التاريخ القديم للعنصرية

2020-02-28T14:50:22+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الأول من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

التاريخ القديم للعنصرية

يسعى الكتاب الذي بين أيدينا ليمنحنا الإلهام  للرد على هذا التحدي الكوكبي، إذ كانت آخر محاولة لتعريف تلك الأشكال المتعددة والمختلفة للعنصرية على مستوى العالم فى المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية والذي عقد فى مدينة دربان عام 2001 والذي شارك فيه أكثر من 4000 منظمة غير حكومية وأكثر من 250 دولة، وقد اهتم الجميع فى هذا المؤتمر بتسمية العنصرية فى سياقاتها الإقليمية والوطنية والمحلية. وقد نشأ صراع وخلاف حتمي بسبب المطالبات المتنافسة من أجل الاعتراف والتعويضات، كما هو الحال بالنسبة للعبودية الأطلسية (تجارة الرقيق من إفريقيا عبر الأطلسي إلى العالم الجديد)، والاستغلال المفرط للسكان الأصليين. إلا أن هذا الحدث قد أظهر مدى التعقيد والتباين الهائل للطرق التي تعمل من خلالها أفكار السلالة والعنصرية عبر العالم. ومن أجل فهم لماذا وكيف أصبحت العنصرية مصدراً ملحاً للاهتمام العالمي نحتاج لبحث الطرق التاريخية التي أظهرتها إلى حيز الوجود.

وتمثل الأصول المعقدة والسلطة المستمرة والتحيز السلالي المحور الرئيسي لهذا الفصل. فقد اتخذت الأفكار العرقية أشكالاً مختلفة في أماكن متباينة وتم حشدها لتنفيذ الغزو والهيمنة الإمبريالية ولسرد قصص الإعتاق والتحرير.

وسوف ينظر هذا الفصل أولا بعين الاعتبار لتطور سجلات التفكير السلالي, وأفكار الأصول السلالية وذلك بهدف وضع تقسيم بين المجموعات البشرية. وستتم مناقشة مصادر وسجلات المعرفة لبواكير فترة ما قبل الرأسمالية والسياقات الخاصة بالتفكير السلالي، مع الاهتمام بالأشكال المختلفة للتصنيفات السلالية البيضاء والسوداء والصفراء والإسلامية والسامية والغجر. وسوف نولي اهتماما خاصا لتطور كل من الأشكال الأوروبية للتفكير العرقي، والنظم العرقية للفكر الناشئ من سياقات إقليمية أخرى مثل الصين واليابان.

ثم سنعرج على دراسة العلاقات بين كل من الاستعمارية والإبادة الجماعية، والرأسمالية التجارية، والعبودية الزراعية،  وتحديد  تلك العلاقة المعقدة والمتشابكة بين كل من السلالة والتوسع الاستعمارى، وظهور الدول القومية وتكوين الحداثة القائمة على العنصرية، كما أن استراتيجيات الإبادة الجماعية فى كل من إفريقيا واستراليا سوف تقدم كدراسة حالة.

وبعد ذلك سنقدم دراسة القوى التقدمية للسلالة الساعية إلى تعبئة المجموعات فى سياق نضالات المقاومة، والإعتاق والتحرير، كما هو الحال بالنسبة لمقاومة العبودية، والقومية الأفريقية، ورابطة الوحدة الأفريقية، ورابطة السود. وكذلك سوف نسلط الضوء علي تلك الإسهامات التى قدمها إدوارد بلايدن ودي بويه وفرانتز فانون فى تلك المجادلات.

ومن ثم فإن هذا الفصل من شأنه أن يمدنا بمعلومات عن الأساس التاريخي فى التكوين العالمي للتفكير السلالي، ويقدم كذلك التعقيد الخاص بالتفكير السلالي وقدرته على إشاعة كل من العنف الجماعي والمقاومة الجماعية.

 الجذور العالمية المعقدة للسلالة

كما انبثقت الحضارات والمجتمعات على مستوى العالم، فإن الأفكار المتعلقة بالسلالة أصبحت تمتلك ما يكفى من التطبيق العملي لمساعدة الشعوب على فهم مكانتهم الاجتماعية والحضارية. أما التاريخ والأصل، فقد تكشف الأمر عن خضم هائل من المعانى المختلفة، (راجع Hannaford,2004:5)، والذى انبثق منه الفهم المحورى الذى يشار إليه باسم “خطاب النسب السلاليRhetoric of Descent “.

ويتطلب تحديد الفوارق السلالية العديد من المحددات مثل: التسمية، التصنيف، وسمات البشر، والمستويات الحضارية، القدرات العقلية والبدنية، الثقافات والتقاليد الجنسية و/أو القرابة البيولوجية. وهذه المحددات تتضمن بناء الأساطير بأشكال عديدة، هذا وتعتبر قدرة العلوم الطبيعية على تحديد الحقيقة أو الدقة بالنسبة لتلك الأساطير محل شك كبير، كما سيكشف ذلك الفصل الثاني من هذا الكتاب بصورة أكثر تفصيلا. فالأساطير السلالية غالبا ما ينظر إليها على أنها حقائق واضحة مُسلم بها فى العديد من المجتمعات.

وتتألف الأفكار السلالية من العديد من الأشكال، والعناصر، والاستراتيجيات المنطقية المختلفة، ويهتم هذا الفصل بكشف الطرق التى تعمل بها بعض من هذه العمليات. هذا وتتشابك العلاقة بين الأفكار الخاصة بالسلالة مع أفكار روابط الدم، والقرابة، والأصل ، والنسب. وأصبحت المجتمعات تستخدم هذه الافكار فى تصوير وصناعة كل من التسلسل الهرمي للاختلاف والانتماء. كما تم تحديد الأشكال المتفاوتة للبنى الصاعدة للون والسلالة في العديد من مجتمعات ماقبل الحداثة بما في ذلك مجتمعات الإمبراطورية اليونانية-الرومانية ومجتمعات شرق آسيا.

تشكيل التفكير السلالي فى أوربا والشرق الأوسط

العنصرية التقليدية

فتح تطور الرأسمالية التجارية المجال لتطور الدوائر العالمية الرئيسية للعلاقات الإنسانية القائمة على العنصرية، كما هو الحال بالنسبة للعبودية الأطلسية، إلا أن التفكير السلالي له جذور أكثر عمقا، مع أهمية التسليم بأن ما قبل الرأسمالية، وما قبل العنصرية الحديثة فى أوروبا وغيرها من الأماكن قد كان لها أيضا تأييد قوي ( Delcampagne 1983,1990). ومن ثم فإنه ينظر الى الخطاب العنصرى الحديث على أنه يستند إلى ويتطلب عناصر من النقاشات الأقدم التى حددت فى كتابات الفلاسفة القدماء وعلماء اللاهوت في القرون الوسطى. هذا ويجادل ديلكمبان Delcampagne 1990 فى أن التفوق “الطبيعى” للثقافة الهيلينية له علاقة بكل من “البربر” الخارجيين، والتقسيمات الداخلية “الطبيعى” بين الملاك من الذكور اليونانيين البالغين والنساء والعبيد، وكلاهما يتضمن الاشتقاق من السمات الثقافية لمجموعة ما من واقع خصائصها البيولوجية. إضافة إلى أن أرسطو قد ناقش طبيعة كل من السلالة الهيلينية وغيرهم من الناس، وقد كان هناك دليل قوى للرمزية اللونية فى كل من الحضارتين الرومانية واليوناية القديمة، حيث ارتبط التحيز للون الأبيض بالقيم الإيجابية، بينما اقترن اللون الأسود بالموت والجحيم. وقد ذهب البعض إلى أن هذا التصنيف الاختزالي لاستنتاج ثقافات الناس من واقع سماتهم الطبيعية (الجسمانية) لم تكن عنصرية أو سلالية على وجه التحديد، لأنها كانت تطبق على العديد من المجموعات المختلفة التى لم تكن محددة بمصطلحات عرقية (Goldberg 1993).

ولا يعد التركيز على الثقافات المختلفة للأقليات والمهاجرين بمثابة العنصر الأساسي للعديد من أشكال الخطابات العنصرية المعاصرة، بل صار إنكار العنصرية فى الإمبراطورية اليونانية الرومانية مرفوضاً بشدة فى الأعمال البحثية الحديثة.  وفى الكتاب الذى قدمه بنيامين إسحاق عام 2004 والمعنون “ابتداع العنصرية فى العصر الكلاسيكي القديم” تم تقديم عدد من الفرضيات الرئيسية، إذ ربط إسحاق العنصرية البدائية بخصائص السكان والتى حددت بفعل الجغرافيا، مع تحديد هرمى من خلال روابط الدم أو النسب لأبناء البلاد الأصليين، وهى المثبتة  فى كتابات بطليموس السكندرى. كما أنه قد طرح فرضية أن اختلاط الأنساب بمقدوره أن يفسد  نقاء النوعيات الإنسانية ، كما جادل بشأن الأصول المحسنة للنسل فى كتابات كل من أفلاطون وأرسطو والتى كان ينظر إليها على أنها ضرورية لكى يبقى التفوق العرقى للطبقة الأعلى، وقد اعتمد هذا العمل على الترويج لتحسين النسل خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد شاع أمر تصنيف الناس وفقا للملامح الطبيعية الخارجية واستنباط سماتهم الشخصية وأقدارهم على هذه الأسس. فعلى سبيل المثال فإن بليني الكبير قدم رواية عن “الأجناس البشعة” فى القرن الأول الميلادى.

مناهضة اليهودية و معاداة السامية

وقد ترسخ أيضاً في الإمبراطورية الرومانية العداء لليهودية. فعلى سبيل المثال كانت هناك مذابح ضد اليهود وأعمال شغب في الإسكندرية في زمن الإمبراطور كاليجولا وكان كل من الرومان واليونانيين يرفضون منح اليهود حقوق المواطنة (Laquer 2006:41). وبحلول القرن الخامس تشتت اليهود في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، فقد أصبحوا بعد ذلك هدفا لعمليات تشويه وعداء من قبل الكنيسة المسيحية، فتلقى عليهم لائمة تهمة قتل السيد المسيح، وتعرضوا لأعمال عنف جماعية على يد الصليبيين في جميع أنحاء أوروبا، وكذلك فقد تعرضوا لعمليات تشريد جماعي من الأراضي الإنجليزية (1288-9012)  وقد اتضح ذلك بصورة خاصة فى كل من أسبانيا، والبرتغال، وبوهيميا(تشيكيا)، وإيطاليا، فى أواخر  العصور الوسطي (Poliakov 1975). وبحلول القرن السادس عشر (1500) اختفى الوجود الراسخ لليهود من مساحات كبيرة من غرب أوروبا (Edwards 1994). إذ تطور العداء الديني لليهودية بمدى واسع من العنف والتمييز إلى عداء علماني للسامية في سياق الحداثة وبزوغ القوميات وإلقاء الضوء على أفكار الاختلافات العرقية (bauman 1989) (راجع كذلك الأجزاء الخاصة بموضوع الفلسطنة palestinianisation، فى الفصل الخامس، ومعاداة السامية المعاصرة فى الفصل السادس)

العنصرية فى الشرق الأوسط

لقد اعتقد العبرانيون القدماء أن التهجين بين مختلف الأنواع الطبيعية أمرا مقيتا، وقد رأوا أن ذلك من شأنه أن يؤدى الى تطور سلالة من العمالقة المتوحشين، وهو ما كان واضحا بشكل مفصلي فى لعنة حام “The Curse of Ham”، (فى إشارة الى قصة حام ابن نوح، والتى ذكرت فى سفر التكوين، الإصحاح التاسع، الآيات 18-25. زعما بأن الله قد لعن الأفارقة السود بالعبودية الأبدية، وقد استخدم ذلك كأحد أعظم المبررات للعبودية على مدى الآف السنين (Goldenberg 2003). ومن هنا فإن العبرانيين قد ربطوا بين الأمم السوداء وبين أفكار العبودية وعبادة الأوثان واللعن. فاستخدام اللون الأسود كاستعارة للشيطان قد وجد فى كل فترات الأدب اليهودى، وكما جادل دافيد جولدنبرج فى موضوع تصنيف البشر وفقا للون البشرة فإن هذا التصنيف موجود عند اليهودي والمسيحي والمسلم فى نصوص كتبهم المقدسة بدء من القرن السابع الميلادي. وينظر الى أبناء نوح على أنهم يمثلون ألوان البشرة الثلاثة لسكان العالم، مع إشارة لتدنى ووضاعة اللون الأسود. وقد أكد برنارد لويس فى 1971، على وجود الهويات القائمة على الرمز اللونى وما يتعلق بها من أشكال التمييز في الشرق الأوسط خلال مرحلة ماقبل الحداثة وهو ما أصبح أكثر رسوخا فى سياق الغزو الاسلامى فى كل من إفريقيا وآسيا وما ارتبط به من عمليات الاستعباد. وهذه الأطروحات تدعمها آراء بعض المؤرخين مثل فرانك سنودون1970 والذى اكتشف أنه ليس هناك ما يدل على أنه كانت هناك عنصرية ضد السود قبل القرن السادس، وما قدمه أليستير بونيت عام 2000 والذي أكد على سيادة العنصر الأبيض فى تكوين الهويات الاجتماعية في المجتمعات غير الأوروبية ومجتمعات ماقبل الحداثة، وكذلك أكد على الاختلافات المعقدة للدلالات السلبية والإيجابية.

العنصرية المسيحية الأوروبية

   نتيجة لانتشار الإسلام والغزو العربي فى شمال افريقيا، فإن أفكار مثل معاداة السود والخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) قد أصبحت ذات دلالة مساوية لمصطلح المغاربة البربر(المور أو الموريسكيون Moors) الذى انقسم الى كل من البربر البيض، والبربر السود (Jahoda, 1992, 17) ولقد دام وجود المغاربة البربر مع اليهود فى أسبانيا لألف عام، وما تلى ذلك من حروب وطرد لكليهما فى لحظة حاسمة فى صناعة الفكر السلالي فى الحضارة الغربية: وهذا ينطوى على وضع اليهود والمسلمين خارج المجتمع السياسي، وقد تم تحديد نهاية المدنية المتعددة الأديان وإضفاء الشرعية على العنف والتمييز العرقي عن طريق إجراء تحليل لاختبار نقاء الدم لتمييز بين  من هم من النسل الإسبانى وقاوم الاحتلال البربرى فى القرن الثامن، وبين أولئك الآخرين الذين لم يقاوموا (Hannaford 1996). وفى مواجهة الإسلام فإن رمزية الشيطان الأسود قد تحولت لوسم المسلمين، حيث لاحظ جان ندرفين بيرتيس أنه في رسومات بواكير العصور الوسطى يظهر المسلمون السود وهم يعذبون المسيح، فالموضوع الرئيسي فى أوروبا المسيحية كان معارضة المسلمين والتحقير من شأنهم وتصويرهم كبرابرة شياطين، احتلوا الأراضي المقدسة بطريقة غير شرعية، ومارسوا عنفا مفرطا وأخلاقيات حياة جنسية همجية غير متحضرة. فمثل هذه الأفكار وما صاحبها من نقاشات شكلت سجلاً من الاستشراق وهو الذى كان بمثابة المحور الأساس لعمل الثقافة الأوروبية. وكما يقول إدوارد سعيد (1985: 3):

لقد اكتسبت الحضارة الأوروبية القوة والهوية من خلال وضع نفسها في مواجهة الشرق كنوع من البديل حتى لو كان ذلك فى صورة سرية.

الهجين الثقافي الأوروبي

لقد ساعد تجاهل أهمية التأثيرات التى تركتها الثقافات الخارجية فى الحضارة الأوروبية علي السماح ببناء فكرة تفوق الجنس الأبيض. ولقد كان لهذه الحيلة الثقافية عظيم الأثر فى تطور المعرفة الغربية، كما هو الحال بالنسبة لادعاءات مارتن برنال 1987 فيما يتعلق بالدراسات الكلاسيكية والأثرية. وكان التفاعل بين السكان والثقافات محور بناء أوروبا، مثل تأثير الثقافات السامية والأفريقية فى صناعة الحضارة اليونانية القديمة. إلا أن إنكار ونسيان هذه العملية في الدراسات القديمة والأثرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين قد شارك في بناء “النموذج الآرى” الذى اعتبر أن الحضارة اليونانية “ذاتية المنشأ” ومناسبة للهيرايكية الاستعمارية والعنصريات الثقافية (Young 1994). وهذه العملية هى التى أطلق عليها Bernal 1987 اسم “اختلاق الحضارة اليونانية القديمة” وكأنها المهد النقى للحضارة الأوروبية. وقد تطورت هذه الحجة كثيرا بصورة عامة بفضل اسهامات   Piertese (1994: 146) والذى يقول:

كل المحطات الشهيرة فى أوروبا، اليونان، روما، المسيحية ، وعصور النهضة والتنوير، قد ظهرت بمثابة لحظة تمازج ثقافى…  إن التدقيق فى أكثر الفلسفات والمبادئ السياسية الأوروبية شهرة، وكذلك مختلف أشكال المعرفة، والتقنيات، والفنون يجعلها تبدو أقرب ما تكون الى التعدد الثقافى سواء فى الشخصية، والأصل، وكذلك فى التكوين.

الحضارة الداخلية وعنصرية أوروبا والعداء للغجر

لابد من الاعتراف بأن قصر النموذج الاستعماري الذى يبرهن على أن العنصرية ولدت فقط من خلال عملية العبودية الأطلسية والاستعمار الأوروبى “خارج” القارة الأوروبية إنما يتجاهل الممارسات العنصرية “داخل” القارة الأوروبية ذاتها، كوجه للاستعمارية المنحسرة أو المتبقية، كما هو الحال فى مناهضة الغجر(Miles 1993). لقد وثق نوربرت إلياس (1982) المشروع السياسي والاجتماعى للحضارة فى أوروبا. إذ يرى أن تطور رموز السلوكيات التى اتبعتها الارستقراطية الإقطاعية كانت جزء من عملية تمدين الذات ثم فرض حضارتهم على الطبقات الأخرى داخل القارة الأوروبية, وذلك قبل المغامرات الاستعمارية وما تلاها من أشكال الهيمنة. وتتضمن هذه العملية عنصرية تجاه كل من الطبقات “الأعلي” و”الأدني”، ومن ثم أصبحت المهمة التالية هى موضوع الاستعمارية الأوروبية. فعلى سبيل المثال، كان ينظر إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية كما طبقة النبلاء الإسبانية على أنها من سلالة مختلفة عن الطبقات الأدنى من حيث روابط الدم والنسب، وذوي قدرات مختلفة في الفن والثقافة والحضارة. وتعبر المظاهر المتعددة للعنصرية داخل القارة الأوروبية، كما هو الحال بالنسبة لمعاداة السامية والعداء المترسخ للغجر عن ضرورة البحث الدقيق فى أشكال الحوكمة الاجتماعية داخل القارة الأوربية.

إن النظرة الدونية والتمييز والعداء المعاصر الذي يواجهه غجر الروما في أوروبا وتعرضهم لإبادة جماعية برفقة اليهود في المحرقة النازية، نشأ من خلال موقعهم كمجموعة عرقية تهدد الاستقرار الوطنى. لقد وصل غجر الروما الي أوروبا فى القرن الخامس عشر فارين من الهند فى صورة موجات متتابعة من الهجرة بسبب الغزو الإسلامي للقارة الأسيوية، فى ظل سيادة  الإمبراطورية الغزنوية. ويمكن اقتفاء أثر الجذور التاريخية لمناهضة الغجر منذ تلك الحقبة وهناك بعض الأسباب الرئيسية وراء هذا الشكل من أشكال العنصرية تشتمل على أمور كالربط المبكر الذى حدث بين غجر الروما والتهديد الإسلامى من خلال استخدام مصطلحات مثل: الوثنيون، والمسلمون المشارقة (الساراسانSaracen)، والتتار، والغجر، وربط الروما بلون البشرة الداكن والخطيئة والقذارة والشر، واتهام هؤلاء بأنهم جواسيس، وأنهم يحملون مرض الطاعون، وأنهم خونة للمسيحية.

كان هناك قيود على اتصال ثقافة غجر الروما الخاصة مع غيرها من الثقافات، بالإضافة إلى موقعهم خارج المدينة وافتقارهم الي الوقاية الأمنية، وكذلك إلى القوة العسكرية والاقتصادية، كل ذلك كان من شأنه أن يسهل من مهمة التعامل معهم على أنهم كباش فداء مستضعفة. ومن مظاهر هذا التعامل: عمليات القتل الجماعي، الاستعباد، انتزاع الأطفال من العائلات، على نحو ما حدث فى ألمانيا فيما  بين 1400: 1800، وفى بداية القرن التاسع عشر كان يشار الى الروما على أنهم “فضلات الإنسانية” وأيضا “حثالة الجنس البشرى” (hancock 1997:7).

الفكر العنصرى خارج الغرب: حالة الصين واليابان

إن الهدف الأساسي من هذا الكتاب هو دراسة تكوين الأفكار الخاصة بالسلالة فى إطار السياقات القارية، وكذلك تحدى النظريات التى ترى أن السلالة والعنصرية مرتبطتين ارتباطاً كلياً بالغرب والعبودية الأطلسية والاستعمار الأوروبي ومناهضة السود على مستوى العالم. و لا تنسى مثل هذه التقارير طول المدى الزمنى والتنوع فى التفكير السلالي العالمي فحسب، وإنما تفشل أيضا فى تقديم أسس كافية لفهم وتحليل السياقات المعاصرة لآلية عمل العنصرية، وكذلك التهجين فى الثقافة الغربية نفسها، وتصويرها كما لو أنها تعمل في قلب التأثيرات القادمة من أفريقيا والشرق. وتتمثل النقطة الرئيسية هنا فى الحاجة الى إدراك الأشكال المختلفة والمتنوعة للتفكير العرقي والحكم العنصري الذى تطور داخل مختلف المجتمعات، وكذلك اختلاط الأفكار المتعلقة بالسلالة والثقافة داخل المجتمعات المختلفة. 

ولابد من الاعتراف بأن البناء الاجتماعي للهويات السلالية ينبغى أن يفهم بوصفه عملية عالمية هى نتاج للعديد من المجتمعات خارج الغرب, وهو ما يمكن رصده بصورة معبرة فى حالتي الصين واليابان. إذ أن تطور النظريات السلالية والأفكار الخاصة بالسلالة فى شرق آسيا، ولاسيما فى كل من الصين واليابان ، يعود الفضل فيها الى مجموعة من الباحثين. ويمكن القول إن النقطة المركزية فى فكرة السلالة فى تطور كل من المجتمعين الصينى واليابانى قد قامت على مفاهيم الدم والهمجيية ولون البشرة والنسب والنقاء، والتصنيفات العلمية الزائفة مثل تلك الأفكار القائمة على الاختلافات فى الشعر والرائحة. ولعبت الأساطير التى تخص كل من العرق وأصل السكان دورا رئيسا فى تشكيل الدول القومية، سواء فى ذلك إشارة الى ابتداع سلالة “هان han” وما ارتبط بها من ملامح بيولوجية من “الإمبراطور الأصفر” فى الصين، أو فى تعريف النقاء فى حالة سلالة “ياموتو yamoto” بالنسبة لليابان. وتعتبر سلالة الهانزو hanzu  هي المجموعة القومية الأكبر فى الصين وينظر إليها باعبتارها “أصل سلالة هان” وهي التي لديها إحساس قوى بالانتماء الى “العرق الأصفر”، وهناك العديد من مجموعات الأقليات الأخرى فى الصين، وسوف نفرد تفصيلا عن الصراع والسياسة المتعلقة بهذه المجموعات والعلاقات مع التبت خلال الفصلين الخامس والتاسع من هذا الكتاب. وفى كلا البلدين صورت المجموعات البيولوجية على أن لديها أبعادا موحدة فى الصراعات السياسية والإقليمية.

 السلالة فى الصين

تمكنت النخبة فى الصين منذ العصور القديمة وفيما قبل الحداثة من تطوير فكرة الوعى اللونى وثنائية الأبيض والأسود، مع تعريف البشرة البيضاء بالجمال والقيمة العالية، بينما يتم تقييم أصحاب البشرة السوداء تقييماً سلبياً. وهذا الوعى اللونى يظهر تدرجا طبقيا يميز بين كل من النخبة (الصفوة) والفلاحين أو العبيد، وهو تمييز يعكس الثقافة الجمالية على نطاق واسع. ولقد ساوت المصادر القديمة بين السواد والعبودية والمستوى الاجتماعي الأدنى، وقد كان هذا موجودا بصورة قوية قبل أن يثبت الغربيون أنفسهم على حدود الإمبراطورية الصينية (dikotter,1992:17). وكان الصينيون يجدون فى بشرة “الرماد الأبيض لدى الأوربيين” قصورا جسدياً. ومنذ القرن العاشر فصاعدا فإن المصادر كانت تشير بشكل متزايد الى القيمة الرمزية للأصفر، وما يرتبط به من معان التفوق، والتقدم، والنبل، والنظر الى الصين على أنها “المركز الأصفر” (hangzong)  كتمييز لهم عن الهمج (البرابرة) الذين يعيشون فى أماكن أخرى ولهم ثقافتهم وأنماط استهلاكهم المختلفة. وفى سياق التفاعل المتزايد مع الغرب فإن الصينيين تخلوا عن مطلبهم فى أن يكونوا “بيضا” كما أنهم هم أنفسهم والأوروبيون كذلك أخذوا يشيرون إلى جنسهم باسم “الجنس الأصفر” وقد كان هذا شكلا إيجابيا وحازما من أشكال تحديد الهوية وله جذوره الرمزية المتأصلة فى الحضارة الصينية. وقد تطورت فكرة الجنس الأصفر بشكل سريع فى القارة الأوروبية بفضل العالم الفرنسي Bernier الذى ميز بين أربعة سلالات تضم “الصفر”. وقد شهد الوعي السلالي تطورا سريعاً فى تلك المناطق التى تميزت باحتكاك متزايد مع الغربيين وغيرهم ، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة كانتون، ثم انتشر الوعي بعد ذلك إلى باقى البلاد. وقد شهد الخطاب السلالي فى الصين مرونة فريدة خلال التاريخ الحديث (Dikotter 1992:195). وقد شهدت الصين فى أواخر القرن التاسع عشر تحولا اجتماعيا كبيرا من خلال تحدى الإصلاحيين للنخبة التقليدية. وأحد هؤلاء الإصلاحيين هو يان فو، الذي قدم خطابا تفصيلياً عن التدرج السلالي، ثم عرَّف الأبيض، والأصفر، والبنى، ثم الأسود وقد جاء هذا الأخير فى الدرجة الأدنى. وقد كان ينظر إلى هيمنة الجنس الأبيض على العالم بمثابة الخطر الرئيسي، وهو ما استوجب تحدياً عسكرياً واقتصادياً، للتجارة الخارجية، وتدخلا كان ينبغى للجنس الأصفر أن يخوضه من أجل الانخراط فى معركة البقاء على قيد الحياة. وهنا فإن أفكار تشارلز داروين عن التطور العرقى قد تطورت مع الأفكار الصينية لمصطلح “زونج zhong ” (والتي تعني “العرق”، “النسل” “البذور” أو “النوع”) (Show 1997: 36). بالإضافة إلى أن تصوير اليهود ولغة معاداة السامية قد خصصت وشرعت للخطاب العرقي الصينى (Xun 1997:56).

السلالة فى اليابان

وفيما يخص الحالة اليابانية فإن الخطاب السلالي قد تطور بصورة مشابهة ومدعوماً بكل من الطرق التى أمكن من خلالها فهم العلاقات بين اليابانيين وغيرهم، بما في ذلك اعتقادات جماعة الشنتو (Shinto) فى تقديس الأسلاف، وكذلك أفكار كونفيشيوش عن الترتيب الهرمي الاجتماعي، مع ظهور الأفكار الأوروبية عن الطبقات العرقية والتصنيفات والتدرجات الطبقية، كما هو الحال بالنسبة للأفكار الخاصة بدونية ذوى البشرة السوداء (Weiner,1997, Young 1997). لقد تطورت الاستعمارية اليابانية عبر لغة عنصرية قائمة على أساس العرق ومستويات الحضارة وإضفاء الشرعية على التحديث التقدمي للتوسع الياباني في مواجهة التخلف والموضوعات الاستعمارية الأدنى. وفى مجابهة الإمبريالة الأوروبية “الخطر الأبيض” فإن اليابانيين قد جمعوا الأفكار الأوروبية عن الخوف العرقي، (الخطر الأصفر) والمهمة العرقية (عبء الرجل الأبيض) (Young 1997 :161). هذا وقد حددت أدلة معاصرة على استدامة العنصرية فى كل من الأفكار الشائعة والتقليل من شأن “السود” فى كل من الخطاب السياسي والحملات الإعلانية والمطبوعات واسعة الانتشار وترويج المواد المعادية للسامية بشكل قاس. على هذا النحو تم النظر إلي العنصرية باعتبارها بدعة أوروبية دون الإشارة الى السياقات المحلية والاستعمارية الأوربية وملابساتها السياسية المقلقة. ومن ذلك أصبحت هناك استراتيجية خطابية مجهزة فى دول شرق آسيا لمقاومة المحاولات التى قامت بها الأمم المتحدة التى تروج للتخلص من التمييز العنصري (Dikotter 1997: 2). فلقد تأخرت اليابان في التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة للفصل العنصري ولم تقم بذلك سوى فى عام 1996. وتبدو الأفكار اليابانية عن النقاء العرقي والإثني على المحك مع ردود أفعال كل من المهاجرين وغيرهم من الأقليات. وربما يثبت موقف جماعة البوراكومين Burakumin  بعضا من هذه الحجج.

السلالة والاستعمارية والإبادة الجماعية

لا يمكن اعتبار تاريخ السلالة مجرد تطور لمجموعة من الأفكار، وإنما ينضوي على عمليات من نظم  الهيمنة والحكم، كما يشمل فى كثير من الحالات القتل الجماعي. فالقوى المحركة التى تخلق الاختلافات العرقية عبر العديد من المجتمعات تعمل فى سياقات الاستعمارية والإمبراطورية، على نحو ما وجدنا ذلك فى حالات الصين، واليابان، وأوروبا، والشرق الأوسط. فهذه الحالات تضم أنماطاً متعددة من الاستعمارية والتى تنتج دائما فى صورة بناء التدرجات العرقية (Memmi.1967). وفي ذلك ترى بعض الدراسات أنه:

سواء كان ذلك في حالة البريطانيين فى كل من جنوب أفريقيا والهند، والفرنسيين فى شمال أفريقيا، والألمان فى جنوب غرب أفريقيا، وكذلك الأمريكيون الأوربيون فى كاليفورنيا وهاواي، والاتحاد السوفيتى فى وسط آسيا، وكذلك الإيطاليين فى إرتريا. ففي أرجاء مختلفة أوجد المستعمرون لغة لطبقة عرقية تكون فى القمة بينما يقبع السكان المحليون فى الصفوف الدنيا (spickard 2005:14).

فالاستعمارية هى “الغزو والتحكم فى أراضي الشعوب ومواردها” (2005Loomba) كما أنها ملمح واسع الانتشار من العلاقات الاجتماعية التاريخية الحديثة والتى غالبا ما تتضمن هيمنة متزايدة، فالطرد والاضطهاد الإسبانى لليهود والمسلمين، وكذلك التعامل والهيمنة البريطانية للأيرلنديين كلها أمور تقدم دروساً فى حوكمة الدولة وهو النهج الذى وضعت أسسه كل من أسبانيا، والبرتغال وإنجلترا فى إطار التوسع الأوروبي فى الأمريكتين. وقد أشارت دراسة Howard Winant (2001)  إلى ذلك على أنه “بروفة لرسم حدود الإمبريالية”. فالإسهاب فى الامتيازات السلالية بوصفها وسائل لممارسة القوى الاستعمارية تتضمن تجريدا من الروابط العشائرية الأولية، وهويات القرابة والموت الجماعى للجماعات المقهورة. فمنذ منتصف القرن السادس عشر أخضع الإنجليز الأيرلندين الأصليين من خلال هذه العمليات وعبر تأسيس المزارع الاستعمارية.

لقد بدأ القتل الجماعى أحادى الجانب للأقليات الضعيفة بمعرفة الدول أو غيرها من الفاعلين الرسميين، وكان تمييزا لظاهرة الإبادة الجماعية. وهناك العديد من الأمثلة التاريخية والمعاصرة لمعظم الجرائم الدولية التى تتضمن أشكالا من العنصرية، كما هو الحال بالنسبة لغجر الروما، مع أحدث الأمثلة من هذا النوع كما هو الحال فى الاضطهاد الذى شهدته كوسوفو خلال الفترة من 1998-1999. لقد بزغت السلالة كملمح أساسي فى النظام العالمى الحديث، منذ القرن الخامس عشر فصاعدا, إذ حفرت السلالة لنفسها مكانا فى ذاكرتنا وفهمنا للعالم عبر أشكال رئيسية من الإبادة الجماعية. وتتضمن هذه الأشكال عمليات القتل الجماعي للسكان الأصليين فى الأمريكتين وأستراليا، فى سياق الاستيطان الاستعماري وكذلك فى حالة العبودية الأطلسية، فعلى الرغم من اندفاعها فى استغلال العمال، فإنها شكلت واحدا من أسوأ الأمثلة فى التاريخ الانسانى، اذ قتل خلالها مابين 15 إلى 20 مليون انسان (Jones 2006: 23). لقد تمثلت أفكار الذل والعبودية عبر القارة الأفريقية، وخاصة فى إفريقيا الاسلامية، قبل أن تستقر قواعد العبودية الأطلسية. وهناك اختلافات أساسية بين هذه الأشكال المبكرة وذلك النظام المؤسسي الذى عرضته الدول الاوروبية، على الرغم من أن هذه القضية هى مثار لجدل شائك (Walvin 1992: 28).

  • ففى منطقة الكاريبى فإن أرضا جديدة قد فتحت وهى”هيسبانيولا” (وهى الآن هايتى وجمهورية الدومنيكان) وهنا ارتكب الأسبان مذابح للسكان الأصليين على مدى ثلاثين عاما تناقص خلالها عدد السكان الأصليين من ثمانية ملايين إلى عشرين ألفا.
  • وفى كندا والولايات المتحدة الأمريكية فإن أعداد السكان الأصليين قد تناقصت عبر خمسة قرون ، فانخفض عددهم من نحو عشرة ملايين إلى نحو 237 ألف فقط، متضمنا ذلك إقرارا من قبل الدولة بالقتل الجماعي، وتفشي الأوبئة، وزحف الموت إلى أماكن تجمعات السكان الأصليين، وقتل أعضاء اللجان الأمنية الأهلية، والمجاعة، وحرمانهم من مصادر التغذية والاستيلاء على ثرواتهم الحيوانية مثل الجاموس والثور الأمريكي، وكذلك سرقة أطفالهم وإيداعهم مؤسسات الإيواء.
  • فى أستراليا فإنه فى الفترة من 1788 حتى 1911 تناقص عدد أصحاب الأرض الأصليين من 750.000 إلى 31.000 عبر المذابح، والأمراض، والمجاعة، وحملات الإبادة، وسرقة الأطفال من أسرهم إلى مؤسسات يقوم البيض بإدارتها (Jones 2006: 70:85).

وتعد الأمثلة السابقة بمثابة مؤشر مطلق على الموت الذي نشأ عن تأسيس مجتمعات الاستيطان الاستعمارية. فالإبادة الجماعية الاستعمارية قد قامت بحملات استعمار لكل من الأرض والموارد المعدنية والبشرية، ومن ثم فقد كانت بمثابة حجر الزاوية فى نمو الرأسمالية الأوروبية. فقد تم الاستيلاء على مساحات هائلة من الأراضي، وتم تدمير السكان الأصليين، وتأسيس نمط الإنتاج الزراعي الاستعمارى وقد تولت العبودية الأطلسية جلب الأفارقة للعمل فى العالم الجديد. وفى الوقت الذى شهد نمو المستوطنات الاستعمارية القائمة على الإبادة الجماعية، فإن التطور الديموقراطي كان يسير يدا بيد مع عمليات القتل الجماعي داعما لسياق العبودية المزرعية الإمبراطورية لكل من الأسبان والبرتغاليين والهولنديين والإنجليز والفرنسيين.

فقد تطورت العبودية المزرعية عن بداياتها التى كانت فى منتصف القرن السادس عشر فى البرازيل، وبنهاية القرن السابع عشر، تكاملت تدرجات الفصل العنصري مع العلاقات عبر المجتمعات الاستعمارية. وقد حددت الملامح الزمنية للعبودية الأطلسية على النحو التالي:

  • الاستيطان (1492-1650) وتضمنت هذه المرحلة الاستكشاف، الاستيطان، والغزو
  • النضج (1650-1770) مع نمو المؤسسات الحكومية الاستعمارية؛ نظم التجارة، والانتاج الاقتصادى، والهيراريكية الاجتماعية
  • الانتقال (1770-1888) وهى فترة الثورة، والتمرد، وإلغاء العبودية والذى جاء مؤخراً الى البرازيل فى عام 1888 (Karras and McNeill 1992)

وقد سطرت تلك الفترات الزمنية والتفكير السلالى والعنصرى فى حيز وجود الدول القومية الحديثة، وأسست للاقتصاد العالمى بأن يضع السلالة والتفكير العنصري فى مركز صناعة الحداثة.

لقد درس مايكل مان حالات محددة لديموقراطيات الإبادة الجماعية فى العالم الجديد واقترح أن هناك ديموقراطيات استيطانية، علي سبيل المثال فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك وأستراليا تظهر فيها العلاقة المباشرة بين النظم الديموقراطية وعمليات القتل الجماعي بجميع الحالات التى درسها، مشيراً إلى “أن أكثر المستوطنين يسيطرون على المؤسسات الاستعمارية، وأن أكثر القتلة يمارسون التطهير” (Mann 2005:4). هذا وينظر إلى طبيعة التدرج السلالي والعنصرى ومستويات العنف على أنه يعتمد على طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية التى تأسست بين كل من المستعمرين والمستوطنين:

  • فالتجارة الاستعمارية تنشط حينما يكون هناك قليل من الاستيطان، بينما يكون هناك القليل من الاستعمار وقليل من العنف والقتل، فيحدث التدخل الأولي اعتمادا على النخب وعلى البناء الأكثر تناقضا فى الاختلافات العرقية.
  • السلب والنهب، كما هو الحال فى التوغل الإسباني داخل أمريكا اللاتينية.
  • المستعمرات الزراعية والتى يرجع قصب السبق فيها للبرتغاليين، حيث كان السكان يعملون حتى الموت
  • لم تكن المستوطنات فى حاجة إلي عمالة من السكان الأصليين حينما كان هؤلاء يتعرضون للقتل الجماعي مما أظهر مستوى عال من العنف.

وآخر هذه النماذج الاستعمارية يتجسد فى حالة تسمانيا (أستراليا)، فهنا كان لدى المستوطنين طاقات مفرطة، وكانت لديهم ديموقراطية مستعمرين فعليه، دون أن تكون لديهم الرغبة لاستعمال العمالة المحلية، ثم تلت ذلك عمليات الإبادة الجماعية, وفى ذلك يقول”مان”:

حينما وطأت أقدام المستعمرين جزيرة تسمانيا عام 1804  كان يعيش عليها نحو 4.500 من أصحاب الأرض الأصليين، وفى غضون 80 عاما تمت إبادة كل من تجري فى عروقهم دماء أصحاب الأرض الأصليين، وقد قتل آخر رجل عام 1869، ولقيت آخر امرأة حتفها فى عام 1876، فى حين ظل على قيد الحياة بعض من المهجنين(المخلطين). فكانت عمليات إطلاق النار على العيون “حفلات صيد” وتسميم الطحين من الأمور الشائعة هنا.. والنفر الأخير من أصحاب الأرض الأصليين نقلوا الى جزيرة صغيرة يزاحمون فيها  كميات قلية من الطعام. (Mann 2005: 83)

الحشد العنصرى: التحيز ضد اللون الأسود

فى كل مكان لقيت العبودية والاستعمارية وكذلك الإبادة الجماعية (تلك التى كان ينظر إليها علي أنها تؤسس لنظام من الترتيب العنصرى العالمي) مقاومة اتخذت أشكالا مختلفة. فعند دراسته لمقاومة العبودية الأطلسية أمدتنا دراسة Winant 2001 بمصدر قيم من أوجه الكفاح والمقاومة متضمنة التخريب، الهروب، التمرد، والثورة، الإقصاء، واللجوء إلى المنفى الطوعى Maroonage، وهذا الاصطلاح الأخير هو ملمح شائع فى العديد من نظم العبودية، وهى بمثابة تشكيل لمجتمعات العبيد الهاربين. فمجتمعات كالبرازيل وسورينام وكولومبيا تقدم نماذج لبعض أماكن جربت فيها هذه العملية. وتتضمن المظاهر الحديثة من المقاومة حركات مثل مناهضة الاستعمارية، والتحرر الوطنى، ومعاداة العنصرية. لقد تأسست الهوية السوداء علي مستوى العالم وفقا لثلاثة أشكال من التفكير والارتدادية Reflexivity وذلك حينما يدلنا تقييم الوعي الذاتى لسياق اجتماعى بعينه على عمل من شأنه أن نغير من هذا الموقف الاجتماعي، ويشمل:

  • ارتدادية “مناهضة العبودية” تلك التى تعنى باستعادة الإنسانية والسلامة لأصحاب اللون الأسود.
  • ارتدادية “مناهضة للاستعمارية” تلك التى تنادى بحقوق الشعوب السوداء, وحياتهم وإعالتهم، ومورثوهم الثقافى فى سياق السيادة الوطنية.
  • ارتدادية “مناهضة العنصرية” تلك التى تجابه عدم العدالة فى الظروف المادية والسياسية بالمجتمعات الغربية(Hesse 1999).

الاستخدام المزدوج للأفكار العنصرية

لم تستخدم السلالة كمجرد بناء وانجاز عبر الهيمنة والعسكرية والاستعمارية فحسب، وإنما أيضا انعكست واستخدمت للتعبئة والمقاومة البطولية.

فهناك أماكن عدة من العالم نجد فيها الدينامية السلالية ضرورية لفهم آلية المجتمع، ولا تمثل فيها الشعوب السوداء قضية تشغل البال (Spickard 2005 : 21) كما هو الحال فى كل من اليابان، تركمانستنان، وكمبوديا. إلا أنه عبر العديد من الأقاليم فى العالم حيث تعيش الشعوب ” السوداء”  فإن الفكرة السياسية لمعاناة الشعوب قد أوجدت المحفز الأساسى لتطوير الوعى الفردى وحشدت قضايا الانعتاق والتحرير. وفى أواخر القرن الثامن عشر اتخذت مقاومة العبودية الأطلسية أشكالا متعددة شملت الكفاح المسلح وتطور الحركات السياسية لرابطة الوحدة الأفريقية.

لقد أدت الحركات الهادفة لبناء علاقات بين كفاح قادة مقاومة العبودية، والناشطين والمثقفين البارزين، عبر سياقات استعمارية مختلفة فى أوروبا، وأمريكا الشمالية، ومنطقة الكاريبى، وأفريقيا، الى تطور رابطة وحدة الأفارقة، وهى حركة سياسية كانت ترمى الى التأكيد علي مشاركة العناء المشترك واستغلال السكان السود. ويعد كل منQuobna Cugoano , Olaudah Equiano , Hgnatius Sancho مجموعة من الباحثين الأفارقة ممن كانوا عبيدا سابقين، وقد قاموا بإنتاج نصوص رئيسية وشنوا حملات لإلغاء العبودية، وقد تضمنت تلك الأعمال الأفكار والمشاعر التي قدمهاCugoano  عن” الشر والمرور الشيطانى لتجارة الجنس البشري”، وهو المنشور الإلغائى الأول والمباشر باللغة الانجليزية الذى طرحه أفريقي، وقد نشر فى عام 1787 وحمل عنوان ـ“أبناء أفريقيا ..بقلم مواطن”. كما أن القصص الخاصة بالسلالة، والعبودية، والمقاومة قد وجدت فى الجيل الصاعد من السير الذاتية وذكريات وقصص الأسر والتي نشرت بمعرفة الأمريكيين ذوى الأصول الأفريقية، ويتضمن ذلك واحدا من أكثر الكتابات شهرة على نطاق واسع: “قصة حياة فردريك دوجلاس، عبد أمريكي” وقد نشرت بمعرفة جمعية بوسطن لمناهضة العنصرية عام 1845. إن تمزيق الروابط بين الأم والعبد، التضحية/ وجسد المرأة الملهب بالسياط، والكفاح من أجل التعليم والحرية، كل ذلك كان بمثابة موضوعات رئيسية لتلك القوى الدافعة لنصوص مناهضة العبودية. وقد سهل حشد العبيد، ونمو الحركات الديموقراطية وبزوغ الرأسمالية الصناعية من إلغاء العبودية الأفريقية، لكن استمرارية العنصرية فى مجتمعات ما بعد العبودية وقوة الحكم الاستعماري قد أوجد تحديات جديدة. ويرىSeymour Drescher (1990)  في دراسته عن بزوغ العنصرية العلمية الأوروبية والتى بدأت خلال تلك الفترة، أن “عمليات إلغاء العبودية لم تعدل كثيرا من مسار العنصرية” (Quoted in Smaje 2000: 160).

ويمكن ملاحظة حشد الوعى الأسود وعلاقته بالرابطة الأفريقية الحديثة بوضوح فى كتابات مجموعة من المثقفين السود عملوا فى نهاية القرن التاسع عشر ومن هؤلاء إدوارد بلايدنEdward Blyden   الذي ذهب إلى أن كل السلالات متساوية، إلا أنه دافع عن نقاء”السلالة السوداء كدعامات عقلية ضد الهيمنة العسكرية الأوروبية (Law 1985, lynch 1971). كما روج كذلك لاستخدام الأسماء الإفريقية واللباس الأفريقي، كما دافع عن تأسيس مؤسسات تعليمية وثقافية صممت خصيصاً لتلقى احتياجات الأفارقة والتعامل مع ظروفهم.

المتحدث الرسمي باسم السود: إدوارد بلايدين

كان إدوارد ويلموت بلايدين (1832-1912) أبا للقومية لشعوب غرب أفريقيا، وشاركه كل من هنرى سلفيستر ويليامز فى الرابطة الأفريقية. ولد بلايدين فى جزر فرجينيا (من جزر البحر الكاريبي في أمريكا الوسطى) وذهب الى الولايات المتحدة الأمريكية على أمل أن يصبح رجل دين إلا أنه تم تجاهله فى كلية اللاهوت نظرا لسلالته التى ينتمي اليها، فى يناير من العام 1851 هاجر إلى ليبريا والتي كانت مستعمرة أمريكية أفريقية قبل أن تصبح جمهورية مستقلة فى عام 1847، ثم عين بعد ذلك أستاذا فى الكلاسيكيات فى كلية ليبريا التى فتحت حديثاً. وقد كان كذلك مؤرخاً وعالم اجتماع  بارعاً. وخلال الفترة من 1871 حتى 1873 قام بتحرير مجلة “الزنجى Negro” وهى أول مجلة تعبر بشكل واضح عن الرابطة الأفريقية بغرب أفريقيا، وكان هو نفسه مدافعا عن سلالته، وفى هذا انتج ما يزيد عن أربع وعشرين مطوية وكتاب، وكان أكثر مؤلفاته شهرة “صوت من أفريفيا النازفة” (1856)، “العرض الليبري” (1862) “الزنوج فى التاريخ القديم” (1869) “جامعة غرب أفريقيا” (1872) “من غرب أفريقيا إلي فلسطين” (1873) “المسيحية والإسلام والسلالة الزنجية” (1898) وعمله الكبير “المسألة اليهودية” (1898) و”غرب أفريقيا فيما قبل أوروبا” (1905) و”أفريقيا: الحياة والعادات” (1908).

وقد كان للرجل هدف وضعه نصب عينيه وهو أن يثبت أن أفريقيا والأفارقة يتمتعان بتاريخ وحضارة ثريين، وقد كان رافضا للفكرة السائدة عن دونية الإنسان الأسود، ومتقبلا لرؤية أن كل المجموعات العرقية الكبرى لها إسهامها الخاص فى صناعة حضارة العالم. وقد جادل بشأن أن المسيحية كان لها تأثيرات محبطة على السود، بينما كان الإسلام يساوى بينهم ويرفع من معنوياتهم. أما الأهداف السياسية لبلايدين فكانت تتمثل فى تأسيس دولة غرب أفريقيا الحديثة والتى سوف تحمى وتروج لمصالح شعوب السلالة الأفريقية فى كل مكان فى العالم. كما أنه فى نهاية الأمر كان يرى ليبريا بمثابة النواة لتلك الدولة، وكان ينظر لامتداد تأثير سلطتها القضائية من خلال الحث على اختيار “العودة للوطن” من الأمريكتين. كما أنه كان يأمل “بلا جدوى أيضا” فى أن تتحد ليبريا وجارتها سيراليون فى كيان واحد. وكان لديه تناقض فيما يخص تأسيس الدور الاستعمارى الأوربي؛ فقد اعتقد أن نتيجتها النهائية ستتمثل فى أمم حديثة مستقلة فى أفريقيا المدارية، ولكنه كان قلقاً بشأن تأثيرها النفسي التخريبي. وبوصفه مثقفاً قوميا فقد لفت النظر الي أن الحداثة ليست متوافقة مع المؤسسات والعادات الأفريقية.

قام هنرى سيلفيستر ويليامز بتنظيم المؤتمر الأول للرابطة الأفريقية والذي عقد بلندن عام 1900، والذي جلب كل من “الرجال والنساء من الدماء والنسل الأفريقي” من أفريقيا، وأمريكا، ومن منطقة الكاريبي. وفى هذا المؤتمر خطب ويليام دي بويه عن أرواح الناس السود (1903)، وكان الرجل يهدف الى “إظهار المعنى الغريب لأن تكون أسودا هنا فى مطلع القرن العشرين” ثم قدم البيان الكلاسيكي “أن مشكلة القرن العشرين هى مشكلة حاجز اللون” (Du Bois  2: 1903) وفى بداية كل فصل من فصول هذا الكتاب يظهر التعاطف والإحساس المعبر عن السواد، حيث كان دي بويه يقدم شعراً من “أغانى الشجن القديمة” تلك التى تعتبر “المتحدث باسم روح العبد الأسود” وفيها يقول:

إنها موسيقى الناس التعساء، والأطفال المحبطين حين يتحدثون عن الموت والمعاناة وعن الشوق الصامت لعالم جديد أكثر حقيقة، عن الرحلات الضبابية والطرق المخفية.

ولعل فى هذا رجع الصدى للسيرة الذاتية لفردريك دوجلاس التى تكلمت أيضا عن الأغانى الزنجية باعتبارها كاشفة لأرواح أولئك العبيد الذين ينشدونها. ويسعى هذا النص للكشف عن “كفاح ملايين من الفلاحين السود”، وقد استحضر كذلك لقاءاته الشخصية العديدة مع البيض الذين كانوا يتعاملون معه بوصفه مشكلة وليس شخص، وسعيه للكشف عن كل من الإنسانية السوداء، وعن إسهامات الشعب الأسود فى المجتمع والثقافة. ونداءات دى بويه بالاعتراف “هل كان لأمريكا أن تكون أمريكا بدون الزنوج؟” ونادى بتحطيم ذلك الحاجز السلالي تاركين “السجناء … ليذهبوا أحراراً” فقد كان دى بويه أول عالم اجتماع فى مجال السلالة والعنصرية (Lewis 2000: 550) حيث كانت السلالة بالنسبة له النظام الاجتماعي الأكثر وضوحا فى الحداثة، وعلى نفس الدرب كان كارل ماركس (zukerman 2004 :4 ) وبالنسبة لدى بويه “فإن تاريخ العالم ليس تاريخا للأفراد فقط، وإنما للجماعات، ليس للأمم، ولكن للأعراق، وأن السلاله هى:

عائلة كبيرة من الجنس البشرى، عادة ما تشترك فى صفات الدم واللغة، وغالبا ما تشترك فى التاريخ والتقاليد والاندفاع، وهى التى اجتمعت طوعا وتلقائياً لإنجاز أنماط حياتية واضحة التحديد (du bois 1897:6).

وفي هذه الورقة المعروفة بعنوان “صيانة السلالة” حدد دي بويه أيضا تلك السلالات التى توجد عبر كوكب الأرض، قائلاً:

بحثنا عن السلالات فى المرحلة الحالية التى يعيشها العالم وأمكننا تمييز ثمان سلالات مختلفة، بإحساس أن التاريخ يخبرنا بحتمية استخدام الكلمة، وهذه السلالات هى: السلاف فى أوربا الشرقية، والتيوتون بوسط أوروبا، الإنجليز ببريطانيا العظمى وأمريكا، الأمم اللاتينية بجنوب وغرب أوروبا، الزنوج فى أفريقيا وأمريكا، الشعوب السامية بغرب آسيا وشمال أفريقيا، الهندوس بوسط آسيا، والمنغوليون بشرق آسيا، وهناك بالطبع مجموعات عرقية صغرى كالهنود الأمريكيين، وجماعات الإسكيمو، وسكان الجزر الجنوبية، ويضم السلاف التشيك، والماجيار (المجر)، والبولنديين والروس، ويضم التيوتون كل من الألمان, الاسكندنافيين، والهولنديون؛ ويضم الإنجليز الاسكتلنديين، والأيرلنديين، والأمريكين المختلطين. وينضوى تحت الأمم الرومانسية (اللاتينية) اختلافات كبيرة منها الفرنسيين والإيطاليين، الصقليين، والأسبان. أما مصطلح “الزنجى”، فربما، يكون هو الأكثر تحديدا بين كل تلك المفاهيم، حيث يجمع كل من الأمريكيين الخلاسيين والزامبو، والمصريين، وجماعات البانتو والبوشمان فى أفريقيا. وفيما بين الهندوس هناك آثار لأمم واسعة الاختلاف، بينما يأتى تصنيف عائلات  الصينيين العظماء والتتار، والكوريين، واليابانيين تحت التصنيف المنغولي Du Bois (1897)

لقد جاء البناء الاجتماعي للزنوج والسواد كموضع رئيسي فى أعمال دي بويه، وقد تابع العديد من الاستجابات المختلفة عن مشكلة العنصرية، بما فى ذلك العزل الثقافى والاقتصادى الأسود، والتكامل والشيوعية الدولية، والتضامن الأفريقى. ولقد تطورت هذه الفكرة الأخيرة عن فكرة الوحدة الجماعية للدول الأفريقية إلي الوحدة الجماعية لشتات السود الذى نبع من التشتت القسري والوحشي للأفارقة عبر مجتمعات العالم. كما أنه وضع أيضاً حجر الأساس التحليلي “للتحيز للجنس الأبيض” عبر مقالته المعنونة “أرواح الناس البيضاء” والتى نشرت فى عام 1920. حيث درس المظاهر الاقتصادية للتحيز للجنس الأبيض فى تبختر الأمريكي الجنوبي، وغطرسة الإنجليزي، والاعتقاد بالحق الالهى لهم فى الاستيلاء على الجزر، والموارد والناس، وكذلك نظرية الثقافة البشرية القائلة بان كل شيء عظيم، وجيد، وكاف، وعادل، ومشرف هو أبيض، وحيثما يكون كل شيء غير مشرف أصفر، وحيثما يكون الشيطان أسود.

عالم الاجتماع الأول فى مجال السلالة: ويليام إدوارد بورجاردت دى بويه

ويليام إدوارد بورجاردت دي بويه (1868-1963) هو أحد رواد علماء الاجتماع فى مجال السلالة والعنصرية، وقد أسهم إسهامات هائلة فى فهمنا للسلالة فى سياق عالمي، ولد فى جريت بارينجتون، مساتشوستس بالولايات المتحدة. وهو واحد من رابطة الأفارقة، وتوفي فى غانا بعد ما أصبح مواطناً غانياً، وكان مديرا للموسوعة الأفريقية وعضوا فى الحزب الشيوعى. وكان أول أمريكى من أصل أفريقى يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد كما أنه أسس قسم علم الاجتماع بجامعة أتلانتا. وقد أنجز الدراسة الأمريكية الأولي عن علم الاجتماع الحضرى، والتي حملت عنوان “زنوج فيلادلفيا” (1899)، حيث قضى عاماً عاش خلاله وسط السكان السود بالحي السابع بفيلاديلفيا، وقد أجرى آلاف المقابلات الشخصية مع السكان، وجمع عينات على 10.000 نسمة، ودرس أنماط الفقر، التعليم، الحياة العائلية، الجريمة، والعلاقات العرقية. وكان العمل الذى قدمه عن الجريمة فى هذا الكتاب مؤثرا، حيث جادل فى أن تأثير العبودية والعنصرية، والهجرة الشمالية، والفقر، كلها أمور ينبغى أن تؤخذ فى الحسبان عند فحص معدلات الجريمة. كما أنه أيضا كان رائدا فى مجال علم الاجتماع الريفي من خلال أعمال قدمها مثل: الزنوج فى فارم فيل، فيرجنيا (1898) والزنجى المزارع (1904) حيث درس التأثير الدائم للعبودية، العلاقات الحميمية، والبناءات الأسرية، الممتلكات والعلاقات الطبقية فى مدن الجنوب الصغيرة. وقد كان أيضا أول عالم اجتماع أمريكي فى مجال العقيدة وأنتج عملا أساسيا عن” كنيسة الزنجى” (1903). وقد افتتح هذا المسعى التجميعي مجال البحوث الجادة عن السود فى أمريكا. أما عن إسهامه النظري فى مجال فهم السلالة والعنصرية فقد تضمن بناء علاقات بين التحليلات العرقية والطبقية وأخذ فى الاعتبار تطور نظم القمع المترابطة، علي الرغم من فشله فى الإقرار بأهمية الجنس. وعلى العكس من كل من ماركس وفيبر ودوركايم فقد اعترف دي بويه بأن التمييز العنصري أمرا أساسيا فى فهم كيف يتعامل الناس حول العالم. هذا وقد ذهبت دراسة Lemmert (2000)  إلى أن دي بويه “واحدا من أوائل المفكرين التحريريين” الذين ربطوا بين كل من السلالة، والطبقة، والعولمة.

الزنوجة وهويات سوداء جديدة

يرجع الفضل فى الكفاح “الأصيل” إلى الجهود التى قام بها توسيه لوفرتيه Toussaint L’overture  فى هاييتى، وأعمال كل من بلايدين ودي بويه التى دافعت عن هوية المشتت الأفريقى الأسود, وما كان بها من دور فى ظهور إلهام مفهوم جديد تطور فى منطقة الكاريبي الفرنسية ألا وهو “التحيز للحياة السوداء” Negritude. وقد سك هذا المصطلح الشاعر مارتيكان  Marttican  ورجل الدولة أيم سيزار Aime Cesaire  فى باريس خلال ثلاثينيات القرن العشرين فى مناقشة مع طلاب درجة الزمالة من أمثال ليوبلد سينجور وليون داماس  ووضعت  فى مجلة l’etudiant noir (الطالب الأسود). وقد استلهموا أفكارهم من حركات فكريةوثقافية في مقدمتها حركة “نهضة هارلم Harlem Renaissance”، والتى كانت تمثل “ازدهار الأدب الزنجى” خلال الفترة من 1919-1935 وتركزت فى نيويورك. هنا فإن مفكرين مثلLangston Hughes , Claude McKay  يشيدون بالثقافة السوداء المعبرة والتى ترى أن السواد ليس مصدرا للدونية ووصمة العار بل مصدراً للفخر. وتفسيرات سيزار Cesaire  لهذا المفهوم تضع السواد فى سياق العبودية الأطلسية، بينما يقدم سينجور Senghor صورة أكثر بساطة وشمولية لعالم السود. فبالنسبة له فالزنوجة هي “قيم الحضارة” لعالم الأفريقي الأسود…الشعور بالتواصل…. وهدية التناغم (Quoted in Gbson 2003: 45). إن الحالة الوجودية للكينونة السوداء قد بزغت هنا من الروح السوداء، والطبيعة السوداء، وقد تميزت بأنها ذات نظرة موضوعية للسلالة السوداء، مستوحاة جزئيا من أعمال الاثنوغرافيين الاستعماريين وعلماء السلالة مثل آرثر دى جوبينو Arther de Gobineau. أما التفسير الذى قدمه سينجور، والذي أصبح فيما بعد رئيسا للسنغال، فقد تعرض لقدر كبير من النقد. وكان للبناء الأكثر ديناميكية الذي قدمه سيزار عن الزنوجة أبلغ الأثر فى نمو الوعي الأسود. فالجمع بين هاتين الفكرتين من شأنه أن يزاوج مزايا تعبئة الهوية السوداء المشتركة فى مواجهة العنصرية والهيمنة الاستعمارية الفرنسية، ورفض سيجنور فكرة الاستيعاب واسترداد مصطلح “negre” (الزنجى) والذى كان يستخدم كتأكيد إيجابي للهوية.

وفى محاولة للتحرك فيما وراء الاستقطاب الأسود والأبيض فى العالم الاستعماري, سعى رائد الفكر الإنساني، فرانتز فانون Frantz Fanon لتقديم أفكار جديدة. لقد كان تواقا لتحرر كل من النفس والأمة، ودافع، وغالبا ما كان ذلك مؤلما، عن التأمل الذاتى والعنف الجماعي كوسائل ضرورية لبلوغ هذا الهدف. فقد تنازع على “التأكيد غير المشروط للثقافة الأفريقية” وقدم مراجعه نقدية للدعوة لرابطة الوحدة الأفريقية، بالإضافة إلى رابطة العرب، وأشكال التقييد الوطنية، فهو يفضل الدعوة الى العالمية الثالثة Third Worldism  كفضاء للمعارضة (Reed 2006). وفيما يخص انتقاد ومراجعة موقف رد الفعل تجاه الزنوجه، درس فانون تآكل سلطة الاستعمارية العنصرية التى أدت الى تطور انقسام الوعي بين النخبة السوداء. وقد ظهر هذا على سبيل المثال من خلال السياسة الفرنسية التى عملت على استيعاب نخبة سوداء صغيرة “متحضرة”، بينما يتم قمع جموع الشعب، وهو ما خلق حالة من تضارب الولاءات، فهذا يعبر عن موقف أن تكون ذو بشرة سوداء وقناع أبيض (Fanon 1967).

وتتمثل هذه الرؤى مع ما ذهب إليه دى بويه عن مفهوم هوية سلالية مزدوجة. وقد رفض فانون الحنين لثقافة نموذجية سوداء متضمنة فى ماضيها الأفريقي ودافع عن المشاركة فى العمل العنيف، “فثقافة القتال”، وحرب التحرر (فى الجزائر علي سبيل المثال)، تمثل إدراكاً للأهمية النفسية والرمزية للعنف. ولقد تعرض للانتقاد للقصور فى تصويره البعيد عن واقع التغير الاجتماعي، وتعقيدات العلاقات الاستعمارية، ورؤاه عن المرأة ونظريته عن العنف، إلا أن إسهامه كان له تأثير هائل فى التنظير للسلالة وفى تطوير دراسات ما بعد الاستعمار.

وقد جاءت المراجعة النقدية للفكرة الساذجة والرجعية عن الحشد المدمر لفكرة السلالة التى قدمها فانون موازية للكثير من الجهود المعاصرة. فنجد أن باول جيلورى Paul Gilory  فى العمل الذى قدمه بعنوان” الأطلنطى الأسود” (1993) وفى غيره من الكتابات يؤكد على التوافق الثقافي المشترك مع التحيز للجنس الأسود وهو ما لم يكن متأصلاً فى أى أصل طبيعى، أو مهجن، لكون المرء أسودا، ولكنه جاء فى التجربة التاريخية المتشابكة، والتحركات الجغرافية، والتنوع الحضارى الذى ظهر منذ فترة العبودية الأطلسية. وهنا فإن الأمة والسلالة قد عولجت بوصفها مفاهيم معيبة فى تحليلها الاجتماعي.

 وكذلك فإن التفاعل بين الشتات الأفريقي والغرب عبر آلاف السنين ينكر أى محاولة لبناء “النقاء” ومحاولات الفصل بين الهوية الأفريقية والأوروبية، أو البياض والسواد. واعتمد الأساس الاقتصادي للحداثة الأوروبية الغربية في جزء منه على مؤسسات العبودية المزرعية منتقدة بشكل متناقض فكر العبودية المتأثر بالحداثة. ويوضح جيلوري أن نقد الظلم الذى أبلغته المجادلات الأوروبية للديموقراطية التحريرية والمعاناة العالمية قد تأثر بمقاومة الرق والحركات المطالبة بإبطال الرق، كما هو الحال فى العمل الذى قدمه هيجل. وفى هذا الإطار فإن العلاقة المتبادلة بشكل حاسم بين كل من أوروبا وأفريقيا قد ساعدت على خلق ما نعرفه الآن باسم الحداثة. فقد كان جيلوري مبهورا بالسبل التى نجحت بها أجيال من المفكرين السود بالتمسك بالوعى المزدوج بأن يكونوا سوداً وأن يكونوا من الغرب، كما أنه وازن بين مفهوم القومية السوداء، والأفرقة، تلك التى استندت على أفكار حصرية عن الأسود والأبيض، وأولئك الذين يمثلون أشكالا أكيدة من الخليط ومناقشة كل من الخلط والتهجن.

بيت الجغرافيا