معارضو التحليل الكمي  

معارضو التحليل الكمي  

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل التاسع من كتاب “مسيرة الفكر الجغرافي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : ديفيد ليفنجستون

ترجمة: عاطف معتمد، عزت زيان، كرم عباس

إذا أحكمت تحديد المصطلح فقد أمسكت بزمام الخطاب. لهذا السبب فانه ليس من المستغرب أن فوضى التعريفات وتحديد المعاني الدقيقة للمصطلحات تعد من سمات تلك الأعمال “الاعتذارية” التي تلتمس المسوغات والمبررات، وتهدف إلى تحديد الهوية المعرفية. فحقيقة الأمر هي أن الكلمات المفتاحية لأي علم تتسم بمرونة كبيرة لدرجة تجعلها قابلة للتوسع أو التضييق في معانيها لخدمة الأغراض المختلفة لمستخدميها.

ويحقق النجاح في إدارة المصطلحات – ومن ثم الحد من المراوغة المفاهيمية- مزايا كبيرة في محاولة تحديد الإطار المفاهيمي. فالعمل العلمي ليس مجرد “حوار مع الطبيعة”؛ ولكنه أيضا، وعلى نحو ما أشار ديفيد هول David Hall، حوار مع “العلماء الآخريين”.

فمصطلحات مثل “الأعراق البشرية”، “النواة”، “الطبقة الاجتماعية”، و”الأنا” كلها مسميات لمعانٍ كانت موضوعا لجدال حاد بين علماء البيولوجيا والفيزياء والاجتماع وعلم النفس. ويُعد الفصل في أمر التعريفات بطبيعة الحال ترسيما للحدود وتمييزا لما هو صحيح مما هو زائف، ما هو قانوني مما هو غير قانوني، ما هو وثيق الصلة بالموضوع عما هو بعيد عنه.

وبناء على ما سبق، فإن ضبط المصطلح يعد أمرا له فوائد عظيمة في النقاش، إذ يساعد في فهم المتلقين للجوانب المختلفة للحوار. فوضع تعريف للمصطلح يعني في الواقع ممارسة سلطة ثقافية. من ثم يمكن القول إن تعريف الإطار المعرفي للعلم ليس ممارسة أنطولوجية (وجودية) حول جزء من الحقيقة التي يسعى العلم لممارسة نفوذه عليها، بقدر ما هي استراتيجية لتحديد مجال المفردات التي سيتم التعامل معها كعملة “جيدة” داخل التقسيم المهني للعمل. وفي ضوء هذه الاعتبارات أريد أن أنتقل الآن إلى الفكرة الرئيسة في تعريف رتشارد هارتسهورن Richard Hartshorne للجغرافيا في عام 1939.

رتشارد هارتسهورن

هارتسهورن، شيفر، واستبداد المصطلح

في عام 1938-1939 غادر هارتسهورن الولايات المتحدة في مهمة علمية مشفوعة بمنحة بحثية لرصد واستطلاع المشكلات الحدودية الأوربية. لكن الأحداث السياسية التي شهدها العالم في هذه الفترة اجتمعت مع الحماس الشخصي لهارتسهورن وشجعته في المقابل على قضاء إقامته في أوربا داخل جدران مكتبة جامعة فيينا وإجراء مقابلات مع رواد الجغرافيا الأوروبيين. وحتى قبل أن يغادر السواحل الأمريكية كان هناك استعداد لدى هارتسهورن لأن يتحول اهتمامه من نطاق “التخوم” البرية إلى “ترسيم” الحدود المعرفية.

كانت هذه الفترة تشهد جدلا منهاجيا بين الجغرافيين الأمريكيين، ففي عام 1937 كان الجغرافي جون ليلي John Leighly قد نشر آراءه الفلسفية التي أثارت انتقادات لاذعة، وكان من بين المنتقدين هارتسهورن نفسه. وخلال إحدى مأدبات الغداء، أعرب هارتسهورن عن نقده الصريح لورقة ليلي إلى رئيس تحرير مجلة حوليات رابطة الجغرافيين الأمريكيين ديرونت ويتليسي Derwent Whittlesey.

وعليه، بدأ العداء بين جغرافية الغرب الأوسط الأمريكي وجغرافية مدرسة بيركلي (كاليفورنيا)، والتي استمرت لعقود لاحقة. وقد ساق ويتليسي تشجيعه لهارتسهورن داعيا إياه لأن يقوم بتحويل هذه الانتقادات من تعبير شفهي إلى عمل مدون. ومن ثم وقبل أن يتوجه هارتسهورن إلى أوروبا كان قد استهل مشروعا فكريا لوضع الحدود المفاهيمية، وتتبع لتاريخ الجغرافيا، مدعوما بخطابات تشجيع من ويتليسي.

وقد استحوذ ذلك على جزء كبير من وقت هارتسهورن الذي قضاه بالخارج، ونتيجة لاتصالات لاحقة توسع مشروع هارتسهورن ليصل إلى دراسة من 500 صفحة، وتم نشرها في إصدارين من إصدارات الحوليات. قد تكون الأراء التي نشرها ليلي قد مثلت السبب المباشر الذي حث هارتسهورن على دراسة هذا الأمر والكتابة بشأنه، إلا أن هناك عوامل أكثر شمولية جعلت تناول هذا الأمر في ذلك الوقت أمرا مناسبا لتناول الجغرافيا برؤية فلسفية.

فقد كانت بعض المعضلات الفكرية تحتاج إلى ترشيد من الرعيل الأول من الجغرافيين المحترفين للخروج بالجغرافيا من هذه البيئة الأكاديمية غير الملائمة، وفي إطار هذا الفراغ الفكري المحبط أطلق هارتسهورن عمله “طبيعة الجغرافيا The Nature of Geography”، الذي مثل نظرة فلسفية وتاريخية واسعة، أتاحت للجيل التالي تبريرا ذاتيا غير مسبوق، لكن على حساب تحميل الجغرافيا بكلفة باهظة من التحليل الداخلياني Internalist وقراءة متحيزة للمصادر التاريخية لهذا العلم.

وأيا كان الباعث على عمل هذا الكتاب، فقد كان الهدف منه واضحا، ومتمثلا في تحديد “طبيعة” الجغرافيا عبر دراسة وبحث مسارها “التاريخي”، وذلك على نحو ما أكد هارتسهورن نفسه. فقد كان اهتمامه في الأساس هو “تقديم الجغرافيا على نحو ما يراها الجغرافيون الآخرون، أو كما كانوا يرونها في الماضي”، حيث أوضح انه “إذا أردنا أن نظل على الطريق الصحيح – وأن نعود إلى الطريق القويم – فينبغي علينا في البداية النظر إلى الخلف لمعرفة إلى أي اتجاه يقودنا هذا الطريق. فمهمتنا الأولى ستكون تعلم ما كانت عليه الجغرافيا خلال تطورها التاريخي(6). كان هذا في الحقيقة هدفه الذي أعيد التأكيد عليه في النقد الذي نشره جون كيرتلاند رايت J. K. Wright عام 1941، في مجلة إزيس Isis – وهذا النقد هو المراجعة الوحيدة في تاريخ الأدبيات العلمية الذي أمكنني الوصول إليها إلى الآن.

وفي هذه المراجعة يلاحظ رايت أن هارتسهورن ذهب إلى أنه لا يمكن للمرء التوصل إلى مصطلح مقبول للجغرافيا عبر “تفكير منطقي” مؤسس على افتراضات مسبقة a priori، وأن عملية تعريف أو وصف الحقل العلمي تستلزم اختبارات موضوعية. وتمثلت الاستراتيجية التي اتبعها هارتسهورن، في تحديد ما أسماه رايت “الطبيعة الأصيلة للجغرافيا”.

صحيح أن مشروع هارتسهورن كان يهدف إلى تحديد طبيعة الجغرافيا عبر فحص دقيق لتاريخها. لكن هناك بالتأكيد فارق بين الأسئلة المعيارية (ما ينبغي أن تكون عليه الجغرافيا)، والعوارض Contingencies الإمبريقية (التجريبية) للتاريخ الفكري للجغرافيا (ما دارت حوله الجغرافيا بالفعل). وهذا الأمر يثير التساؤل حول ما إذا كان هارتسهورن قدم ادعاءً فلسفيا بلاغيا حول الإطار المفاهيمي الجغرافي، أم ادعاءً تاريخيا بشأن تطور الجغرافيا.

وفي ظني فإنه من الصعوبة البالغة تحديد كيف كان يأمل هارتسهورن في تحديد “الطبيعة الأساسية والأصيلة للجغرافيا” من خلال البحث التاريخي، فمن المؤكد أنه لا يمكن الوصول لرواية واحدة مؤكدة حول الآراء والأحكام التاريخية. فالتثبت من العوارض التاريخية ودراستها لا يمكن تطويعه لخدمة غرض بعينه من البحث الفلسفي عن المكنون أو الجوهر.

ولهذا السبب نكاد نستشعر عند قراءة أطروحات هارتسهورن أن الجغرافيا- كعلم- هي هوية قابلة للتفاوض. فالعمل العلمي الذي قدمه لم يكن بحثا في التطور السياقي للأفكار، ولكنه كان نسقا معقدا من الشواهد التوضيحية، وعرضا ساكنا غير متحرك منزوعا من بعده التاريخي. وفي ضوء ذلك يمكن تفهم الملاحظة التي أوردها لوكرمان Lukermann، والتي ذهب فيها إلى أن:

“الاستنتاج الوحيد هو أن كتاب طبيعة الجغرافيا لم يكن تاريخا، فالاسترشاد بالتاريخ فيه لا يهدف إلى البحث في التاريخ، وإنما يهدف إلى البحث عن سلطة للتحقق من صحة النتائج التي تم التوصل إليها؛ والتي صاغها من قبل ألفرد هتنر Hettner، والذي كانت لديه روابط وميول نحو الفلسفة أكثر منها نحو التاريخ. لقد تمثلت السلطة المعرفية التي ناشدها هارتسهورن في الجغرافيا الألمانية، وبخاصة الشواهد التفسيرية عند هتنر. ويبقى السؤال الأهم مطروحا حول ما إذا كان هتنر المؤيد للفكر الإقليمي هو المرجع الذي وقف خلف تأكيدات هارتسهورن حول علم وصف الأقاليم (الكورولوجيا Chorology). ولا أنوي الفصل في هذه النقطة البحثية، أو الحكم على ما إذا كان هارتسهورن قد قصر مناقشاته على التراث الفكري الألماني الحديث، غافلا عن الاستناد إلى منطلقات فكر إنجلترا في عهد إليزابيث، أو فرنسا في عصر التنوير، أو الولايات المتحدة في حقبة جيفرسون. فالواضح هنا هو أنه لكي يحتفظ هارتسهورن بسلطة أطروحاته، فقد سعى إلى كشف عدم الترابط في التعريفات البديلة في الجغرافيا وذلك من خلال الإسهاب في عرض عدم الضبط والدقة في مصطلحاتها. ومن ثم كان هارتسهورن قادرا على أن يقدم للطلاب الأمريكيين فكرا جغرافيا به نقطة اهتمام واضحة تتمثل في “علم وصف الأقاليم (الكورولوجيا)”. فقد وجد أنه من خلال ضبط مصطلحات النقاش، يمكن إصدار أحكام بشأن صلاحية بعض المتداول منها في الوقت الحالي في إطار هذا الحقل العلمي، ومن ثم إمكانية تحديد “الانحرافات عن مسار التطور التاريخي”.

ولا يوجد في الأطروحات التي قدمها هارتسهورن، والمعنية بالضبط التفسيري ما هو أفضل من مفهوم اللاندسكيب أو بالأحرى مفهوم اللاندشافت Landschaft ومشتقاته المختلفة، أو ما أسماه كارل ساور Carl Sauer بمورفولوجيا اللاندسكيب The Morphology of Landscape. ويبدو أن شغف وحماس هارتسهورن بالمدرسة الألمانية والذي تبدى من خلال تركيزه على الكورولوجيا قد تواكب مع حماس آخر لدى كارل ساور الساعي إلى التحديد المساحي الجغرافي. وقد لاحظ هارتسهورن نفسه أن ساور كان مصدر إلهام جيل من الجغرافيين الشبان للتفكير في الجغرافيا بمفاهيم دراسة الملامح المادية للاندسكيب، الطبيعية منها والثقافية، والنظر في هذه الميزات وفقا لعلاقاتها وارتباطاتها الكورولوجية والإقليمية المتبادلة.

من ثم أصبح ما قد يبدو أنه اختلاف طفيف في الرأي بين هارتسهورن وساور حول المنهاجية الأكثر دقة للدراسات الإقليمية، هو محور الاهتمام الأكبر لكل منهما على حد سواء. فالشعارات الجغرافية الرئيسية، ومن يتحكم بها، كانت على المحك. حيث أكد هارتسهورن على عدم قدرته على استيعاب الكيفية التي يعمل بها ساور في ضوء الاختلافات المفاهيمية للمصطلح المراوغ “اللاندسكيب الحضاري”. فمفهوم “اللاندسكيب” يعبر عن تداخل وخلط داخل لغتنا الجغرافية، ويشير إلى فيض متباين من الدلالات.

ولم يكن لدى ساور صبر لفهم اهتمام هارتسهورن بقضية التعريفات، وأبدى استياءه مما أسماه استبداد المصطلحات ببعض المعالجات المنهجية التي يتم من مقاعد وثيرة. ومن ثم يمكن القول إنه، وبالرغم من اتفاق كل منهما في أن الجغرافيا هي علم دراسة الاختلافات المكانية، إلا أن هارتسهورن قد استشهد في هذه النقطة الدقيقة بشكل جماعي بأعمال هتنر وريتشهوفن، إضافة إلى ساور نفسه. وقد عملت الدلالات الفلسفية لدى هارتسهورن، والأنثروبولوجيا الإمبريقية لدى ساور على تعزيز رفض كل منهما للمصطلحات التي اختارها الآخر.

وقد اعتبر هارتسهورن كل هذه الرؤى مفتقدة لرابطة موضوعية موحدة. فمما لا شك فيه، وفقا لهذه الرؤى أن الأقاليم قد تتعارض وتتصادم كوحدات عضوية، أو متجانسة، أو جشطالتية، ولكن هذا الأمر يستند إلى خبرات ذاتية وليس له أية وضعية أنطولوجية (وجودية). فمثل هذه الهويات الوجودية لا يمكنها توفير أسس لعلم الجغرافيا، دونما تحويل هذا الحقل العلمي إلى “موضوع جغرافي – نفسي Psycho-Geographic”. فالإقليم يبدو وكأنه وحدة مبنية عقليا، ومفهوما كانطيا خالصا، والذي أشار إليه على أنه:

“أية وحدة من الأرض تكون ذات علاقات واضحة مع كافة الوحدات الأخرى المجاورة. وأنه في بعض الحالات يمكن أن تكون وثيقة الصلة بمجموعة وحدات أكثر من المجموعات الأخرى، ولكن ليس بالضرورة من جميع الزوايا. فالكيانات الإقليمية على هذا الأساس هي بشكل كامل إنشاءات عقلية؛ فهي كيانات فقط في أفكارنا. وعلى الرغم من ذلك، إلا أننا نجد فيها نوعاً من الإنشاءات التي توفر الأساس الفعال لتنظيم معرفتنا بالواقع.

ومرة أخرى يقول كانط:

 وفي ضوء التقسيمات المكانية التي نحن معنيون بها في دراسة الجغرافيا الإقليمية، يمكن الوصول إلى الاستنتاج القائل “بأنه من غير الممكن تحديد أجزاء من سطح الأرض كأقاليم تشكل وحدات في الواقع. ومن ثم لا يمكن اعتبارها وحدات منفردة.

لم تكن الأقاليم لدى هارتسهورن موجودة كوحدات شاملة ومكتملة، ففكرة الإقليم المحدد لم تكن أصيلة في العالم الذي يدرسه الجغرافيون، ولا في العالم الطبيعي، أو العالم الفعلي الذي صنعه كل من الإنسان والطبيعة معا. ولكن هذا الأمر لا يعني أن الانشغال بالجغرافيا الإقليمية كان مشروعا غير متماسك. بل على العكس من ذلك، كان هارتسهورن يعتقد أن المشروع الإقليمي قد تأسس على تحديد الكيفية التي تترابط بها مفردات بعينها، أو مجموعات من المفردات التي تقع داخل أحد الأقاليم مع المفردات الأخرى الواقعة في أقاليم أخرى. وهذه المفردات تتضمن مفاهيم كالتضاريس، الغطاء النباتي، استخدام الأرض..إلخ. ولكن كان من الخلط النظر إلى أية مفردة من هذه المفردات كمرادفات “للإقليم الجغرافي”. علاوة على ذلك، كانت هناك صعوبة اختيار العنصر الذي سيتم رسم معالمه، وتحديد المعايير التي سيتم تبنيها عند تأسيس الأقاليم. الأمر الذي يؤكد بشكل ضمني ما أوضحه هتنر حين ذكر: ” أنه لا يمكن تحديد الصواب والخطأ عند الحديث عن التقسيمات الإقليمية، ولكن فقط يمكن تحديد ما إذا كانت هذه التقسيمات هادفة أم غير هادفة”. من ثم يمكن القول إن المهمة الأساسية في هذا الوقت كانت تتمثل في – وعلى غرار أسلوب الفهرسة المكتبية- وضع فهرس من الممكن أن يكون مفيدا في هذا السياق بدرجة أو بأخرى. ومن ثم لا يبدو أمر الحديث عن مدى الصواب والخطأ في هذا الإطار صحيحا أو ملائما. ومن خلال استبعاد أية خصوبة مفاهيمية قد تستند إلى التعبيرات المجازية – كتعبير الأقاليم العضوية، أو شخصية الأقاليم وما شابهها من مصطلحات – كشف هارتسهورن عن نزعة إيجابية نحو التنميط، منحت ميزة وجودية فقط للحقائق الجغرافية المنفصلة. كما أكد على أن التقسيم المقارن للعالم في أنماط عامة، مرتبة في نسق منطقي سليم، يمكن تأسيسه فقط على عنصر طبيعي مفرد وليس على مجموعة من العناصر.

وبينما افتقدت الأجيال اللاحقة الرؤية الفلسفية التي امتلكها هارتسهورن، إلا أن مبادئ وأسس التمايز المكاني Areal Differentiation ازدهرت سريعا كمعتقد رصين في الفكر الجغرافي عندما أصدر إيست و وولدريدج East & Wooldridge في عام 1951 كتابهما المعنون “الجغرافيا: مغزاها ومرماها The Spirit and Puropse of Geography”، والذي قدم دعما لحجتهما المتعلقة بكون الجغرافيا موجهة بالأساس لمسألة كيف ولماذا يختلف جزء من سطح الأرض عن جزء أخر، عبر الاستشهاد والاستناد إلى آراء كل من هتنر، فيدال دو لا بلاش، هارتسهورن، وساور.

وفي ضوء الإقرار بآراء هؤلاء العلماء كان هناك تأكيد وإصرار (رغم ميول وولدريدج Wooldridge الجيومورفولوجية) على أن “الفصل” بين الجغرافيا الطبيعية والبشرية “مخالف تماما” لروح وغاية الجغرافيا. وعلاوة على ذلك، لم تكن قناعة إيست و وولدريدج بأن “طبيعة الإنسان والتطور الإنساني يضمنان أن كل إقليم من الأقاليم التي ندرسها هو إلى حد كبير “فريد من نوعه”. بل على العكس، كان هناك تحديد للأطر التي يتحول فيها الحقل العلمي بعيدا عن المجموعات الرسمية والمبادئ والأسس العالمية – وبخاصة الجغرافيا البشرية- التي كان تعقيدها ودقتها ومرونتها محل اهتمام كبير.

وبالرغم من وجود هذا العدد الكبير من أنصار الخطاب الفلسفي والعلمي، فشلت طريقة تناول الإقليمية في تقديم الموضوع من جانبه التعريفي. ذلك أن الأمر تحول لدى العديد إلى مجرد ممارسة وسرد يفتقران إلى نشاط فكري وقيمي كالذي امتلكه الرواد الأوائل. ففي الفكر الأمريكي – وعلى نحو ما أشار ستودارت Stoddart – انشغل الجيل الذي جاء بعد هارتسهورن فيما يتعلق بسؤاله حول التمايز المكاني بما هو أسوأ، أي إلى تصنيف المناطق، الأمر الذي ينطوي على مشكلات ما بعد التنظير والخاصة بالتنظيم وتحديد الوظيفة المكانية. كما يعد أمر انعدام العمق الفكري أحد جوانب هذا الأمر، والتهديد بالفناء المؤسسي جانب أخر. فعندما تم إغلاق البرنامج الجغرافي في جامعة هارفارد عام 1948، تفشى شعور جديد بالأزمة خلال التخصص الجغرافي، أطلق عليها جون جوتمان Gottmann مصطلح “الضربة الرهيبة” التي لم يتعاف منها حقل الجغرافيا الأمريكية كليا”.

وقد كان ديرونت ويتليسي Derwent Whittlesey، هو الشخصية الرائدة التي قادت عملية التوسع في البرنامج الجغرافي في جامعة هارفارد خلال الربع الثاني من القرن العشرين، والذي قام بمفرده وباعتباره محرر حوليات رابطة الجغرافيين الأمريكيين بتشجيع هارتسهورن على إنتاج أطروحته الفكرية الرئيسية، كما أيده في وقت لاحق على تقديم رد على القراءة النقدية التي طرحها فرِد شيفر Fred Schaefer بشأن كتاب “طبيعة الجغرافيا”.

وبنهاية أربعينيات القرن العشرين، كان الادعاء بكون التوليفة الإقليمية هي أساس الهوية الجغرافية، قد صبغ علم الجغرافيا بطابع مميز بين المتخصصين والمعنيين أكثر من أي تخصص آخر. وفي عام 1948، قدم رئيس جامعة هارفارد – جيمس كونانت James Conant – رؤيته المتعلقة بكون الجغرافيا ليست علما جامعيا. كما اعترف إدوارد أولمان Edward Ullman – ونتيجة للسنوات التي قضاها في جامعة هارفارد- في خطابه المرسل إلى جلن تريوارتا – أنه “بدلا ًمن أن أجد دعما من خلال زخم من الأعمال العلمية الجيدة التي ألفها زملائي، أشعر أنني أقف وحيدا في معركة الصراع من أجل الجغرافيا. فقد كان من الصعوبة بمكان “المحاربة بصدق من أجل شىء لم ينتج بعد”. علاوة على ذلك، فإن نشأة الجغرافيا “البشرية” بمعزل نسبي عن المكونات الطبيعية للتوليفة الإقليمية Regional Synthesis جعل البعض يعتقد – بمن فيهم الجغرافيون الاستراتيجيون أمثال أشعيا بومان – أن الإلهام العلمي للجغرافيا كان يتم تهميشه جانبا. ففي هارفارد كانت الخلفية التاريخية لدى ويتليسي وتوجهه نحو المنظور الاجتماعي للمدرسة الفرنسية، ما أعطاه الحافز للتفكير في وتأسيس الجغرافيا البشرية على أسس ثورية. فقد شعر بومان، أن الجغرافيا البشرية المستقلة لا يمكن أن تكون سوى وصفية، جزئية، وسطحية، وأن رؤيته هذه لا يمكن الطعن في صحتها. كما التزم طوال حياته تجاه برنامج ويليام موريس ديفز، المتضمن في داخله فقط الأراء المؤيدة للحتمية الجغرافية.

وقد مرت فترة وجيزة بعد هذا التراجع في الاهتمام الأكاديمي بحقل الجغرافيا في جامعة هارفارد، إلى أن قام هارتسهورن في عام 1950، بالذهاب إلى ولاية أيوا لإلقاء محاضرة عامة في قسم هارولد مكارتي Harlod McCarty، والتحدث في الحلقة النقاشية التي كانت تدور حول تاريخ الفكر الجغرافي، وكان يديرها شيفر. ووفقا لما ذكره هارتسهورن فقد كان اللقاء ودياً، ولم يتضمن ما يستوجب التعليق على الهجوم الذي يشنه شيفر على كتاب “طبيعة الجغرافيا” والذي كان شيفر سيقوم بنشره بعد فترة قصيرة في أحد أعداد عام 1953 من الحوليات.

وقد اختلف الإصدار الخاص بـهارتسهورن كليا عما كان يتداول بشأنه من شائعات من أنه سيمثل خلافا جوهريا بين الرجلين. فقد رأى ويليام بَنْجي William Bunge، والذي كان يعتقد أن ما يقوم به شيفر هو نموذج للعمل التقليدي، أنه من الضروري تقديم دعم لوضع هارتسهورن في مكتب الخدمات الإستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية، واعتباره شيفر – الذي جاء لاجئا من الرايخ الألماني الثالث – ضحية حملة منظمة للاضطهاد. ويمكن القول إن استعادة هذا اللغو الكثيف في هذا السياق هنا مرجعه إلى أنه أثار ضجة داخل الحقل العلمي، كما أنه أدى إلى قيام أعضاء بارزين في هذا الحقل العلمي باتخاذ مواقف مساندة لواحد منهما دون الآخر. والدليل على ذلك ما قدمه كل من ويتليسي، وإدوارد أولمان، وهنري ماديسون Henry Madison من تحفظات انتقادية حول العمل الذي قدمه شيفر. بينما وعلى النقيض من ذلك، اعتقد ويليام فارنتس William Warntz، أن شيفر قد تعرض لحملة تشويه لسمعته – وليس أدل على ذلك من غياب نعيه حين توفي- نتيجة لأن وجهة نظرة تمثل تحديا للمصالح الفكرية الراسخة للمؤسسة الجغرافية. هذا وقد شُغف جاريسون William L. Garrison بمقال شيفر لأن لديه بعض الحق فيما ذهب إليه بشأن العالم الأكاديمي، والذي تمثل الجغرافيا جزءا منه. وبغض النظر عن تلك القضية، فإن هارتسهورن وشيفر أصبحا رمزين للرؤى البديلة للمشروع الفكري الجغرافي.

وفي هذا المقام، قد يكون من الصعب تحديد المبرر الذي دفع شيفر إلى شن هجومه على كتاب “طبيعة الجغرافيا”، ولكن الرسالة العامة التي أراد توصيلها كانت واضحة (ولنتذكر أنه كان يعمل في معهد البيولوجيا الاجتماعية في لندن خلال عام 1936). ولتحقيق هذه الغاية عارض بقوة ما أسماه النزعة التاريخية Historicism المتأصلة في الجغرافيا (أي تركيزها على المتفرد) لأجل البحث عن عبارات أشبه بالقوانين بوسعها تفسير الأنماط المكانية. وفي حين أن مثل هذا الأمر يميل إلى إعطاء الأولوية للجغرافيا الأصولية Systematic إلا أن شيفر اعتقد أن معرفة المرء هذه القوانين تمكنه من التنبوء بشكل مثالي بالمسار الكامل للتاريخ في الإقليم محل الدراسة.

من ثم رأى شيفر أن “التفسيرات” المكانية هي ما ينبغي أن تهتم به الجغرافيا، وهذا يعني “دائما” إدراك الظاهرات باعتبارها “شواهد على القانونInstances of Law . وللحفاظ على هذه الرؤية وجد شيفر أنه من الضروري القيام بعملية ذات شقين:

في الشق الأول قام شيفر بوضع أنماط التفسير العلمية والتاريخية جنبا إلى جنب، وأطلق عليهما “المنهج العلمي والنزعة التاريخية”. ونتيجة لشغف شيفر بحديث فيلهيلم ديلتي Wilhelm Dilthey عن “الفهم الوجداني Empathetic Understanding “كطريقة ملائمة لفهم الأحداث الفردية، فقد شعر أنه من الخطأ تفسير النماذج الجغرافية في قوالب تاريخية. وسيؤدي هذا الخطأ إلى الاهتمام بما هو إديوجرافي Ideographic (وصف التفرد) على حساب ما هو ناموسي Nomothetic (البحث عن القوانين). فاللوم في فشل علم الجغرافيا والتاريخ في تحقيق هذه المكانة “الاستثنائية” داخل مركب العلوم يوجه في هذه الحالة إلى إيمانول كانط. وقد استمرت رؤية كانط – وحسبما أشار شيفر- مع هارتسهورن. وعلى الفور ظهر الصراع من أجل السيطرة على المفاهيم، فقد قام هارتسهورن بتفنيد الادعاء بأنه كان ذا توجه “إديوجرافي في المقام الأول”، وهو الأمر الذي نفاه في أكثر من مناسبة، مع ارتياحه بذكر أسماء أولئك العلماء من أمثال نورمان جريفس Norman Graves الذين أقروا عدم تجاهله للمنظور الناموسي.

وإذا ما وضعنا الاتهامات والاتهامات المضادة جانبا، فإنه من الواضح أن مصطلح “ناموسي” يشير إلى شىء سعى إلى امتلاكه كلا الطرفين (هارتسهورن وشيفر)، ذلك لأنه في حالة الملكية الفكرية ـ كما في أشياء أخرى ـ كان الامتلاك يمنح تسعة أعشار قوة القانون.

أما الشق الثاني لدى شيفر فقد تمثل في أنه مثله مثل هارتسهورن قد استشعر سلطة التراث، فقد شعر شيفر بالحاجة إلى دعم مفهومه للجغرافيا بأسماء الشخصيات الشهيرة في هذا الحقل العلمي، الأمر الذي اضطره إلى منازعة مفهوم هارتسهورن، واتهامه باختيار اقتباسات من مصادر بعينها مثل هتنر، والادعاء بأن أشخاصا مثل همبولت، وريتر، وكرافت يرون الجغرافيا “علما” يحاول التوصل إلى صياغة القوانين العامة.

ونتيجة لذلك استاء هارتسهورن، وقام بالكتابة إلى كندال Kendall – الذي أصبح الآن محرر الحوليات- واصفا عمل شيفر بأنه” احتيال واضح” يتكون من أكاذيب، وتشوهات، وانتقاء متعمد ومضلل”. وفي وقت لاحق، ذكر في مراسلاته إلى خليفة كاندال (فالتر كولمورجان Walter Kolmorgan) أن ما قامت به الحوليات جريمة لا مثيل لها في تاريخها.

وفي سلسلة من الردود، التي ظهرت أثناء النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، تعمق هارتسهورن، في تفسيرات أكثر تفصيلا للنصوص التراثية. وكان من الواضح أن شيفر لم يكن معنيا بالتفاصيل التاريخية، فقد كان اهتمامة الأساسي فلسفيا، وما كان استدعاءه لأبطال الماضي إلا لإعطاء مصداقية لإدعاءاته وحججه.

وفي هذا الإطار، وجد “هينك آي Henk Aay” الورقة التي قدمها شيفر مثالا حيا لكيفية عرض المواد التاريخية بطريقة مضللة، وذلك لتبرير الحجج الفلسفية. علاوة على هذا، إذا تم اعتبار ما كتبه جون هوك John Hook في عام 1961 إلى ويليام بَنْجي صحيحاً، فإن شيفر كان يقدر جيدا التمييز بين الأسئلة المعيارية وعوارض التاريخ المفاهيمي. فوفقاً لهوك فإن شيفر كان على وعى كامل بأن “التطور التاريخي للحقل العلمي شئ، وأن بناءه المنطقي شىء آخر، وهذا الأخير كان محور تركيزه بالأساس”. وتأسيسا على هذا، وإذا كانت الحجة التي أسوقها صحيحة، فإن هارتسهورن كان له الموقف نفسه، بدرجة أو بأخرى. فقد سعى كل منهما بالأساس إلى الوصول إلى تعريفات أساسية محددة ودقيقة، لم يجداها في الجغرافيا. فلو أن تاريخ الجغرافيا يشير إلى شئ، فهذا الشىء هو الطبيعة المتغيرة لحدوده المفاهيمية. وقد قام بَنْجي في الحقيقة بالتأكيد على هذه النقطة تحديدا، عندما كتب عام 1959 خطابا إلى هارتسهورن يقول فيه مؤكدا “لست مهتما بالدراسة التاريخية للجغرافيا، ففي ظني أن هذه الدراسة غير ذات صلة بهوية الجغرافيا”.

فالتاريخ ـ على النحو الذي يتم التعامل معه في المناقشات المنهاجية الجغرافية بوجه عام ـ يمكن أن يثبت أي شئ، وعليه فهو لا يثبت شيئا على الإطلاق. ويتخذ دعاة القياس الكمي الجغرافي إما توجه بَنْجي للتاريخ، أو أنهم يقدمون قراءة مغايرة للتراث الفكري الجغرافي. ومن ثم فقد أصر ستان جريجوري Stan Gregory – على سبيل المثال- عند إلقاء خطابه الرئاسي عام 1976، إلى معهد الجغرافيين البريطانيين، على أن القياس الكمي الجديد بلغ أخيرا سن الرشد، معترفا بأنه لم يكن يفضل الرجوع إلى همبولت وريتر، ناهيك عن الإغريق، في أي اعتبار حول تاريخ الجغرافيا، بينما قدم ألان ويلسن Alan Wilson رؤيته البديلة للتاريخ التي استند فيها لأسماء الاقتصاديين وعلماء الاجتماع ذوي الميول نحو الإحصاء والرياضيات. وأيا كانت الاستراتيجية، فهناك تأكيد على أهمية التوصل إلى تفاهم مع التاريخ.

عودة الدراسات الكمية

يمكن القول إنه من الصعب للغاية التأكد من وجود أثر واضح ومحدد للجدال بين شيفر وهارتسهورن على المرحلة اللاحقة في تاريخ الجغرافيا. وفي رأيي الشخصي، هناك الكثير الذي قد تم إحرازه نتيجة لهذا النقاش الساخن الذي دار بينهما. فبالتأكيد وجد الدعاة إلى جغرافيا أكثر علمية، ما يحتاجونه فيما قدمه شيفر حول الرمزية الفلسفية، إلا أن تحديد الأثر التقويمي في الواقع هو أمر مختلف. ولكن في الحقيقة عندما قام بيتر جولد  Peter Gouldبالحديث عن التطورات التي حدثت في هذا الوقت، كان اسم شيفر غائبا عن هذا الأمر، وبدلاً من ذلك تحدث جولد عن كيف أن غالبية الإلهام الأصيل يأتي من التطورات النظرية والمنهاجية في ألمانيا، والسويد، وفنلندا. فقد مثلت كتابات فالتر كريستيلر Walter Christaller، وعالم الاقتصاد المكاني أوجست لوش August Lӧsch، مصدر الإلهام من المدرسة الألمانية، بينما مثلت كتابات إدجار كانط Edgar Kant، وجولوند  S. Gollund، وهجرستراند Torsten Hagerstrand، وبرجشتاين  K.E Bergestenالمدرسة الجغرافية في السويد، والتي تركز إسهامها في إيجاد جغرافيا علمية قبل ظهور طرح شيفر.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية لفت إدوارد أولمان الانتباه في عام 1941 – في أحد المقالات التي قام بكتابتها بناءً على طلب عالم الاجتماع لويس ورث Louis Wirth – إلى كتاب “الدولة المنعزلة” Der Isolierto staat الذي قدمه فون ثونن J. H. Thunen عام 1826، والعمل الذي قدمه كريستيلر عام 1933، حول الأماكن المركزية في جنوب ألمانيا، في الوقت الذي طالع فيه قراء مجلة “جيوجرافيكال ريفيو Geographical Review” عام 1947 أعمال عالم الفلك جون ستيورات John Q. Stewart حول الفيزياء الاجتماعية.

علاوة على ذلك، كان يبدو أن أولمان قد استوعب ـ بعيداً عن رؤى شيفر ـ الدلالات الحتمية للجغرافيا السببية. فوفقا لما كتبه إلى ستيفن جونز Stephen B. Jones عام 1953، بأنه “لا جديد في الجغرافيا، باستثناء العودة إلى المذهب البيئوي Environmentalism. إضافة إلى ذلك، لاحظ ليسلي كنج – متأثرا بالسنوات التي قضاها في جامعة أيوا- أن الورقة التي قدمها شيفر لم يتم الاعتراف بها داخل القسم العلمي في أيوا، رغم أن هذه الورقة قد تكون علامة منهاجية فارقة في تطور المنهج الوضعي للجغرافيا البشرية.

وقد ذكر كنج أن النزعة المنهاجية لشيفر، أدت إلى تسهيل دخول المنهج الوضعي في الحديث الجغرافي. وهو الأمر الذي اتفق عليه عدد من المعلقيين. فعلى سبيل المثال، تحدث ديريك جريجوري Derek Gregory عن أن شيفر “قد فتح الباب أمام الدخول الرسمي للفسلفة الوضعية المنطقية في الجغرافيا. بينما أكد بَنْجي على أن ورقة شيفر هي بمثابة “مقدمة لعلم جغرافية الفلسفة الحديثة”. وتؤكد مثل هذه الأحكام على الرابطة الوثيقة التي تربط بين شيفر والفيلسوف الرياضي الوضعي بولاية أيوا “جوستاف بيرجمان” Gustav Bergmann، الذي شارك في المجوعة العلمية المعروفة باسم “حلقة فيينا Vienna Circle” في ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح بعد ذلك مؤلفا لعدد من الأعمال أهمها “فلسفة العلم” و”ميتافيزيقا الوضعية المنطقية”. وكما هو معروف فقد قام برجمان بعد وفاة شيفر بتولي مهمة تحرير مقالة شيفر والتي حملت عنوان “الاستثنائية Exceptionalism” التي قدمها للنشر في دورية الحوليات.

ووفقا لما يراه البعض فقد ترك بيرجمان تأثيرا مهما على الوسط الجغرافي بولاية أيوا. الأمر الذي أكده ليسلي كنج على سبيل المثال حين قال إنه وإن لم يكن مقال شيفر قد تمت قراءته في داخل قسم الجغرافيا بأيوا، إلا أن كتاب برجمان حول فلسفة العلم كان الأكثر تداولا هناك. ومرة أخري أشار دوني نوس Duane Knos إلى التحول نحو الإحصاء Statistical Turn بجامعة أيوا، معتبرا أن برجمان الذي كان يميل إلى التكامل فيما بينه وبين الجغرافيين وعلماء الاجتماع والاقتصاديين ترك أثرا مهما في المجتمع الجغرافي. فبالنسبة إلى نوس كانت الإجراءات الإحصائية “مجرد وسيلة فاعلة في إتمام هذا النوع من الفلسفة”. ولم يكن تأثير برجمان يقتصر على اللقاءات الشخصية التي قام بها في ولاية أيوا في الجغرافيا النظرية، فعلى سبيل المثال، أعرب بَنْجي عن امتنانه لحصوله على مساعدة فلسفية من برجمان، بينما أتخذ كل من أميدي Amede، وجوليدج Golledge من كتاباته ملاذا ليبراليا وذلك عند كتابة مقدمتهم اللاحقة عن المنطق العلمي في الجغرافيا.

وما يمكن قوله عن تحول الرابط بين الجغرافيا والوضعية المنطقية إلى رابطة ضمنية فحسب، فإن ذات الأمر سيقال عن روابطها مع الفلسفة الوضعية الأولى عند أوجست كونت. ولتأكيد هذا فهناك أصداء لهذا الأمر في ممارسات “الجغرافية السببية” والمشروع الذي قدمه كونت. إذ لا يمكن إنكار التركيز المزدوج لدى كليهما على الطبيعة الواقعية والشرطية للمعرفة العلمية، وأهمية التحكم التكنولوجي، وضرورة التخلص من الحُكم القيمي Value Judgment، وربما الأهم من ذلك كله تأسيس العلم الطبيعي للمجتمع. ولكن هناك حاجة للتأكيد في هذا السياق على أن كونت عارض الفكرة الأساسية الخاصة بـ” التنوير” واهتم بالعقلية mentalite´ التقدمية في كتابة ما أطلق علية “المدرسة الرجعية” للكتاب الاعتذاريين المدافعين عن الفكر التقليدي أمثال بونالد، لامنييه، دو مستر، وشاتوبريان. وكانت هذه الخطوة متوافقة بشكل أو بآخر مع الكاثوليكية العلمانية، التي تؤكد مركزية التراث الفكري، والأسرة، والتفاوت الاجتماعي، في مواجهة “مرض العالم الغربي” المسمى بالفردانية Individualism. وعلى هذا كان كونت تقدميا لدرجة تقويض العقلانية الراديكالية، التي ارتبط بها عمليا مشروع التنوير.

ولا ينبغي في الواقع أن تؤخذ وحدة المنهج العلمي التي ذكرها كونت في ضوء قيمتها الاسمية فقط. فكما لاحظ مانيكاس Manicas، فإن رؤى كونت حول “الترتيب الهرمي للعلوم” ليست بالتأكيد رؤية لوحدة القرن العشرين لحركة العلم. وفي مقابل وجهة النظر تلك، فإن كونت أكد أن العلوم ذات ترتيب طبقي وغير قابلة للاختزال.

كل ما سبق يؤكد أن ارتباط الجغرافيا بالمصطلحات الوضعية كان لتبرير التوجه المؤيد للطموحات العلمية بتجديد موضوع العلم، والكشف عن العمل الذي ألهم هذا المناخ التجريبي بفرع علمي معني بلغة الرياضيات. فالأعمال اللاحقة في النظرية الجغرافية، كما في كتاب “الجغرافية النظرية” لبَنْجي في عام 1962، وكتاب “التفسير في الجغرافيا Explanation in Geography” لديفيد هارفي عام 1969، استندت على المنطق الوضعي بالأساس، في مفارقة ملفتة، إذ تم ذلك في الوقت الذي تراجعت فيه الفلسفة الوضعية تماما في دائرة العالم الفكري الأوسع.

وعلاوة على ما سبق كانت الدراسات الأولية التي قدمها هاجرستراند Hagerstrand (عن انتشار الابتكار والتي كانت مرتبطة بشكل وثيق بالوظائف الاتصالية) مشبعة بالمبادئ الطبيعية للفلسفة الوضعية، على نحو ما يرى جريجوري. فمن خلال فروبرج Froberg، زميله الفيزيائي في جامعة لوند بالسويد، اطلع هاجرستراند على أساليب محاكاة مونت كارلو Mount Carlo Simulation methods، كما كانت تعليقات هاجرستراند حول الخصائص البنيوية “للنويات الاجتماعية” بمثابة نظائر لما استخدمه فروبرج لذات الأسلوب في التحقق من امتصاص الجسيمات الذرية في الدرع الخرساني المحيط بالمفاعل النووي. من ثم كان التحيز للمذهب الطبيعي في تناول هاجرستراند واضحا، هذا التحيز الذي اكتمل برغبته في دمج المبادئ البيو- إيكولوجية مع النظرية الجغرافية الاجتماعية.

مع ذلك، وبالرغم من الإسنادات المتعددة، مازلت أعتقد أن هناك أسبابا وجيهة لنفترض أن المواجهات المبكرة للجغرافيا الكمية مع الفلسفة الوضعية كانت ضمنية. كما تدل على ذلك أيضا الشهادات الشخصية لبعض من هؤلاء الذين نشأوا على النموذج المعرفي (البارادايم) الكمي. فقد اعترف جونستون على سبيل المثال أنه حتى في الوقت الذي اكتسب فيه سمعة كونه “مناصرا للنهج الكمي”، إلا أنه مازال “لا يمتلك رؤية فلسفية متماسكة لعلم الجغرافيا”، وكان “تجريبيا” على الرغم من أنه لم يكن منتبها لذلك(65). في حين تحاشي بينيت Bennett صراحة أية معادلة للجغرافيا الكمية مع الفلسفة الوضعية(66). ومرة أخرى قدم ليسلي كنج وصفا للخصائص التي قدمها عن الفلسفة الوضعية، بالرغم من الدلالة العامة لانعكاسها في العلوم الاجتماعية بأنها “أقل رسمية مما ينسب عادة إلى مدرسة “الوضعية المنطقية(67)“. وتوضح مثل هذه التعليقات أن المحور الرئيس في أحدث التحولات التي شهدتها الجغرافيا والمتمثلة في الانعطاف الكمي لا ينبغي أن يوضع في عالم من الوضعية النظرية المجردة. من ثم فإذا كانت ثمة روابط هنا، فالأرجح أنها وجدت عبر وسيط تمثل في انتشار “الممارسات” التي عززتها الفلسفة الوضعية. وعلينا في المقابل التطلع إلى منظور أكثر توجها في بعده الاجتماعي من أجل تجديد المنظور الكمي للجغرافيا.

وفي محاولة للتعامل مع الزحف الإحصائي على علم الجغرافيا خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، قد يكون من الحكمة تذكر– ولو في بعض النواحي – مثل هذه “العودة” الكمية. ودعونا لا ننسى أن المنهج الكمي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية يمكن إرجاعه إلى بدايات القرن السابع عشر. فعلى سبيل المثال أسس الخبير التجاري جون جرونت John Graunt جداول توقع الحياة وذلك في مؤلفه “ملاحظات على كشوف الوفيات في لندن عام 1662″، كما أعد إدموند هالي Edmund Hally طريقته الخاصة لجداول الحياة، كما دعا ويليام بيتي Petty إلى تأسيس وزارة للإحصاء للاضطلاع بما أسماه “علم الحساب السياسي”. وكان جزء من هذه الممارسات من الأجندة الاجتماعية لطائفة البيورتان، تظهر من خلالها الممارسات الجغرافية الأوسع.

علاوة على ذلك، لم تنج هذه الإحصائيات “الخاصة بالدولة” من التعليقات النقدية، لأسباب ليس آخرها ازدهار المعرفة الإحصائية بشكل متواز مع انتشار الرأسمالية الصناعية في إنجلترا. بالطبع كانت هناك سياقات أخرى، فعلم الأعداد Numerology يمكن أن يخدم احتياجات علماء الفلك، والتنجيم، والكيمياء. ولكن هذا الأمر لا يؤدي سوي إلى التأكيد على حقيقة أن دور الأرقام في منهج تعاملنا مع العالم الطبيعي والاجتماعي هو منتج تاريخي، أكثر منه مبدأ تحليليا أبديا.

وبشكل أكثر تحديدا فإن ظهور “النظرية” الإحصائية بعيداً عن ممارسات العد الإحصائي، يمكن أن يعزى إلى حد كبير إلى الجهود التي بذلتها شخصيات مثل فرانسيس جالتون، وكارل بيرسون في العمل على تحسين النسل خلال العقود التي سبقت نهاية القرن التاسع عشر. ولأن هذه الإحصائيات الرائدة المتعلقة بتحسين النسل قد تبنت فلسفة اجتماعية أساسها الطبقة، وتفترض وجود تسلسل هرمي للتمييز الطبيعي الفطري والموهبة الفكرية. فقد قيل إن التقنيات التي طورها هؤلاء العلماء لمعالجة البيانات السكانية – كمعامل الارتباط ومعامل الانحدار- كان يغلب عليها التوجهات الأيديولوجية للعلماء الذين استخدموها. فقد كانت الأفكار التي استقاها جالتون من ملاحظات أدولف كويتيليت على درجة كبيرة من الأهمية، وخاصة صياغته لقانون الخطأ error law ( أو منحنى التوزيع الطبيعي، أو منحنى الجرس كما أطلق علية لاحقاً) عند طرحه لما أسماه الإحصائيات الأخلاقية للجريمة، والانتحار، والزواج. فباستخدام الأسلوب التناظري analogy المستمد من رصد الظواهر الفلكية، كان يأمل في تصميم نموذج لما توصل إليه من نتائج بشأن الفيزياء الاجتماعية المعتمدة على الفيزياء الفلكية. وكان جالتون على ما يبدو أول من قدم الإشارة الأولى لقانون التوزيع عند كوتيليت في الورقة التي نشرها له صديقة الجغرافي سبوتيسوودز Spottiswoods، في عام 1861، في تطبيق نظرية الاحتمالات في إطار الجغرافية الطبيعية. وكان اهتمام سبوتيسوودز منصبا على الطريقة التي يمكن من خلالها التحكم في المحاور الجبلية الآسيوية عبر قانون الخطأ. فقد تبنى جالتون بحماس شديد إجراءات سبوتيسوودز الإحصائية كطرق لتحديد أنواع السكان. وأصبحت أطروحة سبوتيسوودز حجر الزاوية في مؤلف جالتون الذي حمل عنوان “العبقرية الوراثية” والذي نشر عام 1869- وهو جزء من سلسلة من المشاريع القائمة على الإحصائيات والتي تتضمن طرقا رياضية لتوزيع افتراضي لقطعة من الحلوى، وخرائط كمية لتوزيع جمال النساء في بريطانيا، واختبارات إحصائية لفعالية مؤدي الصلاة. كما قدم جالتون في خطابه الرئاسي أمام القسم الجغرافي لرابطة العلوم البريطانية عام 1872، أن “المشكلة الكبرى” لدى الجغرافيين (والممثلة في التعامل مع شكل الأرض، نوع التربة، الخصائص النباتية، الظروف المناخية، السكان، والحيوانات…إلخ) تكمن في “تحليل الارتباطات الخاصة القائمة بينها، والتمييز بين ما هو عرضي وما هو جوهري”.

ويكشف التاريخ المبكر للدراسات الكمية بوضوح عن المصالح الاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها المشروع البحثي. وهذا بالطبع لا يعني اتخاذ الدراسات الكمية على أنها مجرد صياغة أيديولوجية. إلا أنها تذكرنا بأن الإدعاء بالموضوعية لا يجب أن يؤخذ بشكل مسلم به. وهناك ما يدعونا إلى التفكير في أسباب كتلك التي ساقها ديفيد هارفي مؤخرا عن الحركة الكمية في الجغرافيا الأمريكية الحديثة كمناورة استراتيجية للهروب من الشك السياسي الذي أسبغ العلم الاجتماعي خلال الحقبة الماكارثية McCarthy.

وما أود أن اقترحه هنا هو أنه فى أعقاب أفول الجغرافيا فى هارفارد وانتشار شعور تهميش التخصص الجغرافى فى الوسط الأكاديمى، تم تبنى اللغة الرقمية على يد ممارسي الجغرافيا فى أعقاب تأكيد درجة الوثوق العلمى بها. وجدير بنا، على سبيل المثال، أن نراجع التقييم الذى قدمه بيتر جولد Peter Gould فى هذا الصدد. فلدى جولد كان شعار “الثورة الكمية” مجرد “تسمية خاطئة كارثية”، إذ يفسر جولد أنه لم تكن الأرقام هى المهمة فى الموضوع، بل “الطريقة الجديدة” كلية فى النظر إلى الأشياء الجغرافية بدرجة يمكن جمعها معا حسب تعريف وايتهِد Whitehead عن التفكير العلمى بأنه “أن نرى ما هو عمومى داخل ماهو خصوصى وما هو دائم داخل ما هو مؤقت”. ويتفق جونستون مع ذلك، ملاحظا أن الجغرافيا حين تصبح “أكثر علمية” يمكن للجغرافيين حينئذ أن يطوروا “المحفزات المهنية والشخصية” لعلمهم. ومن ثم فإنه من خلال مواجهاتهم مع الأعمال التى قدمها لوش Losch، وكريستيلر والعمل الذى قدمه فالتر إزارد Walter Isard بعنوان “المكان واقتصاد الفضاء المكانى Location and Space Economy، فإن شخصيات من أمثال جاريسون، ورتشارد موريل، وبرايان بيرى فى واشنطن قد وقفوا وجها لوجه لانتقاد ما هو أكثر من الإحصاء، فقد وجدوا ما يعتقدون أنه نظرية علمية.

ولأن الموضوع كان محاطا بمصطلحات الوصف والعد الإحصائى enumeration، بل وحتى الحدس intuition، فإنه كان ولا عجب إذن أن الجغرافيا قد أزيحت من “المؤسسات العلمية المرموقة” على نحو ما يرى مويل. وكان البديل الوحيد هو البحث عن نقطة ارتكاز علمية. ووفقا لما ذهب إليه موريل فإن “رؤيتنا قد تبدو ثورية” لأولئك الراضين عن وضع متدنٍ ومتأخر للجغرافيا، ولكنها لاتزيد عن كونها رؤية “محافظة” أخذا فى الاعتبار أننا نريد إنقاذ الجغرافيا كحقل دراسى وأن نلحق بركب العلم. وكان كل ذلك مرغوبا فيه، لأن موريل اعتقد أن العلم وحده هو من “حرر الناس من الخرافة، وساهم فى الانعتاق من العبودية والفقر والمرض.

وفى ضوء ما سبق، كانت المناهج الكمية التى لجأ إليها الجغرافيون قد تحولت إلى أدوات من الرطانة البلاغية للإقناع لتعزيز وتوكيد الحجة العلمية. فمثلها مثل الرسوم والمخططات والنماذج والخرائط والأشكال البيانية والمعادلات، كانت الأساليب الكمية ابتكارا توصل إليه الباحثون لتمثيل سمات العالم الواقعى. لكن لم تكن هذه الأساليب الكمية “صورا” عن تلك الحوادث، بل كانت ترمي لأن تختفى تحت السطح كاشفة عن المبادئ الرئيسة للتنظيم المكانى. ويعبر عن مدى النجاح الذى حققته تلك العملية مدى ما حصلت عليه من دعم الهيئات الرصينة. ففى حالة الجغرافيا كانت مناصرة الأساليب الإحصائية تهدف إلى الحصول على حجج علمية. وبناء على ذلك، ولأن التنافس الإحصائى قد قدم ما أسماه تيلور Taylor “المنزلة المرموقة نتيجة الارتباط والنسب”، فقد كان هناك أكثر من مجرد الإغراء بوقوع بلبلة في الأفكار، فقد دعمت اللحظة الكمية الفرصة لإنتاج تعقيد منهجى بوسعه فى النهاية أن يؤدى إلى تغطية تنكرية تخفي السطحية المفاهيمية، كما يسهل من “خلق فجوة بين الأجيال” عبر اصطناع موقف يوضع فيه الجيل القديم محل هجوم وانتقاد.

وكان الجيل الصاعد بناء على ذلك قد اتخذ موقعه الطبقى على أساس وضع ثقافى مختلف، فبحلول عام 1960 – وعلى نحو ما يذهب بورتون – كانت “الثورة الكمية” قد انتهت، بمفهوم أن الأفكار “الثورية” قد أصبحت فى تلك الفترة حكمة تقليدية. وقد يكون التاريخ الذى حدده بورتون محل نقاش، ولكن كان هناك بالتأكيد شعور متنام بأن الحرفة الجغرافية الملهمة عليها أن تحصل – ضمن مسعاها فى تنافس المهن والحرف – على تقنيات رياضية أساسية للتعامل مع البيانات ذات التوزيع السكاني. وفى السياق البريطانى، كان هذا المستحدث الجديد فى الجغرافيا الحديثة قد عبر عن نفسه فى سلسلة من الكتب قدمها اثنان من الجغرافيين فى جامعة كامبريدج وهما بيتر هاجيت Haggett وتشورلى R.J. Chorley واللذان انصب اهتمامهما – ولو جزئيا – على تعزيز صورة الجغرافيا كمشروع علمى قادر على بناء نموذجه عبر التحول المستمر فى التعليم الجغرافي.

المذاهب الفلسفية الحديثة

كانت المواجهة الجغرافية مع مصطلحات الوضعية المنطقية، على نحو ما بدا لي، نوعا من التدابير التى أعدت على عجل لإصباغ الصبغة العلمية على محاولات الجغرافيا إعادة بناء نفسها كعلم مكاني. وعلى أية حال، كانت هذه التجربة – والتى تمت عبر تلك الأعمال الفلسفية ذات السمة الاعتذارية – كالتى قدمها بَنْجي في كتابه “الجغرافيا النظرية Theoretical Geography” عام 1962 وديفيد هارفى فى كتابه ” التفسير فى الجغرافيا   Explanation in Geography” عام1969 – قد أتت، على نحو ما ذكرتُ سابقا، فى وقت كانت الوضعية المنطقية قد فقدت جزء كبيرا من مصداقيتها فى العالم البحثي الأوسع.

وكانت مشكلة التحقيق من الاستقراء، والمقصود به الملاحظات المحملة بالنظرية، والتحديات التى واجهت فلسفة العلم عند “كون” وما بعد كون Post-Kuhnian قد تم التعبير عنها جميعا. وعلاوة على ما سبق فإن الانتقادات التى وجهت لما تفرضه الوضعية من حدود صارمة على الأسباب الأخلاقية التى انبثقت من فلاسفة مدرسة فرانكفورت المتأثرين بالفكر الماركسى، وإعادة صياغة مفهوم ديليتى Dilthey عن الإنسانيات Geistewissenchaften – قد قدم إلهاما إضافيا لتلك الطموحات آخذا إياها إلى إطار مفاهيمى مابعد وضعي.

غير أن إعادة التأكيد الكمى فى جغرافية القرن العشرين ربما كانت معيبة بطريقة أكثر أصولية. وفى ظنى أنه لايمكن قصر أهميتها على اهتمامها بالأرقام بل قامت بابتداع طريقة للتفكير – عبر أكواد الجبر – أصبحت معها، وبطريقة مؤذية، قادرة على تمثيل القضايا الوصفية للموضوعات الجديرة بذلك،  مثل الفضائل والرذائل virtue and vice، السمو والوضاعة، الشجاعة والجبن، والاغتراب، باعتبارها أشكالا من الإدراكات المشوشة للأسس الحقيقية للسلوك البشرى. وقد سعى علماء المكان – مدفوعين بإلهام من أفكار نيوتن- إلى الكشف عن بعض من المسلمات الأساسية التى من خلالها يمكن تفسير أنماط وعمليات التفاعل الإنسانى.

وبشكل مشابه سعى أنصار المذهب النفعى ولعهد طويل لإحلال الحساب والتقدير الرقمى محل لغة الأحكام القيمية Value Juedgment وإذا استعرنا هنا كلمات تشارلز تيلور Charles Taylor فإن ذلك كان بمثابة محاولة “للحد من الأحكام الصارمة” واستبدالها بأحكام قائمة على “حسابات” رقمية. وبحسب تيلور فإن ذلك لم يكن مجرد نقلة فلسفية زائفة، بل كانت فى واقع الأمر اتجاها أدى إلى هدم مكانة العامل الإنساني في البحث والتقييم، ذلك لأن القدرة على تقديم تقييم أخلاقى راسخ هو بمثابة “مظهر جوهرى لدور العامل الإنساني” وكان مثل هذا الاتجاه الساعي إلى إحلال الأرقام والحساب محل التقييم بمثابة تجريد الإنسان من إنسانيتهDehumanizing .

وليس من المستغرب أن الجغرافيين الأكثر شهرة، الذين ظهروا كآباء روحيين للمنهج الوضعى – خاصة بَنْجي وهارفى – كانوا فى طليعة من أعربوا عن تمردهم على هذا المنهج لاحقا. فرغم أن عقائدهم الفلسفية قد أخذتهم فى البداية إلى القدرات الفلسفية الواهنة للوضعية المنطقية، إلا أن الصحوة السياسية التى تعرض لها كلاهما كانت حاسمة فى الانصراف عن المنهج الوضعى، وأعادوا صف أنفسهم مع النظرية الاجتماعية الماركسية. فبالنسبة لبَنْجي كان انخراطه الماركسى قد أخذ شكل العودة إلى المحفز الجغرافى للاستكشاف، ولكن ليس استكشافا فى الغابات والأحراش هذه المرة، بل فى المناطق المغلقة الخطرة no-go فى حي فيتزجيرالد Fitzgerald بمدينة ديترويت.

وعلى هذا فإن ذلك الرجل الذى كان أول من شن واحدا من أكثر الانتقادات اللاذعة على “التفرد Uniqueness” قد وجد نفسه مدفوعا بخبرته فى صراعاته السياسية الخاصة فى هذه المنطقة السكنية الخطرة للإعراب علنا عن تراجعه عن موقفه السابق. وبينما كان بَنْجي يعتبر مشروعه تعبيرا عن رفضه لما أسماه الجغرافيا الناعمة  Nice Geography” ” أو جغرافية الأمر الواقع status quo – وكان ذلك يشكل فى واقع الأمر دعوة غاضبة لإعادة التركيز على هدف الدراسة الجغرافية للقضايا الاجتماعية ذات الصلة – إلا أن أدواته “التحليلية” ظلت راسخة ومعتمدة على حشد كبير من أساليب تحليل العلم المكاني.

وإذا انتقلنا إلى حالة ديفيد هارفى، فإن العودة إلى الماركسية قد ذهبت لما هو أبعد من تجربة بونج. فقد بدأت القصة مع دراسته فى عام 1972 لظاهرة الجيتو، وقد نُشرت فى المجلة الراديكالية الصادرة حديثا آنذاك بعنوان “أنتيبود Antipode“. غير أن هذه اللحظة الإمبريقية قدمت نفسها كحالة تنطق بالبيان الثورى للجغرافيا ككل. ولم تكن هذه الثورة قاصرة على التنوع فى المفاهيم، بل دعت إلى فعل ثورى، على نحو ما صار هارفى يدركها. فالنظرية والممارسة يرتبطان معا بطريقة لا يمكن الفصل بينها. وبناء على هذا تم إدراك الجغرافيا باعتبارها ممارسة اجتماعية فى حد ذاتها وفى حاجة إلى التحول، فإذا استمرت الجغرافيا في إنتاج دراسات إمبريقية عن الأوضاع الاجتماعية البائسة دون التزامات إصلاحية فسيكون ذلك بمثابة مناهضة للثورة الفكرية الجديدة.

وخلال العام نفسه (1972) قدم هارفى عمله الحديد “العدالة الاجتماعية والمدينة Social Justice and the City”، وهو عبارة عن تجميع مجموعة مقالات سعى من خلالها إلى الربط بين العدالة، المكان، والنظرية وذلك فى إطار مسلمات المادية التاريخية الماركسية. وكان أحد المكونات التكاملية فى هذه العملية من إعادة التقييم المفاهيمى هو إدراك هارفى لوجود أسْر أيديولوجى للعلم – وهو موضوع أخذه هارفى بعين الاعتبار فى العام التالى. وهنا رفض هارفى الوضعية المنطقية التى “قدمت أساسا لنموذج معرفي (بارادايم) للبحث العلمى” بصفة عامة، كما رفضها بصفة خاصة نتيجة تحليلها المالتوسى لمسألة الموارد العالمية. ولم يعد مقبولا الآن الافتراض القائل بحياد العلم الاخلاقى والمعرفى، أخذا فى الاعتبار الارتباط البنَّاء بين المنهج والأيديولوجيا والنتائج الجوهرية. وكان التفسير العلمى مجرد تفسير أيديولوجى، وسرعان ما أصبح ذلك معترفا به عالميا باعتباره الخيار الأفضل. وبالنسبة لهارفي نفسه فإن النسخة المطورة من المادية الجدلية قدمت الخيار الوحيد المتكامل.

وبالطبع لم تكن هذه العبارات المبكرة المستدعاة من الفكر الماركسى قد وصلت معظم الوسط الأكاديمى الجغرافى. فعلى سبيل المثال كان تحليل النظم مستمرا فى كل من الجغرافيا الطبيعية والبشرية، بينما استمر منتجو الإحصائيات السكانية فى بحث أنماط الانتشار الجغرافى ومنخرطين فى التنبؤات المكانية. وبعد تقديم هارفى لأطروحته، ما زالت مهمة إدراج ماهو مكانى داخل النموذج الماركسى المعيارى محل اهتمام وبحث بهدف إعطاء روح جديدة للمادية الجغرافية التاريخية Materlalisn Historical-Geographic.

أما ماسى Massey فمن جانبها أعادت إنتاج النظرية المكانية الصناعية، كاشفة عن تحيزها الأيديولوجى ومقدمة رسما تصويريا عاما عن تقسيم العمل. ولكى نفهم التحولات المكانية للتغيرات الصناعية، أصرت ماسى على القول بضرورة تجاوز الأنماط السطحية الظاهرة للعيان وضرورة فحص تلك التغيرات فى الإنتاج التى كانت القوى الدافعة وراء تغير المحددات المكانية. وعلى نحو ما أعربتُ لاحقا، فإن هذه النظرية المكانية تتعامل مع “التغير المكانى” باعتباره منتجا لتغير الإنتاج. فعلاقات الملكية والإنتاج تحولت “لتمتد عبر الفضاء المكانى”.

وبالنسبة لهارفى كان المشروع الجغرافى الكبير الذى يجب أن ينشغل الجغرافيون به هو كيف يمكن دس عناصر الفضاءات المكانية الجغرافية داخل “المحددات العالمية والاختزالية للنظرية الماركسية عن تراكم رأس المال”.

وإذا أردنا التحدث – على نحو ما فعلتُ من قبل – عن إعادة اصطفاف الجغرافيا مع الماركسية بهذه المصطلحات غير المؤهلة، فسيكون ذلك أقرب لمخاطرة تضع الجغرافيا فى صورة كاريكاتورية. ذلك لأن أصل النسب (الجنيولوجي Genealogy) للفكرة للماركسية يكشف عن تراث معقد ومتباين فى ذات الوقت. ففى الغرب، كانت النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، على سبيل المثال، تختلف بشكل مميز عن كل من النسخة البنيوية التى طورها ألتوسير Altusserوعن الماركسية ذات النزعة الأكثر إنسانية التى قدمها مفكرون من أمثال ريموند وليامز Raymond Williams، وطومبسون E.P.Thompson.

 وما زلتُ اعتقد أن من الإنصاف القول بأن تزويج الجغرافيا بمفاهيم ومصطلحات التفسير الماركسى قد سهلت من التعرض لاحقا لقوانين البنيوية. وللدلالة على ذلك، فإن الممارسين الأوائل ممن استوعبوا مفهوم التطور لدى سبنسر وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع المذهب الوظيفى Functionalism الذى يفسر البنى العضوية Organic (وفوق العضوية Super organic ) والتى برزت لتحقيق وظائف بعينها. غير أنه لدينا اليوم نسخة جديدة أكثر وضوحا من الناحية الاجتماعية – السياسية، وأقل ذرائعية.

ولكى نصل إلى صياغة جغرافية رصينة، فلابد لهذه النسخة من البنيوية الماركسية من أن تترجم إلى فئات مكانية. وكان الفضل لمانويل كاستيل Manuel Castells فى الإشارة إلى أن المستويات المختلفة من التكوين الاجتماعى وأنماط الإنتاج كانت مزودة بتناظرات مكانية Spatial Analogues، والمتمثلة فى التمثيلات المؤسسية والرمزية للفضاء المكانى عند مستوى البنية الفوقية، والتنظيم المكانى للانتاج والاستهلاك، والتباين عند المستوى الاقتصادى.

وبهذه الطريقة فى قراءة الأشياء، أصبح ينظر إلى التنظيم المكاني كتجسيد للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، فالبنية المكانية تصبغ البنية الاجتماعية، إذا جاز التعبير. وبناء على ذلك، على نحو ما يذكرنا المعلقون المحدثون، فإنه يجب التفكير فى المكانية Spatiality باعتبارها “إنتاجا” اجتماعيا. فالفضاءات المكانية التى نقوم فيها بممارسة شؤوننا فى حياتنا اليومية -على المستوى المحلى والإقليمى وما وراءهما – هى نفسها منتجات لقوى اجتماعية، وبدورها تصبح هذه العائلة من الفضاءات المكانية – التعليمية والوظيفية والدينية وغيرها – مجالات تتوالد فيها الحياة الاجتماعية. وعلى نحو ما يذهب سوجا Soja – مستمدا على أعمال هنرى ليفيفيه Lefebvre  – فإن “إنتاج المكان The Production of Space” يمكن وصفه بناء على ذلك كـ “وسط medium” و”ناتج outcome ” للممارسات والعلاقات الاجتماعية.

وخلال جهودهم لتقديم صياغة نظرية لهذه العلاقات قام بعض الجغرافيين بمغازلة أشكال أخرى من البنيوية “العميقة” خاصة فى تنويعاتها اللغوية، والنفسية، والأنثروبولوجية. وتبعا لذلك، فإن أسماء تشومسكى، بياجيه Piaget ، وليفى- شتراوس Levi-Strauss  تظهر على السطح من فترة إلى أخرى فى هذه النقاشات. وكان العنصر الموحد لهؤلاء المفكرين هو بحثهم عن بنى عميقة وشمولية universal  على المستوى العصبى neural والذى يركز لدى تشومسكي على النظرية الإدراكية للغة، ولدى بياجيه على التتابع الكلى للمراجع العقلية، ولدى شتراوس على أشكال الحظر والتبادل.

وعلى الرغم من أن التفسير البنيوى فى المسار الماركسى كان بحسب البعض أكثر إنتاجية على المستوى النظرى الإمبريقى، سنكون مخطئين إذا افترضنا أنه كان لدى الجغرافيا الرديكالية احتكار لمثل هذه المشروعات الفكرية. فقبل ذلك بفترة مبكرة، ظهر نوع من مغازلة المقولات البنيوية لدى وليام كيرك William Kirk فى تصويره لـ “البيئة السلوكية behavioral environment ” ولدى ديفد لوينثال فى حديثه عن “الإبستيمولوجيا الجغرافية Geographical Epistemology”.

ولأن كلا منهما أمسك بتلابيب العمليات البنيوية للعقل البشرى فى مجابهته مع العالم الخارجى، فقد كان بوسعهما – ضمنيا على الأقل – أن يرتبطا بالبرنامج الإبستيمولوجي لإيمانويل كانط. وأخذ ذلك فى حالة كيرك شكل الفصل بين العالم “الخارجى external” للأشياء ذات البيئة الطبيعية والثقافية، وعالم الإدراك “الداخلى internal ” مجالا كي يطرح فيه كيرك ما أسماه “البيئة السلوكية” وهو مجال تم فيه تنظيم وترتيب المحفزات الخارجية إلى أنماط مفاهيمية أو “بنى structures”

وقد تحولت نتائج هذه العمليات التنظيمية لتصبح نسبية عند مستوى المكان والزمان على حد سواء. وهذا يعنى – على نحو مايرى كيرك – أن ” البيانات الإمبريقية ذاتها” قد تنظم نفسها في أنماط مختلفة وتكون لها معان مختلفة لدى أناس ذوى الثقافات المختلفة، أو مراحل مختلفة فى تاريخ ثقافة ما من الثقافات. وهكذا كان تصور كيرك لمهمة الجغرافيا باعتبارها مهمة شارحة للقراءات عبر إعادة بناء البيئة ليس فقط لما كانت عليه فى فترات تاريخية مختلفة، بل أيضا كيف كان يراها الإنسان لأنه فى هذه البيئة السلوكية تكتسب الظاهرات الطبيعية قيما وإمكانات تجذب أو تصد الفعل الإنسانى.

وبهذه الخطوة كان كيرك يأمل فى آن واحد أن يسد الفجوة بين العقل والطبيعة، ويفسح المجال أكثر للبحث والاستقصاء الجغرافى. ولتحقيق هذا الهدف، تحول كيرك إلى علماء النفس من أمثال ماكس فيرتهايمرWertheimer و فلفجانج كولر Wolfgang Kholer وكورت كوفكا (ومن الأخير استمد شعار “البيئة السلوكية “) والذين كانوا يقومون بدراسات تجريبية مختلفة في إدراك الألوان والتعرف على الأنماط(114). وقام كيرك لاحقا بإدماج المصطلحات الجشتالطية داخل التصور الذى قدمه عن البيئة السلوكية حين صورها كمجال نفسى – طبيعى  Psycho-Physicalتنتظم فيه الحقائق الظاهرية Phenomenal فى أنماط من البُنى الجشطالتية Gestalten وتكتسب قيما فى السياق الثقافى(115). وبمثل هذه الارتباطات الثقافية يصبح من المفهوم تماما أن كيرك أعلن صراحة فى وقت لاحق اعترافه بالارتباط الوثيق بين قناعاته وبنيوية كل من ليف – شتراوس وبياجيه.

البيئة السلوكية لدى وليام كيرك :  حيث P.E = البيئة الظاهرة، و D = متخذ القرار

وفى 1961، وبطريقة مشابهة دعى ديفيد لوينثال David Lowenthal الجغرافيين بأن يأخذوا بقدر عالٍ من الجدية الصور المحتواة داخل عقول المجموعات البشرية المختلفة. ولأن “جغرافية العالم موحدة فقط عبر المنطق والرؤية البشرية، وعبر الأضواء والألوان، والتنظيم الزخرفى، وعبر أفكار الخير والحق والجمال” فإن “العلاقة بين العالم والصور التى نحتفظ بها فى رؤسنا “تستحق منا – يؤكد لوينثال –اهتماما كبيرا”. وفى الواقع كان لوينثال يأمل – ولكنه قنط فى النهاية- فى أن يكشف عن “سيكولوجية البيئة”. وكانت طموحات لوينثال، ودعوته لرسم معالم “المناطق المجهولة terrae incognitae ” للنفس البشرية تستدعى إلى الذهن الكتابات المبكرة التى قدمها رايت J.K Wright الذى كان يريد بالمثل استكشاف الجغرافيا الذهنية – والتى أسماها جغرافية الحكمة “جيوسوفيا geosophy”- للثقافات المختلفة.

وكانت الدفعة القوية لهذا الحشد من الأعمال ذات التوجه المثالى idealist تعنى أن هؤلاء الجغرافيين قد تكرر ظهورهم كمبشرين بنزعة إنسانوية أفضل فى صياغتها الواعية والتى وجدت لنفسها صوتا فى الجغرافيا خلال سبعينيات القرن العشرين. وسيكون من الحكمة أن نستدعي فى هذا المقام أن كيرك نفسه لم يكن بعيدا كلية عن المناهج الوضعية وأن آخرين من ذوى الاهتمامات السلوكية كان بوسعهم – وفعلوا حقا – التنقل من مذهب إلى آخر فى حركة بندولية. وكان واضحا بشكل جلي أن هناك محاولات لمد مجال المنهجية الوضعية فيما وراء تأكيدها التقليدى على الهويات القابلة للملاحظة، إضافة إلى تطبيق القياسات الرقمية على عناصر التركيب الذهنى أملا فى خلق علم مكانى سلوكى.

 وبناء على ذلك سيكون بوسع المشروعات الفكرية المتتابعة الساعية إلى رسم الخرائط الذهنية، وتحديد مقاييس تفضيلات الخيارات المكانية، أن ترتبط بآليات التحفيز/الاستجابة لعلماء النفس السلوكيين. ولم يكن ذلك بالتأكيد ثابتا أو حتميا، ولكن كان بوسع الجغرافيا السلوكية – خاصة حين يتم التعبير عنها بلغة رياضية – أن تبعث روائح العلم الوضعى.

وبشكل مشابه، ومع التعرف على أهمية التأكيد على التميز الذى يتمتع به الموضوع الإنسانوي – رغم أن ذلك جاء مقتطفا بشكل ضمني من نسق مختلف من التراث الفلسفى – بدأ عدد من الجغرافيين فى إصدار سلسلة من النقد “الإنسانوي” للعلم المكانى الوضعى خلال سبعينيات القرن العشرين. واذا تحدثنا عن هذا التمرد باعتباره “إنسانويا” فإننا هنا نختزل طيفا واسعا من الأطروحات التى تم التطواف عليها لكي تعطي شكلا مميزا لحالة الاستياء التى كانت تسمع فى خلفية البحث الجغرافى.

وكان ما يجمع هذه التوجهات النقدية هو أنها كانت تعترض على ما أسمته اختفاء العامل البشري كعنصر ذاتي مفكر وقادر على الشعور، فضلا عن اعتراضها على انتزاع هذا العامل من الحوار الجغرافى. فقد تم استبعاد الإنسان فى الجغرافيا “الإنسانية Human Geography” وحلت محله عوامل اقتصادية تسيرها قوانين المنطق، ومعادلات الإحصاء، وأليات التحفيز/ الاستجابة وخرائط التوزيع والانتشار، ولأن هذه الأساليب من المعالجة قد انتزعت عناصر الرغبات، والمعانى، والعواطف، فان التحليل الجغرافى الوضعى قد مثَّل العامل البشرى عبر رؤية “بالغة الموضوعية، وضيقة، وآليه، وحتمية” على نحو ما يقول إنتريكن Entrikin.

وعلاوة على ما سبق، كان إدراك أن اللغة المحددة عن العلم الاجتماعى “العلمي” بوسعها بالتأكيد التعامل بشكل جيد مع تلك الاختزالات المنزوع منها بعدها الإنسانوي Dehumanizad– وإن كان على حساب اغتيال التورية فى المعنى والدلالة، فضلا عن وضع أحجبة تتوارى خلفها قيم ومعايير فلا نعرفها أو نميز بعدها الإنسانى – قد دفع بعض الجغرافيين مثل أولسون و بوتيمير Olsson & Buttimer، بطرق مختلفة، إلى النظر بعين الاعتبار فى الأعراف اللغوية. وكان لظهور مجموعة المقالات التى ألفها معا كل من ديفد لي  David Ley ومروين صمويل Marwun Samuels تحت عنوان “الجغرافيا الإنسانوية Humanistic Geography “فى 1978 قد شكل لحظة مهمة فى تماسك هذا المزاج من الفكر الجغرافى، خاصة مع سعى أنصاره إلى ربط مسعاهم الفكرى بالتراث الفرنسى المبكر الذى كان قد قدمه فيدال دو لابلاش عن الجغرافيا البشرية.

ولكل ما سبق كان شعار “الجغرافيا الإنسانوية” قد طرح شعورا بالتماسك المفاهيمي بدرجة أكبر مما وفره من منتجات أدبية متنوعة عن الأساليب والنماذج الفلسفية. وكان ما يوّحد هذا الاتجاه البحثى بشكل أساسى هو عدم رضاء أنصاره، ولم يكن هناك شىء يجمع ويلم شمل كافة الأطروحات الإيجابية الإنسانوية. وفى فترة مبكرة من هذا المسار اتجه ليونارد جولكى Leonard Guelke ليستمد إلهاما جديدا من الفلسفة المثالية للتفسير التاريخى الذى كان قد صاغ معالمه كولينجوود Collingwood. وعلى نحو ما يرى جولكى كانت مهمة الجغرافيا التاريخية تكمن فى إعادة بناء الأفكار التى تقف خلف الأفعال والممارسات فى محاولة للولوج داخل عقول “الفاعلين السابقيين ومن ثم تفسير سلوكهم المكانى. وبينما كانت أطروحات جولكى واضحة من خلال موقفة المناهض للوضعيه، فإنه في التحليل الأخير لا يمكن قراءة مقترحه بشكل يتجاوز كونه محاولة لتوسعة مجال البحث العلمى؛ ومن الناحية التعاطفية فإن الأفكار المتعلقة بإعادة التفكير قد ترقى إلى درجة الاستراتيجية المنهجية لتعزيز الفرضيات التى يمكن شرحها عبر بعض القوانيين الظرفية. ومرة أخرى، فإنه فى حالة الأحياء التى يسكنها السود فى مدينة فلادليفيا، استخدم ديفد لي التقنيات الكارتوجرافية التقليدية لرسم معالم اللاندسكيب التي تترك آثارا إجهادية على الإنسان.

وكانت المواجهة الجغرافية الحديثة مع المجال الموضوعى قد مضت بخطى متطورة. وقد تحول بعضها بشكل ضمنى وإن لم يكن دائما بنفس الطريقة، الى الفلسفة الظاهراتية لإدموند هوسيرل Husserl. وتشكل الظاهراتية فى جوهرها دعوة للوصول إلى طريقة للممارسة الفلسفية يتم من خلالها الكشف عن الطريقة التى ينكشف بها العالم لنا، بشكل يسبق البحث النظرى أو العلمى، ومن ثم، فان رفض إسباغ الصبغة الموضوعية على الدفعة التى حققتها الوضعية المعاصرة، قد جعل من فلسفة هوسيرل مصدر جذب لوسائل جديدة لمواجهة العالم بطريقة لا تضع فرضيات مسبقة. وفى الجغرافيا، كان هذا الإلهام يتخذ أشكالا متعددة. فمن جانبه استخدم لى Ley نسخة ألفريد شوتز Shutz كوسيلة للوقوف على المعانى اليومية للعوالم المعيشة Life-world لدى الأفراد والجماعات أما “توان” Tuan فقد وجد فى هذه الفلسفة إلهاما لأطروحتة القائله بأن الجغرافيات تكشف عن الجوهر السيكولوجى والارتباط العاطفى لمبدعيها من البشر. أما ريلف Relph فقد أكد على الطريقة التى من خلالها تخلق الذات البشرية عوالمها عبر تجسيد مكوناتها موضوعات البحث الجغرافي. وفى الوقت نفسه، تحول جغرافيون آخرون إلى الوجودية Existenalism لتصوير شعور الضياع والاغتراب فى قلب تجربة الجنس البشري فى هذه الحياة، معتمدين على فلسفة فيتنجشتاين فى الفلسفة اللغوية للعثور على المغزى الجغرافى للروابط بين مختلف “أشكال الحياة” واللغة العادية، والاعتماد على الأدب الخيالى كمستودع للحس الجغرافى، أو اللجوء إلى التفسيرات الأنثروبولوجية لدى جيرتز Geertz لإعادة بناء الجغرافيا كممارسة تأويلية منخرطة فى الترميز الدلالي (السيميائى أو السيموطيقى Semiotic) للنصوص اللفظية وغير اللفظية (المنطوقة وغير المنطوقة). وقد عالجت أبحاث أخرى تفاصيل هذه المواجهات. وسألقى لفتة عابرة هنا نحو المعالم الأساسية بهدف إعادة توكيد التحول نحو سمات المجال الموضوعى للجغرافيين ذوى الميول الإنسانوية.

لقد بدت بعض من وجهات النظر هذه ليست أكثر من ميول وتوجهات فردية، الأمر الذى اعترف معه لي نفسه بأن بعضا منها قد فات زمانه. وكان السبب وراء ذلك هو أن البقاء الفكري للأطروحات يتجاوز مجرد كون الفكرة تقدم نظرة إدراكية ثاقبة، حيث تلعب هنا عوامل عدة دورا مميزا، ومن بينها تأثير الشبكات السلطوية المتحكمة فى المنشورات المطبوعة. ولهذه الأسباب فان الإنبعاث الإنسانوي ضد السذاجة الحتمية Deterministic Credulity للبنيوية الأصولية قد ساعد في الإبقاء على تأثير العامل البشرى قويا على الأجندة الجغرافية.

فمن ناحية، كان جيدنس يريد أن يأخذ بقدر عال من الجدية البنى والنظم التى من خلالها نمارس جميعا حياتنا اليومية، ويشمل ذلك القواعد المختلفة للتفاعل الاجتماعى التى نقوم كأفراد ومؤسسات (وهو الأهم) بتنفيذها ومن ثم إعادة إنتاجها، كما يشمل ذلك أيضا الموارد التى من خلالها يمكن لمجموعات بعينها ممارسة السلطة على مجموعات أخرى.

لكن من ناحية أخرى، لا تقف الذوات البشرية مكتوفة الأيدى أمام القبضة الحديدية للبنى الاجتماعية، فهى عوامل وقوى لها تأثيرها، ولممارستها الفعلية تداعيات مقصودة وعفوية. ومن ثم فإنه فى حالة التفاعل المتبادل Interplay بين الفرد والمجتمع – والتى أسماها التركيب Structuration  – طور جيدنس أطروحته نحو العناية بالتوترات (الشد والجذب) القائمة بين الجبر والاختيار. ومن خلال شخصيات من أمثال جريجورى Gregory، وثريفت Thrift، وبريد Pred، وجدت هذه الرواية المتعلقة بالأنظمة الاجتماعية (والبنى المكانية) مكانها فى الجغرافيا البشرية، وإن لم يسلم ذلك من النقد.

وفى الحقيقة فان جيدنس نفسه قد عثر على تفسير لما أسماه هجرستراند “الزمكانية Time-Geography”، وقد ساعد ذلك لاحقا فى ترسيخ الربط بين الجغرافيا البشرية والنظرية الاجتماعية. ولأنه فى مجالات بعينها نجد تفاعلا بين الفرد والبنية الاجتماعية – كما فى الأماكن، والمواقع، ونقاط التوقف الزمكانية – يؤكد البعض الآن على أن الاهتمام الجغرافى يجب أن يبحث عن نفسه بالضرورة فى المنابع الرئسية للنظرية الاجتماعية Social Theory.

وإذا كان جيدنس قد ألقى بظلال كبيرة على التنظير الجغرافى فى الماضى القريب، فإن كتابات المنظر ذائع الصيت، على المستوى الأوربى، ميشيل فوكو قد بدأت أيضا فى أن تجد لنفسها مكانا داخل التراث الفكري الجغرافى. وهناك بالطبع اختلافات واضحة بين هذه الرؤى النقدية (جيدنس وفوكو) إلا أن ما يجمعهما معا هو اهتمامهما بقضايا السلطة والحداثة.

ففي حالة جيدنس تقوم الأنظمة الاجتماعية للتفاعل بالتوسط فى علاقات السلطة وتعبر عن نفسها فى بنى الهيمنة. ولدى فوكو، فإن الأنظمة العامة للفكر التى تحيط بالطرق التى يدرك العالم من خلالها، وتعبيرها العلمى فى المؤسسات التنظيمية مثل العيادات والسجون وما شابه، تكشف عن أنها مُوصلات جيدة للسلطة الاجتماعية. أما حقائق المزاعم التى تجسدها مثل هذه “الخطابات Discourses” (على نحو ما يصورها فوكو) فتكشف بالتالى عن حقيقة ما هى عليه، أى استراتيجيات المعالجة الأخلاقية Moral manipulation.

ويعبر التشبيه “الاستراتيجى” هنا عما هو أكثر من إضافة ديكورية. فهو فى الحقيقة “استراتيجى” بمعنى الكلمة لأن “تكتيكات واستراتيجيات السلطة” تسيطر على وتتحكم فى أقاليم ومنظمات الهيمنة، وهى مفاهيم بالغة المركزية فى التحليل الفوكوفى (نسبة إلى فوكو ) لدرجة أنه أخضعها من زاوية ما لاهتمامه معتبرا أن الجغرافيا يجب بالضرورة أن تكون فى قلب هذه الأفكار.

وهناك على الأقل بعد ضمني يبدو بشكل مباشر فى هذا التتشخيص، ألا وهو النظريات التفسيرية الكلية – أو كما تعرف باسم الخطابات الشمولية أو السرديات الكبرى – وليس بوسع هذا البعد الضمنى أن يحظى بأي وضعية مميزة، ذلك لأن “الحقيقة” التى تسعى إلى الإعلان عنها هى فى جوهرها ذات بنية إنسانية. وفى السيناريو الذى قدمه فوكو، يتم تحويل الإبستمولوجيا إلى جينيولوجيا فكرية والتى هى نفسها مقدمة استهلالية للنقد الاجتماعى.

وبالتأكيد استدعى هذا الوضع انتقادا من مختلف وجهات النظر، فى مقدمتها ما طرحة يورجن هابرماس Jurgen Habermas، الذى تطورت نظريته عن الفعل الاتصالي communicative action  كجسر للعبور ساق عليه تحليله للحداثة modernity، فضلا عن الانتقادات الواردة من تشارلز تيلور Charles Taylor، الذي تساءل عن مدى الترابط الداخلى فى بعض اقتراحات فوكو. فقد رأى هبرماس أن فوكو يعتمد فى أطروحته بشدة على ثنائية فلسفية الأولى هى اللاعقلانية Irrationalism المستمدة من نيتشه و”المعيارية – الخفية crypto-normativism  ” التى تفترض – ولكنها لا تستطيع أن تفسر – معايير الحكم التقييمي. وبالمثل يبدى تيلور شكوكا حول إذا كانت النسبية النظامية regime-relativity للصدق truth  فى التحليل الفوكوفى بوسعها تحقيق نوع من التمرد/المقاومة revolt-resistance الذي سعي فوكو إلى إماطة اللثام عنه. وما يزال بوسع المرء أن يقيم القدرة الإمكانية للبحث الجينيولوجى لدى فوكو عن الخطابات – باعتبارها وسائط لنظم حديثة خفية من المراقبة surveillance والسلطة power على سبيل المثال – دون أن يفترض أن هذه سمة عالمية. وإلى جانب ذلك، فمن الممكن على وجه التأكيد أن نتبع فوكو فى رؤية حكمة البقاء على مقربة من الخاص particular والمحلى local والتجربة المعاشة دون أن نتبنى نموذجه عن الصدق truth المنقول عن نيتشه. ومع هذا فإن ما أعطى قوة دافعة للنقد الفوكوفى، ولغيره من أمثال رتشارد رورتىRorty ، هو انهيار المذهب الأسسى foundationalism داخل نظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا).

ففى معالمه القاعدية، يعد المذهب الأسسى الكلاسيكى أطروحة معيارية عن الظروف التى يجب أن يحققها أي فرد يحظى نظام معتقداته بالعقلانية. ولكى يكون المرء عقلانيا – تمضي فرضية المذهب الأسسى –فعليه أن يمارس طاقاته الإبستيمولوجية بشكل صحيح وكامل. والآن، ومن أجل تمرير الوضع على أنه عقلانى، فإن أى زعم بامتلاك المعرفة يجب أن يقوم فى النهاية على مقولات إما أن تكون ذات دلالة ذاتية أو أن تكون دليلا على الحواس  senses، ومن ثم تصبح غير قابلة للإصلاح أو التقويم incorrigible. وفى ظل تأثير مفكرين من أمثال ديكارت، وليبنيز Leibniz، ولوك Locke فإن هذا المبدأ أصبح يعنى أن العقلانية يمكن أن تفهم فقط بناء على المعتقدات التى إما أن تكون ذات دليل ذاتى على أنها قائمة على المنطق السابق، والرياضيات، أو العلم. وكانت هذه الرؤية أساسية بين أحجار البناء الكبرى التى تأسست منها “الحداثة modernity”.

وكان هناك الكثير من النقد الموجه للمذهب الأسسى الكلاسيكى. فمن ناحية، كان هناك الكثير من الشك تجاه تبني النظرية المعيارية للعقلانية. فنحن عقلانيون بشكل واضح فى الاعتقاد بأن هناك أشياء عديدة لا يمكن الاستدلال عليها من خلال مجموعة ما من اليقينيات الأسسية foundational- Certitude. فالمذهب الاستدلالي والاحتمالي والدحض المعرفي falsificationism  فشلت جميعها فى تقديم قواعد عامة تمنح هذه النظرية الرفض أو القبول. وباختصار لا يعطينا الإجراء الأسسى الثقة (التأكيد) الإبستيمولوجى الذي كان من المتوقع منه أن يقدمه. لكن ربما كان النقد الفلسفى المُفحم يكمن فى الإدراك البسيط بأنه ليس هناك وضوح بالمرة بشأن كيف أن المبدأ (الذى علينا أن نقبله باعتبارة عقلانيا أو يحوي عبارات ذات دلالة ذاتية أو غير قابلة للتقويم) بوسعه “بنفسه” أن يكون قد تأسس بشكل عقلانى.

وعلى الأقل نُظر إلى جزء من هذا الانهيار فى مذهب الحداثة على أنه مكون جوهري فى بزوغ ما صار يعرف كثيرا اليوم باسم “ما بعد الحداثة”. فقد قيل إن مشروع العقلانية الحداثية قد فشل، وأنه من الحتمي وجود نسبية تعددية pluralist relativism . فقد ولت الوجاهة المرموقة للدقة العلمية، لتحل محلها بهجة الغموض والإبهام Ambiguity، وهو ضرب من عدم التأكد يبدو فقط مؤكدا من خلال البحث التجريبى لفيزياء الكم، وهنا فإن الصلابة أو الاتساق consistency ليست ممكنة أو مرغوبة، وأن الأنماط المختلفة يمكن أن تصطف جنبا إلى جنب بطرق مراوغة؛ كما أن فكرة النصوص التى تكشف عن نوايا المؤلف – أو عن كونها “ذات” مؤلفة للفكرة – تصبح خاضعة لنقد تفكيكي مباشر كما تعرض المذهب الوظيفي funstionalism الذى صاغة لو كوربوسيه Le Corbusier من الحركة الحداثية للتراجع أمام المعارضة الأدبية والحنين للماضي.

ويبدو أن الجغرافيين كانوا يتفاعلون مع هذا الحشد من التعليقات بعدد من طرق التفكير المختلفة. فالنسبية الموروثة فى التحدى الفكرى ما بعد الحداثى قد شجعت الجغرافيين على التفكير بعمق فى كتاباتهم باعتبارها “تمثيلا “لذوات بحثهم العلمى. ولدى بعض الجغرافيين ممن لم تكن تستهويهم النسبية القديمة البالية، اتخذ اهتمامهم بالمنهج ما بعد الحداثى شكلا من أشكال التحدي للتفكير فى الطرق التى تمكن من الاحتفاظ بشىء من الموقف الواقعى. وبالنسبة للبعض الآخر فان الطبيعة بالغة التتابعية sequential للكتابة الجغرافية قد ثبت أنها ذات إشكالية كبيرة وذلك حين يكون الاهتمام البحثى يحمل تزامن مكاني (بالإصطلاح الإثنوغرافي “الأكثف”) كما ثبت أن هذه الطبيعة التتابعية قد عززت بعض التأملات حول خلق خيال جغرافى geography poetics. وبالتالي لو كان هناك بالفعل حالة من ما بعد الحداثة فقد أصبحت هى الأخرى حالة إمبريقية من شؤون لها جغرافيتها وجينيولوجيتها الخاصة.

ولقد أخذ ديفد هارفى Harvey  مؤخرا على عاتقه شرح هذه الرؤى والأطر، محللا الموقف مابعد الحداثى باعتباره هو نفسه نتائج أعمال الرأسمالية المتقدمة على مدار العقدين الفائتين أو ما يزيد. فقد أدت الطريقة التى يتم بها تنظيم الانتاج والاستهلاك إلى تشجبع حالة ثقافية غربية بعينها تتسم بالتشويش والتعقيد والاضطراب والفوضى المتداخلة والاختلاف. ومن ثم فإن المعالم المختلفة للحداثة وما بعد الحداثة باعتبارها تعبيرا عن الثقافات السياسية المتباينة، قد أصبحت موضوعات للبحث الجغرافى. وفى النهاية، فإن الاحتفاء الذى توليه ما بعد الحداثة للاختلاف، والتجاور والتشظي، قد أكد فى النهاية على أهمية الخاص والمحلي والأماكن المعرَّفة بحدود واضحة. ولهذا السبب فإن ديريك جريجورى، فى حديثه عن التباينات المكانية areal differentiation قد دعى الجغرافيين إلى أن ينخرطوا من جديد فى تاريخهم الجغرافى الخاص، وإن كانوا هذه المرة مسلحين بحشد جديد من الأدوات (المقولات التحليلية) .

ديفد هارفى 

على هذا النحو تنقلت الصفحات القليلة الماضية عبر مسار فكرى مميز. وللقراء المنخرطين بكثافة في هذه الجدالات، أعرف تماما أن رحلتى السريعة قد تبدو لهم قفزة غير معبرة حاولت أن اجتاز بها متاهة من الآراء والجدالات الفكرية. وحتى لو كان ما توصلت إليه صحيحا، ففى ظني أن ما قمت بتصويره هنا يكشف رغم قصوره عن أن التراث الفكرى الجغرافي مستمر فى أن يتجسد فى مدى واسع من الحوارات الدائرة حول طبيعة الهوية الإنسانية، والمجتمع، والمكان.

وعلى الرغم مما سبق، أصبح واضحا الآن أن الأسسية الكلاسيكية فى حالة سيئة ومن الأفضل الإقلاع عنها تماما، وفى هذا السياق، على الجغرافيين أن يدركوا أن المعرفة المضمونة تعود إلى بناء من “المعتقدات beliefs” وليس إلى بناء من اليقينيات certitudes. وعلى هذا فإن التعددية هى الخيار الذى لا مفر منه فى الجغرافيا. وليس لدينا خيار سوى أن نعيش مع جغرافيا وضعية، وجغرافيا ماركسية وجغرافيا إنسانوية، وجغرافيا إسلامية، وجغرافيا بنيوية، وجغرافيا مسيحية، وجغرافيا شعبية….وغيرها. وستعمل كل جغرافيا منها داخل حقولها الإدراكية فى التعامل مع النظريات بما يتناسب مع نظامها الخاص بالتحكم فى المعتقدات.

2020-02-12T22:27:52+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا