، وطموحاتها العلمية. وهكذا آمل أن أقدم لمحة خاطفة عن تنوع التراث في نقاط تواصله ونقاط انقطاعه.

الإطار المؤسسي العام

إن الكثير من الجهد العلمي في السنوات المبكرة من القرن التاسع عشر قد قام به الأفراد بشكل خاص. وكان الكثير منهم من رجال الكنيسة الذين كان لديهم الوقت والمصادر  الفكرية للانخراط في تحقيق معرفة طبيعية. لكن خلال هذه السنوات تفجر كم كبير من المؤسسات العلمية على المشهد الثقافي البريطاني، حاشدين العقول المتفقة ومؤسسين منتديات لتحقيق التواصل بين الاكتشافات وللتشجيع المشترك. ومن تلك الجمعيات الجمعية الجيولوجية على سبيل المثال التي ظهرت في 1807، وجمعية المهندسين المدنيين في 1818، والجمعية الفلكية الملكية في 1820م، وجمعية علوم الحيوان في 1826م.

 وكانت هناك نواد عامة في لندن ولعب كل منها أدوارًا في تدعيم المهن العلمية. وكانت هناك جمعيات علمية غير محترفة كذلك، وقد مارست تأثيرًا تكوينيًا خاصًا على البنية المؤسساتية للجغرافية البريطانية، ومن بينها جمعية نيوكاسل للتاريخ الطبيعي، وقد تأسست في 1829م. وكانت واحدة من دور الضيافة التي توسعت بمرور الوقت. وتحت رعايتها تم رسم خرائط عن منطقة “حقول الفحم – كولفيلد” في الشمال الشرقي. وكان هناك أيضًا نادي “بيرويكشير” لعلماء الطبيعة، وقد تأسس في 1831م. وقد عبر “كوهن رسل Cohn Russell” عن روح تلك المؤسسة قائلاً:

’’لقد فتحت هذه المؤسسة التي ليس لها أية ملكية، عضويتها بشكل موسع لكلا الجنسين، وكانت أنشطتها بعيدة تمامًا عن جلسات المساء التي تسمى “الخلوة النظرية” لعلماء الطبيعة. فبعد وجبة خفيفة مناسبة في الصباح الباكر في أحد الفنادق المحلية، كان العلماء يقضون اليوم كله في الأراضي المرتفعة لمنطقة “شيفيوت” والمناطق الريفية المحيطة بها. جامعين بين متعة البحث في الهواء الطلق، مع الصحبة الملائمة، مع المحاولة الجادة لدراسة التاريخ الطبيعي للمنطقة، بأسلوب منهجي‘‘.

ويمكن تلمس البدايات الرسمية للجمعية الجغرافية الملكية بالرجوع إلى 1791م. ويدين تأسيسها بالكثير إلى الزخم الذي حققته ثورة اليعاقبة عندما أدى الافتقار إلى خرائط موثوق بها إلى إخفاق كبير في عمليات الإخضاع التي قام بها دوق كمبرلاند بعد هزيمته للأمير تشارلز الجميل في معركة كلودين 1746م.

     وبعد ذلك، مع اندلاع حرب الأعوام السبعة توقفت العمليات حتى 1765م عندما تم اختيار “وليام روي William Roy” في المنصب الجديد كمدير لمساحة السواحل ومهندس توجيه للمسوح العسكرية في بريطانيا العظمى بموجب قرار من مجلس المدفعية العسكرية. وكما يرى “آلان هودجيكيس  Alan Hodgkiss” فإنه ’’عبر تاريخ الكارتوجرافيا كانت الحرب حافزًا ضروريًا للتقدم في رسم الخرائط‘‘. ومع ذلك، أيًا كان المصدر، فقد تم المسح في بداية القرن التاسع عشر (بمقياس 1 بوصة لكل ميل) في كينت وأجزاء من إيسيكس ولندن. وأجري مسح ضخم آخر (بمقياس 6 بوصات لكل ميل) في أيرلندا لتقييم الأراضي لأهداف ضريبية في بداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. وكانت هذه الممارسات الجغرافية موثوق بها بالتأكيد بسبب المعلومات الأساسية الإقليمية الضخمة التي تم جمعها بعضها مع بعض ورسمها في شكل خرائط.

لم يكن هدفنا في طرح هذه الملاحظات بالتأكيد تقليل الدور المحوري الذي لعبته الجمعية الجغرافية الملكية في بلورة الجغرافيا كعلم مستقل في القرن التاسع عشر في بريطانيا. وقد تكونت الجمعية في 1830 بشكل أساسي كنتيجة لتوسع الرابطة الأفريقية ونادي رالي، ويعكس تقليدها الطويل بشكل كاف أصولها في تلك الجمعيات. فقد حافظت على تقاليد الطعام لنادي رالي باعتباره نادي لإطعام المسافرين، وذلك تمشيًا مع العديد من الجمعيات العلمية الأخرى في لندن مثل الجمعية الجيولوجية، وجمعية علوم الحيوان بشكل أكثر وضوحًا، والتي كان أعضاؤها كما لاحظ “ستودارت Stoddart” بمرح ’’يأكلون كل ما توفى حديثًا في حدائق الحيوان‘‘. وكانت الوجبات غنية بالفعل وبعيدة عن الأطباق الأساسية الشهيرة. فعلماء الحيوان على سبيل المثال، اعتادوا على أطباق شهية من وقت لآخر مثل الحمار الوحشي والياك والأفاعي المجلجلة (أفاعي الجرس)، بينما أسس أعضاء نادي رالي تراث الأكل وفقًا للتخصص في أي مكان من العالم يسافر إليه الضيف، وبالتالي كان العشاء يشمل لحم الرنة من جزر سبتسبرجن Spitsbergen  (شمال النرويج)، وكعكة الجودار من جزر “نورث كيب” (في شمال النرويج أيضا)، والتوت المحلى بالسكر من “لابلاند” (في أقصى شمال اسكندنافيا الآن)، وجميعهم مغموسون في الشراب السويدي.

وقد قامت نوادي الطعام تلك بوظيفة اجتماعية حيوية بين مجموعة لندن العلمية والجمعية الجغرافية الملكية. وكان بها نصيب وافر من الشخصيات رفيعة المقام. فمعظم الأعضاء كانوا ينتمون إلى طبقات اجتماعية عليا أو ينحدرون من عائلات عسكرية. وقد أكد “كيلتي Keltie”: ’’أنه كان يُعتقد أن أي شخص داخل الجمعية ينتمي إلى تلك الطبقات‘‘. وقد جعل هذا الأمر من الجمعية الملكية على المدى الطويل مختلفة عن بقية الجمعيات. ووسمها ذلك بسمة الهواة وأعطاها صورة غير احترافية خاصة بعد مرور الوقت وتناقص عدد الأعضاء الذين كانوا أيضًا زملاء في الجمعية الملكية. ورغم ذلك، وأيًا كان الأعضاء، فإن الجمعية الملكية الجغرافية أسست نفسها على أنها قوة ثقافية أساسية بين الجمعيات الجغرافية الإنجليزية ودعمت سيطرتها من خلال إنجاز ما هو ملكي. فكانت تتعهد وتمنح بركاتها الجغرافية من خلال منح ميداليات متنوعة. ولذلك فإنها لابد أن تضفي الشرعية على عمل الممارسين للجغرافيا – وكان لابد للمحاربة من أجل هذا كله، لأن الجمعية لم تسقط من السماء هكذا – ومقاومة شخصيات مرعبة مثل السير جوزيف بانكس على سبيل المثال إنما تغلبت بالحيلة. فكرئيس للجمعية الملكية دافع بحماسة عن المشهد العلمي بالتصرف كحارس مدافع عن بوابة المملكة المطرانية للعلم.

وكانت نوادي الطعام بالنسبة لـ “بانكس” جيدة ومفيدة في أماكنها الخاصة كي لا تهرب إلهاماتها العلمية بعيدًا عن السيطرة. ولم تتحول الكثير من تلك النوادي إلى جمعيات إلا بعد وفاته. فبسبب هذا السلوك غير الملائم في أطباق المأكولات والسلوك الاجتماعي والعلمي والسياسي لم تجتذب الجمعية نصيبًا من الطلاب الجادين في دراسة الطبيعة. فقد قام رجال من أمثال “داروين” و”هكسلي Huxley” و”ولاس Wallace” و”هوكر Hooker” و”باتيس Bates” فضلاً عن السير “رودريك مرتشيزون  Roderick Murchison” القائم على مشروعاتها في منتصف العصر الفيكتوري (1837-1901)، بتشجيع الرحلات إلى مناطق متعددة. فعلى سبيل المثال التحق داروين بالجمعية في 1838م بعد فترة وجيزة من مشاركته في رحلة بيجل الشهيرة. وقد قدم تقارير للجمعية بشكل متكرر. ونشر دراسته الشهيرة عن الشعاب المرجانية على صفحات جريدتها. وحصل “والاس” في الفترة نفسها على ميدالية المؤسس في الجمعية لأعماله الجغرافيا الحيوية Biogeography وإسهاماته في إجراءات جريدة الجمعية. و”باتيس” الذي عمل سكرتيرًا مساعدًا للجمعية قرابة السبع والعشرين عامًا قد حصل لنفسه على سمعة علمية مرموقة بسبب عمله في علم الحشرات، ورحلاته العلمية مع “والاس” في أمريكا الجنوبية. وكان هوكر J. D. Hooker” حاملا آخر لميدالية المؤسس. وقد دعم من توجه الجمعية نحو الإرساليات العلمية المختلفة.

وسوف يكون من الصواب الذهاب إلى أن هؤلاء الأفراد لم يجدوا الطابع الذي اتسمت به الجمعية موافقًا لمزاجهم. وكانت جهود “مرتشيزون ” الترويجية للجمعية مخالفة لأذواقهم العلمية. وكان الجو السائد زاخرا بالشعبوية والتفاخر. ولذلك حفظ كثيرون أنفسهم بعيدًا عن ذلك. وعلى سبيل المثال لم يزخرف “جوزيف هوكر Joseph Hooker” من كلماته عندما اشتكى إلى “يوليوس فون هاسات” – مدير المساحة في كنتربوري – في 1846م عندما قال: ’’إني أكره مداهنة ونفاق وهراء الجمعية الملكية التي تدعي لفظًا أنها تريد العلم، وتسعى نحو الشهرة والإثارة، وتجعل من أسود لندن في موسم الصيد صيادي فيلة وقاتلي أسود، في حين أن المساحين والمسافرين المثابرين والعلميين لم يكن لهم أي مجد على الإطلاق‘‘.

انتعاش البعثات العلمية

رغم اشمئزاز “هوكر” من انهماك قادة الجمعية الجغرافية الملكية في الدعاية، فإن ذلك التوجه من جانب الجمعية قد لاقى إعجابًا حقيقيًا بسبب الإنجازات العلمية التي حققتها بعثاتها العلمية. وحقًا، فإنه بصرف النظر عما إذا كانت تلك الأنشطة منظمة بشكل جيد أم لا، وبصرف النظر عن الدعايات الساعية نحو الشهرة، فإن ما حققته الجمعية من موضوعات رئيسة للعلم هو الذي شكل الجغرافيا البريطانية خلال العصر الفيكتوري (1837-1901). وكان أحد الأمور الأساسية في هذا الخصوص هو الاهتمام بالاستكشاف، والشغف بتقليل مساحة الأراضي المجهولة terrae incognitae على الخرائط، والرغبة في استعراض الاختلافات السلالية بين الشعوب على الأرض.

إن المغامرات عبر البحار لأجل توسع الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر كانت قد نسقته وقامت بجزء كبير منه الجمعية الجغرافية الملكية. وحقًا يمكن القول إن علم الجغرافيا كان علم الإمبريالية بامتياز خلال العصر الفيكتوري. وسوف نتحول الآن إلى هذا الحافز الأساسي، ولكني أريد فقط أن أؤكد أن الاستكشافات فيما وراء البحار هي التي زودت الجمعية بهويتها المؤسساتية. وأيًا كان الأمر فقد لاحظنا أن الجمعية الجغرافية الملكية قد نشأت من خلال جماعة مصلحة متصلة بالرابطة الأفريقية التي أسسها “جوزيف بانكس” ليوسع من استكشاف القارة (المظلمة)، بالتعاون مع نادي (رالي) الذي كان ناديًا للمسافرين والمرتحلين.

ومن خلال هذا التراث يتضح أنه ليس من الغريب أن الشبكة الهائلة للجمعية قد ظهرت في المقام الأول من خلال المسافرين والمستكشفين، بجانب نشر أحداث الرحلات في جريدتها مثل (حكاية الرحلة من مخا إلى صنعاء) للسيد “ت. سبرات” (الجزء الثامن)، و(ملاحظات على الرحلة إلى كردفان) لـ “آرثر هولرويد” (الجزء التاسع). و(تقرير عن الرحلة إلى منابع أموداريا للملازم “وود” (الجزء العاشر) – ولنأخذ عينة أو اثنين بشكل عشوائي – فإن الجمعية الجغرافية الملكية قدمت الرعاية لعدد من الإرساليات المغامرة. وقد استمر شبح وجود ممر في الشمال الغربي على سبيل المثال في مطاردة الجمعية. وبتصميم عنيد من جانب الجمعية الجغرافية الملكية فإنها قد حضرت لعمليات بحث افتتنت العقول المغامرة بحرًا حتى منذ أيام “جون كابوت John Cabot”. ولذلك بعد عام واحد من تأسيسها، أعلنت الجمعية عن عزمها تنظيم إرسالية عبر أقاليم شركة خليج هدسون للبحث عن الكابتن “جون روس John Ross”، مع هدف إضافي وهو توسيع المعرفة بشواطىء القطب الشمالي.

 وبالرغم من أن المشروع الذي تعهد به الكابتن “جيمس باك” قد أثبت أنه أقل من أن يكون ناجحًا، فإنه قد حفز عددا من الرحلات المشابهة خلال العقد التالي. وكان الأكثر أهمية من بينها تلك التي قادها الدكتور “جون راي John Rae”، والأكثر تراجيدية منها للسير “جون فرانكلين John Franklin”. وقد أدى اختفاؤه إلى عدد آخر من البعثات التي ذهبت لإيجاده. وهذه البعثات لم تتم رعايتها فقط من جانب الجمعية الجغرافية الملكية، ولكن من جانب الحكومة الأمريكية، وشركة خليج هدسون، والبحرية الملكية، وبعض المتبرعين الأثرياء.

وبالتأكيد لم يكن القطب الشمالي هو المكان الوحيد الذي أرادت الجمعية الجغرافية الملكية أن ترضي فيه نهمها للاستكشاف. وكانت المناطق النائية الاسترالية مكانا خاليا على الخريطة، وهكذا حولت الجمعية اهتمامها في السنوات الأولى نحو سكنى الجنوب(50). ورغم ذلك فإن العوامل المالية، دون ذكر الالتزامات بمشروعات أخرى، منعت أي دعم لحملات استكشافية أخرى. ورغم ذلك أيضًا ظلت الجمعية مفتونة بهذا العالم القديم غير المعروف. وأشرفت على مجهودات أقل. ومنحت ميداليتها الذهبية أحد عشر مرة لمستكشفين لأستراليا.

  وكان أول المستحقين لهذه الجائزة هو “جون إدوارد آير John Edward Eyre” الذي عاني في الأربعينيات من القرن التاسع عشر حرمانا رهيبا في رحلته (الألف ميل) من خليج (فولير) إلى خليج الملك جورج. وقد ظهرت تقارير “آير” على صفحات مجلة الجمعية، حيث وضع حجة تفترض أن وجود بحر كبير داخل أستراليا إنما هو زعم خاطئ. ومع ذلك فإن التخمينات لم تكن دليلاً حاسمًا، ولهذا ظل تحدي كشف (المنطقة الخالية) على خريطة استراليا الوسطى قائمًا. وقد تصدى له “تشارلز ستورت Charles Sturt”، الذي على الرغم من سوء حالته الصحية وضعف بصره قد رتب للوصول إلى قلب القارة. وبالتأكيد تم تبديد غشاوة الوهم التي أحاطت بقلب الأراضي الاسترالية، لكن استبدل بها كآبة عالم منعزل قاس ومجدب وغير مضياف، وموبوء بالحشرات.

 وبالطبع فإن المعرفة الأولية بالداخل الاسترالي لم تطفئ الظمأ لدراما البعثات. ولهذا استمر السباق للفوز بوسام الرحلة الأولى الكاملة عبر القارة في العقود التالية. التهور والشجاعة والطموح اللامحدود ساعدوا جميعهم في نجاح الرحلات الأسترالية العظمى التي مُنحت بركة الجمعية الجغرافية الملكية التي تعهدت برعاية الاستكشاف باعتباره قمة الممارسة الجغرافية في العصر الجغرافي الفيكتوري. وكما سنرى لاحقًا فقد ظلت تلك الفكرة مسيطرة وسائدة حتى القرن العشرين.

ومع ذلك فإن الدعم المالي، والرعاية المؤسساتية، ونشر حكايات الرحلات، لم تشبع شهوة الجمعية الجغرافية الملكية نحو المعرفة وراء البحار. ولم تكن الكارتوجرافيا المصاحبة أقل أهمية؛ حيث كانت تلازم نثر الرحلة بشكل منتظم. وبالفعل، خلال العقد الأول من وجودها، فإن (المجلة الجغرافية اللندنية) قد نشرت ما يزيد على مائة خريطة ومخطط ورسومات إيضاحية باعتبارها جريدة الجمعية الجغرافية الملكية كما كانت تسمى في بعض الأحيان. وكانت تلك الخرائط والرسومات تشهد على كفاءات بين سطوة المهنة الجغرافية في بدايتها. فكان هناك رسامو خرائط محترفون مثل “آروسميث Arrowsmith وبيترمان , Petermann”، و”كيث جونستون Keith Johnston”، “بارثولوميو Bartholomew”، و”ستانفورد Stanford” قد عملوا مع الكتاب لتقديم رسومات إيضاحية عن الأقاليم التي استكشفوها أو اختبروها. ويمكن أن نرى الحاجة الكارتوجرافية لرسم الخرائط في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية صفحة بعد صفحة، والتي استقبلت منذ 1854م منحة حكومية سنوية وجمعت حتى بداية الثلاثينيات من القرن العشرين 1700 أطلس، 183900 خريطة. وبجانب ذلك كانت هناك رعاية كاملة لتطوير رسم الخرائط عن الوطن: تقارير تقدم بانتظام عن التطور في هيئة المساحة البريطانية، وعن هيئة المساحة الجيولوجية. وقد عزز كل هذا مجتمعًا من صورة الجغرافي على أنه سيد الخرائط.

وكان تصوير التضاريس الأجنبية والمحلية على قطع الورق أحد الطعنات التي سددها هجوم الجمعية الجغرافية الملكية على الجهل العالمي. أما الطعنة الأخرى فكانت تصوير التنوع الإثني. وبالفعل فقد استمر هذا الخط الإثنوجرافي على مستويات مختلفة في التراث الجغرافي لقرابة ما يزيد على قرن. وقد بدت الملاحظات الإثنية بالنسبة للجمعية الجغرافية الملكية منذ الوهلة الأولى ملائمة للقضايا الجغرافيا عندما قدم “سكوت نيند Scott Nind” وصفًا للسكان الأصليين في خليج الملك جورج في العدد الافتتاحي للجريدة. وهو الأمر الذي تكرر في العدد التالي فيما قدمه “وليام هيلهاوس William Hilhouse” من (ملاحظات عن الهنود المستوطنين داخل غينيا). وفي العالم التالي قدم “و. د كولي W. D. Cooley” (مذكرات عن حضارة القبائل التي تسكن الأراضي المرتفعة قرب خليج دالاجوا Dalagoa).

ولم يكن هذا التوجه الأنثربولوجي غريبًا نظرًا لحقيقة أنه لسنوات طويلة كانت هناك بعض الشخصيات الأساسية الأعضاء في الجمعية الإثنولوجية في لندن، كانوا أيضًا زملاء للجمعية الجغرافية الملكية فضلاً عن كونهم أعضاء في الرابطة البريطانية للتقدم العلمي. ومن هؤلاء “جون كرافورد John Crawfurd” و”فرنسيس جالتون Francis Galton” و”فريدريك هيندمارش Frederick Hindmarsh” و”رتشارد بورتون Richard Burton” و”وليام سبوتيسوود William Spottiswoode” و”أ. ر والاس A. R. Wallace” و”توماس هودجكين Thomas Hodgkin”. وتم تأسيس القسم (E) في 1851م تحت عنوان (الجغرافيا والإثنولوجيا). بالإضافة إلى أن يوميات الرحالة، مثل (كابتن باك Captain Back) كانت غالباً ما تشتمل على رسومات إيضاحية عن الشعوب والقبائل.

وكانت الحكايات التفصيلية التي يقدمها المسافرون والمرتحلون في منشورات الجمعية الجغرافية الملكية تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر الفكر الأنثربولوجي. أما المصدر الآخر فكانت المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال تمويل ورعاية البعثات المختلفة. وكان مرور “أ. ر والاس A. R Wallace” على أرخبيل الملايو في خمسينيات القرن التاسع عشر مجاملة للجمعية الجغرافية الملكية. وكان اكتشافًا مشتركًا للانتخاب الطبيعي من خلال استمرار (الملاحظة المشاركة) الواقعية للحياة في أكواخ السكان الأصليين لفترة، ومشاركة (الهمج) نقصان الطعام، والحمى، والأمراض المعدية. فكان هؤلاء الناس موضوعات غير متعمدة لتأملاته عن التاريخ الطبيعي للأصول السلالية.

فضلاً عن ذلك، تصدرت الأفكار الجغرافية وأسماء المسافرين تحت رعاية الجمعية الملكية الجغرافية صفحات محاضر جلسات الجمعية الإثنولوجية في لندن. وعلى سبيل المثال تشارك الدكتور “جون راي” انطباعاته عن الإسكيمو الكنديين مع العالم الإثنولوجي “كليمنتس ماركهام Clements Markham” مقدمًا جردًا للسكان الأصليين في حوض الأمازون في ستينيات القرن التاسع عشر. وتحدث جون كروفورد عن التأثيرات السلالية للمناخ والعلاقات بين الإثنولوجيا والجغرافيا الطبيعية بشكل أكثر عمومية تحت عنوان استحث الكثير من تعليقات الجمهور.

الدافع الإمبريالي

   من الشائع أن تجد المستكشفين في السنوات القريبة من عام 1800م يقابلون بين جهودهم وبين المآثر التي قام بها البحارة قبل قرن خلا. فمن الصعب أن تطلق على المرتحلين الأوائل لقب رحالة علميين لأنه كما يقول الناس كان معظمهم أشبه بالقراصنة والمغامرين يتملكهم الطمع أكثر مما يتملكهم حب المعرفة التي يسعى إليها طلاب العلم والإنسانية في الأيام الأخيرة(60).

وفي الحقيقة أنه من الصعب تصديق مثل هذه الأوصاف. غير أن تلك الأوصاف قد عملت على جذب الانتباه إلى التغير الطارئ على صورة المستكشفين في بدايات القرن التاسع عشر. وقد تغيرت التوجهات العامة نحو المستكشفين أيضًا. وكان لمزاعم المستكشفين أنفسهم دور في إحداث هذا التغير. فالآن يتم النظر إلى المستكشف على أنه مغامر بطولي، حامل للحضارة، وعامل من عوامل التنوير. ورغم ذلك ظل المستكشف غريبًا، فهو ذلك الغريب المثالي سواء في وطنه أو خارجه.

والسؤال الآن: ما الذي دفع هؤلاء المغامرين نحو المجهول؟

بالتأكيد هناك أسباب عديدة منها شهوة الشهرة، والشعور بالوطنية، والحماسة الدينية، والأمل في الثروة، والرغبة في حياة حرة، بل وحتى اتباع الشيطان على موائد الرذيلة المتاحة في العالم الخارجي (لو كان الأمر كما اعتقد “رتشارد بورتون Richard Burton”) وقد مثلت كل تلك الأمور دوافع للابتعاد عن المأوى والوطن.

بالتأكيد كانت الدوافع كثيرة ومتنوعة وتختلف من شخص إلى آخر. وبالنسبة للانخراط المؤسسي في هذا الأمر – والذي ربما تعد الجمعية الجغرافية الملكية مثالاً عليه – فربما يكون الدافع أكثر وضوحًا. فمن الممكن أن نضعه تحت عنوان مكون من كلمة واحدة، وهي (الإمبريالية). فتلك الكلمة يمكن أن نضمن تحتها الدوافع المؤسساتية. ومع ذلك فربما يمكننا القول إنها أيضًا القناع الذي يخفي تحته ترتيبات أخرى معقدة للتوجهات والممارسات الخاصة بالاستكشاف.

ولأجل هذا كله كانت القضية الأولى التي تصدت لها مجلة الجمعية الجغرافية الملكية لتوضيح سبب وجود هذا الكيان المؤسسي هي “أنه ربما يتم تأسيس مجتمع جديد نافع تحت رعاية الجمعية الجغرافية الملكية بلندن” وفي ذلك تقول:

إن الاهتمام المثير بهذا القسم من العلم هو أمر مُدرك عالميًا؛ فله مزايا في غاية الأهمية للجنس البشري بشكل عام. ويوفر رخاءً موفورًا للأمم البحرية مثل بريطانيا العظمى بما تحوزه من ممتلكات ضخمة خارج أراضيه.

ويوضح هذا الإذعان الطابع الإمبريالي للمشروع المؤسسي كله. ويعكس كيف أن الجغرافيا في العصر الفيكتوري (1837-1901) كانت مرتبطة بشكل غير قابل للانفصال بسياسة التوسع البريطاني عبر البحار. وسوف تكون تلك القوى أكثر وضوحًا في نهاية القرن. ولكن من الواضح أنه قد تم اعتماد التوجه الإمبريالي منذ الأيام الأولى للجمعية. ولذلك عند نهاية العقد الأول من عمر الجمعية لم يكن من الغريب أن نرى “وليام رون هاملتون W. R. Hamilton” – الدبلوماسي وزميل الجمعية الملكية – يتأمل في نفوذ الجغرافيا داخل الحدود العسكرية والتجارية والإمبريالية. ويصر على أن الجغرافيا:

’’هي الباعث الأكبر لكل العمليات الحربية، ولكل المفاوضات حول حالة السلام. وهي الشىء الأساسي الذي يسمح لأي أمة لأن توسع معرفتها الطبيعية عن بنية اليابس، والماء المحيط به، وتلك هي الإمكانيات التي تحوزها للأبد، والمسئوليات التي عليها القيام بها، لتوسيع تجارتها، وزيادة نفوذها الحضاري في المناطق التي لا تزال مظلمة في العالم، ولتقوم بدورها في توجيه أقدار الجنس البشري‘‘.

وبالتأكيد كان هذا بيانا مفصلا. فالجغرافيا ليست محض الانخراط في اكتشاف العالم، بل في صناعته. وكانت تلك الرؤية مقبولة إلى حد كبير بسبب التأثير الهائل لشخص واحد فقط، وهو السير “رودريك مرتشيزون”. وقبل أن نتحول إلى ما يجب أن أسميه (اللحظة المورتشيزونية في الجغرافيا الفيكتورية) فإني أود أن أذكر شيئًا ما عن التفاعل بين المعرفة الجغرافية والمطامع الإمبريالية من خلال الحديث المختصر عن شخص آخر ليس أقل شهرة، وهو السير “هنري برتل فرير Henry Brtle Frere” (1815- 1884م).

تقلد “فرير” رئاسة الجمعية الجغرافية الملكية في أواخر حياته. ولكن أعماله الجغرافية بدأت مبكرًا في 1847م عندما كان يعمل مفوضًا في مدينة ساتارا Satara (غرب الهند). ومن هذا الموقع بدأ في إجراء سلسلة من المسوح عن الآثار الهندية القديمة. وتفاصيل هذا الأمر لا تهمنا الآن. ولكن المهم وفقًا للسياق الحالي هي الطريقة تمت بها تحفيز خبرة “فرير” في الدكن والسند لتأكيد قناعته بأن الثقافات البشرية كانت مقسمة بشكل طبيعي إلى الحضارة أو الهمجية. تأمل “فرير” المنتجات الصناعية للثقافة المادية، وممارسات العادات القانونية، والتعاليم الدينية – أعني العناصر التاريخية، والجغرافيا الثقافية – وآمن أنه لابد أن يميز بين مستويات مختلفة من الإنجاز الاجتماعي؛ وأن القوى المتحضرة للإيمان المسيحي لابد أن تحرر البنى الاجتماعية.

وهكذا فإن دعم “فرير” الدءوب للمجهودات التبشيرية المختلفة للإمبراطورية، إضافة إلى جغرافيته، وانخراطه في السياسة الخارجية في جنوب أفريقيا، ودفاعه عن استصلاح الأراضي لأجل الحصول على محصول أوفر من المزارع الهندية، كل هذا كان يشكل كلاً واحدًا. وكمفوض للضرائب في بومباي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر كان من الواضح أن له اهتمامات توصف بأنها أكثر من مجرد اهتمامات نظرية في هذا المشروع الأخير.

وقد صاغ “إمري F. V. Emery” كل هذا قائلاً: ’’توجد علاقة قوية وتبادلية بين توجه “فرير” الجغرافي والتزامه بالسياسة الإمبريالية‘‘. وبالنسبة لـ “فرير” فإن نهم المعرفة الجغرافية هو ذاته التطبيقات العملية للجغرافيا. ونظرًا لانحيازه الإمبريالي لم يكن من الصعب إدراك حماسته الشديدة للأسلوب الجغرافي الذي قدمه السير “رودريك مرتشيزون “. ولذلك عبر عن سعادته البالغة حين كان رئيسًا للجمعية الجغرافية الملكية في مناسبة منح ميدالية الجمعية لـ “مرتشيزون “، وأكد على أن “تاريخ صلة مرتشيزون  بالجمعية الجغرافية الملكية هو في حقيقة الأمر تاريخ الجمعية نفسها‘‘. فلقد آمن “فرير” بأن الجغرافية الفيكتورية قد تمت صياغتها بشكل واسع في قالب “مرتشيزون ” الخاص. لأن “فرير” يستمر قائلاً:

’’لقد أصبح (يقصد مرتشيزون ) مرجعًا عامًا للجغرافيين والمسافرين العلميين في بلدنا وكل البلاد الأخرى. وليست مبالغة أن أقول، أنه في السنوات الثلاث الأخيرة لم تكن هناك أية بعثة جغرافية خرجت بنتائج سواء في بلدنا أو ربما في أي بلد أخرى، دون استشارة مسبقة منه لأجل النصيحة أو الإرشاد‘‘.

وقد ازدهرت الجمعية الجغرافية الملكية تحت القيادة النشطة لـ “مرتشيزون “. وباستخدام كلمات “روبرت ستافورد”: ’’لقد أصبحت مثل مسرح للمشاهدة القومية، صحبة من المغامرين الموهوبين يقدمون دراما راقية في مشاهد غريبة، وبرلمان إضافي يناقش أمور الإمبراطورية والتوسع الخارجي… ولا يدهشنا أن “مرتشيزون ” كان يوصف بأنه (عالم الإمبراطورية) و(مهندس العلم الإمبراطوري)‘‘.

فمن خلال إدارته للجمعية الجغرافية الملكية – التي تلاءمت مع أذواق “مرتشيزون ” الاستعمارية العلمية بشكل تام – قد عزف بمفرده تقريبا أوركسترا المغامرات التوسعية لتلك المؤسسة التي كانت أكثر مشجع للتوسعات الإمبريالية البريطانية في مساحات عديدة. وقد أراد “مرتشيزون ” من خلال مكاتب الجمعية أن يوسع من السيطرة الثقافية لأسلوبه العلمي الخاص في مناطق مثل الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، وأفريقيا. وفي تلك المناطق المختلفة فإن حماسته الوطنية، وسيناريوهاته التنبؤية عن استغلال الموارد، وشغفة بترجمة الأرض المجهولة إلى لغة مرئية داخل الكارتوجرافيا، ولهفته السياسية في توجيه الإمكانيات التجارية للاقتصاديات الخارجية، ودفاعه الملح عن الاستكشاف الجغرافي، قد وجدت جميعها متنفسًا لها.

ولم تنفصل كل تلك النشاطات عن الجانب المعرفي لقناعاته العلمية. بل على النقيض، فقد استخدم كل القارات كمعمل لاختبار نظرياته عن جيولوجية العصر السيلوري Silurian (و”مرتشيزون ” هو مكتشف الطبقات التي ترجع إلى العصر السيلوري Silurian strata). وكما كان حريصًا على توسعة كل المواقع التي اكتشفها فإنه كان حريصًا أيضًا على أن يوسع من النطاقات المنتمية للعصر السيلوري تمامًا مثل حرصه على تدعيم المصالح الإمبراطورية البريطانية في الخارج. وبالإضافة إلى ذلك فإن الجغرافيا قد أشبعت ميول “مرتشيزون” النفسية أيضًا. فزبائن الجمعية من العسكريين وتقديم الخدمات اللوجستية كان له صداه في نفسه بلا شك مع أعماله البطولية المبكرة في حرب شبه الجزيرة الأيبرية Peninsular War. فضلاً عن أن المفردات الإمبريالية التي وصف فيها النظام السيلوري قد زخرت بالاستعارات الحربية عن التوسع الإقليمي مثل أن العصر السيلورية “غزا” القارات، وان هذا العصر “قد جند” اطرافا كثيرة، وانخرط في “ساحة المعركة” مقلدا قبيلة سيلوريا ذات الأصل الروماني – البريطاني والتي سُمي العصر على اسمها”.

تبقى ملاحظتان إضافيتان عن اشتراك الجغرافيا في جريمة المغامرة الإمبريالية، وهما:

  أولاً: أن علوما كثيرة قد تورطت بالمثل في التوسع فيما وراء البحار بدءًا من علوم الفلك وحتى علوم الحيوان رغم أن الأمر لم يكن على نفس الدرجة. وهناك شىء يمكن قوله عن الزعم بأن الجغرافيا كانت العلم الإمبريالي بامتياز؛ فالاكتشاف، والمسح الطبوغرافي والاجتماعي، والتمثيل الكارتوجرافي والجرد الإقليمي، وممارسات المهنة للجغرافية الاحترافية الناشئة، كانت كلها ملائمة للمشروع الاستعماري. هذا بالإضافة إلى الوعي الذاتي للجمعية الجغرافية الملكية بدورها العام كخادمة للإمبراطورية. وكل ذلك يسلم بصحة زعم “ستافورد” أنه في بدايات القرن التاسع عشر كان التوسع الإمبريالي هو الدافع الأساسي للجمعية الجغرافية الملكية.

ثانيًا: لو أن المفردات الغائية التي ظهرت على صفحات جريدة الجمعية الجغرافية الملكية كانت واضحة رغم قلتها، فإن الأيديولوجيا الأوسع عن التوسع الإمبريالي قد تم تدعيمها بالغائية الإلهية التي نظرت إلى التوجه الاستعماري على أنه وسيلة نقل التنوير الروحاني. وربما لن يتضح هذا الأمر بشكل أكبر من التأملات على المجازفات التبشيرية الإمبريالية في أفريقيا لـ “ديفيد ليفنجستون”.

 وعلى سبيل المثال فإن “آدم سيدجويك Adam Sedgwick” – جيولوجي وأستاذ مساعد في كلية “ترنتي” بكامبردج –  في الملاحظات التمهيدية عن محاضرات “ليفنجستون” عام 1858م قد عبر عن أمله في أن الكتاب الذي بين يديه لابد أن يعزز من ’’السبب الجيد والعظيم للحضارة، والحب الأخوي والحقيقة المسيحية، ويشجع مبشري الإنجيل في حمل رسالة السلام إلى أفريقيا الفقيرة المظلمة‘‘. وليس من الغريب أن تعليقه مفعم بالإشارة إلى أعمال العناية الإلهية. وهي النظرية التي تشتمل على إمكانيات دينية وإمبريالية وعلمية. لأن من خلالها يمكن لـ “سيدجويك” أن يضفي الشرعية على الالتزامات الإنجيلية والمغامرات الإمبريالية لـ “ليفنجستون”. رغم أنه في نفس الوقت الذي يصدق فيه على المهمة التبشيرية البريطانية فإنه من سبيل الأمانة العلمية يؤكد على أن “ليفنجستون” قد آمن من الناحية العلمية أنه لا توجد معارف سواء كانت مقدسة أو دنيوية، يمكن أن تعارض بعضها بعضًا إذا تم استخدامها بشكل صحيح. وكان لابد لـ “سيدجويك” أن يدعم المشروع الاستعماري ضد البرتغاليين الذين يشير إليهم على أنهم ’’تجار عبيد، وكاثوليك. ولذلك، لكلا الاعتبارين، لابد أن نقاوم أي مخطط يتهدد انتشار النور المسيحي وحرية المسيحي البروتستانتي‘‘.

إن ما يطلق عليها (غائية المعرفة الجغرافية) مثل تلك التي عند “جيو” و”موري” نادرًا ما ظهرت بين الجغرافيين في نوادي الطعام، حتى بين هذا العدد الكبير من زملاء الجمعية اللذين هم في نفس الوقت أعضاء في الكهنوت الكنسي. أما اللاهوت الغائي ذو التوجهات الاستعمارية فقد شكل الجانب الأكبر من هذا الخطاب. وبينما كان يتم توظيف اللاهوت الطبيعي السابق بأشكاله المختلفة لخدمة النظرية، فإن اللاهوت الغائي قد اُستخدم كدعامة خطابية للاستعمار، وتم توظيفه بشكل مستمر بغرض إضفاء الشرعية على الأفعال السياسية. بالإضافة لذلك، فإنه كما قال “آلفريد شارب” في السنوات الأولى من القرن العشرين ’’إن الكنيسة هي التي قامت بالخطوات الأولى نحو الاحتلال، وكذلك الحضارة وتطوير المستعمرات – وهي ذاتها الملاحظة التي أكدها “بارتل فرير” قبله بسنوات عندما أكد أن العدد الكبير من محطات التبشير قد شكلت مجتمعة قوة ضخمة للاكتشافات الجغرافية والعلمية‘‘.

الطموحات العلمية

إن الإطار المؤسسي للجغرافيا الفيكتورية، والمد الإرسالي، والدافع الإمبريالي، قد سارت جميعًا بسلاسة بسبب الشخصية المنفتحة للسير “رودريك مرتشيزون ” الذي صاغ كل تلك الموضوعات في قالب واحد. ورغم ذلك سيكون من الخطأ اعتبار الأسلوب المرتشيزوني هو الأسلوب الوحيد المميز في تلك الفترة. فهناك شخصيات أخرى عديدة – شخصية أساسية من بينها هي “ماري سمرفيل Mary Somerville”-  كان همها الجانب المعرفي للجغرافيا كعلم قائم بذاته يسير جنبًا إلى جنب مع التطورات العلمية بدلاً من النظر إليها على أنها مجرد مساعد للاستكشاف التجاري أو أنها مستودع ليوميات السفر. ولنكون على يقين، فإن هذا لا يعني أن السعي وراء الجزء المعرفي في المخطط العلمي للأشياء لم يكن متوافقًا مع الهدف الإمبريالي؛ أنه يشهد فقط على امتداد آخر في بداية الجغرافيا الاحترافية.

 كان اهتمام “ماري سمرفيل” في الطبعات المختلفة لكتابها الشهير (الجغرافيا الطبيعية) هو جعل قرائها على اطلاع بالنتائج الجغرافية ’’للتطور المتسارع الحديث للعلم والإرساليات الضخمة في البحر والبر، ليس لمحض التسلية، ولكن لأجل البحث العلمي الدقيق‘‘. وقد أدى هذا العمل إلى أن تنال الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية الملكية، وانتخابها عضوًا في الجمعية الأمريكية، والجمعية الإحصائية، والجمعية الجغرافية الإيطالية، والعديد من الميداليات، والكثير من المديح الشخصي من “ألكسندر فون همبولت” الذي كان متقدمًا في السن آنذاك.

وحقًا كان لها موقع مثالي لتقوم مقام الوسيط العلمي بين الجغرافيين. فقد برهنت على براعتها في الميكانيكا السماوية لـ “لابلاس” في (ميكانيكا السموات) 1831م، وبراعتها في الرياضيات النيوتونية في كتابها (1834) عن (الصلة بين العلوم الطبيعية). ووفقًا لذلك فإن كتابها الأخير (الجغرافيا الطبيعية) قد صُمم لجعل الجماعة الجغرافية على اطلاع بالتطورات في علوم الفلك، والجيولوجيا، والجغرافية الحيوانية، والمغناطيسية الأرضية، والجغرافيا النباتية، وجغرافية المحيطات.

لقد كان كتاب (الجغرافيا الطبيعية) قمة المجد المعرفي لالتزامها الطويل بالنموذج البيكوني عن التكامل العالمي. ولذلك فإن صفحة العنوان في الطبعات المتعددة لكتابها (الصلة بين العلوم الطبيعية) قد تزينت بكلمات “بيكون”: ’’لا يمكن دراسة ظاهرة طبيعية بالشكل الملائم بمفردها، فحتى يتم فهمها بشكل جيد فلابد من دراستها في صلتها بالطبيعة ككل‘‘. وتلك الفكرة عن الترابط بين الظواهر أو الترابط الماهوي بين الأشياء كانت هي الرؤية الجغرافية التي دافع عنها رجال من أمثال “ألكسندر فون همبولت” و”كارل ريتر” في القارة الأوربية. وأصبحت رؤية “ماري سمرفيل” أيضًا. فلو كان للجغرافيا هوية مستقلة فلابد من إيجادها هنا..في قدرتها على دمج العناصر المنفصلة في الحياة والعالم داخل نسق كلي متماسك. وحتى يكون كلامنا دقيقًا، فإنه على المدى الطويل قد فقدت هذه الرؤية بريقها، كما أن تشظي واحترافية المعرفة العلمية قد اعتبرها رؤية قديمة الطراز، أو على أنها شىء ما أكثر بقليل من كونه مجرد خطابة. أما في أيام “سمرفيل” فلم تكن تلك الإلهامات ممكنة التحقق فحسب، بل كانت أساسية. وحقيقة أن (ملكة العلوم) قد تشغل نفسها بهذا الموضوع كان أمرًا مرحبًا به من جانب الجغرافيين.

ورغم ذلك فإن المعرفة الكلية لم تكن تستحوذ على تصور “ماري سمرفيل” عن مهمة الجغرافيا. فبالنسبة لها فإن الجغرافيا تتجاوز حدود الوصف التكاملي، فهي علم سببي عن التوزيعات. وقد وضحت ذلك قائلة: ’’إن الجغرافيا الطبيعية هي وصف لليابس، والبحر، والهواء، بسكانها من الحيوان والنبات، وتوزيع تلك الكائنات، وأسباب تلك التوزيعات‘‘. وليست تلك الأسباب بيئية فحسب، فهناك العامل الإنساني الذي يتدخل في النظام الطبيعي وفي نظام الكائنات العضوية. ’’فتأثير السمو العقلي للإنسان على الحيوانات الدنيا، بل وحتى على ظروفه الخاصة، من خلال إخضاع بعض أقوى عوامل الطبيعة لإرادته…بالإضافة إلى العلل الأخرى التي لها التأثير الأعظم على الحالة الطبيعية والأخلاقية، هي من أكثر الموضوعات المهمة في هذا العلم‘‘.

ووفقًا لذلك فإن ” سمرفيل” قد شملت داخل موضوع الجغرافيا الطبيعية التفكير في جغرافية السلالات البشرية وتأثيرات الحضارة الإنسانية على سطح الأرض. وذلك النمط البيئي لافتراضات “سومرفيل” يتماشي تمامًا مع الجغرافيا النظرية في الولايات المتحدة في مرحلة ما قبل الداروينية. وأسس اللاهوت الطبيعي التي ارتكزت عليها الجغرافيا الأمريكية واضحة بشكل كبير في فكر “سمرفيل”. ولذلك لا يدهشنا تحمسها الشديد لكتاب (الجغرافية الطبيعية للمحيطات) للملازم موري. ولذلك أصرت على أن أنماط المراكز الحضارية الإنسانية إنما تعكس الترتيبات الأخلاقية للمناخ. كما توضح ترتيبات الحكمة الإلهية. فالزلازل والسيول هما وكيلان مهيبان رهيبان للقدرة الإلهية. وقد أدت المناهج الزراعية غير المسئولة عن تقديم محاصيل هزيلة بشكل حتمي ’’فأعمال الخالق متوازنة بشكل جميل، ولا يستطيع الإنسان أن يخرق قوانين الخالق دون عقاب‘‘.

لقد كانت الجغرافيا في أمريكا وبريطانيا في مرحلة ما قبل الداروينية مشروعا متنوعا يشمل سلسلة هائلة من المفردات والممارسات، نشأ من تنوع الاهتمامات المعرفية والاجتماعية. أما عن صلات الجغرافيا، فإنها قد لجأت إلى استخدام اللغة الكارتوجرافية، وأدب الرحلات، والنثر العلمي، شملت ممارستها أدوات الاستكشاف، وتقنيات المسح، ومهارات الرسامين الإيضاحيين، فضلاً عن تعهدها بالسياسة الحكومية (في المكان in situ). وتعددت دوافعها بدءًا من النهم التجاري للعصر الإمبريالي، إلى الاهتمام بتقديم الجغرافيا داخل هوية معرفية متسقة، إلى دافع التبشير بالمسيحية في العالم، إلى الرغبة في استخدام المعرفة الجغرافية لتأكيد الإيمان بتصميم الرب في العالم.

ورغم هذا التنوع الهائل يمكن للمرء أن يتلمس خطين أساسيين في سياق التراث الجغرافي في مرحلة ما قبل الداروينية. ومنهما استنبطت عنوان هذا الفصل. فهناك أولئك الذين شغلوا أنفسهم بالنظرية الجغرافية بشكل كامل. وشيدوا صرح العلم بإصرار على فكرة التصميم. فالجغرافيا في شكلها النظري هي بالنسبة لهم علم الغائية. وعلى النقيض، هناك أولئك الذين انخرطوا في الممارسة الجغرافية. وانضموا إلى جماعة نوادي الطعام. ونادرًا ما أثاروا قضايا من هذا النوع. فعلى سبيل المثال تختفي المفردات الغائية في إسهامات المحترفين الأوائل في الجمعية الجغرافية الملكية التي تمركزت أعمالها كما رأينا حول المال والأعمال والوصف الإقليمي والتحقيقات وتدعيم التوسع البريطاني عبر البحار.

وهناك الكثير الذي يمكن قوله عن الاختلاف بين جماعة نوادي الطعام كما قدمتهم على أنهم المحترفين الأوائل في مؤسسات مثل الجمعية الجغرافية الملكية، وبين المدافعين عن حجة التصميم الذين هم مفكرين نظريين أصروا على تلمس اليد الإلهية العليا خلال تحكمها في العوامل والعمليات الجغرافية. ورغم ذلك، فإنه كما رأينا فإن (الغذائي) و(الإلهي) كانا لابد أن يجدا أنفسهما في تدعيم مشترك للتوسع الاستعماري.

وكما أزاح المستكشفون الظلام الكارتوجرافي الذي حجب أجزاء داخلية شاسعة في أفريقيا وأمريكا، فإن مفسري الحكومة الإلهية قد ركزوا على الشعاع الإلهي الذي يضيء الظلام الروحي. ولم يكن ينظر إلى المغامرة الاستعمارية على أنها تجلٍ للنظام الإلهي فحسب، بل كانت إمكانية لتوسيع ذلك العلم الشاق أيضًا. وكما لاحظ “فيلكس دريفر Felix Driver” حديثًا: فإن ’’أيقونية الضوء والظلام، قد جسدت صورة قوية عن العرقية، والعلم والدين، ورسمت الاختراق الأوروبي لقارة أفريقيا كما لو كانت في نفس الوقت عملية من السيطرة والسيادة، والتنوير، والتحرر‘‘.

 وبالتأكيد تنوعت الهزليات المتجسدة في هذا التوحد بين الخطابة الدينية والنظرية العلمية والتطبيقات الاستعمارية. ولكن هدفي في الإشارة إلى هذا الترابط ليس تقديم تعليق أخلاقي بقدر التأكيد على أن الأيديولوجية الإمبريالية قد شملت غائية اللاهوتيين الطبيعيين والممارسات التوسعية للسياسات الاستعمارية. وقد وجدت الجغرافيا نفسها منخرطة في كليهما بشكل مباشر كما رأينا.

ولهذا كله، كان هناك انقسام جوهري – سواء في الموضوع أو في المنهج – بين ممارسي الجغرافي في الهواء الطلق، والفلاسفة النظريين، ولأصحاب الخطابة كذلك. ركز الممارسون الجغرافيون جهودهم على جمع المعلومات الاستقرائية عن العالم، وكثيرًا ما كانت هناك ممارسات تلفيقية في جمع المعطيات والوقائع حتى تتناسب مع مصالح القوى الاستعمارية. أما الفلاسفة النظريين فكانوا على النقيض. فقد أرادوا أن يضعوا هذه الموضوعات الجغرافية الخاصة في سياق غرض كوني شامل، وأن يتعرفوا في العوامل الجغرافية على التغير الذي تحدثه اليد الإلهية الخفية. وأؤكد أنه في كل من بريطانيا وأمريكا، قد ساعد هذا الاستغراق المزدوج في تشكيل بنية ومحتوى وخصائص العلم الجغرافي في مرحلة ما قبل الداروينية.

هذا الانقسام بين النظرية والممارسة لم يعد أمرًا مهما بالنسبة للمتحمسين للجغرافيا باعتبارها علما تطبيقيا في الدراسات الجامعية. ولكننا أردنا أن نوضح فقط كيف تكاملت النظرية مع الممارسة في العصر الذي تحدى فيه داروين العلم الغائي أو كما كان يسمى (العلم التسبيحي doxological). والاحترافية الأكاديمية التي سلمت بمحض الوصف الإقليمي باعتباره مادة علمية خاما قد فرضت تحديات جمة أمام الجغرافيين في عصر ما بعد الداروينية.

2020-02-06T01:06:17+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا