الجغرافيا وتراثها

الجغرافيا وتراثها

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل العاشر من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

كتب اليسدير ماكانتاير Alisdair MacIntyre، “إن الفكر الحي عبارة عن حجة ممتدة تاريخيا ومجسدة اجتماعيا، والحجة عبارة عن جزء يتعلق بالإيجابيات التي تشكل ذلك الفكر”. وهذا يعني أنه بينما تمثل الجامعة أو المستشفى أو المزرعة فكر الممارسات، فهي تتشكل أيضا بالحجج المستمرة المتعلقة بماهية الدراسة الجيدة أو العلاج الجيد أو الزراعة الجيدة. ويقول أيضا، “عندما تكون التقاليد حية فإنها تجسد استمرارية الصراع”.

اليسدير ماكانتاير Alisdair MacIntyre

لقد حاولت في الصفحات السابقة أن أوضح أن الجغرافيا كانت تمثل هذا التقليد ـ أي التقليد الجماعي الجدلي. ونظرا لأن الجغرافيا كانت تعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في سياقات مختلفة، فقد كنت أهدف إلى النظر إلى رؤية الناس للجغرافيا عبر السنين، وبالتالي التعرف على التحولات التي مر بها التقليد الجغرافي. وذلك لأن صميم حجتي يتمثل ببساطة في أن الجغرافيا تتغير مع تغير المجتمع، وأن أفضل طريقة لفهم التقليد الذي ينتمي إليه الجغرافيون تتمثل في التعرف على البيئات الاجتماعية والفكرية المختلفة التي ظهرت فيها الجغرافيا.

ومع ذلك، فإن شكل الرواية التي عرض بها هذا التاريخ ذاته يمكن أن يكون قد أدى إلى تشويش مدى الحوارات المتنوعة التي شارك فيها الجغرافيون منذ عصر الاستكشاف. ولذلك فإنني أريد في السطور القليلة التالية أن أحاول إظهار بعض هذه الخطابات الكبرى ثانية. ومن المؤكد أن قائمتي ليست شاملة، وأنها سوف تستخلص شيئا ما من القصة التي سأرويها. وكذلك فإنها سوف تأخذ شكل التسلسل الزمني إلى حد ما. ولكنني أريد الآن أن أقترح أن هذه الحوارات استمرت بدرجة أو بأخرى داخل التقليد وأن التعددية التي توصي بها ليست مجرد حالة مرغوبة، ولكنها تشخيص لتقليد حي.

إلى أطراف الأرض

كانت الجغرافيا تشارك تلقائيا لعدة أجيال في حوار عن الاستكشاف. فمنذ عصر الرحالة الدارسين المسلمين مثل ابن بطوطة وابن خلدون على الأقل، ورحلات الاسكندنافيين، والصينيين، والمغامرين المسيحيين في العصور الوسطى، ساهمت المعرفة الأولية بالعالم في المعرفة الجغرافية. ولكن مع الرحلات الأوروبية في عصر الاستكشاف، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بدأت هذه المعارف المتفرقة السابقة تتبلور في شكل هيكل معرفة متماسك عن الكرة الأرضية. وبالإضافة إلى طريقة الحصول على البيانات، قدمت هذه المشروعات إسهامات جوهرية في تطور العلوم في الغرب من خلال تحدي كل من التعليم التقليدي ونمط عصر النهضة في عرض التاريخ الطبيعي. ومن المؤكد أنه من التبسيط الشديد تصوير هؤلاء البحارة الأوائل على أنهم يمارسون تجارب عالمية لاختبار معتقدات عصر النهضة الموروثة من العالم التقليدي القديم. ولكن من المؤكد أن المعلومات التي جمعوها ساعدت على تحدي السلطات الدراسية في عصرها بإظهار أنه كانت هناك شعوب تسكن نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وأنه كانت هناك أنواع من النبات والحيوان التي لم تدخل ببساطة في تصنيفات أرسطو وإيراسموس، وأنه يجب إعادة التفكير في التفسيرات المعيارية لتاريخ اللغة. وكذلك، فإن التسلسل التاريخي العالمي التقليدي للمسيحية لم يستطع الاستمرار محصنا من التحديات التي أُثارتها المواجهات الأنثروبولوجية ومن التساؤلات حول استيطان العالم الجديد.

ومن المؤكد أن اهتمام الجغرافيا بالاستكشاف لم يتوقف في القرن السادس عشر. حيث استمرت رحلات الاستكشاف في توسيع المعرفة الجغرافية بالعالم طوال القرون الأخيرة، ويمكن التركيز على ذكر رحلات جيمس كوك وجوزيف بانكس في القرن الثامن عشر إلى جنوب المحيط الهادئ، ورحلات الطواف حول العالم في القرن التاسع عشر التي قام بها طبيعيون مثل تشارلز داروين وتوماس هنري هكسلي. وفي نفس الوقت، كانت أهمية الرحلات العلمية يقودها رجال مثل ألكسندر فون همبولدن، هنري والتر بيتس، وألفريد راسل والاس من خلال استكشافاتهم في الشرق الأقصى وأمريكا الجنوبية. وكذلك فإن الجمعية الجغرافية الملكية ـ التي فعلت الكثير لتشجيع الاستكشاف عبر البحار في العصر الفيكتوري (1837-1901) ـ لا تزال مستمرة في رعاية رحلات الاستكشاف التي من هذا النوع حتى الوقت الحاضر. وفي الواقع فإن هذا الدافع الاستكشافي أصبح راسخا في الذاكرة الجماعية للتخصص، حيث استمر الجغرافيون في الحديث عنه في سياقات أخرى: البعثات في الأحراش الحضرية، المعازل العرقية، والبيئات المهددة الأخرى. وهكذا استمرت مفردات الاستكشاف في أسر روح جوانب معينة من التقليد الجغرافي.

الجغرافيا السحرية

وحتى عندما كانت المعرفة الجغرافية الجديدة تتحدى التقاليد الدراسية المقبولة، كانت هناك طرق استمرت من خلالها المعرفة الجغرافية في تأكيد المعتقدات المستقرة منذ فترة طويلة. وهكذا فإنه كما كانت العلوم الأخرى الناشئة متورطة بعمق في ممارسات سحرية مختلفة، كذلك كانت الجغرافيا أيضا. ويتضح هذا مثلا في التطور المبكر لعلم الفلك الحديث. إذ كان هناك اهتمام كبير بالنجوم بسبب الاهتمام بالتنجيم، وكانت هناك أدلة بين أتباع كوبيرنيكوس الأوائل على استمرار الاهتمام بالمشروع. وكذلك أدى الاعتقاد بأن النباتات المختلفة تمتلك قوى سحرية خفية يمكن تسخيرها لأغراض علاجية إلى اكتشافات صيدلية وكيماوية هامة. وتكشف كتابات عمالقة الثورة العلمية أمثال كبلر، باكون، ونيوتن عن اهتمام كبير بهذه الممارسات التي تبدو غامضة.

إنني أؤكد أن الجغرافيا لم تكن أقل مشاركة في علم التنجيم والسحر الطبيعي من المجالات العلمية الأخرى. فهناك كتاب أوائل كثيرون في الجغرافيا ـ مثل ويليام كننجهام، توماس بلوندفي، جون دي، وتوماس وليونارد ديجيس، كانوا يشاركون في مختلف جوانب السحر. حيث كان البعض مثل دي يرى أن الحل يكمن في الأهمية الغامضة للأرقام ـ إذ إن العوالم السماوية والأرضية مرتبطة ببعضها بعلاقات رياضية معينة بطريقة تجعل أي تغير في أحدها يؤثر مباشرة في الآخر. وبالنسبة لآخرين مثل ديجيس كان علم التنجيم يحتل الأهمية الأولى، وكانت جهودهم المناخية المبكرة مختلطة بالمعرفة التنجيمية؛ إذ كانوا يرون أن التنبؤ بالطقس يتطلب التعرف على أهمية التغيرات السماوية في القمر والنجوم والكواكب. بينما كان آخرون، خاصة جين بودان، كننجهام، يرون أن تنوع شعوب وثقافات العالم يرتبط ارتباطا وثيقا بعلامات البروج التي تحكم الأقاليم المحددة التي يقطنون فيها.

ومهما كانت غرابة كل هذا في عيون المعاصرين، إلا أن هذه الحقبة التي تجاهلها مؤرخو الجغرافيا طويلا تظهر دور الخطاب الذي لا يبدو عقلانيا في تطور التخصص. ولكن الأكثر من هذا أن بعض أعمال المراجعات المعاصرة بدأت في كشف تورط الجغرافيا في الروحانيات حتى القرن العشرين. وهناك عناصر غامضة مختلفة في تاريخ الحركة المحافظة الحديثة ـ ظهرت عند شخصيات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثل فراتسيس يونجهاسبند وفوغان كورنيش ـ لا تزال موجودة حتى اليوم بين الذين يطالبون بإستعادة سحر أو روحانية أو حتى تأليه الطبيعة.

عالم ورقي

أدى انفجار المعرفة الناتج عن رحلات الاستكشاف الأوروبية إلى ظهور تحديات وإنجازات كارتوجرافية جديدة. وتأكيدا لذلك، فإن علم الكارتوجرافيا لم يولد في القرن السادس عشر. حيث كانت رسوم بحر بورتولانو portolano sea تتداول حول البحر المتوسط لفترة طويلة، وبالطبع كان هناك تصويرات رمزية عديدة للعالم في أشكال مختلفة لخرائط العالم. ولكن كان يجب اختزال العوالم الجديدة التي واجهها الأوروبيون على الورق، وكانت هذه المهمة تعتبر مهمة الجغرافيين. وقام جيرارد ميركيتور بحل بعض المشكلات الرياضية المرتبطة بتحويل شكل كروي إلى سطح مسطح بمسقط الخريطة الشهير باسمه. وسرعان ما قامت سلسلة من الكارتوجرافيين الهولنديين والبلجيكيين مثل دي يودي، يودوكس هونيدوس، بيتروس بلانسيوس، برسم مسار اكتشافات أعالي البحار. ويرتبط بكل هذا المشروع الاهتمام بتربية مهارات المسح وصناعة الأدوات، التي كانت تعتبر بمثابة المهارات الحرفية للكارتوجرافي المبتدئ. وبالطبع كانت ممارسة رسم الخرائط عملية فنية كما هي عملية علمية. فكثيرا ما كانت الخرائط تنفذ بمهارة وتزخرف بصورة واضحة لدرجة أنها كانت تصبح أحيانا قطعا فنية في حد ذاتها. ولكنها كانت أيضا ممارسة فلسفية، وذلك بمعنى أنها كانت توصل “التمثيل” كنمط للفهم التواصلي.

واستمرت العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والكارتوجرافيا قائمة في القرون التالية. وكان التقدم في أعمال “مسح المعدات الحربية” في بريطانيا في القرن التاسع عشر يعرض بصورة منتظمة في الجمعية الجغرافية الملكية، وكان الجغرافيون أنفسهم يشاركون في رسم الخرائط الموضوعية لجيولوجيا الانجراف، والتربة، والأمراض، والسكان، الخ. ولا يزال الجغرافيون المعاصرون يحافظون على هذا التقليد عندما ينتقلون إلى الاستشعار عن بعد وإعداد الخرائط بالحاسبات. وهكذا كان دافع إعداد الخرائط في الجغرافيا قويا دائما، لدرجة أن كارل ساور اعتقد أنه إذا لم يكن الجغرافي مفتونا بالخرائط لدرجة أنه يحتاج دائما إلى أن يكون محاطا بالخرائط، فإن هذا يمكن أن يكون دليلا على أنه اختار المهنة الخطأ. وحتى عندما يقوم طلاب الرموز الكارتوجرافية بعرض علاقات القوة التي تجسدها النظم الرمزية للخريطة، فإن الخريطة ـ كلغة بيانية وتمثيل نظري ـ لا تزال تستخدم كمكون معياري في المجال الجغرافي.

العالم يعمل كالساعة

في أعقاب الفلسفة الميكانيكية التي سادت العلوم في القرن السابع عشر، كانت هناك جهود كثيرة للحفاظ على تماسك الخطاب الديني في وجه المضامين الطبيعية ظاهريا لصورة العالم الميكانيكي. وكان من أهم الإستراتيجيات الشائعة ـ التي دافع عنها رجال مثل نيوتن وبويل ـ القول بأن العالم كان مثل ساعة كبيرة أساسا، مقارنة بساعة ستراسبورج، وأنه من خلال استكشاف ماكينة العالم، كان العلماء يستكشفون عقلية “المصمم الكبير”. وقد لعبت هذه الحركة اللوجستية دورا هاما في تطور التقليد الجغرافي. ثم طور عدد من الكتاب خلال عصر التنوير نمطا من التاريخ الطبيعي يسمى اللاهوت الطبيعي. ومن خلال اعتبار العالم مصمما بصورة غائية، ومحكوما بالعناية الإلهية، فإنهم يفسرون بيئة العالم على أنها تعمل بمثابة كشف عملي عن الإرادة الإلهية. ففي كتابات توماس بورنت، جون راي، جون وودوارد، ويليام درهام، وفي أعمال ويليام بالي لاحقا، كانت جغرافية العالم بأشكالها الطبيعية والعضوية تعتبر دليلا على الهندسة الإلهية للطبيعة.

وقد استمر هذا المسار الفكري الخاص داخل التقليد الجغرافي طوال القرون التالية. ففي القرن التاسع عشر، جسد كارل ريتر نفس الوقف، وراجت رؤية ريتر في الولايات المتحدة على يد تلميذه المخلص أرنولد جايوت. وبالإضافة إلى هذا، انتشر اللاهوت الطبيعي في أعمال ماري سومرفي وديفيد توماس أنستد في إنجلترا، وماتيو فونتين ماوري ودانيل جيلمان في الولايات المتحدة، وذلك بما يؤكد تعليق ميل في 1901 على أن أنماط التفسير الغائية كانت ترتبط صراحة أو ضمنا بكل كاتب في النظرية الجغرافية خلال القرن التاسع عشر. بل إنه حتى مؤخرا تظهر نفس الرؤية الغائية من خلال كتابات الجغرافي الهولندي دي يونج. فهنا تستمر الجغرافيا في العمل كخادمة للاهوت.

أداة الإمبريالية

بالإضافة إلى خدمة الأغراض اللاهوتية، استطاعت الجغرافيا أن تخدم مصالح أخرى أيضا. فطوال تاريخها كانت الجغرافيا تقدم نفسها كمساعدة للعسكرية والإمبريالية. فقد كان معروفا أن الخرائط كانت بمثابة أدوات حيوية لشن الحرب مثل المدفعية، ولذلك فإنه ليس مدهشا أن الجغرافيا المؤسسية انتعشت أولا في المدارس العسكرية. وفي الحقيقية فإنه يمكن تتبع ما قبل تاريخ “المسح الحربي” إلى الحاجات العسكرية خلال الحقبة اليعقوبية. ففي القرن العشرين، كان الجغرافيون مثل أشعياء بومان يقومون بأدوارهم في المشاركة الأمريكية في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب. وعلى مستوى الممارسة الجغرافية، قدم جغرافيون كثيرون مهاراتهم للحكومات خلال الحربين العالميتين، بينما استمر المساحون والمهندسون العسكريون في القيام بعمليات تقييم وتصنيف الأرض.

وبنفس المنطق، فإن التوسع البريطاني عبر البحار أثار اهتماما متجددا بالجغرافيا لأغراض وظيفية. ففي الاجتماع الافتتاحي للجمعية الجغرافية الملكية في لندن في أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تم الدفاع عن الحاجة إلى هذه الجمعية كما نتذكر على أسس أن الجغرافيا كانت ضرورية للنجاح الإمبريالي لبريطانيا كأمة بحرية. وبالتالي كان ولا يزال هناك جدل كبير في بريطانيا ـ فضلا عن ألمانيا وأمريكا ـ في الجغرافيا حول موضوع التكيف المناخي، لأن مسألة تكيف البيض مع العوالم المدارية وشبه المدارية كانت ذات أهمية دولية ملحة. فهنا عمل الجغرافيون مع خبراء الطب لتحديد أهمية العوامل المناخية. وفي الحقيقة فإنهم بعملهم هذا حافظوا على حياة تقليد قديم، كان مونتسكيو قد جدد شبابه، حافظ على ارتباط العوامل الطبيعية والثقافية.

ويمكن التلاعب بهذه الجوانب من النظرية الجغرافية بسهولة لخدمة عدد من الأغراض. فقد وجد البعض في الحتمية البيئية مبررا للأيديولوجية العرقية، ففي الحقيقة كانت المسائل العرقية شائعة في النصوص الجغرافية قرب نهاية القرن، بل إنها استمرت طويلا في بعض الحالات. واعتبرها البعض الآخر منهجا له إمكانيات إستراتيجية. حيث اعتمدت نظرية القوى السياسية العالمية عند هالفورد ماكيندر كثيرا على السيطرة على قطعة محددة من المساحة الأرضية في العالم القديم. وأقام فريدريش راتزل في ألمانيا نظرية عضوية للدولة على فكرته عن “المجال الحيوي”، مدعيا أن خصائص وكثافة “الشعب” ترتبط عضويا بمنطقة أو “مجال” محدد. وفي الولايات المتحدة، روجت إيلين سمبل لرؤية راتزل التي استخدمتها لرسم المسار الحتمي للتاريخ الأمريكي، بينما تحول إيلسوورث هنتنجتون إلى المناخ باعتباره الباعث العظيم للحضارة. وفي كل هذه الحالات، كما في حتمية جريفيث تيلور القائمة على التوقف والانطلاق، ظهرت العلاقات التأسيسية بين النظرية الجغرافية والنظرة الاجتماعية بوضوح. وبالطبع فإن هذا لا يعني القول أن الحتمية الجغرافية كانت “مجرد” أيديولوجية اجتماعية على نطاق واسع. ولكن هذا يذكرنا بأن الأفكار والممارسات الجغرافية لها تاريخ اجتماعي وتاريخ إدراكي أيضا.

الرواية الإقليمية

حتى عندما كانت الحتمية البيئية بصورة أو بأخرى تنتشر مثل النار بين الجغرافيين المحترفين، كان هناك آخرون، في ألمانيا بداية، يتركز حوراهم على قدرة الثقافة البشرية على تحويل بيئتها الطبيعية بدلا من البقاء في قبضة حتمية الطبيعة. ففي بريطانيا، ركز فلير على أهمية العنصر البشري في تعديل البيئة، وهكذا ابتعد عن التركيز التقليدي على الأقاليم الطبيعية واتجه نحو أهمية المناطق الانتقالية لالتقاء الثقافات عبر التاريخ. بل إن البعض مثل هربرتسون، الذين يحتل مفهوم الإقليم الطبيعي عندهم موقعا إستراتيجيا، اعترفوا بالتفاعل الدقيق بين البيئة والوراثة والوعي في إنتاج الأنماط الجغرافية للتنوع البشري على وجه الأرض. فبالنسبة للطرفين، كان المسار المثالي في التطور اللاماركي ـ أي النموذج التطوري الذي يركز على أهمية قوة الحياة والإرادة ـ يحظى بأهمية كبيرة. وكان هناك مسار متصل بالنقد البيئي ينبع من التقليد النشط للجغرافيا الثقافية الفرنسية المرتبطة بفيدال دى لا بلاش. فبالنسبة إلى فيدال وأتباعه، أصبحت البيئة تعتبر بمثابة عامل محدد يفرض قيودا على الإمكانات الثقافية، وليست قوة حتمية. إذ إن “الإمكانية” التي وجدها المؤرخ لوسيان فيبفر في صميم هذه المدرسة الفرنسية دفعت الجغرافيا كعلم الأقاليم البشرية، لأنها كانت في بيئة طبيعية خاصة ظهرت فيها أنماط حياة متميزة.

وهناك مسار متصل بنقد الحتمية نبع من كارل ساور ومدرسة باركلي في الجغرافيا الثقافية في الولايات المتحدة. فهنا كان الإلهام مستمدا بدرجة أقل من علم الأحياء التطوري، وبدرجة أكبر من الجغرافيا الألمانية والخصوصية الثقافية للأنثروبولوجي فرانس بواس. إذ إن تساؤل بواس حول الحتمية البيئية، بناء على عمله الأنثروبولوجي بين شعب الإنويت الكندي، أدى إلى نسبية ثقافية معتدلة انتقلت إلى ساور عبر زملاء أنثروبولوجيين في باركلي. ووحد ساور هذا الخطاب عندما أغلق مساعي الجغرافيا حول معالجة الثقافة المادية المتبقية كمنتجات تاريخية للتنوع الثقافي. ومهما كانت الاختلافات في المنهج، فقد اشترك هؤلاء الجغرافيون في فهم الجغرافيا على أنها دراسة التباين المكاني، وهو الموقف المجسد في عمل رتشارد هارتسهورن المؤثر “طبيعة الجغرافيا The Nature of Geography”. فهو عبارة عن تاريخ تبريري من مراجعة موالية للمصادر الألمانية، حيث رسخ موقف مؤلفه باعتباره أكبر أنصار الإقليمية الناطقين بالإنجليزية. وكذلك فإن فكرة أن الجغرافيا رواية إقليمية قدمت نموذجا لا زال يحكم الكثير من الأعمال الجغرافية، سواء في الإسهامات النوعية لكتاب الشخصية الإقليمية أو في التركيز الأكثر كمية لممارسي العلم الإقليمي.

المسار الوسط

بالإضافة إلى هذه الجهود الرامية إلى تحديد موقع للمجال الإدراكي للجغرافيا ـ أي جزء من المجال المفاهيمي في المشروع الأكاديمي للأشياء ـ كان هناك من كانوا أكثر ميلا إلى التحدث عن قيمتها البيئية من خلال مراعاة النظم الطبيعية والبشرية بنفس القدر من الجدية. ومن المؤكد أن هذا المسلك الوسط كانت له قيمة غائية أيضا في البحث عن الهوية المؤسسية، ومن ثم حدث اللجوء إليه لتبرير وجود الجغرافيا باعتبارها تخصصا أكاديميا مستقلا متماسكا في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. وكثيرا ما كان الأمر يعرض على أساس أن الجغرافيا كانت التخصص المتماسك بامتياز، والذي حافظ على دراسة الطبيعة والثقافة تحت مظلة تخصص واحد. ففي بريطانيا، اعتبرها هالفورد ماكيندر بمثابة الأساس الوحيد الذي يمكن بناء الجغرافيا كعلم سببي عليه، بينما في الولايات المتحدة، فإن ديفس الذي ما كنا لنتذكره لولا توضيحه لدورة النحت، شعر بأن الجغرافيا الطبيعية كانت ناقصة بدون مقابلها البشري.

علم المكان

إذا كان البعض يرون أن جوهر الجغرافيا يتمثل في تركيزها على التكامل الإقليمي، فقد كان هناك آخرون وجدوا التركيز على خصوصية الأماكن مفقودا في الجانب المنهجي. إذ كانوا يرون أن كل الحديث عن سد الفجوة بين العلوم والإنسانيات يبدو مجرد خطابة أكاديمية سياسية، وأن فكرة الشخصية الإقليمية تعتبر غير علمية صراحة. فحتى عندما كان الجغرافيون يواجهون بصورة مستقلة النماذج الاقتصادية المكانية عند فون تونن، فيبر، كريستالر، لوش، إيسارد؛ قاد فريد شيفر هجوم المفاهيم بمقاله عن “الاستثنائية في الجغرافيا Exceptionalism in Geogrgaphy” الذي نشر في “حوليات جمعية الجغرافيين الأمريكيين” في 1953. حيث كان هجوم شيفر مصمما لتحويل الجغرافيا إلى علم حقيقي بالقول بأنه أصبح تخصصا تفسيريا يبحث عن القوانين ويهتم بالقوانين العامة، وليس الخصوصيات الإقليمية. وهناك اعتقاد عام بأن ورقة شيفر بشرت بدخول الوضعية المنطقية في التخصص، وأن منهجها حظي بالدفاع عنه في عمل ويليام بانج “الجغرافيا النظرية Theoretical Geography” الذي نشر في 1962، وعمل ديفيد هارفي “التفسير في الجغرافيا Explanation in Geography” الذي نشر في نهاية العقد. حيث ساعدت هذه الأعمال على زيادة قوة حوار قوي قائم فعلا حول الجغرافيا كعلم التوزيع المكاني، أو التحليل المكاني، كما كان يقال كثيرا.

اكتشاف الشعوب

مهما كانت أسباب استخدام الأساليب الكمية في الجغرافيا، فقد شهدت العقود الحديثة سلسلة من الهجمات على الوضعية من زوايا مختلفة. فقد جاءت من الجانب الراديكالي شكوى من أن كل الإجراء الكمي متحيز أيديولوجيا منذ البداية. حيث تتمثل الحجة هنا في أن جعل الجغرافيا مجرد نوع من الحساب المكاني يؤدي إلى استبعاد الأسلوب الهندسي لتصوير التوزيعات والمسائل الجوهرية للعدالة والمشاركة السياسية ببساطة وبمنتهى الراحة. وبالتالي، يعتبر العديد من الجغرافيين الراديكاليين المعاصرين أنفسهم أعضاء في سلسلة جغرافية ترجع إلى شخصيات مثل ريكلي، كروبوتكين، وكارل فتفوجل، الذين نصحوا بالمشاركة الاجتماعية بشدة. ففي هذا السيناريو، مع أنه يجب التصريح بأنه أمر بعيد عن الاتفاق، هناك شىء ما من التركيز على الدور الحتمي للهيكل الاقتصادي. وسواء كان الأمر يتعلق باستكشاف أهمية الفصل العنصري في السكن، أو تقلبات النظام الاقتصادي العالمي، أو التغير التاريخي من الإقطاع إلى الرأسمالية، فإن هذا الدافع يؤكد نفسه باستمرار.

ونظرا لتجاهل مجالات كاملة من التجربة الإنسانية ـ الخوف، الخيال، والعاطفة ـ تم “استبعاد” الشعوب الحقيقية ببساطة من الصورة تماما. ولذلك اعتبر هؤلاء الجغرافيون البشريون أن مهمتهم تتمثل في الحفاظ على هذا التقليد مفتوحا على الجانب الأدبي من تاريخه من خلال بحثهم في النصوص الأدبية وإبراز أهمية الجوانب الذاتية. وتعتبر أعمال يي فو توان Yi-Fu Tuan في “حب الموضع” و”رهاب الموضع”، ورحلة ديفيد لي في صميم معازل قلب المدينة، وتحول ليونارد جولكه Leonard Guelke إلى الفلسفة المثالية في التاريخ عند كولنجوود، بمثابة بعض التيارات التي تسللت مؤخرا إلى هذا التخصص. وهنا ينبري الموالون بسرعة لإظهار أن هذا لم يكن تحولا جديدا كاملا؛ حيث يدعي البعض أن الجغرافيا السلوكية المبكرة عند رايت، ديفيد لوفنتال، ويليام كيرك، منحت دورا كبيرا للخبرة الذاتية، بينما يتحدث آخرون ـ الذين يتجاهلون تطلعاته العلمية الطبيعية إلى جغرافيا بشرية ـ عن إعادة إنعاش تقليد فيدال. وفي الحالتين، ساعد الحوار حول العاطفة والمعنى والقيمة على الحفاظ على الجانب الذاتي داخل مجال الجغرافيا.

كل شىء في مكانه

دفعت هذه التأكيدات المتتالية على دور البنية الاجتماعية والعنصر البشري في تفسيرات الظاهرات الجغرافية بالبعض مؤخرا إلى التساؤل عما إذا كان يجب منح الميزة التفسيرية لأحدهما أو الآخر. وفي محاولة للخروج من هذا المأزق، تحول بعض الجغرافيين إلى نظرية “تكوين البنية” التي قدمها أنتوني جيدينس عالم الاجتماع في كمبردج. حيث يظهر هذا التفسير للتكوين والتحول الاجتماعي التفاعل بين القوتين؛ حيث يجد البشر أنفسهم في ظروف بنيوية ليست من اختيارهم، ولكنهم يستطيعون من خلال ممارسة أنشطتهم الخاصة فعل شىء ما لإحداث التغيير. ويقدم المد والجزر المستمر للتفاعل بين البشر والبنية القوة المحركة للتحول الاجتماعي. وتدخل الجغرافيا الصورة عند الحاجة إلى “دفن” هذا النموذج العام للتغير التاريخي. فمن الواضح أن كيفية تشكيل العلاقات بين البنية الاجتماعية والعنصر الإنساني  تختلف من مكان لآخر، وتعتمد كثيرا على مجالات المواجهة المحددة. ففي هذا السيناريو، نجد أن التفاعل بين الذات والبنية هو الذي يعطي كلا من الشكل والمضمون للأماكن، لأنها تمثل وسيط ونتيجة التبادل الاجتماعي في نفس الوقت. ومن ثم فإن الجغرافيين الذين ينادون بالأهمية القصوى للموقع يطالبون باستمرار بإضفاء الطابع الجغرافي على النظرية الاجتماعية.

ولكن الذي أعطى مزيدا من التشجيع لهذا التركيز المتجدد على أهمية المكان يتمثل في سلسلة كاملة من التطورات الفلسفية والاجتماعية التي تدخل عادة تحت وصف “ما بعد الحداثة”. حيث يبدو الآن أن التعددية الثقافية والمعرفية أصبحت حتمية. فقد اجتمع كل من تجزئة المعرفة والتباين الاجتماعي والتساؤل حول الرشادة العلمية من أجل التأكيد على أهمية الشىء الخاص والمحدد والمحلي. وفي مثل هذه البيئة الاجتماعية والإدراكية، تعتبر الجغرافيا التي تركز على أهمية المكان تخصصا له إمكانات هائلة.

2020-02-12T22:49:47+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا