أوروبا وغجر الروما

2020-02-28T22:43:39+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السابع من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

يتناول هذا الفصل عمليات الإقصاء العنصري والعرقي، فضلا عن قضايا التمييز والتهميش التي تنطوي علي الحرمان من الوصول إلى الفرص والاستحقاقات الاجتماعية، كفرص العمل والتعليم والسكن والصحة والرفاهية والعدالة. وفي هذا الفصل، وبعد أن نأخذ الفكر التمييزي بعين الاعتبار، سنقوم بفحص الأنماط العامة للتمييز العنصري والعرقي في جميع أنحاء أوروبا مع دراسة مفصلة لقضية واحدة بعينها، ألا وهي قضية الإسكان. وقد تم اختيار هذا المجال لأنه يوضح أشكالا يومية متعددة من عدم المساواة. وتُسلط الأدلة الواردة بشأن الإسكان في المجتمعات الأوروبية الضوء على خطورة الظروف المعيشية التي يعاني منها غجر الروما. ويقدر عدد الروما بحوالي 10 ملايين نسمة، وهم بذلك أحد أكثر الفئات المُهمشة في أوروبا، ومن ثم فسيلقي هذا الفصل قدرا وافرا من الضوء على هذه الإشكالية من أجل توضيح الطرق التي تتم من خلالها عمليات الاستبعاد والتمييز. ويسعى القوام الاجتماعي والسياسي لهوية غجر الروما ـ الذي تم تناوله في الفصل الثاني ـ إلى إرساء قواسم مشتركة في تجارب العديد من جماعات الروما، مثل الجيبسي Gypsy ، والتسيجانTsigane ، وما يرتبط بهما من مجموعات فرعية مثل السنتوSinto ، والبوياشBoyash   والكالديراش Kalderash  . (Vermeesch 2006).

من هم الروما Roma؟

يشير مصطلح “روما” إلى كل من يصف نفسه بأنه ينتمي إلى جماعات غجرية تشمل: “روما Roma”، “جيبسيGypsies “، “مانوشيسManouches”، “كالديراشKalderash”، “ماتشيفاياMachavaya”، “لوفاري Lovari”، “شوراري Churari “، “رومانيتشال  Romanichal “، “جيتانوس Gitanoes”، “كالوKalo” “سينتي Sinti”، “روداري Rodari “، “بوياش Boyash “، “أونجاريتسا Ungaritza “، “لوري Luri” ، “باشلدي Bashalde “،”رومنجروRomungro”، “ينيش Yenish”، “زوراكساي Xoraxai “، وغيرها من المجموعات  التي ينظر إليها بشكل عام على أنها مجموعات غجرية Gypsies“.  ، “باشلدي”، “رومنجرو”، ينيش”لمانوشيس”وء في هذا الفصل.

ويشير مصطلح “المرتحلون Traveller ” بشكل خاص إلى المرتحلين الأيرلنديين من غير الروما ويشكلون في الأساس السكان الأصليين لأيرلندا. أما مصطلحات (الروما والمرتحلون) فلا يقصد منها تقليل التنوع الموجود داخل تلك المجتمعات أو تعزيز الصور النمطية السلبية عنها.

لقد سلط الفصل السادس الضوء على الأنماط المعاصرة للعنف ضد الروما، معتمدا على الأحداث التي وقعت في السنوات الأخيرة في إيطاليا. ويعتمد الفصل الحالي على تلك المواد، ويدرس أنماط الاستبعاد والتمييز التى أثرت على الروما، والسينتي Sinti، والجيبسي والمجموعات الرحالة في جميع أنحاء أوروبا باستخدام معلومات عن الإسكان والعزل في أوروبا الغربية وبيانات أخرى عن التعليم في أوروبا الشرقية. ويتم فحص تجارب معاناة الروما على نحو مقارن مع مجموعات عرقية أخرى. وسنقوم بالبحث في التمييز، والمساوئ، والعزل العنصري التي تعاني منها الأقلية العرقية وجماعات المهاجرين في مجال الإسكان في جميع أنحاء أوروبا، أخذا في الاعتبار أن تلك البيانات تعطي مثالا مفيداً عن الطريقة التي تعمل بها تلك العمليات. فالعنصرية وما يرتبط بها من ممارسات استبعادية أخرى تساهم في مجموعة من النتائج السلبية. فالأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم “مختلفين” عن الأغلبية يتعرضون إلى سوء المعاملة التي تتراوح مابين رفض التمليك بسبب اللون، إلى الاعتداءات الجسدية لإجبار أسر بعينها على مغادرة المجاورة السكنية.

وعلى هذا، يسعى الفصل الذي بين أيدينا إلى شرح وتحديد كيف تجري عمليات التمييز العنصري. فقد أصبحت مثل تلك الممارسات بمثابة آليات تعزز أو تخلق استبعادا اجتماعيا، وهناك من ثم روابط أساسية بين هذا الاستبعاد ومجالات أخرى من الظروف المادية. ولا تتسم عمليات وأنماط التمييز بالعشوائية، بل لها صفة منظمة ومتكررة. وهذا يتضح من حقيقة أن الممارسات العنصرية المماثلة تحدث في مجال الإسكان في بلاد مختلفة جدا، وهذا ما سوف نعرض لها بالتفصيل.

لقد عملت اتجاهات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة في النظرية الاجتماعية المعاصرة على تغذية التركيز المتزايد على التعقيد والتفاعلات بين الأشكال المختلفة من التمييز. ويأتي ذلك على بحث راسخ يقوم بالتركيز على التداخل في هذا المجال، وكانت البداية من خلال الأطروحة التي قدمهتا كوبر Cooper في بداية القرن العشرين، والتي أشرنا إليها في الفصل الثالث. ولقد أدى انتقاد التضخم المفاهيمي للعنصرية ـ والذي يحذر من وسم الممارسات المؤسسية بالعنصرية التي قد تترك تداعيات استبعادية على المجموعات الأخرى مثل النساء ـ إلى تعزيز بناء مركب سوسيولوجي في دراسة كيفية عمل التمييز. ويتضح هذا التحول أيضا في تطور آليات الحماية الدولية والوطنية وتوقيع الجزاءات. فهنا نجد تطوير مناهج حقوق الإنسان التي تؤكد بشكل خاص على الحرية من التمييز وتحقيق احترام الفرد وصون كرامته وسبل عيشه وتطوره الشخصي، في سعي لبناء أجندة جمعية تضم احتياجات ومصالح جميع الأفراد وكافة المجموعات. وفي هذا المضمار سجلت خطوات إيجابية في مقدمتها التحول نحو إنشاء لجان تحقيق المساواة في المملكة المتحدة ـ والمعروفة باسم “لجنة المساواة وحقوق الإنسان” ـ وما يناظرها في أوروبا من “هيئة الحقوق الأساسية”، وتفكيك المؤسسات المعنية بنماذج منفصلة من التمييز على أساس العرق أو الإعاقة. وفي البحوث المستقبلية، من المتوقع أن يكون التركيز على التفاعلات بين هياكل التمييز المختلفة قضية أساسية، مع تقييم نقدي لبنية وأداء منظمات المساواة وحقوق الإنسان وعلاقتها بالمجموعات المضطهدة والمهمشة.

وفي الفصل الذي بين أيدينا، اتبعنا نهجا أكثر تحديداً، يسعى لتقديم برهان لكيفية عمل التمييز العرقي والعنصري، مع إعطاء تركيز مفصل على تجارب الروما. ولا ينشغل الفصل الحالي بالمهمة الشاملة لتطور القصة الكاملة للتمييز المتعدد الجوانب، وإن كنا سنتعرض لبعض القضايا والمشكلات الأساسية المتعلقة بكيفية تعريفنا واستخدامنا لمفهوم التمييز.

ماذ نعني بالتمييز؟

يشير التمييز الى التفرقة في المعاملة، وعدم المساواة تجاه الأشخاص الذين يصنفون بشكل رسمي أو غير رسمي في فئة محددة من الأشخاص. وهناك أشكال عدة من التمييز التي يتم تحديدها وفقا للطرق التي يتم بها وصف مجموعات معينة، على أساس العرق، الإثنية، النوع، المستوى الاجتماعي، الطبقة، العمر، الإعاقة، الجنوسة، الدين، أو اللغة. وقد أعلن ميثاق الأمم المتحدة لعام 1954 في المادة 55 أن الأمم المتحدة منوط بها تعزيز حقوق الإنسان والحريات للجميع، دون التفريق على أساس من العرق، الجنس، اللغة، أو الدين. وفيما بعد، وفي عام 1958 أضاف الإعلان العالمي لحقوق الانسان عددا من الأسباب الإضافية الممكنة للتمييز، التي كان منها اللون، الرأي السياسي أو غيره ، الأصل القومي أو الاجتماعي، الثروة، المولد أو أى وضع آخر.

ويحتاج علماء الاجتماع لأخذ جميع أنواع التفريق في المعاملة في الحسبان، باعتبارها ظاهرة عامة في الحياة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال لاحظ بانتون (Banton 1994) أن العائلة، أو المجموعة العرقية، أو الدولة، ترتكز جميعها على أفعال من التمييز. فلدى مختلف أفراد الأسرة، أدوار والتزامات متباينة تتطلب أشكالا معينة من السلوك، سواء كان الفرد زوجا أو زوجة، أبا أو ابن.

ومن الممكن أن يختلف أعضاء المجموعة العرقية في ارتباطهم أو استبعادهم لأشخاص آخرين، بناء على تماثل أصولهم العرقية. وغالبا ما تفرق الدول بين المواطنين وغير المواطنين في منح الحقوق وتحديد الواجبات. وعلى الرغم من أن التمييز هو غالبا تصرف فردي، إلا انه قد يعد نمطا اجتماعيا لسلوك جماعي. ولهذا، فمن الممكن أن يتم استنساخ أطر اللامساواة عبر الأجيال من خلال أنماط متكررة من التمييز في المعاملة. فهنا يُحرم بعض الأفراد من الفرص والموارد لأسباب لا تعود لقدراتهم، أو مزاياهم، أو سلوكهم، بل بسبب انتمائهم لجماعة محددة في المقام الأول.

وعادة ما يأخذ التمييز عدة أشكال. وقد قام مارجر (Marger 2000)  بتحديد “أطياف التمييز” التي تضم تباينات واسعة في كل من أشكالها وأخطارها. وبشكل عام، هناك ثلاث فئات من التمييز يتألف منها ذلك الطيف.

أولا: تتضمن الأفعال التمييزية الأكثر خطورة كلا من العدوان المجتمعي الشامل مع العنصرية العنيفة، وعنف أهلى،  وهما مثالان من الأمثلة التمييزية الواسعة الانتشار.

ثانيا: التمييز الذى ينطوى على الحرمان من الحصول على الفرص المجتمعية.

ثالثا: استخدام اللغة المسيئة الازدرائية التي تميل أن تكون عدوانية (على سبيل المثال وصف الأفراد بأنهم “باكي ” Paki  ( أي من باكستان) أو نيجرو  Nigger  (أي زنجي) ويرافق ذلك نكات عنصرية، فضلاً عن استخدام شارة النازية والعبارات الازدرائية.

ومن الممكن أن تشارك المفاهيم الثنائية مثل (الانحطاط والرقي، الحب والكراهية، الصحة والمرض، الدونية والسمو..الخ) في الاستراتيجيات الخطابية التي يتم من خلالها التعبير عن أشكال التمييز. وتتطلب تفسيرات التمييز حسابات معقدة قادرة على احتواء العمليات النفسية الدقيقة، وتجارب الفرد والجماعة، والمنافسة، والتنشئة الاجتماعية جنبا الى جنب مع علاقات السلطة الهيكلية وجوانب العولمة. وقد تم استخدام وتوضيح هذا النهج متعدد المستويات في تفسير العنف العنصري في الفصل السادس. وقد مثلت وجهات النظر النسائية بالنسبة لقانون مكافحة التمييز تحدياً للافتراضات الذكورية الأساسية والتي يقوم عليها تحليل ومعالجة الأسس المقارنة. وهذا يعني أنه في التقييم القانونى لطبيعة ما إذا كانت المعاملة غير العادلة قد وقعت أم لا، فإنه من الممكن التقييم فيما يتعلق بالمعاملة العادية التي يتلقاها “الآخرون”.

ومن الممكن أن يقصد بالمفهوم المبهم “للآخرين” الرجال ذوي البشرة البيضاء. لذلك فإنه بدلا من القول بأن قانون التمييز لم ينجح يمكن القول إنه ضعيف جدا، وسيذهب هذا الانتقاد إلى القول بأن القانون لا يجدي لأنه يقوم وفقا لمعايير ذكورية. لذلك فإن فقد الشرعية الليبرالية، والتى تتمثل في مفهوم أننا جميعا سواء أمام القانون، يتتضمن الكشف عن البناء الخفي لمعايير الذكور البيض، سواء فى القانون، السياسة العامة، أو علم الاجتماع، وهى المعايير التي توفر القواعد الأساسية لتقدير حجم ومستوى التمييز  (Hepple and szyszczak 1992).

والسؤال الآن:  ما هي نقاط الضعف الأخرى الكامنة في أفكار التمييز العنصري والمفاهيم المرتبطة بها عن المساواة العرقية؟ نحن نحتاج أن نكون على وعي بالأخطار والصعوبات التي تنتج عن استخدام تلك المفاهيم، ونحتاج الى تطوير فهم نقدى للفرضيات الأساسية التي تستند عليها تلك الأفكار.

ونود هنا أن نعرج على بعض المشاكل المشتركة في استخدام المفاهيم المتعلقة بالتمييز العنصري والمساواة الاثنية، من خلال أدلة مستفادة من المملكة المتحدة. وسنولى فى الصفحات المقبلة عناية خاصة للصعوبات والالتباسات المتضمنة في المفاهيم  العملية عن التنوع العرقي، وتقييم التسلسل الهرمي العرقي والعنصري بشأن عدم المساوة وتحقيق الهدف الأسمى للمساواة العنصرية والتي سنعرض لها باستخدام مثال التمييز فى الإسكان.

وفى هذا الصدد هناك قضايا بالغة الأهمية فى مقدمتها التفريق في التنميط العنصري، والموقف الاجتماعي والاقتصادي، وتاريخ الهجرة، والتحصيل العلمي، والمشاركة السياسية ومفاهيم المواطنة الاجتماعية بين مجموعات الاقليات العرقية. ويجب أن ننبذ جانباً استخدام المفاهيم الساذجة، وغير الدقيقة، والمضللة بالنسبة لموقع الأقليات الاجتماعي. وهناك دراسات غطت نطاقا معرفيا واسعاً وركزت على مجموعات الأقليات العرقية في المملكة المتحدة. ومن خلال استخدام معلومات عن الأجور ، والبطالة والمهن الحرفية والإدارية، أمكن تصنيف أنواع الحرمان إلى:

  • حرمان واضح ومستمر بين المسلمين من باكستان و بنجلاديش.
  • حرمان نسبي فيما بين الهنود والكاريبيين.
  • معاناة الصينيين والأفارقة والآسيويين مشاكل في الحصول على المناصب العليا في المؤسسات الكبيرة التى يعملون بها.

ويتم تقييم هذه المساوئ فقط فيما يتعلق بالمقارنة مع البيض، ولذلك فإن تصنيف الفئات العرقية له أهمية حاسمة هنا، خاصة في تحديد أنماط عدم المساواة العرقية. وتحتاج كفاية هذا النوع من التقييم بحثا معمقا ينطوي على سياسة واسعة النطاق تهتم بتحقيق تمثيل للأقلية العرقية في سوق العمل شبيهة بتمثيل مجموعة الأغلبية البيضاء.

والاختلافات التي تنشأ بعد ذلك، إنما تنشأ كمشكلة سياسية، على نحو ما نجده مثلا في التطلعات المهنية والعلمية، أو الاختيار في سوق الإسكان. ومثل هذه القضايا موجودة بين المجموعات العرقية ولكن إلى أي مدى هذه القضايا قابلة للمعالجة السياسية؟ تتوقف الإجابة على مفهوم المساواة وإدراك قضايا التفريق العرقي ضمن هذه الفكرة.

ويعد تقييم المساواة في المعاملة ودرجة “التمثيل الضعيف” للأقليات فى مقابل  “المعايير البيضاء” بمثابة الافتراض السائد في مناقشة الفوارق العرقية والإثنية، فى مجالات مثل مخصصات الإسكان، والتحصيل التعليمي، وضمان موقف جيد فى سوق العمل. وتقوم منهجية البحث في التمييز العنصري في العديد من تلك القطاعات وممارسة المساواة وتحقيق صفات حقوق الإنسان على افتراضات من هذا القبيل. والسؤال الآن إلى أى مدى يعد هذا مناسباً؟ فمشكلة تقييم طبيعة المساواة العنصرية والعرقية في توفير الخدمات العامة قد تنبع من صعوبات توفيق الاختلافات بين الاحتياجات.

وعلى سبيل المثال، فإن تقييم مدى كفاية مستويات إعانات الرعاية الاجتماعية بين مجموعة الأقليات العرقية يجب ألا يعتمد على مقارنة “خارجية” تقارن بين المجموعات البيضاء في دول العالم بل من خلال مقارنة “داخلية” بين المجموعات داخل الدولة.

وبالمثل فإنه بدلا من المقارنة بين نتائج الفرق في المؤهلات العلمية التي تم الحصول عليها بين البيض والأقلية، قد يكون الأكثر فائدة مقارنة التقدم، والتحصيل، والمستويات التعليمية النسبية داخل المجموعات العرقية. وعلاوة على ذلك، فإن المقارنات مع ” المعايير البيضاء” تميل الى التقليل من حجم التفاوت العرقي بشكل خاص، حيث مستويات الحرمان والفقر هي الأعلى بين الأقليات العرقية. على هذا النحو يكمن الانشغال العام لصانعي السياسات فى أهمية زيادة التطور والتشاور بشأن تحليل الاحتياجات على المستوى الوطني والمحلي من أجل تتبع التنوع العرقي وتقييم درجات عدم المساواة العرقية وأهداف السياسات العامة للدولة (Harrison and Law1997).

ولا مفر من الاعتراف بأن ثمة كثير من الالتباس المفاهيمي حول معنى المساواة. فقد أدت المفاهيم المختلفة عن المساواة إلى نسق مختلف من المشكلات الناتجة وما يرتبط بها من أهداف سياسية، وقد حدد تيرنر  Turner (1986) أربعة أنواع من المساواة:

أولا: المساواة في الجوهر الانساني أو المساواة الوجودية والتي ينظر إليها باعتبارها مؤكدة على المساواة الأساسية بين البشر، فلكل فرد وجود إنسانى حر وماهوي. وهناك مشكله فى هذا الصدد تكمن فى  تحديد الصفات الارتباطية المشتركة بين الجنس البشرى، ومن ثم يتطلب هذا الموقف حجة أخلاقية أو دينية قوية يمكن أن تتجاوز النسبية الثقافية. وكانت مثل تلك الحجج عنصرا هاما  فى مراجعة وانتقاد العنصرية العلمية، وعلى الرغم من تأكيدها على المساواة الفردية الرسمية فإن هذه الحجة يمكن أن تستخدم  في مراجعة وانتقاد السياسات التى تهدف إلى الاستجابة للاختلافات الثقافية على سبيل المثال.

ثانيا: المساواة فى الفرص، وهنا نجدنا أمام الفكرة القائله بأن الحصول على فرص عمل وتعليم وغيرها من عوالم اجتماعية مهمة ينبغى أن تكون مفتوحة للجميع، على أسس محايدة بغض النظر عن الطبقه أو الجنس أو العرق أو معايير الاستبداد الأخرى .

ثالثا: المساواة فى الظرف أو الحالة، فيجب أن تكون الأوضاع المادية متكافئة  بين المجموعات الاجتماعية، ومن ثم فإن التركيز هنا فى كثير من الأحيان يكون على تطبيق البرامج المعنية بتفعيل عدالة إعادة  توزيع الدخول من أجل تشجيع الطلب على الفرص المتاحة بالتساوي.

رابعا: المساواة في العائد أو الحصيلة، ونقصد بها المساواة فى إتاحة الفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أمام الجميع. ويجب هنا تدارك أوجه القصور عبر أعمال تعويضية لخلق مساواة ممثلة أو إحصائية في أجزاء مختلفه من المجتمع.

وبالاضافه الى ما سبق، ألقى تيرنر الضوء على ثلاث مشكلات تحيط بالمساواة وهى: التعارض المتبادل المتأصل، التنظيم السياسى والاجتماعى الضخم المطلوب لتطبيق وتنفيذ السياسات، والصراع بين متطلبات المساواة من الجماعات وحرية الفرد.

ويمكن توضيح بعض تلك القضايا فيما يتعلق بسياسة الإسكان. فحالة وقيمة المساكن فى بريطانيا تختلف بشكل كبير. ولتحقيق المساواة العنصرية أو العرقية بالنسبه لفرص الحصول على الإسكان يتطلب الأمر القيام بعملية إعادة توزيع ضخمة للثروة خاصة فيما يتعلق منها بالممتلكات وما يرتبط بذلك من تغييرات هيكلية رئيسية في السيطرة  السياسية على السياسة الإسكانية والسيطرة على مؤسسات الإسكان ومنتجيه والبيروقراطية الهائلة التى تنظم حصول الناس على السكن. وعادة ما ينظر إلى هذه الفكره العامة المتعلقة بالمساواة العرقية كمعيار لتقييم الأنماط العامة من خلال قياس وتقييم مؤشرات  نتائج الإسكان مثل الحيازة وظروف السكن المادية والإجتماعية.

والسؤال الآن: هل ينبغى أن يكون الهدف من هذه السياسات تحقيق المساواة فى تمثيل المجموعات العرقية عبر أشكال مختلفة من حيازة  المساكن وعبر مدى واسع من جودة المساكن البريطانية أو الأوروبية؟ فمثل هذا الهدف من المحتمل أن يكون غير ملائم وغير فعال على حد سواء. ذلك لأن الاختلافات الكبيرة بين المجموعات العرقية (من حيث مظاهر الطلب على الإسكان، مثل تفضيلات الحيازة والاختيارات المكانية، والسعى الى فرض أو تحقيق أنماط مماثلة لنتائج الإسكان بالنسبة للأقليات العرقية كما هى للبيض) من الممكن أن تؤدي إلى انخفاض فى فرص الإسكان .

فالتركيز على اختيار المستهلك يتطلب حساسية للاختلافات فى قرارات واختيارات الإسكان عبر المجموعات العرقية، فضلا عن ضرورة الانتباه إلى الاختلافات فى الاحتياجات الثقافية، حيث أن الحلول السكنية المتطابقة لن تكون مفيدة للجميع.

ومع ذلك، فإن النقطة المحورية فى هذا المجال تكمن فى قبول الحقيقة والاعتراف بعدم وجود مساواة عرقية خاصة من قِبل أصحاب الخبرة العملية فى الإسكان بالمملكة المتحدة، والاعتراف بأن توزيع المساكن على أساس المجموعات العرقية له ما يبرره. لقد كان تأثير أكثر من 30 عاما من البحث ناجحا في هذا الصدد. وكان بناء التحالفات بين القوى الرئيسية والأفراد وتوسيع حركة إسكان السود عاملا فى غاية الأهمية .

وأكدت الأمم المتحدة في المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية والذي عقد عام 2001 في دربان بجنوب إفريقيا على الأهمية القصوى لتنفيذ الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري. وأيضا خلصت إلى أن العقبات الكبرى التي تحول دون التغلب على التمييز العنصري تكمن فى عدم وجود إرادة سياسية، وضعف القانون وسوء تنفيذ الاستراتيجيات ذات الصلة من جانب الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة. وبمضي الزمن لعبت المنظمات غير الحكومية دوراً فاعلاُ في شن حملات من أجل التغيير وزيادة الوعي حول الأشكال المختلفة للتمييز العنصري.

التمييز العرقي و العنصري والاستبعاد في أوروبا

الأنماط العامة للتمييز

يعتمد هذا القسم على تقييم أكثر شمولة ومعاصرة للتمييز العرقي والعنصري على مستوى الدول الأوروبية. ومن المهم أن نفهم تلك “الصورة الكلية” حتي يكون بمقدورنا تقييم طبيعة ومدى هذا التمييز وإدراك عمق واستمرارية تلك الممارسات.

وتظهر الاتجاهات العامة للعنصرية والتمييز في كل من بلجيكا، ألمانيا، اليونان، أسبانيا، فرنسا، أيرلنا، إيطاليا، لكسمبرج، هولندا، النمسا، البرتغال، والمملكة المتحدة. وفي مثل هذه الدول يعاني عدد كبير من الأقليات العرقية والإثنية من ممارسات تمييزية في حياتهم اليومية،  ويبدو ذلك جلياً مع تعرض الكثيرين بصفة خاصة لسلوك استبعادي في مجالات العمل، التعليم، الإسكان، وفي التعامل مع الشرطة. ويترك هذا المستوى العالي من التمييز العنصرى خلال الحياه اليومية والأحوال العرضية آثاراً سلبية عديدة، فى مقدمتها الشعور بالاغتراب.

تجارب مختارة

فيما يلي صور من المعاناة التي تسبب فيها التمييز العنصري والعرقي:

  • واجه 33% من الأقليات تمييزا فى التوظيف بما في ذلك المضايقة في العمل، ورفض طلبات الحصول على وظائف، والمحاباة فى الترقى.

  • عانى 30 % من الأقليات من تمييز في الحصول على السكن، والقروض أو الائتمان.

  • واجه 25 % من الأقليات معاملة تمييزية من قبل الشرطة، ونسبة شبه مماثلة في المؤسسات التعليمية.

  • واجه 24 % من الأقليات مضايقات في الشوارع، وفي المواصلات العامة ومن قبل الجيران.

  • عانى 20 % من الأقليات من رفض السماح لهم بالدخول إلى المطاعم أو الملاهي الليلية والمعاملة التمييزية في المطاعم أو المحلات التجارية، بل وتم منعهم من دخول بعض المتاجر.

  • واجه 19 % آخرون تمييزا في التفاعل مع مقدمي إعانات الرعاية ومع وكالات العمل، مع معدلات أقل قليلا في الرعاية الصحية ومؤسسات الخدمة الاجتماعية.

  • وقع 15 % آخرون ضحية للعنف بدوافع عنصرية أو غيرها من أنواع الجرائم الجنائية

وبين هذه السياقات المختلفة على مستوى الدول، تختلف درجات وأهداف التمييز على نحو واسع. ففي بلجيكا، على سبيل المثال نجد أن المغاربة، والأتراك، والكونغوليين والصينيين هم أهداف رئيسية للتمييز في العمل, مع شعور 37% منهم بتعرضهم لأعلى مستوى من التمييز الملحوظ.

أخيرا، وربما الأكثر إثارة للقلق، فإن 86% من هؤلاء الذين يعانون من التمييز لا يبلغون عن تلك الحوادث، وهو مايشير إلى  وجود فجوة في الثقة بين كل من الأقليات والمهاجرين من ناحية والمؤسسات العامة والخاصة في أوروبا من ناحية ثانية.

وقد كان هناك تراكم شامل للأدلة البحثية منذ ستينيات القرن العشرين وما بعدها، سعى كل منها إلى إنشاء قاعدة للأدلة وكسب الاعتراف الاجتماعي والسياسي للتمييز العنصري اليومي في أوروبا وأماكن أخرى من العالم. وكان رد فعل العديد من الحكومات والسياسيين ومقرري السياسات يتمثل فى إنكار صريح بوجود ذلك النوع من المشكلات. ولعل الوصول إلى “نقطة البداية”  في هذه المسألة (أى الاعتراف بواقع التمييز) يعد دوماً مهمة طويلة وشاقة، فضلاً عن بناء قاعدة من التدخلات الناجحة لمعالجة هذه المشكلات الأساسية.

وفي هذه الحالة قد يكون التوافق بين الممارسات الاقصائية العنصرية والعرقية والسلوكيات المؤسسية بمثابة رباط واحد أساسي في تفسير استدامة وبقاء تلك الممارسات، أكثر من كونها مواقف استثنائية غير مقصودة أو مشوهة من قبل أفراد معزولين. ومع ذلك، كانت هناك بعض القرارات التاريخية والنجاحات الملموسة في تحقيق العدالة لضحايا التمييز، على نحو ما شهدت بلغاريا على سبيل المثال.

ضحايا التمييز العنصري من غجر بلغاريا

واصلت المحاكم البلغارية في تطبيق القانون البلغاري الشامل لمكافحة التمييز مع اتخاذ عدد من القرارات الإيجابية الرئيسية. ففي محاكمة اعتمدت على القانون البلغاري الشامل لمكافحة التمييز، قضت محكمة الاستئناف في مدينة بلوفديف Plovdiv بتغريم شركة تدير ملهى ليلي لأنها رفضت تقديم خدمات لشباب من الغجر. ورأت المحكمة أن رفض تقديم الخدمات يشكل تمييزا مباشرا. حيث أوقف الحراس مجموعة من شباب الغجر أثناء دخولهم النادي الليلي ورفضوا السماح لهم بالدخول بشكل فظ قائلين لهم “هنا لا يسمح بدخول غجر أو أتراك”. وفي قضية أخرى، في محكمة صوفيا حملت المحكمة صاحب عمل المسؤولية عن التمييز العنصري ضد طالبي العمل من الغجر.

ويعد هذا القرار أول قرار استثنائي ايجابي وفقا لقانون مكافحة التمييز. ففي فبراير 2004، قام أنجويل إيسنوف  Anguel Assenov، وهو شاب يبلغ من العمر25  عاما، بالاتصال بشركة للاستعلام عن مدى توفر فرصة عمل بعد أن نشرت هذه الشركة في الصحيفة إعلاناً عن وظيفة متاحة. وفي هذه المكالمة تم إخبار الشاب أنه ليست هناك شروطا سوى أن يكون رجلا ودون سن 30 عاما. سأل السيد إسينوف عما إذا كان بوسعه ـ باعتبارها غجريا ـ أن يتقدم لهذه الوظيفة، ففاجئه الموظف قائلا لا ترهق نفسك بالتقدم، فلن يقبل أحد من الغجر على هذه الوظيفة.

وقد أعلنت محكمة المدينة أن صاحب العمل مسئول عن التمييز الذي يقوم به أي من موظفية بغض النظر عن مراكزهم، أو سلطات صنع القرار الممنوحة لهم. واعتبرت المحكمة أن التمييز يشكل انتهاكا خطيرا للقانون الدستوري والدولي والمحلي، الذي يؤثر على الحقوق الفردية المالية وغير المالية. وأكدت المحكمة على المساواة بين جميع الناس وحظر جميع أشكال التمييز لتكون القيم الإنسانية العالمية هي الأساس لسيادة القانون والمجتمع الديمقراطي المعاصر.

وقد أقرت المحكمة الابتدائية في صوفيا سوابق هامة في بعض أحكامها أهمها:

  • خوّلت مكتب النائب العام مسؤولية النظر فى التصريحات المعادية للغجر ومنح تعويضات للضحايا.

  • وجدت أن وزير التعليم مسئولاً عن النظر فى قضايا الفصل العنصرى بسكوته عن وجود مدارس للغجر فقط.

  • أعلنت أن الخطاب العام الصادر عن نقابة العمال مناهضاً للغجر ويمثل تحرشا وتحريضا على التمييز، وطالبت المحكمة بالامتناع عن ذلك مستقبلاً.

الاستبعاد والتمييز في مجال الاسكان: أدلة من غرب أوروبا

تعيش الأقليات العرقية في أنحاء أوروبا في ظروف سكنية سيئة نسبيا تساهم في ترسيخ أنماط عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. وسنعرض فى الصفحات التالية أنماط الاستبعاد العنصري والعرقي والتمييز في الإسكان، بالاعتماد على تقارير15 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في غرب أوروبا. وهذه التقارير متاحة على الرابط التالى  :

http://infoportal.fra.europa.eu/lnfoPortal/infoportalFrontEndAccess.do.

وتوفر مثل هذه التقارير نبذة مفيدة للغاية عن اختلاف وتنوع العزل العنصري والتمييز بين البلدان الأوروبية من مدن الصفيح في لشبونة وحتى مخيمات الغجر في المناطق الصناعية في مدينة ميلانو. وتخضع هذه المجموعات البشرية لأشكال ثابتة وواسعة ومختلفة من التمييز العرقي العنصري والقومي. ويتسم هذا الوضع بالتعقيد والديناميكية على مستوى الموقع والحيازة والانتماء العرقي.

وتعمل زيادة الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية داخل مجموعات الأقليات على تسهيل التنقل من بعض المنازل من المناطق الداخلية من المدينة إلى مواقع الضواحي والمناطق الريفية، في حين تتمركز الأسر الأكثر فقرا بشكل متزايد في المناطق الداخلية من المدينة.

فعلى سبيل المثال، تم تحديد الاستقطاب بين السكان الصوماليين والصينيين في فنلندا، مع زيادة الانقسامات بين ذوي المؤهلات العلمية العليا والمنخفضة ومستويات العمل وظروف السكن. كما نجد هنا أيضا أن الأقليات العرقية ذات المستويات الاجتماعية ـ الاقتصادية الأعلى هم أقل عرضة للانفصال في مساكن رديئة وأوضاع اجتماعية متردية. فهناك اختلافات كبيرة بين الاقليات في الظروف السكنية أو أنماط الملكية ومدى التمييز والعداء، خاصة من خلال (1) إجراء تقييم مفصل لطبيعة و أنماط ومدي ونوع التمييز في ظروف الإسكان، (2) استخدام أمثلة على مستوى الدول لتسليط الضوء على قضايا الحرمان النسبي، وظروف السكن السيئة، التشرد، الحيازة والتهميش، جنبا إلى جنب مع سمات الحركة والتغيير بمرور الوقت، (3) تأثير الظروف السكنية على الأشكال المتداخلة من الحرمان، وعدم المساواة والاستبعاد.

التمييز العنصري: التصنيف والأدلة

إن أردنا تحديد وفهم التمييز العنصري فيعوزنا الوقوف على معرفة بالتفاصيل المتعلقة بكيفية حدوث تلك المشكلة وكيف تؤدي إلى ممارسات محددة من الحرمان والمعاناة تضرب ضحاياها. وفي السطور المقبلة سنقدم أولا تصنيفا لمختلف أشكال التمييز التي نحتاج إلى دراستها هنا، ثم نضرب أمثلة على الطرق التي سلكها التمييز. هذا وتتضمن الأشكال المختلفة من التمييز كلا مما يلي:

  • التمييز الصريح المباشر، حين تحدث معاملة مسيئة لشخص أو عائلة ممن ينتمون لجماعة أقلية أو مقارنة بالمعاملة الطبيعية لمواطني الأغلبية.
  • التمييز غير المباشر، حيث تؤثر الممارسات الإسكانية المنتظمة أو العادية، والمتطلبات والشروط المرتبطة بها، بشكل سلبى على استبعاد العائلات المنتمية لجماعة سكانية من الأقليات.
  • التمييز البنيوي، حيث تؤثر المعاملة السيئة للأحوال المادية لمجموعات الأقلية على اختيارات وفرص السكن. فالآليات الهيكلية، والنقص في المعلومات والافتقار إلى الموارد، وانخفاض مستويات الدخل، كلها تعمل كحواجز أمام الحصول على السكن وغيره الموارد.

 وقد اعتمدنا فى أمثلة التمييز العنصري المباشر في الإسكان على دراسة Malcom Harrison, Ian Law and Deborah Phillips (2006)  وذلك من أجل تسليط الضوء على الطرق المختلفة والمتنوعة التي يتم بها ذلك.

(1) التمييز الصريح المباشر:

صرحت السلطة المحلية في مدينة أركوزيلو Arcozelo بمنطقة بونتي دي ليما Ponte de Lima في البرتغال، بأنه ليس مسموحاً للأسر الغجرية الحصول على المساكن الاجتماعية حديثة البناء، و في حالات أخرى تم هدم منازل الغجر في منطقة فيلا فيرد Vila Verde. وفى البرتغال أيضا كان هناك تمييز ضد الأسر الغجرية التي لم يسمح لها بشراء المنازل حديثة البناء من قبل بعض شركات الإسكان الأخرى. وفي اليونان، هناك حالات متعددة من عمليات إخلاء قسري للغجر. وفي بلجيكا، ثمة صورة نمطية يتعاطي من خلالها ملاك الأراضى تجاه المهاجرين باعتبارهم متهربين من دفع الإيجار، ويعانون من معايير عالية للفقر والتكدس في أماكن السكن ومايرتبط به من الممارسات التمييزية. وبشكل رئيسي في مدينتي بروكسل وأنتفيرب، تم تقديم شكاوى من المغاربة والأترك ممن تعرضوا للتمييز من جانب ملاك العقارات، ومنظمات الإسكان والوكالات العقارية. وترد أدلة مماثلة من قبل منظمة  SOS Racism المعنية بمكافحة العنصرية في فرنسا.

وفي النمسا، تم الإبلاغ عن حالات من أصحاب العقارات تفيد بأنه تم رفض إقامة الأفارقة لأنه كان ينظر إليهم على أنهم غالبا ما يتعرضون لمداهمات الشرطة. بالإضافة إلى ذلك انتشرت فى النمسا وألمانيا الإعلانات التى تحمل شعارات “متاح للمواطنيين فقط أو” للألمان فقط” و”فقط للمستأجرين المتحدثين بالألمانية ذوى الدخل المنتظم”. وفي إيطاليا، تم اختبار التمييز فى المكالمات الهاتفية مع وكلاء العقارات المسئولين عن تأجير الشقق كوسيلة لاستكشاف التمييز. وكان النيجيريون والألبان والمغاربة هم الأكثر عرضة للتمييز، وذلك في أكثر من 75% من هذه الحالات. وفي أيرلندا سجلت حالات أعلن فيها أنه “على الملونين الامتناع عن التقدم لطلبات الإيجار السكني” جنبا إلى جنب مع عمليات الطرد غير القانونية للأجانب من قبل الملاك.

وفي الوقت نفسه، تم توثيق منتظم لعمليات إخلاء تمييزية للرحل من قبل السلطات المحلية. وفى فنلندا تم توثيق التمييز ضد الغجر، والصوماليين، والعرب ، مع حرمانهم من استئجار أو شراء منزل بسبب انتمائهم العرقي. وفي السويد، قدمت شكاوى ضد كل من ملاك الأراضي، الجمعيات التعاونية، سماسرة الإسكان، وسطاء الأوراق المالية، وهيئات القطاع الخاص باعتبارهم جميعاً مساهمون فى عملية التمييز، ويشكل ملاك العقارات حوالي نصف الحالات المبلغ عنها.

(2) التمييز المضلل:

فى هذه الحاله عادة ما يستخدم الكذب لتطبيق مواقف تمييزية، فعلى سبيل المثال، يقال للمستأجرين من أبناء الأقليات إن الشقة مستأجرة بينما هى خالية في واقع الأمر، أو أن يتهرب الملاك أو المؤجرون من مقابلة طالبى السكن من أبناء الأقليات العرقية (وقد تم الإبلاغ عن هذا النوع من الحالات في كل من النمسا وأيرلندا وأسبانيا)

(3) التمييز المتذرع بالوثائق:

قد يتضمن هذا النوع مطالبة أبناء الأقليات العرقية الساعية لطلب سكن تقديم وثائق (مثل إشعارات تسليم الراتب) والذي لا يطلب من الآخرين من غير أبناء الاقليات، أو عدم قبول الوثائق التي تثبت الاستقرار الاقتصادي للفرد، كما هو الحال في أسبانيا. وفي البرتغال غالبا ما يطلب وجود ضامن برتغالي للحصول على مساكن مستأجرة أو قرض مصرفي لشراء منزل.

(4) التمييز في السعر أو حالة المسكن:

غالباً ما تحدث حالات من ممارسة فرض أسعار أعلى على الأقليات العرقية الساعية إلى الإقامة، فضلا عن تقديم خصائص أقل جودة فى المسكن لهذه الجماعات. وقد لوحظ هذا الاستغلال الواضح حتى تجاه الجماعات التي حققت استقرارا اقتصاديا كافيا، على نحو ما نجد على سبيل المثال في مدينو بورجوس Burgos  في أسبانيا.

أما في بلجيكا، فغالباً ما يعانى أبناء الأقليات من مواجهة هذه العملية حين يسعون لاستئجار مساكن فيواجهون أسعارا مرتفعة لمساكن متردية للغاية. وفى ألمانيا تفرض أسعار إضافية تمييزية بحق أعضاء الأقليات. وفى أيرلندا سجلت حالات مشابهه بحق الغجر وخاصة فى المساكن المؤجرة. وفي فيينا بالنمسا تدفع الأسر التركية في المتوسط 24% سعراً أعلى  للمتر المربع الواحد مقارنةٍ بالمواطنيين النمساويين، وفي كثير من الأحيان لعقارات أقل جودة.

(5) التمييز بسبب الاسم/ اللون/ اللهجة:

تسجل المنظمات الداعمة لحقوق الأقليات في بلجيكا ممارسات تمييزية شائعة متمثلة في التمييز السلبي لاستئجار السكن وبصفة خاصة تجاه أولئك ذوي الأسماء الأجنبية، فضلا عن أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم من لون مختلف أو ذوي لكنة أجنبية.

(6) التمييز من قبل السكان المحليين والضغط على المؤسسات من أجل التمييز:

في مثال من هولندا، تقدمت مجموعة من مواطني الأغلبية لشركة الإسكان برفض تسكين رجل مغربي في شقة وهددوه بالعنف والحرق إذا انتقل للسكن إلى جوارهم. وكان فشل المؤسسة في التعامل مع تلك التهديدات دليلا على الرضوخ لضغوط التمييز. وفي حالة هولندية أخرى، سحب مالك عقار عرض السكن من عائلة غجرية بسبب اعتراض السكان المحليين عليه. ويعتبر الرضوخ لهذه الضغوط أو عدم التعامل بفاعلية مع العداء العنصري في الأحياء السكنية بمثابة القوة الدافعة في هذا النوع من أشكال التمييز. ومن الأمثلة على ذلك أنه في مدينة دورتموند  Dortmundبألمانيا، وقع 3000 شخص على عريضة تعارض تطوير مشروع الإسكان الذي اقترحه المجتمع الثقافي التركي والذي شمل أيضا إقامة مركز اجتماعي ومسجد.

(7) الحد الأقصى للحصص النسبية

سجلت حالات عديدة تم فيها الابلاغ عن استخدام نظام الحد الأقصى للحصص والحد من تركيز عائلات الأقليات في المناطق السكنية في أكثر من بلد واحد (بما في ذلك على سبيل المثال ألمانيا) وتعتبر الحادثة التي وقعت في بلدة إسهوي   Ishojفي الدنمارك مثالاً لقرار قضائى تاريخي منعت بموجبة البلديات المحلية من استحداث نظام الحصص هناك.

(8) التمييز من حيث جودة المسكن:

يعتبر تقديم نوعية سيئة من المساكن للأقليات شكلا من أشكال التمييز ضدهم. ففي فنلندا، على سبيل المثال، كانت هذه هى أحدى أكثر الشكاوى التي يعالجها مندوب الأقليات، وبشكل خاص في تخصيص السكن الاجتماعي للأسر الغجرية. كما يظهر أيضا التمييز العنصري غير المباشر على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا، على الرغم من أن هذا يصعب تحديده أكثر من الأشكال المباشرة حيث يتطلب تحديد أو محو الآليات المؤسسية الرئيسية التي يكون لها تأثير سلبي غير مبرر على فئات إثنية أو عرقية أو وطنية بعينها.

ومن أهم الأمثلة على ذلك :

  • رفض تقديم الأراضي:

 يمكن للسلطات المحلية من خلال سيطرتها على الأراضي والمواقع المتاحة أن تسعى لاستخدام سلطاتها في استثناء الأقليات العرقية من هذه الفرص. ففي أسبانيا، تستخدم عدد من البلديات في إقليم “أندلسية” ادعاءات مثل عدم وجود أراضى أو رفض تخصيص أراضى وذلك للحد من توفير السكن والاحتفاظ بها للأسبان فقط.

  • معايير الحصول على السكن الاجتماعي:

هناك مؤشرات في توزيع السكن الاجتماعي في هولندا، مثل طول فترة الاقامة، وطول الفترة الزمنية في قائمة الإنتظار، أو السن، بوصفها آليات تمييزية لاستبعاد الأقليات العرقية (بسبب كل من موجات الهجرة الأخيرة والتركيب العمرى للشاب المهاجرين). وتؤدي هذه الممارسات إلى تخصيص أقل شعبية، وإسكان أقل جودة، و استبعاد نسبي من إتاحة الفرصة لتأجير عقارات عالية المستوى. وفي الدنمارك، تأسس تمييز عنصري في إدارة قوائم الانتظار من قبل جمعيات الإسكان، واستخدمت القدرة على التحدث بالدنماركية كمعيار تمييزي في استبعاد الأسر الأخرى من قطاع الإسكان التعاوني. وفي ميلانو، وجد أن تجميع النقاط للحصول على الجنسية الإيطالية هو بمثابة ممارسة غير قانونية تمييزية بشكل غير مباشر في تخصيص المساكن الشعبية ذات الإيجار المنخفض.

  • التمييز على أساس الدخل:

ينظر مؤخراً إلى استخدام الدخل المنخفض باعتباره حائلاً أمام الساعيين إلى العيش في أحياء معينة (على سبيل المثال من قبل الحكومات المحلية في بعض المقاطعات) وهو ما يعد شكلا آخر من التمييز غير المباشر أمام الحصول على السكن ويتم بشكل غير متناسب على الأرجح لاستبعاد عائلات الأقليات العرقية.

  • التمييز بالنسبة لمخصصات الاسكان:

في عديد من السياقات داخل الدول ثمة تناسب ضعيف بين الحصص الاحتياطية المقدمه للسكن الاجتماعي والاحتياجات الأكبر من قبل أسر الأقليات العرقية وهو ما يشكل عائقا أمام إيجاد سكن مناسب.

التنوع والحرمان في ظروف سكن الأقليات:

تتفاوت المؤشرات عن ظروف السكن تفاوتا كبيرا في جميع أنحاء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتي توجد جنبا إلى جنب مع اختلافات واسعة في عمق البيانات والأدلة، وتقدم تحليلا مقارنا للمشاكل. وهناك أيضا تنوع فيما بين مجموعة الأقلية العرقية في استراتيجيات الحيازة، ومخططات الأسر وظروفهم المعيشية. حيث تعاني هذه الأسر بشكل عام من أعلى درجات التشرد، وظروف سكن سيئة، وأحياء سكنية فقيرة (مثل مدن الصفيح) والتعرض لانعدام الأمان بصورة كبيرة نسبيا في حالتهم الإسكانية. وتتعدد مشاكل الإسكان بدرجة خطيرة فتشمل عدم الوصول إلى المرافق الأساسية مثل مياه الشرب ودورات المياه، ومستويات أعلى من الاكتظاظ والتكدس مقارنة بالأسر الأخرى، والاستغلال من خلال رفع الإيجارات وأسعار الشراء. وتواجه جماعات غجر الروما، والرحل، والجيبسي  Gypsies   والسينتي Sinti صعوبات في تأمين السكن الأساسي الملائم في كافة أرجاء دول الاتحاد الأوروبي.

وفي فرنسا، يستمر سوء الأوضاع السكنية والذى ينطوي على الجمع بين الزحام الشديد، والنوعية الرديئة وقِدم وتدهور السكن. وتواجه الأسر الجزائرية، والمغربية، والتونسية، والتركية أشد مستويات الاكتظاظ وأقل فرص الوصول إلى المرافق الأساسية مثل دورات المياه.

وفي فنلندا، تتسم ظروف السكن بالنسبة لغجر الروما بالسوء، حيث يعيش 20% منهم في ظروف غير ملائمة. وفي هولندا، تتركز مجموعات الأقليات العرقية في المناطق الريفية، بشكل خاص في أربع مدن كبيرة (تأتى المجموعات الرئيسية من سورينام، المغرب ، تركيا ومن جزر الأنتيل وخاصة من جزر أروبا Aruba). وتتركز معظم هذه الأسر في شقق ذات مستويات اكتظاظ أعلى من الهولنديين، ويعيشون في مساكن أقل جودة.

وعادة ما تعيش الأقليات العرقية في حي منعدم الجمال أو الجاذبية، مع أقل قدرة على الوصول إلى المرافق الأساسية بما في ذلك المياه، دورات المياه، وفي ظروف سكنية غير آمنة مثل إبرام عقود إيجار من الباطن أو عقود إيجار لمدة محددة. وفي السويد، يتركز الأفارقة والوافدون من غرب آسيا (الإيرانيون على وجه الخصوص) في مساكن مستأجرة قليلة الجودة، ومجمعات سكنية (بلوكات) غير مرغوب فيها.

وفي المملكة المتحدة، تعتبر أسر الأقليات العرقية الأعلى تمثيلا بين المشردين، كما يواجه الغجر والرحل نزاعات من أجل الحصول على سكن أو مواقع إقامه مؤقتة.

وقد خضعت كافة مجموعات الأقليات العرقية بشكل متفاوت لعداء عنصري، كما هو الحال في العديد من الدول الأوربية. ففي أيرلندا، تبدو جماعات الرحل معرضة بشكل خاص للمعاناة في سوق الإسكان. ففي عام 2002، كانت هناك عائلة من كل 5 عائلات من الرحل يعيشون فى أوضاع لا تتوفر فيها المياه أو بقية المرافق(Harrison et al. 2006 ). وتعد ظروف شدة الحرمان والإجحاف التي تعيش فيها الأقليات العرقية في بعض البلدان أمراً مثيراً للصدمة ويقدم صورة قاتمة للغاية حقا. ففي أسبانيا، على سبيل المثال، تعد ظروف الإسكان للمهاجرن المغاربة في إقليم “أندلسية” غاية في الفقر حيث يعانى 75% من المهاجرين من عدم وجود مياه ساخنة، و57% منهم يعيشون في مساكن ذات رطوبة عالية وغير صحية. و45% ليس لديهم مطبخ، و 40% ليس لديهم مياه جارية. وفي هذه الأثناء، يتركز الغجر في مدن الصفيح بنسبة 30% من الأسر التي تعيش في مساكن أقل من المستوى العادي، والتي تفاقمت بسبب سوء المرافق، والاكتظاط وفقر البيئات المحلية.

الأكثر إثارة للدهشة نجده في اليونان، حيث توصف ظروف الإسكان التي يعيش فيها الغجر باعتبارها “حالة طوارئ إنسانية” يعانى الناس فيها من عدم الوصول إلى خدمات الصرف الصحي، والافتقار إلى وسائل التخلص من النفايات ونقص فى المياه والكهرباء، والتمييز المباشر وغير المباشر من قِبل ملاك العقارات.

وعلاوة على ذلك، كثيرا ما تم الإبلاغ عن تعرض مخيمات الغجر للطرد القسري ومداهمات الشرطة. وهناك ظروف سكنية سيئة للأقلية المسلمة في تراقيا (اليونان)، في حين لوحظت مستويات عالية من التشرد في أوساط المهاجرين وطالبي اللجوء، مع أعداد كبيرة من الغجر الرحل وطالبى اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون في بيئات الأراضي المستولى عليها من مختلف الأنواع. وفي سالونيك في اليونان، تم تصنيف 80% من المهاجرين الألبان كمشردين، جنباً إلى جنب مع الآخرين الذين يعيشون في مساكن ذات نوعية رديئة دون وجود الحد الأدنى من المرافق. كما تم تسجل العديد من الأوضاع المعيشية غير المقبولة في مراكز استقبال اللاجئين، مع زحام واكتظاظ مفرط وضعف المرافق الأساسية. وفي إيطاليا، أجمعت الجهات الفاعلة الرئيسية على أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء السياسي يواجهون صعوبات كبيرة في تأمين الإقامة وتمييز من قبل موفري الإسكان العام منخفض الإيجار.

ويعد التشرد والمستويات العالية من الاكتظاظ بمثابة الملامح الأساسية للتاريخ الإسكاني “للمهاجرين، فقد وجد أن 41 % من الذين ليس لهم مسكن ثابت هم من “الأجانب”. وهذا يشمل أولئك الذين يستخدمون المستودعات الصناعية المهجورة، والمنشآت السكنية القديمة التي وضعت على قائمة الهدم، والمستودعات الخالية، والمخيمات. وقد تم تحديد 19 مستوطنة غير مصرح بها في ميلانو، يسكنها الغجر، والمغاربة، والألبان، وغجر الروما.

ولدى جميع أجزاء إيطاليا تقريبا قوانين تكفل مخيمات غجر الجيبسي والسينتي، والتي غالبا ما تكون في المناطق الصناعية، وتعانى من الاكتظاظ بشكل مفرط مع ضعف الوصول إلى المرافق الأساسية العامة، وتتعرض لحملات الطرد العنصرية. وعلى مستوى الدول الأوربية نجد أن 27% من واضعي اليد من المناطق السكنية السابقة هم من المهاجرين المصرح لهم مع وظائف ثابتة، مع وضع أيديهم على هذه المناطق نتيجة العوائق التي تحول دون الحصول على مساكن مستأجرة، بما في ذلك ارتفاع الإيجارات، والتمييز في الأسعار والتمييز المباشر وغير المباشر من قبل ملاك العقارات، ويعيش 73% من العينة من المهاجرين الشرعيين في ظروف مزدحمة ومكتظة.

وفيما يتعلق بجودة السكن، ناقشت إحدى الدراسات الإيطالية مدى توافر المرافق مثل المطبخ، ودورات المياه، ومياه الشرب والمرافق الأخرى، وكانت النتيجة أن أكثر من 15% لم يكن لديهم مياه شرب أو أنظمة تدفئة في أماكن إقامتهم. وفي بعض الأحيان نجد تفاوتاً كبيراً في أنماط حيازة المساكن وظروف الأقليات.

ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، تعتبر مجتمعات الجاليات المسلمة (والتى تشمل مسلمين من باكستان وبنجلاديش) الأكثر عرضة بين الأقليات الأخرى للإزدحام والاكتظاظ وأقل حظا في أن يكونوا من أصحاب المنازل. بل من المرجح أيضا أنهم يعيشون في ظروف سكنية سيئة من حيث عدم الصلاحية لدرجة متردية وخطيرة.

وفي البرتغال، أخذت أنماط مختلفة في الظهور بالنسبة للمجموعات العرقية المختلفة. فقد اتجه المهاجرون الأفارقة إلى بناء منازلهم الخاصة، مع انتشار المساكن العشوائية والأحياء الفقيرة في ظل ارتفاع طفيف في معدلات التشرد، على عكس المهاجرين الأحدث في أوروبا الشرقية الذين يميلون لأن يكونوا بلا مأوى أو في أشكال إقامة مؤقتة، مثل الحاويات المهجورة التى تفتقر لأية وسائل للراحة أو النظافة.

وقد أشارت دراسات حديثة إلى تحسن الظروف السكنية بالنسبة لهؤلاء الذين تم إعادة توطينهم، وتم نقلهم على سبيل المثال من مدن الصفيح الكبرى في ضواحي لشبونة حيث يعد الاكتظاظ وعدم إمكانية الحصول على المياه والكهرباء هي الخصائص الرئيسية. وفى أسبانيا، وجد أن 31% من الغجر يعيشون في ظروف إسكان سيئة وغير آمنة، وترتفع تلك النسبة إلى 94% في بعض المناطق.

البنى المترابطة من الإقصاء العنصري:

تنتج عن أنماط التمييز وظروف الإسكان التي تواجها الأقليات العرقية عواقب كثيرة، وهي مترابطة مع غيرها من أوجه الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وفى مقدمة تلك النتائج ضعف الصحة البدنية والعقلية، وانخفاض مستويات التحصيل العلمي ومستويات الدخل، جنبا إلى جنب مع العديد من الأبعاد الأخرى من الاستبعاد أو الاقصاء الاجتماعي، وكلها ذات صلات محددة مع الظروف السكنية السيئة.

ففي السويد على سبيل المثال سجلت المناطق الحضرية انخفاضا كبيرا في مستويات العمالة والدخل في مناطق الفصل العرقي والعنصري. ويمكن أن يحمل التشرد انعكاسات كبيرة على جوانب الاستبعاد الاجتماعي الأخرى. وهناك القليل من المعلومات التي يتم تقديمها بصفة عامة عن أطفال الشوارع من الأقليات العرقية وتجارب القصّر غير المصحوبين بذويهم فيما يتعلق بالسكن. وبالنسبة للبالغين، سجلت في إيطاليا عواقب وخيمة لعدم وجود مسكن ثابت، خاصة المعاناة من الحرمان من الحصول على الخدمات العامة والخاصة بما فيها الصحة والخدمات الاجتماعية والضمانات ولم يسمح لهم حتى باستخراج رخصة قيادة.

وكانت صعوبة الحصول على تسهيلات الائتمان والرهن العقاري في حد ذاتها حاجزا رئيسيا أمام توفير السكن للإقامة. وبالتالي، فإن أولئك الذين لديهم حقوق قانونية. ولكنهم أجبروا على وضع أيديهم على أماكن ليست ملكا لهم. ومن الممكن أن يتم حرمانهم من هذه الخدمات دون سبب أو مبرر. وفي ايطاليا، يتعرض الغجر بشكل خاص لهذه العقبات فضلاً عن إقامتهم فى أماكن مخيمات معزولة، وهو ما يمثل عوائق أمام المشاركة في العمل والمجتمع المدني.

وفى  أسبانيا تعانى الأقليات العرقية من عدم الوصول إلى البنية التحتية في المدن أو المناطق الحضرية مثل المتاجر والخدمات المحلية وذلك نتيجة تركز الغجر في هوامش المنطقة الحضرية والمناطق القروية؛ وسجلت حالات أخرى من تهميش الغجر من حيث سوء الصحة، والتغذية، والتعليم والفرص والرعاية الاجتماعية فى كل من فنلندا واليونان. وتبرز أيضا القيود الجغرافية وانتشار السكان على نطاق واسع على اعتبار أنها عوائق رئيسية بالنسبة لأقلية السامى SAMI (مجموعة عرقية أصيلة) في فنلندا خاصة في مدى الحصول على الخدمات الاجتماعية، والرعاية الصحية، والوظائف والتعليم. ومع ذلك، يتم التمييز بشكل كبير بين هاتين المجموعتين حيث أن الغجر هم الأكثر عرضة للتمييز والعنصرية مقارنة بمجموعة “السامى”. وعلاوة على ذلك، فإن الصوماليين في فنلندا هم الأكثر عرضة للعداء العنصري مقارنة بغجر الروما. ويعد غجر الجيبسيGypsies  والرحل هم أكثر المجموعات المعرضة للمخاطر الصحية، مع أدنى توقع للحياة وأعلى معدلات وفيات الأطفال. ويرتبط ذلك فى المملكة المتحدة ارتباطاً مباشراً بسوء الأحوال المعيشية والسكن في أماكن غير قانونية. ويترك عدم وجود مواقع وأماكن للاستقرار دورا مؤثرا في تعليم أطفال الرحل، ويخلق صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى.

ويعطينا مثال من أيرلندا حجم التأثيرات السلبية للعيش في مواقع خطرة وغير صحية بشكل مباشر أو غير مباشر على نوعية الحياة وأيضا في خلق العوائق والصعوبات للرحل في الحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، والرعاية الاجتماعية وغيرها من الخدمات.

وعلى الرغم من أن الأدلة ليست مقدمة دائما من كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، فإن مثل هذه الروابط من المرجح أن تكون جيدة بالنسبة للآخرين من الرحل، والغجر، والروما والسينتي، فضلا عن مجموعات المهاجرين الأخرى التي تعيش في مدن الصفيح، واللجوء للسكنى في أشكال أخرى غير آمنة وغير كافية من المساكن. وبالنسبة لطالبي اللجوء، ثمة من يقول فيما يتعلق بأيرلندا أن مراكز استقبال الفقراء، والعيش فى مساكن دون المستوى، والعزلة الاجتماعية، كلها عوامل تحد من قدرتهم على أن يصبحوا مستقلين أو مشاركين بشكل كامل في الساحات الثقافية، السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية.

وعلاوة على ذلك، اقترحت المنظمات غير الحكومية أن التخصيص والتوزيع المباشر للسكن بالنسبة لطالبي اللجوء يسهم في الاستبعاد الاجتماعي والانعزال عن المجتمعات المحلية، سواء كان انعزالاً نفسيا أو مادياً. وفي النمسا، قد لا تؤدى الممارسات الاستيطانية لطالبى اللجوء إلى تفاقم فرص استغلالهم من قبل “المضاربين” في سوق الإسكان غير القانوني فحسب، بل قد تقيد فرص العثور على عمل، أو الذهاب إلى المدرسة، أو الحصول على الخدمات الاجتماعية. وبالنسبة للاجئين في أيرلندا، ينظر إلى التجارب الإسكانية ونظام بدلات الإيجار باعتبارها بيئة خاضعة للفقر تحول دون الدخول في سوق العمل (إذ يشمل ذلك التضحية بالفوائد).

وهناك اعتراف بحق السكن باعتباره عاملا مساهما في الاضطرابات ذات الصلة “العرقية” في المناطق الحضرية التى نشبت في المملكة المتحدة في عام 2001، ويشمل ذلك الاعتراف بأن عوائق السكن هى جزء لا يتجزأ من أنماط واسعة من الحرمان والفقر والانقسام الاجتماعي (Kundani 200.

ففي فنلندا، ثبت وجود علاقة بين الإسكان المتدني، والفقر، والتهميش، والاقصاء والاستبعاد الاجتماعي والطبقي. وفي الوقت نفسه، كان هناك اتفاق في السويد، على أن مكان السكن يعد عاملاً حاسماً فى التنشئة الاجتماعية والتفاعل مع الأطفال والكبار، فالمواقع السكنية الفقيرة للمهاجرين ذات آثار بالغة الضرر. وبغض النظر عن الروابط المباشرة الحقيقية بين الإسكان والأشكال الأخرى من الحرمان، فإن الروابط المتصورة أو الأسطورية قد تؤدي بنفسها بشكل غير مباشر إلى زيادة الحرمان والتمييز. كما أن الصور والتصورات عن الظروف السكنية للأقلية العرقية، والأحياء السكنية، والروابط المفترضة مع الجريمة، والعنف والاتجار في المخدرات، يتم النظر إليها جميعا باعتبارها بيئة مثالية للعداء وأشكال الاستبعاد الأخرى.

فعلى سبيل المثال، فإن البنوك دوماً ما تكون أقل ميلا لتقديم القروض الائتمانية، كما أن أصحاب الأعمال سيكونون أقل ميلا لتوفير فرص العمل للأقليات العرقية، والمجتمعات المحلية ستكون بدورها أقل ميلا لتوفير بيئة سالمة وغير مهددة لهؤلاء من غير سكان الأغلبية.

وفى حالة البرتغال، تتشابه تلك النتائج مع أولئك الذين يعيشون في مدن الصفيح والذين تم إعادة تسكينهم. فغجر الروما واللاجئون من غينيا وموزمبيق يعانون من تلك التداعيات السلبية وإن لم يكن لدى المهاجرين من أنجولا وسان تومى تلك الرؤية. ويشير ذلك المثال إلى احتمالية وجود تصورات مختلفة للمجموعات العرقية أو الأحياء السكنية للغرباء، والمفاهيم المختلفة للاستبعاد عبر مجموعات الأقليات. إذ لا تعيش كل أسر الأقليات العرقية في مساكن فقيرة أو سيئة، كما تغلب العديد منهم على العوائق المفروضة أمام فرص الحياة. وليسوا جميعا شريحة واحدة أو ضحايا عاجزين عن تطوير استراتجياتهم الإيجابية الفردية أو الجماعية.

ومع هذا وعلى الرغم من وجود بعض الإمكانات الإيجابية إلا أن هناك أنماطا ونظما للتمييز والحرمان في مجالات الإسكان، مما يُرجح التعامل السلبى مع أسر الأقليات العرقية مقارنة بأسر الأغلبية. ومن المؤكد أن هناك دليل للانتشار الواسع للتمييز المباشر وغير المباشر. وفيما يلى بعض السمات الرئيسية التي من المرجح أن تكون موجودة في كثير من البيئات المختلفة في جميع أنحاء أوروبا.

  • استمرار الصعوبات التي تواجهها جماعات غجر الروما والرحل وغجر السينتي.
  • أنماط متغيرة من الاحتياجات السكنية للأقليات العرقية، مع تنوع عبر هذه المجموعات فى الملكية واستراتيجيات الأسر وظروف معيشتها.
  • سوء ظروف نوعية المساكن والأحياء السكنية، وعدم الوصول إلى المرافق الأساسية.
  • مستويات عالية نسبيا من التشرد، ومستويات مفرطة من الاكتظاظ أو الازدحام مقارنة بالأسر الأخرى.
  • الوضع السكني غير الآمن والتعرض للخطر، والتمييز، والاستغلال عن طريق رفع الإيجارات أو غيرها من التكاليف.
  • ضعف الصحة البدنية والذهنية، ومستويات أقل من التحصيل العلمي، وارتباط مستويات الدخل بسوء أوضاع السكن أو المواقع السكنية.
  • تهميش طالبي اللجوء في الظروف السكنية، التي تحد من فرص العثور على عمل، أو الالتحاق بالتعليم المدرسى أو الحصول على الخدمات الاجتماعية.
  • المساوئ الهيكلية، حيث تؤثر الظروف المادية الأخرى لمجموعات الأقليات العرقية على إمكانات وفرص السكن.
  • تحسن بطيء في أنماط الإسكان بمرور الوقت.

الاستبعاد والتمييز في التعليم، حالة الغجر

لا يزال تلاميذ الغجر والرحل يخضعون للتمييز والاستبعاد المباشر فى الخدمات التعليمية، وذلك بسبب مجموعة متنوعة من العوامل المتداخلة بما في ذلك ظروف الحياة السيئة، وبشكل خاص ارتفاع معدلات البطالة، والظروف غير اللائقة للسكن وقلة فرص الحصول على الخدمات الصحية. في حين أن بعض الدول الأعضاء قد أدخلت عناصر ثقافية وبين ثقافية في استراتيجيات التعليم والمبادرات التي تتناول الأقليات والمهاجرين، بما فيها الغجر والرحل، وإن كان من الواضح ضرورة إدخال مزيد من التغييرات الشاملة لتصحيح الوضع الحالي (FRA 2006b: 6).

وهناك تاريخ طويل للمعاملة التمييزية للغجر والرحل، سواء من جانب الدول أو المجتمعات المدنية، وهو ما جعل هذه الجماعات والفئات أكثر تأثرا بالعنصرية في أوروبا. ودوماً ما كان التهميش والتمييز والاضطهاد بمثابة الخصائص المحددة للحياة الاجتماعية للغجر منذ دخولهم لأوروبا في القرن الرابع عشر.

وبعد الحرب العالمية الثانية عملت الحكومات الاشتراكية في وسط وشرق أوروبا على بذل جهود ثقافية متضافرة لاستيعاب وتوطين السكان الغجر. وعلى الرغم من أن السياسات الاجتماعية قامت بتحسين الظروف عن طريق زيادة فرص الحصول على التعليم و التوظيف، ألا انهم فشلوا في المساواة بين غجر الروما وبقية السكان، ولا فى توفير فرص العمل التي لم يكن معظمها يتطلب مهارة، وانخفاض الأجور رغم الأعمال التى تتطلب جهدا بدنيا، ومستويات متدنية من التعليم أدت جميعها إلى تهميشهم في سوق العمل، وبالتالي أضعفت إمكانية حصولهم على إسكان، أو صحة وتعليم مناسبين فضلاً عن تعرضهم للعنصرية والتمييز بشكل علني. وفي تسعينات القرن العشرين عادت مناهضة الغجر (راجع الفصل الأول) إلى الظهور في الدول الأوروبية التي كانت تواجه احتمال زيادة عدد طالبي اللجوء من الغجر. وفي الوقت نفسه، فشلت دول وسط وشرق أوروبا في معالجة الأسباب الكامنة وراء الأعداد الكبيرة من الغجر الراغبين في النزوح منها ( FRA 2006 b).

ولا تقدم المدارس شيئا يذكر عن ثقافات وتاريخ ولغة الغجر أو عن المساهمات الفنية التي أدخلوها إلى المجتمعات التي يعيشون فيها  (ERR c 2008, OSI 2009). وأغلب سكان الغجر في أوروبا هم من الشباب بنسبه كبيرة ، وذلك نتيجة ارتفاع معدل المواليد وتناقص أمد الحياة (العمر المتوقع عند الميلاد).

إضافة إلى ما سبق، فإن قيد وحضور تلاميذ غجر الروما في التعليم الابتدائي منخفض في الدول الأوروبية، كما أن تغيب تلاميذ الغجر عن المدرسة  مشكلة مستمرة شائعة وخطيرة وتؤثر على جميع تلاميذ الغجر والرحل. كما أن انتقال تلاميذ الغجر إلى التعليم الثانوي منخفض ومعدلات التسرب تزيد مع تقدم العمر، نتيجة هجر المدرسة بحثاً عن فرصة عمل ونتيجة تدني مستويات التحصيل العلمي.

وينتج عن التمييز غير المباشر في قبول تلاميذ الغجر فى المدارس تطبيق تفاضلي للوائح البيروقراطية التي تتطلب أوراقا رسمية عن حالة الإقامة أو الوثائق الأخرى التي لا تتاح بسهولة للغجر، كما ينتج عن أساليب التمييز المباشر رفض السلطات المدرسية كشوف إلحاق أطفال الغجر والرحل بالفصول الدراسية (FRA 2006b).

كما يوضع تلاميذ الغجر والرحل في فصول أقل من فئتهم العمرية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم انتظامهم فى الحضور، وإلى الفشل الدراسي، أو التخلي المؤقت عن الدراسة، كما وجد أيضا، أن هذا يحول دون الاندماج مع مجموعة الزملاء، وله تأثير محبط ومن الممكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس. وتستمر هذه الممارسات الرسمية وغير الرسمية لعزل أطفال الغجر والرحل. على الرغم من أن العزل المنهجي لتلاميذ الغجر فى فصول مستقلة لم يعد موجودا كسياسة تعليمية، إلا أن التمييز العنصري ما يزال يُمارس من قبل المدارس والهيئات التعليمية بأشكال مختلفة وغير مباشرة في معظمها، وتأتي في بعض الأحيان كأثر غير مقصود للسياسات والممارسات الرسمية، وأحيانا تأتى نتيجة العزل السكني.

وما يزال العزل يجد لنفسه مكانا داخل الفصل الدراسي، عن طريق جلوس تلاميذ الغجر في جزء منعزل من الفصل. وأيضا تم عمل الترتيبات لتعليمهم في غرف منفصلة داخل نفس المدرسة (باتباع نفس المنهج أو صيغة معدلة منه). ومن المعلوم أن أى شكل من أشكال العزل لفترة طويلة، حتى مع هدف تحسين التحصيل العلمي له عواقب اجتماعية وتعليمية سلبية. ومن الملاحظ أن مشاكل الأداء الدراسي التي تنسب خطأ إلى افتراض وجود سمات “عرقية” أو “ثقافية” إنما تعزز من الصور النمطية السلبية وتدعم من إطلاق “تسميات” سلبية على التلاميذ بشكل جماعي وليس على أساس تقييم موضوعي لأداء كل منهم. ولهذه الحالات التي يشتمل فيها هذا العزل على وضع مثل تلك الفصول في مختلف المباني الدراسية آثار سلبية أكثر حدة. ويمكن للمدارس والسلطات التعليمية فصل التلاميذ تحت ذريعة “احتياجاتهم المختلفة” أو كرد فعل على القضايا السلوكية وصعوبات التعليم.

ويمكن أن تؤدي صعوبات التعلم إلى تحويل تلاميذ الغجر إلى “مدارس خاصة” للمعاقين ذهنيا، والتي لا تزال ظاهرة مثيرة للقلق في بلدان مثل المجر، رومانيا، سلوفاكيا، وجمهورية التشيك.

وفي بعض البلدان، يتم إرسال أكثر من نصف أطفال الغجر إلى مدارس المعاقين ذهنيا حيث يحرمون من الحق في التعليم العادي ويخرجون بوسمهم “أغبياء” و”متخلفين”. على هذا النحو، يعيشون حياة كبارهم غير المتعلمين، العاطلين أو الذين عملو بالوظائف الوضيعة والمنخفضة الأجر، غير قادرين على تحقيق حقوقهم الأساسية وحرمانهم من الكرامة الإنسانية الأساسية. وعلى الرغم من أن بعض البلدان قد حاولت إعادة النظر في شروط التوظيف (مثل جمهورية التشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا) مع بذل جهود من أجل تجنب ذلك، قد يكون هناك حوافز غير مباشرة للآباء والأمهات الذين يفضلون واقعيا التعليم فى الفصول الخاصة، من أجل تجنب الجهد والانضباط التي تتطلبها المدارس العادية.

وهناك أيضا أنماط واسعة واضحة من المواقف المعادية للغجر فيما يتعلق بالتعليم. ففي بلغاريا أعرب 86% من المشاركين في استطلاع للرأي قامت به مؤسسة  ” جالوب Gallup ”  في عام 2005 أنهم لايريدون لأبنائهم أن يحضروا في مدرسة أكثر من نصف أطفالها من غجر الروما. وهذا يفسر بشكل جزئي فشل الحكومة في تنفيذ برامج الدمج العنصري في المدارس. وفي المجر، أفادت التقارير العامة أن المواقف العدائية تجاه الغجر بلغت 37% في عام 2003 وعلى الرغم من تناقصها ألا انها لا تزال مؤثرة في قسم كبير من المجتمع المجري. وفي رومانيا، أظهرت الأبحاث التي أجراها المجلس الوطني لمكافحة التمييز في عام 2004 مستوى كبير من التمييز فيما يتعلق بالتوظيف والهيئات الإدارية والمدارس.

وفي صربيا، تم تحديد التمييز على أنه أحد العقبات الرئيسية التي تحول دون المساواة في فرص التعليم للغجر. وفي مقدونيا، يشير تقرير اليونيسيف حول “تحليل وضع نساء الغجر” على أن 80% من الذين شملهم الاستطلاع لديهم صور نمطية سلبية عن الغجر (OSI 2009).

وفي سلوفاكيا، لا يزال الفصل الفعلي للتلاميذ من الغجر في مدارس خاصة موضع انتقاد من جانب المنظمات الدولية. حيث يتم وضع ما يقرب من 80% من أطفال الغجر في المؤسسات المتخصصة ولا يتمكن سوى 3% منهم من الوصول إلى المدارس الثانوية. وفي رومانيا، تم وضع أطفال الغجر بطريقة ممنهجة في المدارس ذات المعايير الأدنى من غيرها، أو تم إبعادهم في الجزء الخلفي من الحجرة الدراسية أو وضعهم في فصول منفصلة. وفى المجمل فإن نحو 70% من تلاميذ ” الغجر” تعلموا في مدارس كانوا هم تلاميذها فقط حيث تلقوا فيها تعليما قليل الجودة. وفي بولندا، ما تزال هناك فصول منفصلة للغجر في المدارس الابتدائية، على الرغم من اعتراف الحكومة بضرورة القضاء على هذه الممارسات. ويواجه أطفال الغجر تمييزا في الحصول على التعليم في روسيا وعدد من دول غرب أوروبا. وقد اتخذت بعض البلدان بالفعل خطوات ملموسة لإدماج أطفال الغجر في فصول التعليم العادى المنتظم، ففي بولندا، تم ارسال أطفال الغجر إلى فصول مستقلة بحجة أنهم لا يتحدثون البولندية، على الرغم من أن كثيرا منهم كانوا يتحدثونها بطلاقة. وقد تعهد وزير التعليم البولندي بأن يبدأ العام الدراسي 2008-2009 دون أن يتم فصل تلاميذ الغجر في فصول منفصلة.

ويعد إدماج تلاميذ الغجر في المدارس العادية أولوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، والذي اعترف بوجود علاقة وثيقة بين التعليم المتدنى للغجر نظرا لعزلهم أو زيادة تمثيلهم في المدارس الخاصة من ناحية، وتهميشهم وفقرهم من ناحية أخرى. (FIRRC 2008)

الاقصاء والاستبعاد في المملكة المتحدة وأوروبا

يحقق الغجر والرحل نتائج سيئه للغاية فى كثير من أوجه المساواة، خاصة أمد الحياة، الصحة، التعليم، المشاركة السياسية، التأثير السياسى، الهوية، التعبير، احترام الذات، والضمان القانونى. وعادة ما يعبر عن التغطية الإعلامية والعداء على نطاق واسع بما يضمن مواقف عدائية ضد الغجر فى كثير من الأحيان مقارنة بالجماعات الأخرى. كما لوحظ وجود تجريم لهذه المجموعات العرقية مرافقاً للعديد من الحالات البارزة والنزاعات, بما فيهم أولئك الذين تم تجريمهم لكونهم مشردين (حيث أن هؤلاء الذين يعيشون فى المجتمعات غير المصرح بها يصنفون قانونياً فى كثير من الآحيان كمشردين)، فضلاً عن تجريمهم لاتباع طريقة حياه بدائية، أو عقابهم جماعياً على جرائم ارتكبها أفراد بعينهم, حيث يتم طرد المستوطنة كلها بسبب سلوك بعض أفرادها.

وقد اضطر كثير من عائلات الغجر والرحل إلى مغادرة الأراضى التى يمتلكونها ووجدوا صعوبة متزايدة فى ايجاد أماكن للسكن المؤقت، والتى أدخلتهم فى صراع أكبر مع أشخاص آخرين وعديد من  المؤسسات المحلية.

ومع تناقص المواقع التى تسمح السلطة المحلية فيها لإقامة الغجر والرحل ونمو عدد سكانهم فيها، ارتفعت نسبة أولئك الذين يعيشون فى مواقع  غير مصرح بها إلى 30 %. وفي أحيان كثيرة لا يوجد لهم مكان ليتوقفوا فيه وينصبوا فيه إقامتهم المؤقتة، فيضطرون فى بعض الأحيان الى احتلال الأماكن العامة، وهو ما يكون له تداعيات كبيرة ضارة بالصحة عليهم, ويؤدى إلى ارتفاع معدلات الوفيات بينهم وتناقص فرص التعليم والوصول إلى سوق العمل.

وقد قدمت دراسة كيملين وكلارك  (Cemlyn & Klark 2005) موجزا مفيد للغاية لنمط من أنماط الإقصاء الاجتماعي الذي تواجهه هذه المجموعة. وقد أكدت هذه الدراسة على أن هناك نقصا حادا فى البيانات الوافية عن هذه المجموعة فيما يتعلق بالفقر وموقفهم فى سوق العمل، وأن الحكومات المتعاقبة والدراسات البحثية فشلت فى تحديد طبيعة ومدى الحالة الاقتصادية لهذه المجموعة، وانتقلوا الى معالجة القضايا فى سياق وطنى لمكافحة الفقر واستراتيجيات الإدماج الاجتماعي. ومع ذلك، بدأت وحدة الاستبعاد الاجتماعي، ومعهد بحوث السياسات العامة، ولجنة المساواة العرقية المتوقف عملها حاليا، فى تسليط الضوء على هذه المجموعه فيما يتعلق بالعنصرية وعدم المساواة العرقية.

ويجد كثيرون أن مجرد كون المرء غجرياً أو من الرحل ويفتقد مهارات القراءه والكتابة الأساسية، فإن ذلك يحول دون حصوله على الوظائف الرئيسية ذات الأجر أو فرص التدريب للحصول على عمل. ومع ذلك، أظهرت الأبحاث وجود مستويات من التمييز والحرمان للاستفادة من الضمان الاجتماعى لهؤلاء الذين غالبا ما يكونوا من البدو الرحل، مع وجود بعض الأدلة على اتباع أساليب مراقبة أمنية تستهدف الغجر والرحل، حيث تفترض هذه الأساليب أنهم حصلوا على منافع بأساليب احتيالية، لذلك تحرم الأسر من المنافع الاجتماعية تحت دعاوى (لا دليل لها) على قيامهم بأساليب من الغش والاحتيال (Cemlyn and Clark 2005 153).

وعلى المستوى الوطني فى الدول الأوربية، كما هو الحال بالنسبة إلى الأقليات الأخرى، كان هناك مجموعة من كل الأحزاب البرلمانية من النواب والجهات المعنية الأخرى الداعية إلى الدفاع عن حقوق الأقليات بشكل وثيق مع أعضاء وممثلي تلك الأقليات ويسعى إصلاح قانون الغجر والرحل من كل الأحزاب بالمجموعة البرلمانية بدعم الاندماج الاجتماعي للرحل وتحسين العلاقات بين المجتمع المستقر ومجتمع الرحل ( LAW et al . 2008 ) . وهناك تزايد ملحوظ في عدد المنظمات غير الحكومية النشطة في هذا المجال والتي تتحدث باسم الغجر. وكان أهم نتائج تلك الأنشطة صدور مبادرة “عشر سنوات لاندماج الغجر 2005-2015” وهي مبادرة أطلقت فى 2005 مدعومة من معهد المجتمع المفتوح (OSI) والبنك الدولي (انظر أيضا Trehan and Kocze, 2009).

ويمكن أن يكون بناء التحالفات في كثير من الأحيان عملية هشة وصعبة، ومن أقدم المجموعات التي تجمع تحالفاً للغجر “الاتحاد الدولي للغجر”.

خطة عمل الاتحاد الدولي للغجر  2009-2019

  1. التأكيد على التمييز الإيجابي في مجال العمل لرفع المكانة الاقتصادية ـ الاجتماعية وتحسين ظروف الحياة للشعوب الغجرية عن طريق تأمين مليون فرصة عمل للغجر في جميع أنحاء أوروبا بحلول علم 2019.

  2. تمكين الأطفال الغجر من تحقيق إمكانياتهم الحقيقية في مجال التعليم من خلال توفير الدعم الكافي لمليون طفل وشاب غجري للدخول والاستمرار والتخرج من مراحل التعليم بنجاح.

  3. القضاء على جميع أشكال استغلال الغجر بنهاية عام 2019 للتخلص من الصدمات النفسية التى يتعرضون لها، والحد بنسبة 15-20% من الإتجار بالبشر بشكل خاص الأطفال والنساء، فضلاً عن تخفيض الاستغلال في العمل بنسبة 20-25% وتقليل 25-30% من نسبة الصدمات والمعاناه التي يتعرض لها أطفال الغجر في بيئات مؤسسية.

  4. زيادة نسبة حصول الغجر على الخدمات الصحية والإسكان بنسبة 20% وتوفيرها بحلول 2019.

  5. زيادة نسبة مشاركة المرأة الغجرية بنسبة 15-20% في جميع أوجه الحياة الاجتماعية- الاقتصادية والسياسية.

  6. بحلول نهاية عام 2019 يجب خفض الأنشطة الموجهة ضد المجتمع والأنشطة الإجرامية التي يشارك بها شعب الغجر بنسبة 20-25%..

  7. زيادة بنسبة 20-25% في الحصول على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاجئين، والغجر، والمهاجرين والمشردين بحلول عام2019.

  8. إتاحة إطار عمل لتوحيد لغة الغجر والحفاظ على اللهجات الأصلية بحلول عام 2019.

  9. تشجيع وكفالة الموارد البشرية المؤهلة للعمل في مجالات محددة من خطة العمل لبناء أمة الغجر.

  10. سيصبح الوصول إلى الأولويات والحقوق التي تم تحديدها أعلاه بمثابة الأساس لكل من الاندماج الاجتماعي وبناء الأمة الغجرية من خلال تأسيس رأس مال اجتماعى عبر أسواق فاعلة ومستدامة، وعلاقات اجتماعية وهرمية متضامنة مع التيار الرئيسي للمجتمع الأوروبي.

بيت الجغرافيا