مستكشفون الجغرافيا في عصر التنوير

 مستكشفون الجغرافيا في عصر التنوير

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الرابع من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

يمكن القول إن هناك الكثير من موجات الفكر التي ظهرت وشقت طريقها منذ أواخر القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر. وقد ازدهرت الجغرافيا بشكل واضح في تلك الفترة على يد شخص لم يكن جغرافيًا على الإطلاق في حقيقة الأمر، إنه “روبرت بويل Robert Boyle” (1627- 1691م) الأب المؤسس لعلمي الفيزياء والكيمياء في إنجلترا.

روبرت بويل Robert Boyle

 وكنتيجة للانفتاح والاستحواذ الأوروبي على العالم في القرن السابع عشر؛ فقد تملكت نزعة السفر من شتى أنواع البشر في تلك الفترة. وكان بويل من بين هؤلاء. وقام بالرحلة الأوربية العظيمة وهو في سن الثانية عشرة من عمره. وقد لازمته تلك الخبرة المبكرة طيلة حياته. ولم يكن من الغريب أن يلجأ إليه بعض العلماء وغيرهم من الفضوليين – وقد بات من أكبر رجال العلم في إنجلترا – ليسألوه كيف يمكنهم الاستفادة من رحلاتهم إلى أقصى حد ممكن؟

ونتيجة لإلحاحهم المتكرر فقد أوكل “بويل” لنفسه مهمة وضع دليل يشتمل على الخطوط الإرشادية لكيفية جمع وتصنيف التاريخ الطبيعي لأي إقليم من الأقاليم، موجهًا بعض إرشادات محددة لأولئك الذين يسافرون إلى الشرق الأقصى وتركيا وغينيا والعالم الجديد. وقد اعتقد “بويل” أن هذا المشروع على قدر كبير من الأهمية النظرية والعملية، فيقول:

’’نظرًا للتطورات العظيمة التي لحقت مؤخرًا بالتاريخ الطبيعي – وهو الأساس الوحيد اليقيني للفلسفة الطبيعية – بسبب رحلات النبلاء والبحارة وغيرهم، ونظرًا للأضرار الجسيمة التي لحقت بالعديد من الرجال أثناء تلك الرحلات لعدم معرفتهم بالأشياء التي يجب معرفتها قبل الذهاب إلى البلاد التي ذهبوا إليها، أو بأي المناهج يجرون أبحاثهم عن الأشياء التي يريدون معرفتها هناك؛ فقد رأيت أنه من المقبول أن تتاح لهم بعض التوجيهات العامة بخصوص السفر إلى أي بلد بشكل عام، مع التوقف في أضيق الحدود الممكنة عند التوجيهات الخاصة بالسفر إلى بعض البلدان‘‘.

وقد اختار “بويل” موضوعات لها قبول ليضمنها في نطاق المنهج الاستقرائي. فقد أكد على الخصائص المتنوعة للبيئة المادية. وأصر على ضرورة جمع المعلومات الإثنوجرافية عن الشعوب الأصلية وتراثها المتنوع. ولم ينس ضرورة استكشاف الإمكانيات الاقتصادية للإقليم؛ فقد حث المسافرين على ضرورة التنبه للعلامات التي تدل على وجود معادن على سبيل المثال. وظهر مؤلفه بعد أن زادت عليه يد أخرى، وذلك تحت عنوان (خطوط إرشادية عامة عن التاريخ الطبيعي لأي بلد صغيرا كان أم كبيرا) عام 1692م، أي بعد عام واحد على وفاته. ويذكرنا هذا الاهتمام من جانب “بويل” في أواخر حياته بالروابط القوية بين الرحلات والتاريخ الطبيعي والجغرافيا الإقليمية.

إن التوسع في طرق التجارة الألمانية خاصة في جنوب شرق آسيا عبر مكاتب شركة الهند الشرقية الألمانية، وكذلك الاستثمارات الإنجليزية في كل من الشرق الأقصى وإنجلترا الجديدة، قد سارا جنبًا إلى جنب مع تراكم المعارف الجغرافية الدقيقة، إضافة إلى تطور المعطيات الإمبريقية عن سطح الأرض. ولابد أن نشير هنا إلى أن “بويل” نفسه قد شغل منصب مدير شركة الهند الشرقية حتى عام 1677م، هذا بجانب ترأسه لجمعية إنجيلية تبشيرية، وقد دعم هذا من اهتماماته الاقتصادية والإنجيلية في رحلاته عبر البحار.

 وبناء على ذلك، يمكننا القول أن المعرفي والتجاري قد استمرا في خدمة بعضهما بعضا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر فيما يتعلق بمجال المعرفة الجغرافية بشكل لا يقل عما حدث في أي من العلوم الأخرى. وقد ساعد ما قام به بويل العجوز في مجال المسح الإقليمي على تعزيز الروابط طويلة الأمد بين الجغرافيا والاهتمامات الملاحية، وكذلك أيضًا بالفلسفة الميكانيكية. فبالنسبة له فإن هدف العلم هو تقديم تعبير رياضي عن القانون الطبيعي، وبالتالي تدعيم التصور الرياضي عن النظام الطبيعي. وقد كانت الجغرافيا تُدرس مع علمي الفلك والرياضيات في الجامعات لفترة طويلة. ولذلك اندمج جزء كبير من التراث الجغرافي بما يعرف على أنه المعرفة الدقيقة عن رياضيات الكون. وكان لهذا الأمر نتائج عملية مباشرة على الملاحين ورسامي الخرائط الذين تعتمد سبل رزقهم على مدى كفاءتهم الرياضية والتقنية.

وارتباط الجغرافيا بالاهتمامات الرياضية كانت له بواعث نظرية وعملية. فقد كانت المعارف الجغرافية في طليعة العلوم التي تشملها مناهج الدراسة في الجامعات، كما كانت في نفس الوقت تخدم المصالح التجارية لطبقة التجار. فالجغرافيا بدقة كانت من العلوم القليلة التي حافظت على الروابط بين الدراسة الأكاديمية ومهارات الحرفة، أو بين النظرية والتطبيق. وكما أكد العديد من المؤرخين حديثًا فإن الجغرافيا قامت بدور محوري في نشأة العلم الحديث(5)، وكما يقول “ليسلي كورماك Lesley Cormack”:

’’إن الجغرافيين الذين أرادوا زيادة وتطوير معرفتهم بالعالم، عليهم أن يكونوا مفكرين نظريين وممارسين وسياسيين. فالجغرافيون ليسوا أكاديميين ولا مهنيين ولا رجال دولة، بل هم الثلاثة معًا. ولذلك فإن الجغرافيا هي نموذج لنمط معين من البحث سمح للممارسين في القرن السابع عشر أن ينفصلوا عن المدرسية ليدخلوا غمار عصر جديد ‘‘.

وبالإضافة إلى ذلك، بدأت العديد من المجالات التي تدخل ضمن نطاق الجغرافيا بشكل تقليدي في تلك الفترة في اختبار الأساليب الكمية العلمية. وقد لاحظنا بالفعل أن “وليام بيتي William Petty” – (معاصر لبويل ضمن العلماء الموهوبين في لندن ومسَّاح أراضي لممتلكات بويل في أيرلندا) – قد طور من الديموجرافيا الإحصائية من وجهة نظره السياسية. وكانت هناك مجالات أخرى لا تزال تسيطر عليها الرياضيات البابوية. وفي بداية الستينيات من القرن السابع عشر على سبيل المثال، كان “كريستوفر رين  Christopher Wren” (عالم آخر في دائرة بويل العلمية) قد اخترع مقياس من مقاييس المطر المبكرة في انجلترا، وهي أداة بارعة من المبتكرات العلمية التي يمكنها تسجيل سقوط المطر على مدار الساعة. وقد حفظ “جون لوك” جميع سجلاته عن الطقس خلال الربع الأخير من القرن. ولا شك أن المجهودات الأولى في الأساليب الكمية لم تنفذ إلى كل جوانب المعرفة الجغرافية. ولكنها عندما توحدت مع المهارات الرياضية المعروفة منذ فترة طويلة في مجالي الملاحة ورسم الخرائط فإنها قد فتحت خطوط اتصال بين الجغرافيا والفلسفة الميكانيكية الجديدة.

وبناء على ما سبق فلو أن اسم “روبرت بويل” قد يساعد على توعيتنا بمآثره الحية الراسخة بالفعل في مجال الجغرافيا، أي في الرحلات والتطبيقات الرياضية، فربما يكون من الأكثر ملاءمة أن ننظر إلى ذلك الاسم على أنه المصدر الأساسي لتطوير مجال معرفي كان له أكبر الأثر على الجغرافيا، وهو اللاهوت الطبيعي.

اللاهوت الطبيعي والتاريخ الطبيعي

إن تحمس “روبرت بويل للفلسفة الميكانيكية بخلاف ما تبدو عليه من نزعة مادية وإلحادية كان جزءًا من إيمانه المسيحي في حقيقة الأمر. فإدراك العالم على أنه آلة عملاقة إنما يتفق وإيمان بويل بعظمة الهندسة الإلهية. وقد أصر بويل على أن العالم أشبه بساعة نادرة مثل تلك الموجودة في ستراسبورج، حيث كل الأشياء مخطط لها بمهارة فائقة وفقًا للتصميم الأول للمهندس.

ولا شك في أن بويل قد أراد مقاومة أية استدلالات ربوبية قد تبدو متضمنة في اللاهوت الذي يظهر فيه أن الرب قد وضع العالم في وضع حركة ثم عاد ليستريح. وقد بذل قصارى جهده ليمنع استنباط تلك النتائج بتأكيده على إيمانه بالمعجزات والتدخلات الإلهية الأخرى. وفيما يخص موضوعنا هنا، فإن ما يهم هو أن حجة بويل قد صُممت بشكل دقيق لتؤكد على الرابطة الجوهرية بين الفلسفة الطبيعية والإيمان المسيحي. فبالنسبة له فإن آلة العالم ليست قطعة تكنولوجية مستقلة، بل يمكن القول عنها إنها أشبه بساعة إلكترونية مزودة بعناية إلهية يشبه مصدر الطاقة الذي يضمن استمرار عملها.

إن جهود بويل للبرهنة على التصميم الإلهي المحايث في الطبيعة توضح وتفصل نفسها في مجالات مختلفة ومتنوعة. أولاً: على أن تركيب وبنية السموات كاف بأن يوحي بالقدرة الإلهية على حفظ  الأجرام السماوية في حركة. وأيضًا، أكد على أن الملاءمة الرائعة لكوكب الأرض ككوكب للجنس البشري توضح القدرة الحكيمة لعقل إلهي فائق. والأكثر أهمية للجغرافيا أن بويل قد أكد أن الحيوانات والنباتات تقدم دليلاً على كونهم مصممين بدقة للبيئة التي وجدوا أنفسهم فيها.

وقد انتشر المنظور الغائي الذي عول عليه بويل ليحمل عليه العلاقة بين الدين والعلم بعد وفاته. وتم تطوير هذا النموذج من التفكير الذي أطلقه في كتاب “الدين الطبيعي” في القرن الثامن عشر. وألقت كتابات بويل بظلالها طويلاً على تاريخ الفكر اللاحق عليه في اللاهوت الطبيعي. ولم تكن محاضراته أقل أهمية. فقد كانت أشبه بعظات كنسية بالفعل، أراد منها أن تكون دحضًا للإلحاد. وبعد ذلك قام عدد من العلماء من أمثال “وليام ديرم William Derham” و”جون وودوارد John Woodward” – وسوف نشير إلى كل منهما بعد قليل-  بتحرير هذه المحاضرات ووضعوا حجج اللاهوت الطبيعي في قلب دراسات التاريخ الطبيعي. وسوف يشار إلى اصطدام مباحث اللاهوت الطبيعي بالموضوعات الجغرافية في القرن الثامن عشر بالتفصيل في موضع آخر. أما في سياقنا الحالي سنجري مسحا مختصرا لبعض المعالم الأساسية في نطاق اللاهوت الطبيعي والتي ستكون كافية لتوضيح الهجوم على التفكير الغائي عند دراسة العالم الطبيعي.

ويمكن لنا أن نستعرض أعمالا أخرى عديدة في نطاق اللاهوت الطبيعي. فعلى سبيل المثال هناك نظريات الأرض التي قدمها “جون وودوارد John Woodward” والتي تختلف جذريًا عن فروض “بورنيت” الهشة. وكذلك أيضًا نظرية ” وليام وستون William Whiston”. ونشر عمليهما قرب نهاية القرن. ويستحقان إمعان النظر فيهما. ولكننا قلنا ما فيه الكفاية عن تلك الموضوعات التي ظهرت عندما احتلت الجغرافيا موضعا متقدما في سياق اللاهوت الطبيعي. فعلى سبيل المثال فكرة “الدورة الهيدرولوجية hydrological cycle”، رغم أنها مفهوم جغرافي في نشأته وتطوره إلا أنه كان أحد أكثر الوسائل المشتركة للتواصل بين الجغرافيا ومبادئ اللاهوت الطبيعي في هذا العصر.

وقد يكون هذا الأمر فيه مغالاة إلى حد بعيد إلا أنه يذكرنا بالعلاقة الخاصة بين المعرفة الجغرافية واللاهوت الطبيعي في العقود الأولى من القرن الثامن عشر. ولا يمكن رؤية ذلك بشكل أوضح عن تطور الجغرافيا الألمانية في تلك الفترة. فعلى سبيل المثال، قام كتاب “الجغرافيا الجديدة Neue Erdbeschreibung” المؤلف من احد عشر جزءا والذي وضعه “أنتون فريدريش بوشينج Anton Friedrich Busching” (1724- 93) على الإيمان بالغائية في الكون.

فبالنسبة له فإن سبب وجود الجغرافيا يكمن في دراستها للطريقة التي يظهر فيها الاختلاف والتنوع على وجه الأرض، من مؤسسات سياسية، وعلاقات تجارية، وتاريخ استعماري، وهويات قومية، وكلها تعكس هيمنة حكم العناية الإلهية. ولذلك فإن الحدود الجغرافية لم تنشأ مصادفة، ولم تنشأ بإرادة الأمم، وإنما أنشأتها العناية الإلهية القادرة والحكيمة. وبجانب وجهات النظر السياسية تلك فإن “بوشينج” لم يفته التأكيد على أن الاقتصاد البيئي يشهد على تحكم العناية الإلهية أيضًا، فالوفرة في بلد ما تسد احتياجات بلد ما آخر.

وكان “بوشينج” مثله مثل اللاهوتيين الطبيعيين يؤكد على ضرورة استقاء المعلومات مباشرة من الخبرة، مفضلاً كلمات الرحالة البسطاء عن أولئك الأكاديميين الذي لا يبارحون مكاتبهم أو كراسيهم. ورغم ذلك فإن الانتصار للملاحظات الحسية في سبيل دقة الموضوعات لم يجعل من الجغرافيا علمًا أفضل، بل شجع النزعة الإنسانية. وقد أكد “بوشينج” على أنه لابد أن يتم النظر إلى الاختلافات السلالية في سياق العوامل البيئية مثل أثر الطقس والتنوع الإقليمي واختلاف النظام الغذائي وهكذا. وقد تبنى ما يمكن أن نسميه “النسبية الاستطيقية أو الجمالية” والتي مؤداها أن مفهوم الجمال هو مفهوم نسبي يختلف من سلالة إلى أخرى وأنه لا يمكن تأسيس الحكم الجمالي بشكل موضوعي على معايير ثابتة للجميع. وقد لاحظ أن ساكني (الأقاليم المعتدلة مناخيًا) شقر البشرة أو بشرتهم أفتح لونًا من غيرهم. ’’لكن عما إذا كانت تلك البشرة هي البشرة الأجمل بين الأجناس أو أن المغربي أو الأسود لا يمكن اعتباره جميلاً، فأنا أترك هذا الحكم بشكل غير متحيز للآخرين‘‘. ورفض أيضًا افتراض الدونية الثقافية الفطرية. فقد أكد على أن ’’ساكني جرينلاند أو لابلاند أو المغاربة أو الهوتنتوت هم أذكياء بطريقتهم الخاصة مثلهم في ذلك مثل أي شخص في أكثر الأمم تحضرًا. ولو أتيحت لهم الفرص والإمكانات لتطوير وعيهم وتنظيم عواطفهم مثلما يفعل الآخرون، فلن يكون الشخص منهم متدنيًا عن غيره في الأمم المتحضرة بأي شكل من الأشكال‘.

بالإضافة لذلك استحضر “بوشينج” تقنيات إحصائية جديدة في مجال الخطاب الجغرافي. ومن الأهمية المحورية هنا أن نشير إلى اعتماده على العمل الديموجرافي لـ “يوهان بيتر زسميلش Johann Peter Sussmilch”، وله كتاب ألفه في 1724م يجعل منه مؤسس إحصائيات السكان في ألمانيا وفقًا لـ “مارجريتا بوين Margarita Bowen”، وهو كتاب (النظام الإلهي في تنوعات الجنس البشري). وكما يوضح عنوان الكتاب فإن “زسميلش” كان متحمسًا أيضًا للاهوت الطبيعي. وكان يقدر بوشينج بشكل خاص. واستمرت تصوراته عن اللاهوت الطبيعي في التأثير على التراث الجغرافي في ألمانيا حتى الجغرافيا الطبيعية في منتصف القرن التاسع عشر عند “ك. ف. ر شنايدر K. F. R. Schneider.”.

إن الطرق والوسائل التي خدم فيها كل من الجغرافيا واللاهوت الطبيعي بعضهما البعض لم تكن حكرًا على المجال المدرسي أو الأكاديمي بكل تأكيد. ففي بدايات القرن الثامن عشر استخدم اللاهوتيون ورجال الكنيسة وسائل عديدة لتمديد المعرفة الجغرافية لأجل أغراض دينية خاصة بجمهورهم من المؤمنين. فعلى سبيل المثال قدم “إدوارد ويلز” (الجغرافيا التاريخية في العهد الجديد) عام 1708م، ثم أتبعه بأجزاء مساوية عن العهد القديم. وقد أريد من ذلك إعادة أحياء النص الإنجيلي بتقديمه لقراء الجغرافيا والتاريخ عن المواقع والأماكن التي تم ذكرها في الكتاب المقدس. وأيضًا نشر “إسحاق واطس Isaac Watts” مؤلف الترانيم ومعلم الألوهية كتاب (المبادئ الأولى لعلمي الفلك والجغرافيا) عام 1726م. وقد تم تأليف هذا الكتاب بغرض تعليم الصغار وتعزيز معرفتهم بالكتاب المقدس. ’’لأن الأرض هي مسرح كل الأحداث العظمى فإن الإنجيل قد سجلها كلها‘‘. وقد رأى “واطس” أنه من المستحيل أن نفهم تاريخ خلاص شعب إسرائيل بشكل كامل ’’دون بعض المعرفة الجغرافية بتلك البلاد‘‘. وكان لهذا العمل أغراض أخرى بجانب تعزيز القيم الإيمانية، ’’كانت سلالات الهوتنتوت مشهورين بحماقتهم … ويُعتقد أنه ليس لهم من الطبيعة البشرية سوى هيئتهم فقط‘‘. ولكنه أكد من ناحية أخرى أنه ربما تكون بعض الكواكب ’’عوالم مسكونة بعدد كبير ومتنوع من السكان يسبحون بحمد خالقهم العظيم‘‘.

بالإضافة لذلك كانت هناك وسيلة تواصل مع الجمهور أكثر تأثيرًا بشكل كبير عن النصوص الأساسية أو الكتب الأكاديمية، ولكن تلك الوسيلة تم تجاهلها من جانب مؤرخي المعرفة الجغرافية. وتتمثل تلك الوسيلة في العظات الكنسية. وكانت موضوعات مثل الطبيعة والثقافة والبربرية والتحضر هي موضوعات أساسية يعتمد عليها الوعاظ. فالعالم بالنسبة للمؤمنين يدل على مهندس إلهي بارع، وبالتالي يمكن تحليل بنيته العقلية من خلال تدقيق النظر الديني. وفي الوقت نفسه هو موضع للغموض والخبرة المتعالية. فالعالم أيضًا تعبير عن فاعل روحاني غير قابل للإدراك. ويؤكد الجانب العقلاني من عملية التطهر على عمل يدوي منظم للخالق، وهذا دافع أو محفز لعملية التطهر. وعلى النقيض أيضًا تؤكد النزعة التطهرية على غموض العالم الطبيعي. ولتوضيح الأمر سأركز على موضوع معين، وهو موضوع الزلازل. وذلك لتوضيح الدور الذي يمكن أن تلعبه المعرفة الجغرافية في الاقتصاد الأخلاقي. صحيح أن هناك موضوعات أخرى عديدة يمكن تناولها في هذا الصدد مثل علاقة الحب أو الكراهية من جانب العلماء والوعاظ في إنجلترا الجديدة تجاه الغابة أو البرية، أو موضوع التقديس الصوفي للطبيعة من جانب “جوناثان إدواردز Jonathan Edwards”، وكل تلك الموضوعات ستكون لها أهمية في هذا الجانب. ولكن ظاهرة الزلازل توضح بشكل طريف ذلك التوتر بين المناهج الطبيعية والمناهج الأسطورية في التعامل مع الطبيعة.

كانت العظات عن الزلازل في الفترة (من 1693م إلى 1755م) تميل إلى التفسير العقلاني للظاهرة، بمعنى أن هناك أسبابا طبيعية يجب تفسيرها وتوضيحها في حدود وسائل التحقق العلمي. وبالتأكيد كان هناك البعض الذي يستخدم ظاهرة الزلازل لتأكيد التدخل الإلهي في الطبيعة، ويعزز ذلك بالتأكيد من فكرة غموض الحياة. ولكن ما كان شائعًا أكثر في تلك الفترة هو استخدام ظاهرة الزلازل كوسيلة للحث على تقويم السلوك الأخلاقي. ولذلك نجد في عظات “توماس دوليتل Thomas Doolittle” عددا هائلا من التفسيرات السوفسطائية عن الزلازل صور فيها بعض الحوادث التي تنذر بارتجاج الأرض. وكانت تلك التفسيرات متشابكة مع التفسيرات العلمية التي يمكن أن تفسر الظاهرة. وفي نهاية الأمر كان يشار إلى الزلازل باعتبارها حوادث خارقة للطبيعة تدل على الغضب الإلهي. وبالتالي كانت تستخدم كأساس لإعادة صياغة الأخلاق من خلال تحول مبدع من الخوف من الموت، إلى الخوف من الرب.

 بتعبير آخر كانت الزلازل أمثلة درامية على الصلات الوثيقة بين الفيزياء الإلهية والحكومة الأخلاقية في هذا العالم. وتم استخدام الرعب الذي يعايشه الناس بسبب الزلازل كقوة دافعة نحو التغير الاجتماعي. ومن خلال توسع نظرية التطهير التي يتم فيها النظر إلى كل المخلوقات على أنها لأجل الأغراض الإنسانية، عمل الوعاظ على تصوير الطبيعة والثقافة والبيئة والمجتمع من خلال التأكيد على الاعتماد المتبادل بين ما هو عقلاني وما هو أخلاقي.

بعد أن أشرنا بشكل سريع لخصائص جغرافيا اللاهوت الطبيعي التي ازدهرت في القرن الثامن عشر، وبعد أن أشرنا إلى بعض الملاحظات عن المصالح المجتمعية التي تخدمها، لابد أن نتوقف الآن لنفكر في الحركات الفلسفية التي ظهرت في سياق هذا المشروع الكلي. ودعنا نؤكد بداية أنه يمكن تلمس اللاهوت الطبيعي بالعودة إلى الشخصيات الأساسية مثل “أوغسطين” و”توما الأكويني” و”سكوتس”، ولكن المعطيات العلمية في القرن الثامن عشر كانت أكثر بروزًا في النقاش والجدال آنذاك. ولكي نتعامل مع هذا النوع من القضايا محل الجدال سيكون من المفيد بداية أن نميز بين نمطين في حجة تصميم الكون، وهما: الحجة على التصميم، والحجة من التصميم.

وبالنسبة للحجة على التصميم فإنها ربما تقول شيئًا من قبيل إن العالم مخلوق من جانب فاعل إلهي متعال، ويقدم هذا الفاعل الدليل على تصميمه أو مخططه. وهنا تعتبر فكرة التصميم لاحقة على الإيمان بوجود الرب، فتسير الحجة من الرب إلى التصميم. أما الحجة (من) التصميم فهي ببساطة على النقيض وتتحرك في الطريق الآخر، أي من التصميم إلى الرب. فالأمثلة الواضحة في العالم على وجود التصميم تقدم أسس الاعتقاد بوجود الرب. وربما علينا القول أن الأولى هي زعم اعترافي (فالاعتقاد في التصميم ينبع من الاعتقاد في الرب) بينما الثانية حجة فلسفية (يمكن البرهنة على وجود الرب من ملاحظة التصميم في العالم). ومن الصعب بطبيعة الحال أثناء قراءة نص ما أن تحدد ما هي الاستراتيجية المتبعة في البرهنة. وتستثير كلتا النسختين الاهتمام باستجواب العالم الطبيعي لأجل التعرف على تصميمه الرائع. وبقدر ما يسعى أصحاب الحجج إلى تبرير فلسفي لمعتقداتهم الإيمانية تكون هناك مناورة تصورية أساسية في تلك العملية.

ما الشيء الأساسي في بنية حجة التصميم؟ اعتقد أنه السؤال الجوهري عن الأسس الملائمة لتشييد إيمان عقلاني. بتعبير آخر: ما الذي نعتبره زعمًا عقلانيًا بخصوص شيء ما؟

بخصوص الفترة التي نتحدث عنها، ولكي نوافق على أن نسميها عصر التنوير، كانت هناك إجابة ساحقة وفاعلة على وشك الظهور. إنها التأسيسية الكلاسيكية التي هي مبدأ يصر على أن كل المعتقدات العقلانية لابد أن تؤسس على أساسي يقيني لا سبيل إلى الشك فيه. ويعني هذا أن الاعتقاد يكون عقليًا فقط لو تم تأسيسه على قضايا واضحة بذاتها للحواس. وبالتالي يترسخ الاعتقاد لمن يعتقد فيه. وبعد أن تطور ذلك المبدأ أصبح يشير إلى أن المعتقدات التي تصنف على أنها عقلانية هي فقط تلك المعتقدات المؤسسة على المنطق أو على العلم. وهكذا أصبح من الواضح أن الاعتقاد في وجود الرب لو أُريد له أن يُقبل كاعتقاد عقلاني يتجاوز محض الإيمان فإنه في حاجة لأن يتم تبريره بوسائل وأدوات الملاحظة العلمية. ولذلك نظر الكثيرون إلى التصميم الموجود في العالم على انه يقدم أساسًا لا سبيل إلى الشك فيه من أجل تأكيد المزاعم اللاهوتية. ويتضمن هذا الأمر أن الاعتقاد العقلاني في وجود الرب لا يعد أساسًا للمعرفة، بل لابد أن يتم كنتيجة للتحقق العلمي أو الفلسفي. وبالتالي أصبح من الحتمي لأولئك الذين يقبلون التأسيسية الكلاسيكية أن يتحولوا نحو التحقق العلمي في الطبيعة لصالح أغراض لاهوتية. وبالتالي انهار نمط التأسيسية الكلاسيكية بعد أن تأكد عدم ملائمته الفلسفية. فإلى حد ما المبدأ نفسه غير واضح بذاته، وقابل للشك فيه. ولا تشغلنا تفاصيل نقده هنا. وكل ما نحتاج معرفته هو أن الجغرافيا الغائية التي نناقشها هنا لها خطة معرفية مخفية في كل جزء من أجزائها تسير جنبًا إلى جنب مع خطتها الاجتماعية.

الاتجاه الكانطي

 دحض التوجه اللاهوتي في الجغرافيا

إن التحدي الأكبر ضد حجة التصميم وكذلك ضد البراهين الإيمانية على وجود الرب ربما يأتي من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804م). وسوف نتوقف عما قريب على تفاصيل إسهامات كانط في مجال الجغرافيا، ولكن المهم في البداية أن نتوقف عند آراء كانط عن طبيعة الجغرافيا ذاتها. وكان فيلسوف عصر التنوير الجليل يعطي محاضرات في الجغرافيا الطبيعية بجامعة كونسبرغ Königsberg (بروسيا) على مدار أربعين عامًا من 1756 إلى 1796م.

ويتحدد المحتوى المعرفي للجغرافيا عند كانط بشكل أساسي من خلال فهمه لموقع الجغرافيا داخل بنية تصنيف العلوم. وبالنسبة لكانط لابد أن يكون هناك تمييز جوهري بين العلوم النظرية والعلوم العملية. وتتعامل الأولى مع مجالات مثل تلك التي تتعامل معها الفلسفة والرياضيات. فهي تستمد معرفتها من محض استخدام العقل. أما الثانية فتتعامل مع عالم الخبرة والحواس. ولذلك فهي تشمل العلوم الإنسانية والطبيعية. ولذلك أيضًا – وعن فهم عميق – وضع كانط الجغرافيا ضمن مشكاة النطاق التجريبي. ومتبعًا لوصايا “بوشينج” وصف كانط الجغرافيا على أنها ذلك العلم الذي يتعامل مع الظروف الطبيعية للأرض: جبالها، وأنهارها، ونباتها، ومعادنها…الخ.

ومثله مثل الشرَّاح الجغرافيين – عينهم دائمًا على تبرير المعرفة الجغرافية والجهد المتواصل لتعريفات هذا المجال – وضع كانط الإنسان ضمن موضوع هذا العلم. وذلك لأن جسم الإنسان وثقافته ومعاييره الأخلاقية إنما تعبر عن نفسها في عالم الإحساس الخارجي. وبطبيعة الحال فقد اعتبر كانط أن كل من الجغرافيا والتاريخ يرجعان إلى نمطين مختلفين في التفسير إلى حد ما؛ فالجغرافيا تتعامل مع المكان، والتاريخ يتعامل مع الزمان. ورغم ذلك فإن وضعه للإنسان داخل نطاق الجغرافيا الطبيعية إنما يوضح أن الحدود بين التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا لم تكن قد تحددت بعد.

ولسنا في حاجة لأن نتوقف بالتفصيل عند ما قدمه كانط في مجال الجغرافيا؛ وذلك لأن معارفه الجغرافية مستمدة من المعارف التقليدية في عصره بشكل عام، ومن “بوشينج” و”فارينوس” بشكل خاص. وما هو أكثر أهمية لنتوقف عنده هو تصوره عن الدور الذي يجب أن تلعبه الجغرافيا في المعرفة الإنسانية بشكل عام. فقد آمن كانط بأن الجغرافيا إنما تمثل وسيلة لتوحيد الأفهام عن العالم. ورأى أن الجغرافيا لابد أن تساعد في تجميع المعطيات المنفصلة – وهي شذرات من المعلومات المجزأة عن عالم الخبرة – داخل وحدة المعرفة. ووفقًا لـ “هارتسهورن Hartshorne” فإن هذه الأطر العامة للمعرفة قد وجدت بؤرتها في فكرة كانط عن (الفضاء المكاني Raum) ، وهو مفهوم كلى يتم اكتشاف الموضوعات فيه بتسلسل من الأنا الإنسانية إلى الحيوانية، ويتم التعامل مع تلك الموضوعات كأجزاء من كل واحد مفرد. وهذه الفكرة بالضبط هي التي سمحت لـ “بوين Bowen” أن تؤكد بأن كانط قد ’’نسب للجغرافيا وظيفة العلم الكلي التي تحدث عنها بيكون‘‘.

وكما رأى كانط فإنه من الواضح أن مفهوم “المكان” يقوم بشكل ما كمبدأ منظم لجمع الاختلافات المتعددة في العالم الطبيعي. ولذلك نظر إلى علم الجغرافيا على أنه مجال شامل يؤلف بين مكتشفات العلوم الأخرى. وبشكل عام فإن تخصيص المجال المكاني لعلم الجغرافيا كان من جانب كانط جزءًا لا يتجزأ من اهتمامه نحو تأسيس مجموعة من المجالات الثابتة التي تختص بها علوم متنوعة. وكان هذا المشروع مشروعًا “ماهويًا” وليس مشروعًا “تجريبيًا” يسعى للبحث في ماهية الطبيعة الأصلية لعلم الجغرافيا بدلا من النظر فيما يقوله ممارسو الجغرافيا على اختلاف أنواعهم.

إن شهرة المحاضرات الأكاديمية لكانط، إضافة إلى تأثيره على “همبولت Humboldt” و”ريتر Ritter”، لا شك في أنها تمثل تبريرًا كافيًا لتلك الملاحظات السريعة عن الجغرافيا الكانطية. ولكن كما علق “هارتسهورن Hartshorne” بشىء من السخرية فإنه لو أن اهتمامنا بكانط سيتوقف فحسب عند بحثه في مكانة الجغرافيا في تصنيف العلوم فسيكون من الأكثر حكمة أن نجعل هذا الأمر مجرد حاشية تاريخية ’’بالإضافة لأشياء أخرى توضح دوره في تاريخ الجغرافيا‘‘ . ومع ذلك يستمر “هارتسهورن” ليقول: ’’إن هناك حاجة إلى المزيد فيما يمكن قوله عما قدمه كانط في مجال الجغرافيا‘‘. ومن وجهة نظري فإن هذا الموقف صحيح بشكل كامل. لأن الأكثر أهمية هو هجوم كانط على حجج وجود الرب؛ ولذلك اقترح أن نتحول الآن للبحث في هذا الموضوع.

لكي ندرك طبيعة هذا التوجه في الفكر الكانطي فإننا بحاجة لأن نفهم التمييز الذي صنعه كانط بين ما يسمى (نومينا – الشىء في ذاته noumena) و(الفينومينا – الشىء لذاته – ظاهر الشىء phenomena). وسوف نخاطر بتبسيط هذا الأمر ونقول أن النومينا يشير إلى العالم الحقيقي، ورغم ذلك فإننا لا نستطيع الولوج إلى هذا العالم بشكل مباشر لأن معرفتنا به تتوسطها دائمًا تصوراتنا المعرفية؛ فكل ما نعرفه هو الفينومينا أو الظاهر وليست النومينا أو الأشياء كما هي في نفسها. إننا نعرفها فقط كما تظهر لنا. المكان والزمان والعدد والسببية والكيانات من كل الأنواع، لا تخص العالم ذاته وإنما هي مفروضة عليه من جانب العقل. ولذلك فإن العقل هو الذي يخلق النظام ويفرض البنية على المعطيات المتشذرة المعروضة عليه. وفي عالم الحس الواقعي لا يصف العقل أبدًا حقيقة كيف توجد الأشياء في العالم، بل إنه يشكل تلك الحقيقة.

وهكذا شق كانط صدع غير قابل للرأب بين العقل والعالم. وأكد أن معرفتنا عن مجال الواقع الخارجي تسير على غير هدى. وبالتالي يكون العلم صحيحًا فقط داخل مجال الفينومينا أو ظاهر الأشياء. فهو يتعامل مع المحسوسات وعلاقات العلة بالمعلول والكيفيات الزمكانية. ولكن لا يمكن للعلم أن يخترق مجال النومينا الباطن. وبالنسبة للعلماء فإنهم لن يستطيعوا التحرر من المحددات العقلية التي يتم فيها إدراك الأشياء والحوادث في العالم. فالعالم هو مرآة العقل وليس العكس. ويتضح مباشرة من هذا المنحى الأنطولوجي (الوجودي) أن الحجج التقليدية عن وجود الرب لا تقدم معرفة يقينية بالوجود الإلهي. وببساطة فلو أن معرفة العالم في نفسه غير ممكنة أبدًا بالنسبة لنا، فإن فكرة وجود علة أو غاية في الطبيعة إنما تخبرنا فقط عن طريقتنا في التفكير. ولا يعني هذا بالطبع أن نقول أن كانط يرفض بالضرورة الاعتقاد في وجود إله، بل نقول أن المعرفة الميتافيزيقية لا يمكن تحققها من خلال الدقة العلمية. وبالفعل يراوغ كانط مرارًا في أن إنكار معرفة الرب علميًا أنما يفسح مجالاً للإيمان. ولا نحتاج لأن نتوقف بالتفصيل هنا عند تفاصيل نقد كانط للحجج المتنوعة عن الوجود الإلهي، وذلك لأن وجهة نظره واضحة تمامًا: ’’لا يمكن الحصول على النتائج الميتافيزيقية عن الوجود الإلهي من خلال دراسة العالم الحسي. فالعلم والدين يشغلان مجالين مختلفين تمامًا‘‘.

وبناء على ذلك يمكن القول بدقة أن كانط قد حرر الدراسة العلمية للعالم الطبيعي عن اللاهوت. وقد تحدث “بورتنر Burtner” عن التحرير الكانطي للجغرافيا بعيدًا عن سيطرة اللاهوت. ويؤكد أنه بهذا قد عاد كانط بالجغرافيا إلى موضعها السابق. وكما قال “كيكرمان Keckermann”: ’’يلخص كانط الجدل الدائر بحدة صارمة مؤكدًا أن الجغرافيا لا تستطيع أن تقدم يد العون في البرهنة على وجود الرب، ولا تستطيع أن تقدم دليلاً على عدم وجوده بخلاف ما حاول الكثيرون من المتحمسين للتنوير الفرنسي أن يفعلوه. وفي تأكيده ذلك فإن كانط كان أكثر حسمًا من أستاذه “وولف Wolff”، فالجغرافيا عنده محايدة لاهوتيًا‘‘. وعند كانط ينحل الارتباط بين الجغرافيا وغائية العناية الإلهية. وربما يكون ذلك الأمر هو الخدمة الكبرى التي قدمها كانط للجغرافيا وفقًا لـ “هارتسهورن”.

لقد نشأت الجبال وفقًا لقانون طبيعي. ومهمة الجغرافيا هي دراسة ذلك بدلاً من التأمل في الدور المزعوم للجبال في الخطة الإلهية، والشيء نفسه صحيح تمامًا بالنسبة للمد والجزر، ومسارات الأنهار، وتوزيع النبات والحيوان، والعلاقة بين الكائنات العضوية وبيئتها. ولا يجب علينا البحث عن الإلوهية هنا؛ لأن الرب متحرك إلى الأبد بعيدًا عن المظاهر الخارجية لعالم “النومينا” غير القابل للمعرفة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال ألا يكون التفكير الغائي وسيلة كشفية مفيدة. فهو له قيمة تمثيلية تفترض أنماطًا ممكنة في التفسير. ويقدم لمحات عن العمليات التي تستحق الملاحظة. ولكن من المؤكد أنه لا يخبرنا أي شىء جوهري عن الأشياء في ذاتها.

وربما يكون من الخطأ أن أتلمس الدور الكانطي في استبعاد التضمين الغائي من علم الجغرافيا وكأنه المعارض الوحيد أو حتى الأساسي له. فقبل أن يعلن كانط وجهات نظره الخاصة حول الموضوع كان “جورج لوي ليكليرك George Louis Leclerc” (1707- 1788م) قد وضع نظرية كونية بمسارات طبيعية، وهو المخطط الذي عاد إليه كانط نفسه(33).

وقد تبادل “بوفون” المشرف على “حديقة النباتات” بباريس حربًا ضروسا مع كلية اللاهوت في جامعة السوربون بسبب تحديده لعمر الأرض ووضعه للجنس البشري ضمن نطاق علم الحيوان. وكانت سخريته من النظريات التي قدمها “بورنيت” و”وودوارد” أكثر أهمية من محاولته علمنة علم الجغرافيا. فقد رأى أن ما قدماه إنما هو زواج غير شرعي بين التاريخ الطبيعي واللاهوت. وقد أكد بوفون في كتابه متعدد الأجزاء (التاريخ الطبيعي Histoire Naturelle) على الفاعل الإلهي كعلة أولى للظواهر. ولكنه أكد على ضرورة أن تكون تلك التخمينات بعيدة عن مجال العلم. ولذلك بدلاً من أن ينظر إلى طوفان نوح كما ورد في الكتاب المقدس على أنه علة للظواهر الجغرافية والجيومورفولوجية فإنه قدم تفسيرات طبيعية عن تاريخ الأرض، ومفضلاً أن يقدم تأملاته الخاصة عن أصل الأرض على أنها قطعة من النظام الشمسي انفصلت عن الكتلة الأساسية نتيجة التصادم بمذنب سريع الحركة. وبالإضافة لذلك فقد انفصل “بوفون” عن نمط التصنيف الأساسي. وهو ذلك التصنيف الذي يعتبر حدود الجماعات العضوية ثابتة وغير قابلة للتغير كما وضعها التصميم الإلهي. وبدل ذلك فهو يؤكد أن فكرة التصنيفات – بعيدًا عن كونها أنماطا إلهية في الخلق – هي أدوات تساعد العلماء على فرض النظام على خبراتهم عن الطبيعة. ولذلك فإنه من حيث المضمون أو التصنيف فقد ربط بوفون نفسه بمشروع المشاركة الإلهية في الظاهرة الطبيعية.

إن تضمينات استبعاد بوفون للتدخل الإلهي في عالم الطبيعة بعيدًا عن مجال علم الجغرافيا تظهر بشكل مباشر في تفكيره عن التساؤلات الخاصة بالتوزيعات في الجغرافيا الحيوية والعلاقة بين الثقافة الإنسانية والبيئة. وكما يتضح مما سبق؛ ينفصل “بوفون” بشكل جذري عن نموذج الطوفان العظيم الذي يعزي انتشار الحياة إلى جبل (أراراط) كتفسير للتوزيع العضوي. وبدل ذلك فهو ينظر إلى الأسباب التاريخية والبيئية التي تفسر نماذج التوزيع البيوجرافي بالإشارة إلى عاملي الهجرة والمناخ. ولهذا السبب تحديدًا يشار إلى “بوفون” باعتباره رائد البيوجرافيا. وبالإضافة لذلك، فإن العلاقات المتداخلة التي تحدث عنها “بوفون” بين الكائنات العضوية وبيئتها بجانب رفضه وانتقاده لنسق “لينايوس Linnaeus” الإحصائي في التصنيف، قد ساعدا على تمهيد الطريق لأصحاب نظريات التطور اللاحقين رغم أنه هو نفسه قد رفض أن يؤيد الفكرة.

لقد استطاعت البشرية أن تحرر نفسها من طغيان الطبيعة، وحولت العالم لأجل أغراضها الخاصة وذلك من خلال حرف الزراعة والرعي والهجرة والتكيف والممارسات الإنسانية والثقافية الأخرى. ومن الواضح هنا أن الغائية اللاهوتية القديمة قد تم استبدالها بما يمكن أن نسميه (غائية مركزية الإنسان  anthropocenrric teleology). وهذا التأكيد على الفائدة الاجتماعية للمعرفة الجغرافية يتضح أيضًا فيما وصفت بأنها (الوثيقة المركزية لعصر التنوير)، وهي موسوعة “ديدرو و دالامبير Diderot and D’Alembert’s Encyclopédie” (1751—66).

هناك خطة

رغم كل الهجوم الفلسفي على حجة التصميم لابد من التسليم بأنه حتى الهجوم الكانطي كان ضعيفًا. وترددت أنماط التفكير الغائي في التنظير الجغرافي خلال العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر. وكانت الدوافع وراء هذه الاستمرار متعددة ومختلفة بطبيعة الحال؛ فكانت هناك دوافع اجتماعية وعلمية ولاهوتية وسياسية. وبعض التأملات في بنية وشمولية التراث الغائي قرب نهاية القرن الثامن عشر ستكون ذات أهمية كبيرة هنا.

عندما تعرض “جيمس هاتون James Hutton” (1726م- 1797م) – والذي يعتقد لدى البعض أنه مؤسس الجيومورفولوجيا الحديثة – للفرضية التي وضعها الأسقف “جيمس آشر” والمساة “التقسيم الزمني لعام 4004 قبل الميلاد”، أكد هاتون أنه “ليس في الطبيعة ما يدل على البداية أو ما يشير إلى النهاية”. وكان هاتون بذلك يستبعد الرب من مملكة العلم الأرضي. وقد قدم هاتون أفكاره عن الموضوع في عرض قام به أمام الجمعية الملكية في إدنبره. وقد بدأت محاضر جلساتها في 1788م، ثم ظهرت تلك الأفكار في كتابه المكون من جزءين (نظرية الأرض) 1795م. ويؤكد في تلك النظرية على أن الأرض تشكلت من خلال عمليات الحركة والتعرية والترسيب، وليس بسبب أية أحداث كارثية مثل الطوفان الذي تحدث عنه الإنجيل.

والأمر المحوري في أفكار “هاتون” هو افتراضه أن مركز حرارة الأرض قد شكل كتلاً منصهرة تحولت إلى صخور رسوبية تحولت بدورها لتشكل قشرة الأرض الجافة. ولذلك فإن تاريخ الأرض بالنسبة له هو قصة من سلسلة لا متناهية من الدوائر التي حفظت كل شىء في حالة ثبات. ولأن هاتون لم يعول على فاعلين خارقين للطبيعة، ولأنه أول تاريخ الأرض في حدود الأنماط والعمليات الحديثة؛ فإنه قد استحق سمعته باعتباره مؤسس لفكرة “التحول التدريجي البطيء والمستمر Uniformitarianism.

والتخلي عن قصة الطوفان أو الأحداث الكونية الكارثية التي يعول عليها علماء اللاهوت الطبيعي لا تعني أن هاتون قد تحرر تمامًا من الأنماط الغائية في التفكير بل على النقيض. فقد أعلن أن العالم ’’مخلوق لأجل الإنسان بكل وضوح‘‘. وقد وجد منتقدوه في نظرياته خطرًا يهدد العقيدة. ولكن هذا الخطر كان بالنسبة له هو النظام الحق الذي يوحي بالحكمة. وحتى يكون كلامنا دقيقًا، فإن لاهوت “هاتون” بعيد تمامًا عن الأصولية المسيحية. لقد كان هاتون ربوبيًا. وكانت ربوبيته تلك تشكل جزءًا أساسيًا من نظريته عن الأرض في كل جزء من أجزائها كما فعل اللاهوتيون الطبيعيون الآخرون. وقد لخص “لودان Laudan” الأمر بشكل بارع قائلاً: ’’إن الكمال الإلهي ينعكس في العالم الطبيعي من خلال هذا التصميم وهذا التوازن الذي حافظ على سطح مناسب لمخلوقات الرب حتى أجل غير مسمى‘‘.

ورغم أن علم الأرض القاري قد ظل بعيدًا عن نموذج “هاتون” – حيث استمر الجيولوجيون في اتباع مبادي وارنر – إلا أن جانبا كبيرا من مفكري البيئة والثقافة في الأوساط الإنجليزية قد شاركوا “هاتون” اللجوء إلى فكرة (العالم مُصَمَم). ولو كان مسرح الدراما الإنسانية – وأعني به سطح الأرض – قابلا للتأويل غائيًا، فإن تاريخ الحياة الإنسانية عبر العالم لن يكون أقل عرضة لمفردات الغاية والتصميم. ولن يتضح هذا بشكل أكبر عن كتابات “مونتسكيو” و”هيردر”.

رغم الشكوك في أصول “شارل لوي دو سوكوندا Charles-Louis de Secondat” بارون مونتسكيو (1689- 1755م) إلا أنه بلا شك كان له تأثير هائل على الفكر والفلسفة في القرن الثامن عشر من خلال مؤلفه الأساسي (روح القوانين). وقد نشر هذا الكتاب في جنيف 1748م، وحقق نجاحًا مباشرًا. ولم يكن هذا النجاح بغريب لأن مونتسكيو قد وضع في هذا الكتاب كل شىء عن نفسه: الحاكم، والمؤرخ، والرحالة، والروائي. ويهدف الكتاب بوضوح إلى تحديد بنية القوانين وفرض نسق على السلسلة اللامتناهية من القواعد الاجتماعية التي تحكم المجتمع.

ويتمثل المنهج الذي اختاره مونتسكيو لتدعيم فرضه في تحديد النظام التشريعي داخل سياق ما يطلق عليه (طبيعة الأشياء). وهو بهذه الطريقة يضع القانون داخل السياق والتعود، ثم يوضح كيف ترتبط تلك القوانين بالظروف البيئية والاجتماعية الكلية التي تعد القوانين ذاتها جزءا منها. وتتمثل النقطة الجوهرية في الفرضية الأساسية لدى “مونتسكيو” والمتمثلة في أن الخصائص الثقافية التي تميز البشر وتعمل على تكيفهم هي نفسها تتحدد بعوامل بيئية مثل المناخ والأرض. وفي هذا السياق قدم دليلاً مستمدًا من ذلك النوع من الأدب المزدهر في عصره، وهو أدب الرحلات. وقد كشف له كيف أن الظروف المناخية لا تحكم انحلال أو استمرار الآثار الثقافية فحسب، بل الخبرات الأساسية أيضًا مثل الألم والجنس. ولهذا أكد على أن المناخ الحار في الشرق يفسر الثبات في المعتقدات الدينية أو العادات، وأن البرودة أو الرطوبة كانت سببًا في انتشار تعاطي الكحوليات، وأن الرق كان نتيجة لمناطق مناخية تحث على الكسل…وهكذا.

وهكذا يؤكد “مونستكيو” على أنه بداية من النفس الإنسانية وحتى الأفعال الاجتماعية، ومن المبادئ الدينية إلى الأحكام الأخلاقية، كلها تخضع للتكيف الجغرافي. وهو بهذا قد قدم ما يعرف بالنسبية الثقافية. ولتوضيح ذلك نقول لو أن الظروف الجغرافية تختلف من مكان إلى مكان، فإن العادات الاجتماعية لابد أن تختلف كذلك أيضًا. ورغم أن تلك الآراء كانت مربكة جدًا للقراء الكنسيين إلا أن مشروع “مونتسكيو” مؤسس بشكل جوهري على خلفية اللاهوت الطبيعي الإيماني. فبالنسبة له فإن الفكرة الأساسية عن القوانين سواء كانت طبيعية أو اجتماعية يكون لها معنى فقط في سياق الاعتقاد بوجود قوة سامية مبدعة. وكما أن كل صنعة وراءها صانع، وكل عمل فني وراءه فنان، فإن كل قانون وراءه مشرع سواء كان إنسانيًا أو إلهيًا. وقد عارض مونتسكيو أي دمج بين القانون الإنساني والقانون الفيزيائي. ولكن كما لاحظ “شكلار Shklar” فإن الإيمان بوجود خالق قد سمح لـ “مونتسكيو” بأن يعتقد أن قوانين الحركة الفيزيائية، والغريزة الحيوانية، والقواعد الاجتماعية هي متشابهة بطريقة ما، باستثناء أننا قادرون على رفض الأخيرتين.

وقد كان الكتاب الذي وضعه هيردر بعنوان ” أفكار فلسفية عن تاريخ الجنس البشري” (1784م- 1791م) كتابا بارعا ترتكز أفكاره على التبادلية بين الطبيعة والثقافة والبيئة والمجتمع. وقد جمع الكتاب كما هائلا من النصوص الجغرافية التي تمت مراجعتها. وقد نعجب حين نرى أن “جوته” قد جعل هيردر أحد الآباء الثلاثة المؤسسين للجغرافيا الحديثة (الآخران هما همبولت وريتر). ورغم ذلك فإن أنماط التفكير الغائي واضحة في المؤلف؛ لأن هيردر يتحدث عن ملاءمة الأرض للجنس البشري واصفًا إياها بأنها المسرح الذي تعرض عليه الدراما الإلهية عن التاريخ. واعتقد بأن التخطيط الإلهي قابل للكشف في الخصائص الفيزيائية، وأصل الجنس البشري، ونماذج الاستقرار في العالم، والتقسيم التقريبي للأرض إلى نصفين. وقد اعتمد في ذلك على كتابات الرحالة مستخدمًا وجهات نظرهم عن الناس الذين قابلوهم. وقد شكلت تلك الكتابات وجهة نظره في التاريخ العرقي ووضع مخططات إثنوجرافية عن الجماعات العرقية المختلفة مثل الإسكيمو واللاب Lapps وبربر شمال إفريقيا وغيرهم. وبهذه الطريقة يدعم “هيردر” من الروابط القوية طويلة الأمد بين التراث الجغرافي والبحث الأنثروبولوجي.

وكما تحددت ربوبية “هاتون” فلسفيًا في سياق قيم التنوير الاسكتلندي، وتحددت حتمية “مونتسكيو” البيئية بجهده في الحفاظ على القانون الاجتماعي والقانون الفيزيائي في ترادف مفهومي، كذلك وجدت إثنوجرافيا “هيردر” مشكاتها المعرفية في الحركة القومية الثقافية الألمانية خلال القرن الثامن عشر. ووفقًا لـ “جيرالد بروس Gerald Broce” فإن هذا يؤكد ’’ثراء الثقافة الألمانية الأصلية التي تراجعت سياسيًا وأدبيًا ثم سعت للتخلص من الأنماط الأجنبية في الثقافة، خاصة الأنماط الفرنسية التي اخترقت الطبقة العليا. بتعبير آخر، فإن الأفكار التي تشكلت مبكرًا في عقل هيردر عن المساواة والحرية في ثقافته هي التي شكلت أنثروبولوجيته‘‘.

بطريقة أخرى فإن كل ثقافة لابد أن يتم فهمها في حدود معايير قيمها الخاصة. ولو كان “بروس محقًا في تأكيده فإن الدافع الرئيس وراء افتتان هيردر بالتنوعات والنسبية الثقافية مرده إلى اهتمامه بالدفاع عن شرعية تراثه الثقافي الخاص. ويتضح الأمر نفسه خلال عرضه للجغرافيا الثقافية عن هنود أمريكا الجنوبية. فقد مجد في المؤلفين الرحالة الذين كانت لديهم القدرة على أن يضعوا أنفسهم داخل عادات وثقافات الشعوب التي يدرسونها. ولذلك لا يمكن تحقيق فهم حقيقي للثقافات بالتحليلات العقلية أو المبادئ العامة أو قوانين الطبيعة أو الأدوات التصنيفية، لكن من خلال التعاطف.. من خلال صفات الفنان أكثر من صفات المنطقي أو العالم. والخيال وليس التحليل هو مفتاح فهم العالم المعيش في مجتمع ما. وبهذا المنهج الإثنوجرافي الأساسي وجد “هيردر” نفسه قادرًا على فرض الاتساق والتعاطف مع الممارسات القبلية التي تبدو شاذة بالنسبة للأوربيين حتى الآن، تمامًا كما هو الحال في مشروع التعددية الذي يعطي لتراثه الألماني مكانته الصحيحة في مخطط الأشياء.

إن الاحترام العميق لمفهوم الجماعة، وللآخر المختلف، ولما هو محلي، تلك الأمور هي التي وسمت الرؤية الهيردرية بالنتيجة التي صاغها “أشعيا برلين Isaiah Berlin” قائلاً: ’’إن كل القوميين، وكل المدافعين عما هو محلي ضد ما هو عالمي، وكل المتحمسين للأشكال الأصلية للحياة… إنما يدينون بشىء لتلك النظريات التي قدمها هيردر للفكر الأوروبي سواء كانوا يعرفون ذلك أو لا يعرفون‘‘.

ورغم أن تاريخ العالم شىء ما مختلف عن مجرد تجميع أفعال الجماعات الثقافية المتشعبة، فإن هذا التاريخ له اتجاه وحركة وميل نحو غاية قصوى، نحو التعاون ومملكة الحقيقة اليوتيبية التي فيها تكون العناية الإلهية هي المهندس والمخطط. ولو أن تاريخ الأرض بساكينها من البشر خاضع لسيطرة العناية الإلهية، فليس من الغريب أن يقدم التوزيع الجغرافي الحيوي للنباتات والحيوانات تفسيرًا غائيًا أيضًا. وليس من الغريب كذلك أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان هناك تبادل حقيقي بين أنماط التاريخ الطبيعي وأنماط النظرية الاجتماعية. وقد تم الحديث عن الاقتصاد ونظام الحكم في الطبيعة بشكل مستمر. وتم الحديث عنهما بشكل أكبر على أنهما يوحيان بغايات لاهوتية خُلقا لأجلها. وبهذه الطريقة فإن الأشياء المكروهة في الطبيعة – مثل الصراع والمعاناة والموت – لابد أن يُرحب بها في المجتمع على أنها الثمن الذي يتم بذله لأجل غايات أخرى أسمى.

علماء طبيعة ورحالة

تدين النظريات الاجتماعية للفلاسفة النظريين عن البيئة والثقافة في وجودها للرحلات العلمية التي انتشرت خلال القرن الثامن عشر. وكانت الإرساليات فيما سبق ذلك مفعمة بالتعصب والاستحواذ التجاري والإمبريالي. وكانت تشوبها مسحات تبشيرية في الغالب الأعم. وخلال فترة التنوير اكتسبت الرحلات العلمية اهتمامًا أكبر. ومن الخطأ أن ننظر إلى علماء الطبيعة الرحالة على أنهم مجرد مدافعين أو متحمسين عن العلم لأجل العلم، لأنه في حقيقة الأمر كانت المعرفة الجغرافية تمثل قوة سياسية. ولا يزال الأمر حتى الآن، فالوعي الذاتي والموضوعي في جمع المعلومات لأجل أغراض علمية يعلن عن علاقة وثيقة بين علماء الطبيعة ومساعي المستكشفين. وإيضاح واحد فقط لتلك العلاقة هو تأسيس مناطق كبرى لجمع التاريخ الطبيعي مثل حدائق “كيو Kew” في لندن، وحدائق “دي روى (الملك) du Roi” في باريس تحت إشراف بوفون. وكل منهما بها نباتات من شتى أنحاء العالم. ورعاية المهام العلمية من قبل هيئات مثل الجمعية الملكية أو الأكاديمية الفرنسية للعلوم هي مثال إضافي أيضًا. وعلى المستوى المعرفي المحض فإن مخططات التصنيف الجديدة مثل تلك التي قام بها “لينايوس”، والتي لم يسبق لها مثيل حتى الآن في تلبية الاحتياجات التصنيفية الجديدة، تعزز من تلك النقطة أيضًا.

ما الذي صاحب التطور الحادث في التقنيات الجديدة للتحليل؟

 لقد صاحبه أدوات ووسائل جديدة في المسوح، ونوعية جديدة من المستكشفين، وأشكال جديدة من المنظمات. ولذلك هناك الكثير من المبررات التي تجعلنا نسمي هذا العصر (العصر العظيم الثاني في الاستكشاف) فيما يرى “وليام جوتسمن William Goetzmann”. وكان هناك ولع بالدقة في وصف المشروع كله: الدقة الرياضية في الملاحظات الفلكية، ودقة الخرائط، وفي التوضيح العلمي(50). وبواسطة هذه الوسائل التمثيلية ابتلعت طرق التصنيف الأوربية المجالات غير الغربية. وباتت تلك الأدوات الدقيقة أدوات أساسية مستخدمة لقولبة وتنميط فكرة الغريب أو الدخيل، وبهذا سار التمثيل جنبًا إلى جنب مع دستور الغيرية.

لقد كانت نتائج تلك الرحلات العلمية بعيدة إلى حد كبير، ومن الواضح أنه من المحال هنا أن نستعرض سلسلة التأثيرات العميقة لتلك النتائج على التراث الجغرافي. وبدلاً من ذلك أتمنى أن أتحول إلى شىء ما آخر عن المشروع بالتركيز على تعليقاتي عن ثلاثة موضوعات. أولاً: قصدت أن أركز على  بعثة علمية أو بعثتين محددتين في سبيل توضيح إنجازاتها المعلوماتية والعسكرية. ثم سأتحول بشكل سريع عن التساؤلات العلمية لأبحث في تأثير تلك الرحلات على عالم الفن، ولن يكون الأمر أقل وضوحًا في تأكيد الروابط الجغرافية الوثيقة مع مجال الاستطيقا. وأخيرًا، أتمنى أن أعرض لذلك الجهد الذي يمكن تسميته المشروع الهمبولتي (نسبة إلى همبولت).

الرحلات العلمية

إن التحول من إبحار المجازفات العشوائية إلى البعثات العلمية المنظمة يدين بالكثير لإخلاص رجل واحد، وهو الكابتن جيمس كوك (1728 – 1779). وذلك لأن كوك أكد منذ البداية أن طاقمه لا يشمل ضباطا مؤهلين علميًا فقط، بل يشمل أيضًا رسامين للمناظر الطبيعية، ومتخصصين في التاريخ الطبيعي، وعلماء فلك محترفين، وجراحين، وعلماء طبيعة. وبالتأكيد كان هناك من سبق كوك في الانخراط في تلك المهام العلمية؛ ففي 1764م عين القائد البحري “جون بيرون John Byron” في مهمة البحث عن الأراضي المجهولة في المحيط الأطلسي وأحوال المناخ لخدمة بعثة تجارية. وكانت لـ “لوي أنطوان Louis Antoine” كونت بوجينفيل سمعة أكاديمية بسبب رسالته في (حساب التفاضل والتكامل). وقد بدأ مهمته في 1766م بطاقم علمي مكتمل ليؤسس منطقة استيطان متقدمة للأكاديين الفرنسيين في الأقاليم الأمريكية التي لم يشغلها الغربيون بعد. ويظهر في الحالتين – كما يظهر في حالة كوك – أن التكامل بين العلم والتوسعية الإمبريالية واضح تمامًا.

جيمس كوك

ورغم تلك المهام السابقة على كوك فإن الثلاث بعثات التي قام بها ما بين 1768 – 1780م هي التي شكلت التراث الحقيقي للرحلات العلمية. ووفقًا لـ “جوتسمن Goetzmann” فإن ’’كل الإرساليات التي تمت حتى بعثة بوجينفيل …قد شكلت استهلالا للعمل الخارق الذي قام به كوك ورجاله‘‘.

كان “كوك” ابنًا لمزارع فقير في منطقة يوركشاير. وقد هرب من عمله كمتدرب في محل خردوات وهو في سن الثالثة عشر ليعمل على إحدى السفن. وبتشجيع من مالك السفينة “جون ووكر” تحول “كوك” لدراسة الرياضيات باجتهاد. ومع نشوب الحرب مع فرنسا وجد “ووكر” نفسه تحت قيادة السير “هيو باليزير Hugh Palliser” قبطان السفينة (إيجل). وكان ذلك الأمر نقطة تحول في حياة كوك. فقد تأثر “باليزير” بمحاولة كوك تحسين نفسه من خلال جهده في تحصيل المعارف الجغرافية والرياضية والفلكية. وبعد فترة وجيزة التحق “كوك” بمهام هيدروجرافية متعددة تحت رعاية “باليزير”. وأكمل أربعة أعوام من المسوح في الأراضي المكتشفة حديثًا. وهي الأراضي التي أصبح “باليزير” نفسه حاكمًا عليها. وقد جذب عمل “كوك” هذا – بجانب تفسيره الخاص لكسوف الشمس في تلك الأراضي – اهتمام الجمعية الملكية. وكانت النتيجة أنه قد تم اختياره قائدًا لبعثة فلكية لجنوب الباسيفيك لصالح الجمعية في 1768م. وهي الرحلة التي عُرفت فيما بعد على أنها الرحلة الأولى لكوك.

ومن الناحية العلمية كانت تلك الرحلة مجازفة ناجحة بكل المقاييس. وقد تم فيها ملاحظة تحرك كوكب الزهرة وتسجيل تلك الحركة بدقة، وتم اكتشاف حيوانات الكنغر، وتم إجراء دراسات إثنوجرافية عن السكان الأصليين، وتم رسم خط الساحل النيوزلندي، وتم جمع مادة علمية هائلة تم شحنها إلى الجمعية الملكية – الآلاف من النباتات، خمسمائة سمكة تم حفظها في محلول كحولي، خمسمائة طائر، وخمسمائة عينة معدنية. وبالفعل فإن كوك نفسه قد ظهر إثنوجرافيا ذا موهبة لا يستهان بها، وخاصة في وصفه لما بدا عادات دفن غريبة أو ممارسات رسم الوشم، لأنه وحد بين الملاحظة المتأنية مع التفاهم المتعاطف فيما يتجاوز المعتقدات ووجهات النظر المعتادة في أيامه.

 وكانت الرحلة ناجحة أيضًا بالقدر نفسه باعتبارها مثلت منصة انطلاق لمجال بحثي آخر هو مجال النيازك في العلم الطبيعي، والذي ينتمي له “جوزيف بانكس Joseph Banks” (1743- 1820م). وكان “بانكس” قائد فريق علماء الطبيعة في السفينة. وتشارك شخصيًا مع كل عضو من أعضاء فريق التاريخ الطبيعي، وعاون كل منهم في الحصول على أية أداة علمية يحتاجونها. وفي تلك الفترة لم يكن “بانكس” قد تعدى الخامسة والعشرين من عمره، لكن تلك الرحلة شهرته من الناحية العلمية. وقد بلغت شهرته أوجها عندما تولى رئاسة الجمعية الملكية.

وكان لـ “بانكس” تأثير مستقل عن تلك الرحلات في تاريخ الجغرافيا. فقد استمر بعد ذلك في الدعم المستمر للاكتشافات الجغرافية من منزله في لندن. وكان عضوًا مؤسسًا لرابطة اكتشاف الجزء الداخلي من أفريقيا، والتي أسست في 1788م. وهي الهيئة التي اندمجت في آخر الأمر داخل الجمعية الجغرافية الملكية. وقام برعاية رحلات “مونجو بارك Mungo Park”، وقام بدعم تطوير الاكتشافات في استراليا.

وبالإضافة لذلك فإن النجاحات والانتصارات العلمية التي تحققت في تلك الرحلة العلمية قد تمت دون أية تكلفة تُذكر. وكان “كوك” نفسه رجلاً معتدل المزاج إلى حد ما بمعايير عصره، لكنه شعر أنه مضطر إلى جلد بعض رجاله بسبب الإسراف في الشراب من وقت لآخر، أو لسرقتهم للمسامير التي كانوا يستخدمونها في شراء الخدمات الجنسية من نساء تاهيتي. وكان بعض ضباطه لا يترددون في إطلاق النار على السكان الأصليين خلال لحظات الانفعال. وبينما وجد بعض البحارة الأصليين كاتب الكابتن في حالة سكر شديدة، استلوا سكاكينهم ونزعوا ملابسه، وقطعوا إذنيه! (55). وبجانب تلك الاحتكاكات كانت هناك نتائج متفرقة لتأثير السمو التكنولوجي للغربيين على تراتبية المجتمع البولينيزي Polynesian  في جزر المحيط الهادئ.

وبالكاد كان لقيمة الحديد والفولاذ أهمية تُذكر في ذلك المجتمع الذي تنتشر به حرفة صناعة زوارق الكانوي ويزخر بنحاتي الخشب الموهوبين. ومع ذلك انتشرت سرقة المعادن والأدوات من مؤن السفينة انتشار النار في الهشيم. وأدت محاولة استرداد تلك المعادن المسروقة إلى إبعاد التاهيتيين الذين كانوا أصدقاء ذات مرة، وتفسخت العلاقات بشكل سريع. وإضافة إلى ذلك فإن سكان الإقليم قد تحددوا في مكان هامشي على الخريطة الأوربية داخل النظام الاجتماعي (الطبيعي) حتى في تصوير كوك ورساميه لأراضيهم وأطرافها على قطع الورق؛ فقد شكلوا عالمًا من الهويات الجامدة المحددة بضروريات العلم الأوروبي.

وبناء على ذلك كله، كان “كوك” على موعد مباشر مع البعثة العلمية الثانية (1772- 1773م). وكان تحت قيادته سفينتين هما (روزيليوشين Resolution وأدفنتشر Adventure). وقد اضطر هذه المرة أن يبحر دون “بانكس” الذي لم يتمكن من اقناعه بالالتحاق بالفريق بعد أن تم إخباره أن عدد علماء الطبيعة الذين تم جمعهم كان كبيرًا للغاية. وكان على “كوك” أن يجد البديل. وكان هذا البديل عبارة عن رجل وابنه لا يقل تأثيرهما على علم الجغرافيا عن تأثير “بانكس”، وهما “يوهان راينهولد فورستر Johann Reinhold Forster” و”يوهان جورج آدم فورستر Johann Georg Adam Forster”. وكان فورستر الأب غريبًا بعض الشىء؛ كان متحذلقًا ولكنه كان محتشمًا إلى حد بعيد. وحصل على مساندة الجميع باستثناء “كوك”. أما الابن فكان على النقيض، وحاز استحسان كل من على متن السفينة، وقد نشر قصصه عن تلك الرحلة في كتابه (رحلة حول العالم). وقد حققت تلك القصص نجاحًا كبيرًا وأطلعت جمهورا عريضا على إنجازات البعثة. وقد عاد كوك مرة أخرى إلى المحيط الهادئ لزيارة تاهيتي وجزر (فريندلي) ونيوزلندا وجزيرة إيستر (جزيرة الفصح). وألقى نظرة على القارة القطبية قبل العودة إلى الوطن عبر جورجيا الجنوبية وكيب تاون.

وكان التركيز في هذه الرحلة على الجغرافيا الحيوانية أكثر من النباتية. وذلك لأن آل فورستر قد مالا إلى ذلك رغم أن التساؤلات الأنثربولوجية لم تغب عن ذهنهما. فعلى سبيل المثال أجرى “يوهان رينهولد فورستر J. R. Forster” دراسة أنثربولوجية مقارنة عن تاهيتي. وميز بين نوعين من الجماعات البشرية على الجزيرة. وشارك “كوك” اهتماماته في مد العلم النيوتوني داخل المجالات الاستقرائية للجغرافيا البشرية. وبعد ذلك في الرحلة الثالثة التعيسة، بحث هذه المرة عن ممر وهمي في الشمال الغربي يربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ. وقام هو نفسه بتجميع المفردات اللغوية للجماعات الأصلية بالإضافة لأساطيرهم وتقاليدهم الموسيقية. وقام بدراسة إحصائية عن سكان الجزيرة، وتلمس أنماطهم المتنوعة في الهجرة.

ورغم ذلك كله لا يجب الاعتقاد بأن المنجزات العلمية في إرساليات كوك كانت تتم في فراغ أيديولوجي. ففي حقيقة الأمر أن كوك قد أبحر تحت أوامر سرية من التاج الملكي البريطاني. وقد شملت التعليمات التي تلقاها عند الإبحار من الهيئة الملكية موضوعات محددة في سبيل تأسيس وترسيخ السيادة البريطانية على الأراضي المكتشفة حديثًا، إضافة إلى تقارير عن الموارد الطبيعية العضوية وغير العضوية التي يمكن استثمارها لصالح المملكة. ولذلك قال “جوتسمن  Goetzman” عن رحلة “كوك” الثانية” ’’من الواضح أن المهمة الأكبر لكوك هي تأسيس الإمبراطورية البريطانية في الجانب الجنوبي من العالم. وكان يُنظر إلى العلم على أنه الداعم الأكبر لهذه المغامرة البريطانية‘‘.

ويجب ألا نعتقد أيضًا أن الاستغلال الجغرافي لرحلات “كوك” كان أمرًا استثنائيًا أو فريدًا من نوعه؛ فالتزاوج بين العلم والتوسع الإمبريالي كان شيئًا مألوفًا في ذلك الوقت. ولم يكن قاصرًا على الإرساليات البريطانية الاستكشافية للمحيط. ففي فرنسا على سبيل المثال، بعد بعثة “بوجنفيل” تم تدعيم “جون – فرانسوا دو لا بيروز jean-François de Ia Pérouse” من جانب الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وأبحر وتحت قيادته سفينتين هما (البوصلة Boussole) و(الاسطرلاب Astrolabe) ما بين عامي 1785 حتى 1788م بغرض وضع قائمة شاملة لجرد التاريخ الطبيعي، ولكن كانت هناك أيضًا أغراض تجارية وسياسية وراء تلك الرحلة، خاصة بعد كارثة خسارة مراكز التجارة الفرنسية للفراء الأمريكي لصالح شركة خليج هدسون. وبالإضافة لذلك تم تكليف “لا بيروز” بمهمة تقييم موقف المؤسسات الفرنسية الروسية.

الجانب الفني

إذا كانت الحقائق الجغرافية تنعكس من خلال العلم والسياسية، فلن يكون الأمر أقل في عالم التعبير الفني. ولابد أن نشير إلى أن “كوك” كان من أوائل من وظفوا فنانين محترفين بشكل مهني. فقد وظفهم في إرسالياته الثلاث. ولذلك امتدح “برنارد سميث Bernard Smith” إنجازات كوك قائلاً أنها مثلت ’’الرؤية الأوربية لجنوب المحيط الهادئ‘‘التي يسير فيها التوجه المعرفي جنبًا إلى جنب مع الحكم الجمالي الفني بعد أن تمت صياغتهما جوهريًا بصور المعرفة الأوربية. وقد مثلت إنجازات “كوك” تحولاً في الأحداث الفنية؛ فحتى ذلك الحين “كان المنهج الواقعي في الطبيعة بجانب وجوده في الفلسفة والعلم قد لعب دورًا صغيرًا في تاريخ ممارسة رسم المناظر الطبيعية في إنجلترا‘‘.

وبشكل عام فإن مشروع “كوك” التمثيلي قد سهل من الاستحواذ والاستيلاء الأوروبي على شعوب جنوب المحيط الهادئ. وقد خضعت تلك التصورات المعرفية والفنية لنزعة المركزية الأوربية. وباتت تلك الطواقم العسكرية والعلمية وسائل للسيطرة الثقافية ومحو الهوية.

وكان لتلك الرحلات العلمية تأثيرها على الأعمال الفنية وتقنيات الفنانين. وكان رسم الضوء وظواهر الطقس على لوحات القماش يستغرق الكثير من الوقت والجهد. على سبيل المثال في الرحلة الثانية لـ “كوك”، قام “باركنسون” ببذل الكثير من الجهد والوقت – وكذلك فعل “ج. ر فورستر j. R. Forster” – ليصل إلى حدود تأثير الضوء على لون مياه المحيط، وهو موضوع عملي بقدر ما هو موضوع فني. وكذلك فعل أيضًا “وليام هودجيز William Hodges” الذي كافح ’’ليشمل المعرفة الجغرافية الجديدة داخل نطاق الأشكال التراثية التقليدية‘‘.

 وفي الرحلة الثالثة بدأت الطبيعة في التسلل داخل مستويات عالية من الرسم الأكاديمي. ومع مرور الوقت أخضع الفنانون رؤيتهم عن الواقع لخدمة العلم بالتدريج. وتعكس الرسومات المتنوعة عن الناس البدائيين هذا التحول؛ فسواء تم تصوير “البولينازيين” على أنهم “المتوحشين النبلاء”، أو على أنهم “ظرفاء من زمن قديم”، أو “منحرفين وفاسدين” فإن تلك التساؤلات – فيما يصر أتباع المذهب الكالفيني ما بعد الربوبي – قد تراجعت أكثر فأكثر أمام التصوير الواقعي لجماعات إنسانية متنوعة على أنها ببساطة نتاجات ثقافية لبيئات طبيعية واجتماعية مختلفة.

وعلى العموم، فإن المستكشف العلمي أو الفنان أو الكاتب، إذا استخدمنا كلمات  “باربرا ماريا ستافورد Barbara Maria Stafford” ’’في محاولتهم للتحرر من قيود الأنا الواحدية، والعادات، وعادات التمثيل أو التصوير، كلفوا أنفسهم بأن يكونوا مراجع إضافية‘‘. وما تقصده ماريا أنهم أرادوا بأن يسمحوا لفنهم أن يتحدد بالإشارة إلى العالم ذاته بدلاً من المفاهيم المعيارية عن روعة وإلهامات الجلال الإلهي.

هؤلاء الفنانين الرحالة بذلوا جهدًا هائلاً للخروج من النمط المجازي الذي يرى عالم الطبيعة باعتباره شيئًا ما آخر، فقط أرادوا أن يروا العالم كما هو. وبجانب ذلك فيما يتعلق بالسرد المصاحب لتلك الرسومات التوضيحية، فقد أراد رجال مثل “جورج فورستر” و”لابيروس” أن يستخدموا كلامًا صريحًا، أي نثر مباشر غير متكلف يتماشى مع وضوح تلك الرسومات التوضيحية. وكل هذا الاهتمام بتوضيح الشىء كما هو في الواقع سوف يتحول إلى تقديس النزعة الطبيعية. مرة أخرى يتم تصوير ما هو ثقافي في سياق ما هو طبيعي؛ لقد قدمت الطبيعة الاستعارات التي يجب أن يتم فهم ما هو ثقافي من خلالها. وهي الحركة التي تجد أشد تعبير لها في الأكاديمي الألماني “صامويل فيته Samuel Witte” الذي تحدث بحماسة مفرطة عن انتصارات العقلانية التنويرية في صورة الجيولوجيا الفرنسية، زاعمًا أن الأهرامات المصرية، ومعابد الإنكا، وكهوف إيلورا الصخرية كانت كلها مجرد ثورات بركانية. وهنا يتم صبغ آثار الحضارات القديمة بالصبغة الطبيعية. ولذلك فإن المظهر البريء للطبيعة المرئية كما هي قد أصبح تكتيكا تأويليا يتم من خلاله صبغ الثقافة الإنسانية بالصبغة الطبيعية.

وعلى أية حال، فإنه في ذلك العصر الذي تسارعت فيه الاستكشافات المكانية، فإن انفتاح العالم الجغرافي قد عنى أيضًا انفتاح العالم الفني بالمثل. وفي كلتا الحالتين، وباستخدام كلمات “ستافورد” أيضًا ’’هي رحلة داخل الجوهر‘‘. ولذلك أصبح من الواضح أن التراث الجغرافي في الاستكشاف، في ترادف مع الدور الفني المصاحب، تم تضمينهما بعمق في البحث عن لغة علمية، والتقدم التجريبي، وانتشار النزعة الطبيعية. وقليل من العجب أن “أندرو سبيرمان Andrew Sparrman” كتب قائلاً: ’’كل كتاب موثوق فيه مكتوب بشىء جيد عن الرحلات هو، في الواقع، رسالة في الفلسفة التجريبية‘‘(64). وربما لم يتم التعبير بشكل أفضل عن تلك المجالات الفكرية المختلفة– الفنية والفلسفية والعلمية – أكثر من المشروع الجغرافي العظيم لـ “’آلكسندر فون همبولت  Alexander von Humboldt (1769—1859)”.

ألكسندر فون همبولت

المشروع الهمبولتي

إن التجريبية البيكونية عن المستكشف وعالم الطبيعة في نموذج كوك، ومأثورة (إن الجغرافيا وقائع لرحلة  السفينة “بوجنفيل”)، والمثل الفلسفية عن العلم العالمي لكانط، وتعاطف “فورستر” مع جمال الطبيعة، والبحث المثالي لـ”جوته” عن مبدأ تنسيق متعالٍ، كانت كلها جداول تصب في نهر جغرافية “ألكسندر فون همبولت”. فبالنسبة له فإن الجغرافيا الحديثة هي علم تأليفي، ولذلك كما قال “جوتسمن” ’’لقد أصبحت الجغرافيا النشاط العلمي الأساسي في ذلك العصر‘‘. وحقًا مارس هؤلاء الأشخاص تأثيرًا هائلاً على همبولت؛ فقد حلم في أيامه الأولى أن يصبح “جيمس كوك” آخر. وعندما أصبح في السادسة عشر من عمره تأثر بواحد من أتباع كانط، وهو “ماركوس هرتس Marcus Herz”. وسافر في 1790م مع “فورستر” الابن عبر أوروبا. والتقى “جوته” في 1794م وبدأ الانخراط في ثنايا الجغرافيا الطبيعية الألمانية.

ولأن “همبولت” كان ينظر إلى نفسه دائمًا على أنه رحالة علمي وليس مستكشفا مغامرا، فإنه يختلف في عدة نواح جوهرية عن “جيمس كوك”. بدايةً، لقد كان ثريًا؛ وبالتالي استطاع أن يمول رحلاته وإرسالياته الخاصة. وأيضًا إذا كانت نقطة القوة عند كوك هي استكشافه في المحيطات، فإن نقطة القوة لهمبولت هي اختراقه للقارات. وكان تلك المقارنة تسر همبولت وتسعده كما يظهر في تمهيده لكتاب (الكون Cosmos). إضافة إلى أن الاهتمامات الأكاديمية كانت مختلفة فيما بينهما؛ فكان تخصص همبولت الجيولوجيا وعلم المعادن وليس الرياضيات والفلك. وقد تعلم همبولت في العديد من الأماكن. ففي 1789م التحق بجامعة “جوتينجن”، ثم عاد إلى فرانكفورت حيث كانت المكتبة فقيرة للغاية، ولم يكن العلم جزءًا من مناهج التدريس. وكان الأكثر أهميه من تعرفه على الفيزياء والكيمياء في الجامعة، هو رحلاته مع “فورستر”، وخبرته التي كونها في بداية التسعينيات من القرن الثامن عشر من خلال عمله كمساعد للمراقب العام على قسم المعادن، وهو الأمر الذي مكنه من السفر إلى النمسا والتشيك وبولندا وشمال إيطاليا وجبال الألب السويسرية والفرنسية.

وتلك الخبرات هي التي جعلت من “همبولت” جغرافيًا؛ فقد تعلم من خلالها مباشرة التوزيعات المكانية للحياة العضوية وروابطها الوثيقة بالبيئة. وقد كان ذلك سببًا رئيسا في تقديره الدائم للمناهج التجريبية الواقعية. ولكن كما أشرت من قبل فإن همبولت لم يكن تجريبيًا بالمعنى الضيق للكلمة. فاهتمامه بالفلسفة ذات الطبيعية المتعالية لرجال من أمثال “جوته” و”شيلنج” أثرت فيه في إدراكه لتناغم وجمال نظام الأرض كلها: أجزاؤها متوازنة بشكل دقيق، يعتمد كل منها على الآخر، وتتشابك بشكل معقد للغاية. ووفقًا لذلك، لم يكن هناك توافق بين المنهج الطبيعي في التحقق من أسرار الطبيعة وبين الانبهار العاطفي بسموها وروعتها بالنسبة له، رغم أنه هو نفسه قد أجرى تجارب في الكيمياء الحيوية، وتجارب أخرى للحصول على الكهرباء من التفاعلات الكيميائية.

لقد استطاع حقًا أن يقدم وجهة نظر جمالية من خلال تحليلاته العلمية للطرق التي تعتمد فيها الكائنات الحية بعضها على بعض على سطح الأرض. ولم يكن من الغريب أن يقوم برسومات مباشرة للظواهر الجغرافية. ونصح فيما بعد أن رسامي المناظر الطبيعية يمكنهم أن يفعلوا أكثر من مجرد مباشرة دراسة مفصلة للمجموعات النباتية في بيئتها الأصلية. ولذلك فإنه حتى في تلك الأيام المبكرة سعى “همبولت” إلى التأكيد على العام الكامن وراء ما هو خاص. سعى للنماذج الكامنة والانسجام الذي يربط الطبيعة بعضها مع بعض في مثل هذا النظام العملي المتناغم. ولذلك فإنه من الجدير بالملاحظة أنه عندما ألف كتابه الشهير (الكون) في أواخر حياته، لم يكن الموضوع الأول الذي ناقشه منهجًا علميًا ولا اكتشافات واقعية بل كان الاستمتاع بالطبيعة.

وقد حصل “همبولت” على فرصة عمره ليترجم تلك القناعات الفلسفية داخل العلم العملي في عام 1799م. ففي يونيو من هذا العام أبحر مع “إيميه بونبيلون Aimé Bonpland” إلى المستعمرات الأسبانية في جولة بحثية. وبقيا في أمريكا الجنوبية حتى 1804م يسافرون على الأقدام وظهور الخيول والقوارب الخفيفة الصغيرة (الكانوي Canoe)، عبر الأراضي السهلية العشبية المعروفة باسم لانوس Llanos  في فنزويلا، ومن مدينة كاركاس إلى نهر أورينوكو، وعبر جبال الأنديز، والأودية المرتفعة المحيطة بمدينتي بوجوتا Bogotá (عاصمة كولومبيا حاليا) وكويتو Quito (عاصمة الإكوادور حاليا)، وحتى السهول الساحلية والهضاب المرتفعة في المكسيك. وبشكل عام، لقد قاما باستكشاف أجزاء من فنزويلا وكوبا وكولومبيا وبيرو والإكوادور والمكسيك، مصرين على جمع صنوف من النباتات تقدر بعشرات الآلاف، وكمية هائلة من المعلومات عن المناخ والجيولوجيا والمعادن والحيوانات والنباتات والإثنوجرافيا أينما ذهبا.

وقبل العودة إلى الاستقبال الحافل في باريس في أغسطس 1804، أبهر الرحالتان الجماهير العلمية في فلادلفيا، وقابلا “جيفرسون” شخصيًا، وكان متحمسًا شديدًا للجغرافيا. ولكن لأن همبولت كان عازمًا على ألا يعيش على سمعة مغامر، فقد عاد إلى باريس لينتج ما عزم أن يكون مشروعا مكونا من ثلاثين جزء يفصل فيه اكتشافاته في العالم الجديد.

وقد نشرت قصة بعثة أورينوكو مع رسومات توضيحية رائعة من جانب فنانين متنوعين بهدف ربط الدقة التفصيلية بالجلال الرومانسي. وعكس نشر كتبه عبر السنين الانجازات العلمية الحقيقية لبعثته في أمريكا الجنوبية. ومع ذلك لم يكن “همبولت” سعيدًا أو ينعم بالسلام. فقد شك فيه نابليون على أنه جاسوس. وفي 1810م تم إمهاله 48 ساعة ليغادر باريس لولا دفاع صديق شخصي عنه، هو فقط الذي ساعد على تهدئة الأوضاع في ذلك الوقت. وفي الواقع كان هذا قبل ربع قرن على تركه المدينة فعليًا. وقد قام بمحاولات عديدة فاشلة لينظم بعثة ثانية، وكانت هذه المرة إلى سيبيريا والتبت، وسيلان وجزر الهند الشرقية، ولكن تم منعه بسبب تدابير سياسية. وفقط في 1829م عندما كان في الستينيات من عمره، استطاع أن يقوم بمهمة إلى سيبيريا. حتى في برلين، التي انتقل إليها في 1827م، لم تكن حياته خالية من الهموم، وذلك بسبب آرائه السياسية الليبرالية والتزامه العميق بالقضايا الإنسانية، مثل معاداة السامية وإلغاء الرق والتي خالف فيها المحافظين المتطرفين في الأرستقراطية البروسية.

وعندما وصل إلى سن السبعين، كان هناك حلم واحد لم ينجزه بعد، وهو إنتاج عمل يشمل موضوعه العالم كله. وقد بدأ التفكير في هذا المشروع منذ سنوات عديدة مضت عندما كان على مرتفعات جبال الإنديز، وظل يحلم بهذا المشروع (المجنون) كما أشار هو نفسه عام 1834 في خطاب أرسله لـ “كارل فارنهاجن Karl Varnhagen”:

’’لدي فكرة مجنونة لأن أصف الكون المادي كله في عمل واحد، كل ما نعرفه عن الظواهر السماوية والأرضية، من سديم النجوم، إلى جغرافية الطحالب، وصخور الجرانيت، بأسلوب حي يحث ويحرك المشاعر. كل فكرة عظيمة ومهمة في كتاباتي يجب أن تسجل هنا جنبًا إلى جنب مع الوقائع. لابد أن يكون له دور في حياة البشر، وفي معرفة الطبيعة..وسيكون عنوانه “الكون.

وكما اعترف هو نفسه فإن هذا الكتاب كان مشروعا لصراعه ضد الموت. وكان الكتاب ليشمل كل شىء: مسح للنظريات الموجودة عن بنية الكون، وتخطيط التطور التاريخي للعلم، والاكتشافات الجغرافية، وتقديم محتوى العلوم المختلفة، وحتى بحث في الأشعار عن الطبيعة ورسومات المناظر الطبيعية. وكان يُنظر إلى “الكون” على أنه عمل عالمي، وكان الكتاب قمة الرحلة العقلية الشخصية لـ “همبولت”، فهو تأليف بين الفروع العديدة لعالم البحث العلمي. كما قال في تمهيد الكتاب:

’’لقد قادتني ظروفي الحياتية واندفاعي الذي لا يقاوم إلى تحقيق أشكال مختلفة من المعرفة. وشغلت نفسي كما هو واضح بفروع منفصلة من العلوم: علم النبات، والجيولوجيا، والكيمياء، والحسابات الجغرافية، ومغناطيسية الأرض. وأردت أن تكون الرحلات المكلفة التي شاركت فيها مفيدة. ولا يزال هناك هدف أبعد أمام عيني. فقد أردت دومًا أن أتعامل مع الظواهر الطبيعية في تواصلها الكلي بعضها ببعض..أردت أن أدرك الطبيعة ككل، حية ومتحركة بقواها الداخلية‘(70)

وبهذه المهمة التي كرس نفسه لأجلها لم يكن من الغريب أن يقر بأن جوهر مشروعه يكمن في هدف واحد وهو: ’’توضيح التواصل الداخلي بين العام والخاص‘‘(71). ولذلك ترددت أصداء فكرة الوحدة في الاختلاف خلال مؤلفه الضخم. وكان من الصعب تصديق أن شخصًا واحدًا يمكنه أن ينجز هذا المشروع الضخم. ويذكرنا هذا بالنقاشات اللامتناهية (والمملة حقيقة) بين مؤرخي الجغرافيا عما إذا كان همبولت يمثل بداية الفكر الجغرافي أم نهايته؟ وينطوي هذا التساؤل على سوء فهم تاريخي. فالواقع أن مشروع همبولت قد تم بالتدريج عبر أهدافه المتعددة الإنسانية والأكاديمية. لقد شكلت ممارست “همبولت” طريقة البحث العلمي الجيد في الهواء الطلق خلال القرن التاسع عشر.

أولاً: كان هناك تأكيد على أهمية القياس. وضرب همبولت نفسه مثالاً على ذلك حين حمل معه ثماني وأربعين أداة للقياس في رحلته إلى أمريكا الجنوبية. فقد حمل معه كرونوميترات chronometers (الساعة البحرية) والتليسكوب ذي العدسات اللاقزحية achromatic telescope والآلات السداسية لقياس الزوايا (السيكستان sextants) والبوصلات dipping needles وأدوات لقياس زرقة السماء وصفائها cyanometer وبارومتر لقياس الضغط الجوي، وترمومتر لقياس درجات الحرارة وأوعية لقياس المطر، والإيروميتر aerometer  لقياس كثافة وثقل الهواء وأدوات تيودوليت مساحية وغيرها الكثير. وكان مقتنعا بأهمية تلك الأدوات في الجغرافيا العلمية؟

ثانيًا: يتضح الامتداد الإقليمي في كتاباته بشكل كبير. وليس هناك مكان أكثر وضوحًا عن عمله على جغرافية النبات. وأكد همبولت على العلاقة الوظيفية المتداخلة بين الحياة العضوية والبيئة المحلية. وكما رأى فإن العالم مقسم إلى مجموعة من الأقاليم الطبيعية، كل منها لها مجموعة مميزة من الحيوانات والنباتات. وبالفعل فإن تلك الفكرة عن الإقليمية قد تطورت لتصبح مثمرة معرفيًا بالنسبة لأغراض التصنيف، وأغراض أخرى كذلك. وكما لاحظ “نيكلسون”: ’’فقد أصبح علم النبات جغرافيًا‘‘ خلال عصر همبولت (73). بالإضافة إلى أن النزعة الإقليمية القوية لدراسات همبولت عن النبات يمكن النظر إليها على أن لها دورا محوريا في التحول من أنظمة التحليل المرتكزة على الملاحظة والخصائص الموروفولوجية إلى منحى معرفي جديد يؤكد الاتساق الإيكولوجي الكامن في الطبيعة.

ثالثاً، وهو أمر وثيق الصلة، وهو حماس همبولت لرسم خرائط تسجل معلومات عن التوزيعات النباتية. ولكنه لم يتحمس لاستخدام أي نوع من الخرائط القديمة، بل تحمس لاستخدام خرائط خطوط التساوي. ومن خلال هذا المنهج الكارتوجرافي يمكن رسم مناطق المناخ المختلفة، والمجالات المغناطيسية، وأقاليم الجغرافيا الحيوية لسطح الأرض بدقة.

ومن خلال هذا كله يرتبط اسم “ألكسندر فون همبولت” بتطوير شكل البحث العلمي الذي ميز التراث الجغرافي في القرن الثامن عشر في أوروبا، بل حتى تجاوز هذا التراث بتأكيده على أهمية الدقة، والتحقيق المعرفي، واستخدام أحدث أدوات التحليل.

2020-02-06T00:52:43+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا