الصلات والروابط بين ظواهر الإثنية والعنصرية والهجرة

2020-02-28T21:24:26+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الخامس من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

ما يزال فهم الأنماط العالمية للهجرة ودراسة الروابط بين الهجرة والإثنية والعنصرية أمرًا ملحًا رغم تعرض العديد من الدراسات له. وحين نتحدث عن أنماط الهجرة فإننا في حقيقة الأمر نتحدث عن أنماط جديدة للعبودية القديمة. فغالبًا ما يتم استغلال الفقراء والمعوزين في الدول الأكثر فقرًا وإيهامهم بتحقيق حياة أفضل في دول أكثر تقدمًا. فالهجرة غير الموثقة أو غير الشرعية هي بوابة عبور لسوء استغلال المهاجرين، خاصة النساء والأطفال الذين تزدهر بهم صناعات الجنس والأعمال القسرية في المصانع والحقول، ويتعرضون لشتى أنواع العنف البدني والنفسي. ويعاني المهاجرون فرادى وجماعات من العنصرية العرقية في الدول المستقبلة. وتعاني أوطان بكاملها من العنصرية العرقية مثل فلسطين والتبت. وتأخذ العنصرية العرقية شكلاً قانونيًا ممنهجًا في بعض الأحيان مثلما حدث في بريطانيا خلال الأربعين عامًا الماضية.

ويهدف الفصل الحالي إلى العمل على استكشاف العلاقات البينية المتداخلة بين أطر وبنى كل من العنصرية والإثنية والهجرة. وكذلك العمل على تطوير نموذج عالمي لدراسة بعض من هذه السياقات الكثيرة المتنوعة، والطرق التي تعمل بها هذه الأطر والأبنية في المجتمعات المتغايرة. لقد حددت الفصول الأولى من هذا الكتاب بعض الملامح الأساسية لأنماط الإثنية والعنصرية. ويقدم هذا الفصل بعض الحجج الأساسية التي تم طرحها حتى الآن فيما يتعلق بالدور الذي تلعبه عملية الهجرة في خلق وتطوير بعض المواقف العنصرية، وكذلك أنماط وأشكال العلاقات الإثنية. وفى هذا الإطار فإننا نجد على سبيل المثال محاولات مختلفة من جانب البعض لوضع تصنيفات عالمية للإثنية تشمل تلك التي تمت على يد “توماس إركسين Thomas Eriksen 1993” و”ستيفن كاستلز Stephen Castles 2000″، حيث قامت هذه النماذج بدراسة سكان أصليين يتم العمل على سلب ممتلكاتهم وقهرهم بواسطة المستعمرين.

الهجرة 

كلنا مهاجرون. وكما تمت الإشارة في الفصل الأول من هذا الكتاب فإن البشر قد هاجروا من مواطنهم الأصلية في إفريقيا. وقد أدى الاستمرار في عمليات الهجرة من القارة الإفريقية حتى اليوم إلى أن أصبحت الدول الإفريقية أكثر الدول التي تُشرع قوانين وسياسات للتقليل من موجات الهجرة أو الحد منها.

 وتتشكل  ظاهرة الهجرة عبر حركة الأفراد، التي أحيانا ما تكون إرادية أو إجبارية تفرضها ضرورة سياسية أو اقتصادية أو أية عوامل أخرى. وقد تم الإجماع الدولي على أن الهجرة حق إنساني أصيل تم الإقرار به كبند أساسي ضمن ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. وتعد الهجرة ظاهرة عالمية حيث يعيش حوالي 175 مليون شخص أي 3 % من سكان العالم في دول غير التي ولدوا بها. علاوة على أن أعداد المهاجرين منذ عام 1970 وحتى عام 2000 تتزايد وتتضاعف بأعداد تقارب 21 مليون شخص في العقد الواحد، مع ملاحظة أن معدل الهجرة بالنسبة للنسبة الكلية من سكان العالم كانت أعلى من ذلك المعدل بكثير في الفترات التاريخية السابقة لتلك العقود ( Hayter 2004) .

ودون مراعاة الطبيعة الاجتماعية الأصيلة للهجرة البشرية، فإن المهاجرين يخضعون بشكل متزايد لمستويات عالية من التحكم والتنظيم. وقد أدى تزايد الاهتمام القومي بالنتائج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الناجمة عن الهجرة إلى سياسات ومحاولات متزايدة للتقليل من موجات الهجرة والتحكم فيها. وقد أصبحت تلك السياسات متبعة في حوالي 44 % من الدول المتقدمة وحوالي 39 % من الدول النامية، بينما على الجانب الأخر تبحث 20 % من دول العالم عن سياسات تسعى للتقليل والحد من الهجرة الدائمة منها على سبيل المثال موزمبيق ونيبال ورواندا وزامبيا (United Nations 2002).

 وبدراسة الأنماط التاريخية العالمية للهجرة تم التوصل إلى أن هناك أربعة مراحل رئيسية اتخذتها الظاهرة منذ القرن السادس عشر(Hayter 2004 ) وهى كالتالي :

  • النقل القسري لحوالي ما بين 10 إلى 20 مليون عبد من أفريقيا إلى أمريكا الشمالية والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي.
  • الهجرة القسرية الجزئية للعمالة بالسخرة و”العبيد المقيدين (المؤقتين) حيث نُقلوا من الهند إلى مناجم الفحم والمزارع في جنوب إفريقيا وبورما وجوايانا، وكذلك من الصين إلى جنوب إفريقيا والكاريبي وجنوب شرق آسيا.
  • هجرة طوعية للأوروبيين إلى أمريكا الشمالية والجنوبية ووسط وجنوب إفريقيا وأستراليا مع نشأة الإمبراطوريات الاستعمارية.
  • هجرة ما بعد الحروب والتي تتخذ العديد من النماذج والأنماط كما حدث في الهجرة من دول العالم الثالث إلى الدول الصناعية حيث أن هناك حوالي 35 مليون شخص تندرج هجرتهم تحت هذا النمط.

ويرتبط كل نمط من هذه الهجرات ارتباطًا وثيقًا بمجموعة من العناصر الأساسية في تكوين وهيكلة الإثنية في سياقات العبودية والاستعمار وما بعد الاستعمار. فقد تبلورت العلاقات الإثنية أو العرقية بشكل مركزي عن طريق أنماط الهجرة سواء كانت عن طريق اضطهاد الأغلبية الساحقة من السكان الأصليين عن طريق الاستعمار والمستعمرين، أو عن طريق التمايزات الإثنية بين الشعوب في السياقات الاستعمارية السابقة والمجتمعات الأوروبية.

 وبدراسة بعض النماذج العالمية المعاصرة والحديثة للهجرة؛ قامت منظمة الأمم المتحدة بتقسيم الدول إلى ست مناطق رئيسة، هي : أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، وأمريكا الشمالية والإقيانوسية (أستراليا وجزر المحيط الهادئ). وبداخل هذه المناطق صنفت مناطق أصغر على أنها إما متقدمة أو أقل تقدمًا. فالمناطق الأكثر تقدما تشمل أستراليا ونيوزيلندا وأوروبا وأمريكا الشمالية واليابان. والأقل تقدمًا تشمل كافة المناطق الأفريقية والأسيوية (ماعدا اليابان) وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بالإضافة إلى ميلانيزيا، وميكرونيزيا وبولونيزيا.

أنماط عالمية للهجرة : بعض المؤشرات الرئيسية. 

  • يميل المهاجرون للعيش في المناطق الأكثر تقدما ( 60% )

  • تحتوى أوروبا على العدد الأكبر من المهاجرين (56 مليون)

  • انخفضت أعداد المهاجرين في الدول والمناطق الأقل تقدما بمعدل 2 مليون مهاجر في الفترة مابين 1990-2000.

  • الثلاث دول الأكبر استقبالا لأعداد المهاجرين هي : الولايات المتحدة الأمريكية (35 مليون) وروسيا الاتحادية (13 مليون) وألمانيا ( 7مليون).

  • الثلاث دول التي تستحوذ على أعلى نسبة مهاجرين لإجمالي السكان تقع كلها في غرب آسيا وهي : الإمارات العربية المتحدة (حيث يشكل المهاجرون 74 % من إجمالي السكان) والكويت (58%) والأردن (40 % ).

  • في عام 2000، وصل عدد اللاجئين حوالي 16 مليون لاجئ حول العالم، ينتمي معظمهم للمناطق الأقل تقدما.  (المصدر: الأمم المتحدة عام 2002).

 كما قامت الأمم المتحدة بدراسة مفصلة لأهم أنماط موجات هجرة ما بعد الحرب وخلصت نتائج الدراسة التي سيعرض لها بالتفصيل في القسم التالي إلى أن هناك أربعة أنواع من موجات الهجرة كانت محل اهتمام وتركيز الحكومات الوطنية بشكل خاص. وهي :

  • هجرة العمالة.
  • لم شمل الأسر.
  • اللاجئون وطالبو اللجوء.
  • المهاجرون غير الموثقين والعبيد الجدد.

هجرة العمالة

يواجه العمال المهاجرون تقييدا وانتقائية متزايدين في السماح لهم بالهجرة للدول المتقدمة والدول النامية على السواء، وذلك على الرغم من تزايد الاعتراف بأن حقوق المهاجرين من العمال وعائلاتهم في حاجة للحماية. علاوة على تبني عدد من الاتفاقيات الإقليمية التي تهدف إلى تسهيل حرية الحركة بين الدول. ولكن تطوير وتبني استراتيجيات وسياسات للتحكم في الهجرة وتقييدها – والتي تم تطبيقها وإعمالها بداية من عام 1970م في العديد من البلدان – أدى إلى تناقص كبير في معدلات هذا النوع من الهجرة. ففي غرب وشمال أوروبا توقف عمليًا توظيف العمالة المهاجرة المنظمة حيث تتبنى العديد من الدول أيضًا برامج ترحيل حكومية تقدم تحفيزات للعمال المهاجرين للعودة إلى أوطانهم على الرغم من النجاح المحدود الذي أصابته تلك البرامج مثلها في ذلك مثل العديد من سياسات وبرامج الهجرة. وتكمن المفارقة هنا في أنه على الرغم من تزايد الضغوط والقيود على الهجرة العمالية إلا أن هناك زيادة واضحة في أعداد الوافدين الأجانب إلى العديد من البلدان حول العالم. ويرجع ذلك إلى تنامي أنواع أخرى من الهجرة مثل الهجرة بهدف توحيد الأسرة وكذلك الهجرة عن طريق اللجوء السياسي.

 وفى تلك البيئة التي يزداد فيها تقييد الهجرة، تعكس السياسات وتيرة أكبر في تبني الانتقائية في عمليات الهجرة. وذلك عن طريق تفضيل الأشخاص والمجموعات من الأفراد التي تناسب احتياجات سوق العمل في الدولة المستقبلة لموجات الهجرة، ومن هؤلاء على سبيل المثال أولئك الذين يعملون في مجال العلوم والتكنولوجيا، وأولئك الذين يمتلكون مهارات تكمل النقص الذي يواجهه سوق العمل، بالإضافة إلى هؤلاء الذين بإمكانهم جلب رأس المال.

وقد عملت العديد من البلدان المتضررة من موجات الهجرة الضخمة إليها على محاولة الحد من تلك الموجات منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. وذلك عن طريق سن بعض التشريعات التي حددت امتلاك مجموعات من المهارات كشروط لدخول المهاجرين إليها. وكان لهذه التشريعات بعض الأثر. فعلى سبيل المثال كانت أحدث موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ينتمي أغلبها إلى قارتي آسيا وأوروبا. أما في كل من كندا وأستراليا فقد تم تعليق الوزن العددي لمعدلات الهجرة إليهما على عدة عوامل، مثل التعليم والمهارات اللغوية ومجالات العمل. ونتج عن ذلك تقليل نسبة المهاجرين المعتمدين على العلاقات الأسرية بأناس مقيمين في تلك الدول. كما تزايد الاهتمام والتركيز على ما يعرف بـ”هجرة العقول” للمهاجرين المؤهلين بشكل مرتفع خصوصًا على المستوى الصحي والمستوى التعليمي.

 وعلى الرغم من تزايد محاولات الحد من موجات الهجرة في العديد من بلدان العالم إلا أن هناك العديد من تلك البلدان تعتمد على العمالة الأجنبية بشكل أساسي كما في حالة الدول المنتجة للبترول في منطقة الخليج العربي، حيث أصبحت هذه الدول وجهة أساسية للعمالة المهاجرة من آسيا بالرغم أن تلك الأعداد الكبيرة من المهاجرين إلى دول الخليج شهدت تراجعًا ملحوظًا نتيجة لنشوب حرب الخليج الأولى عام 1990. ومن ناحية أخرى فإن العديد من حكومات الدول المرسلة للمهاجرين مثل إندونيسيا والفلبين تشعر بقلق شديد إزاء سوء المعاملة والانتهاكات التي يتعرض لها عمالها المهاجرون في العديد من الدول على مستوى العالم. وهو ما دفعها إلى أن تشتبك بنشاط أكبر في قضايا الهجرة، كما اتخذت تلك الدول بعض الخطوات الجادة في سبيل حماية قواها العاملة بالخارج والحفاظ عليها.

 أما في جنوب أوروبا وبتنامي التقدم الاقتصادي هناك، فإن العديد من البلدان التي كانت مصدرة للهجرة التقليدية مثل إيطاليا واليونان وأسبانيا والبرتغال تحولت إلى دول مستقبلة للهجرات. ويقصدها العديد من العمال المهاجرين الذين ينتمون بشكل أساسي إلى دول شمال أفريقيا مثل المغرب وتونس ومصر. ويعملون في القطاعات ذات الأجور المنخفضة مثل البناء والأعمال الحرفية، إضافة إلى الزراعة.

لم شمل الأسرة

لقد أصبح هذا النوع من الهجرات من أكثر مصادر الهجرة الشرعية خاصة في أوروبا التي تتبنى الحكومات فيها محاولات جاهدة لوقف موجات الهجرة إليها، خاصة من المهاجرين غير البيض. وذلك من خلال وضع قيود أساسية على هجرة الأيدي العاملة. وتستمد هجرة لم شمل الأسرة الاعتراف الوطني بها من خلال احترام بعض الحقوق، مثل الحق في الحياة العائلية وكذلك حق الفرد في السفر والتنقل. وهناك ثلاثة أبعاد أساسية للجدل السياسي حول هذا النوع من الهجرة تتمثل في (1) اعتبارات حقوق الإنسان و(2) القلق حيال اندماج المهاجرين المعتمدين على من سيعولهم في البلد المستقبل لهم، و(3) كلفة توفير دعم صحي وتعليمي ومميزات رفاهية لهم. وتؤدي الاستجابات القومية المتباينة حيال النقاش إلى قدر من التنوع في العديد من التعريفات والمفاهيم لكل من الأسرة ومعايير القرابة والحقوق التي تُمنح للمهاجرين الوافدين إلى تلك الدول وفق إجراءات إعادة الاندماج الأسرى. وفي كل الدول تطبق الأحكام والشروط التي تعطى الحق في الاندماج الأسرى على المتزوجين وغير المتزوجين والأطفال القصر. ولكن ثمة اختلافات كبيرة بين تلك الدول في معالجة أمور مثل عمر الأطفال وتعدد الزيجات والشركاء غير المتزوجين والمثليين وكذلك الأقرباء الآخرين.

اللاجئون وطالبو اللجوء

 صاحبت محاولات بعض الدول تغليظ القيود على الهجرة زيادة كبيرة في أعداد اللاجئين خلال فترتي الثمانينيات وبداية التسعينات من القرن الماضي. وقد نتج عن ذلك، على سبيل المثال، عدد من الصراعات مثل التي شهدتها مناطق القرن الأفريقي وأفغانستان. وتنص اتفاقيه جنيف على أن “كل شخص يثبت أنه يتعرض للاضطهاد أو التمييز في دولته، أو إقليمه، لأسباب تتعلق بالعرق أو الدين أو الجنس أو العضوية في جماعة بعينها أو الانتماء لرأي سياسي، يملك الحق في طلب اللجوء لدولة ثالثة”. وقد تفشت ظاهرة الامتناع عن منح اللجوء خلال السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي وهى الفترة التي شهدت أزمة الخليج والصراع الإثني في رواندا وتفكك يوغسلافيا، ما أدى إلى معدلات تهجير دولي واسع النطاق وغير متوقع للسكان. فعلى سبيل المثال لم تزد نسبة الموافقة على منح اللجوء لدول الاتحاد الأوروبي عن 11% فقط خلال عامي 2000-2001 “.

ويتمثل الافتراض الضمني الذي يحكم سياسات اللجوء وقبول اللاجئين في العديد من الدول في أن معظم طالبي اللجوء يتم التعامل معهم على أنهم مهاجرين لأسباب اقتصادية وعليه أصبحت الإجراءات المقيدة المتخذة في العديد من الدول تشمل ضرورة وجود تأشيرة، وجمارك تُفرض على الأمتعة، علاوة على الإجراءات الداخلية لكل دولة (مثل إجراءات من قبيل أن يسلم طالبي اللجوء استمارات طلبهم في قنصليه أو سفارة في دولتهم أو إقليمهم ). كما تم تبنى مبدأ “الدولة الآمنة Safe Country” وهي الدول التي تعيش حالة من الاستقرار ولا مبرر لطلب اللجوء منها، وبموجب ذلك قد يتم رفض طلب اللجوء لعدم استيفاء الإجراءات القومية للجوء. ويتم إرسال طالب اللجوء في هذه الحالة “لدولة ثالثه آمنة” إذا ما ثبت انتقال هؤلاء المهاجرين إلى إحدى تلك الدول الآمنة قبيل تقديم طلب اللجوء. وقد تجاوزت بعض الدول مثل النمسا وألمانيا وسويسرا ذلك بخطوة ووضعوا قائمة بأسماء الدول والأقاليم الآمنة والتي لا يتم منح اللجوء لمواطنيها.

 وعلاوة على ذلك تلجأ بعض الدول الآن إلى العمل على تسريع البت في الإجراءات المتعلقة بطلبات اللجوء التي تبين أنها تمت على أسس إجرائية غير صحيحة وفرض قرارات ترحيل فيما يتعلق بالطلبات المرفوضة. ويتم ذلك عادة عن طريق فرض إقامة جبرية على مقدمي تلك الطلبات لتسهيل عملية ترحيل سريعة لتلك الحالات. وفي واقع الأمر تتراوح إجراءات السيطرة المحكمة أثناء إجراءات التقدم بطلب اللجوء بين أخذ البصمات إلى فرض الإقامة شبه الجبرية في أماكن الاستقبال على المتقدمين الذين يندرجون تحت تلك الفئة من طالبي اللجوء. وأحد الآثار المترتبة على تلك التدابير أن المهاجرين الذين يتم إجبارهم على المغادرة إلى وطنهم ولا يتسنى لهم ذلك، قد أصبحوا في زيادة كبيرة وتتراوح أعدادهم ما بين 20-25 مليون شخص (الأمم المتحدة 2002) ومما سبق نتنين أن الاعتراف الدولي بالنظام القانوني لعملية اللجوء أضحى يتهدده خطر حقيقي.

الهجرة غير الموثقة والعبودية الحديثة

على الرغم من صعوبة رصدها وتقديرها فإن الهجرة غير الموثقة في زيادة مستمرة نتيجة لزيادة القيود على الهجرة في بعض الدول وتخفيف القيود عليها في مناطق أخرى (شرق أوربا على سبيل المثال). وقد أدى ذلك إلى تصاعد ظاهرة الاتجار بالبشر. ويتراوح القائمون على هذه التجارة ما بين مجموعات صغيره من الأفراد يقومون بنقل المهاجرين عبر الحدود، إلى شبكات جريمة دولية تزداد بشكل مستمر وتقدم خدمات شاملة تشمل توفير وثائق مزوره ووسائل نقل وتسهيلات لعبور الحدود وأماكن للإقامة المؤقتة أو الدائمة في الدول المستقبلة، بالإضافة إلى وسائل للتوظيف غير القانوني. وقد لخص استبيان دولي أُجري مؤخرًا عن الاتجار بالبشر طبيعة الظاهرة ونطاقها.

وقد حرصت الدول والمنظمات الدولية غير الحكومية على التوثيق الجيد للعلاقة العضوية بين الهجرة والأنماط المعاصرة للعبودية. وكانت أول منظمة عالمية لحقوق الإنسان هي المنظمة الدولية لمكافحة العبودية www.antislavery.org، والتي أسست عام 1839م. كمؤسسة تهدف بالأساس لمكافحة العبودية وفضح وسائلها وممارساتها. وعملت هذه المنظمة على تدشين الحملات ضد الأشكال العديدة التي تتخذها العبودية الحديثة. فقامت على سبيل المثال بالعمل على تحديد هوية بعض نساء أوروبا اللاتي يتم دفعهن إلى الدعارة، وبعض الأطفال الذين يخضعون للاتجار بين دول غرب إفريقيا والرجال الذين يتم إجبارهم على العمل كعبيد في الشركات الزراعية البرازيلية. كما حددت المنظمة عدة تعريفات لمفهوم العبد وذهبت إلى أنه ” شخص ما يتم إجباره على العمل في ظل مخاطر بدنية وعقلية ويملكه أو يتحكم فيه صاحب عمل، وذلك من خلال سوء الاستغلال أو التهديد بسوء الاستغلال (الانتهاك) العقلي والبدني. كما عرفته بالشخص الذي تنزع منه إنسانيته ويعامل كسلعة أو يباع ويشترى كملكية خاصة، أو على أنه الشخص الذي يتم تقييده بدنيًا أو تفرض قيود على حرية حركته”. ويعد ما يعرف بـ ’’العمل المقيد‘‘ أحد أنماط العبودية الحديثة. ويتم من خلاله حصول ملايين من العمال أو يخدعون لدفعهم للحصول على قروض صغيرة جدًا يعادل كل منها ثمن الدواء لطفل مريض. ولسداد الدين، يتم إجبار العديد منهم على العمل لساعات طويلة، سبعة أيام أسبوعيًا على مدار العام دون راحة. ولا مقابل لعملهم سوى الطعام والإقامة حتى لا يستطيعوا تسديد الدين الذي عادة ما يتم توارثه لأجيال.

 وثمة اختلافات جوهرية بين “تجارة الرقيق الأطلسية” والعبودية الحديثة. فقد أصبح دور العنصرية مختلفًا. واتسع نطاقه كذلك بحيث أصبح كافة الأفراد أهدافًا للعبودية الحديثة. وذلك بخلاف تجارة الرقيق الأطلسية. كما أن النساء والأطفال قد أصبحوا ضحايا أساسيين للعبودية الحديثة. وهؤلاء الذين يتم شرائهم وبيعهم واستعبادهم يأتون في الغالب من كل قارة. ويتم بيعهم في كل دول العالم. ثانياً: اختلف الحجم، حيث يُقدر عدد من يتم استعبادهم على مستوى العالم بأكثر من 27 مليون شخص. وذلك أكثر من ضعف الرقم الذي تم تهجيره للأمريكتين عبر تاريخ يمتد لأربعة قرون من تجارة الرقيق الأطلسية.

 وعلى الرغم من تلك الاختلافات بين نمطي العبودية إلا أن ثمة تشابه وتقاطع في الاستخدام المتزايد للقانون لتقليص كلا الشكلين والقضاء عليهما في كون بعض أشكال العبودية الأطلسية شرعيًا على مدار فترات طويلة إلى أن تم إلغائها. وكذلك كانت عمليات الاتجار بالبشر في العصور الحديثة قانونية للعديد من السنوات حتى ظهرت المبادرات الحديثة لتطوير التشريعات للقضاء على تلك الظاهرة.

وتتجاهل البرامج الهادفة لمنع تجارة البشر زبائن تلك التجارة الذين يقومون بإنعاشها. وهؤلاء مثل أصحاب المصانع أو المزارع المستغلين، وزبائن الدعارة، ومن يستأجرون الخدم. فالأنشطة الهادفة للقضاء على هذه الظاهرة تركز فقط على جانب العرض بهدف تقليصه، وحماية الضحايا، وملاحقة التجار. وتتجاهل زبائن وعملاء هذه التجارة الذين يدرك بعضهم بشكل كامل سوء المعاملة التي يتعرض لها الضحايا، ويجهل الكثيرون منهم مدى الاستغلال والانتهاك الشديدين التي تتضمنها عملية الاتجار بالبشر. ولا يعرفون أن أغلبية ضحايا الاتجار بالبشر لم يختاروا هذا الأسلوب في الحياة بمحض إرادتهم، ولكنهم اجبروا واكرهوا عليه ( تقرير لجنة الاتجار بالبشر، الأمم المتحدة 2006).

وبجانب العصابات المنظمة في مجال جريمة الاتجار بالبشر وسماسرة ومالكي الرقيق، تلعب الدول أحيانا دورًا مباشرًا في الاتجار بالبشر. فدول مثل ميانمار (بورما) والصين وموريتانيا والسودان هي أمثلة لدول عملت حكوماتها بالعديد من الوسائل لدعم عبودية مواطنيها، خاصة من خلال أشكال العمل القسري. ويعد نظام ” لاوجاي Laogai” مثالاً على ذلك، وهو نظام للعمل القسري في مخيمات العمل في السجون الصينية. وتتعرض رواية للكاتب الصيني هاري يو لهذه المسألة بشكل مفصل (انظر الفصل الخامس من رواية “مستبعد”، قصص جديدة من العبودية الحديثة، ساج وكاستان 2006 ولمعلومات إضافية يمكنك الاطلاع على الموقع التالي: www.laogai.org).

تحليل الهجرة والعنصرية والإثنية:

ينشغل الفصل الذي بين أيدينا بطبيعة وتعقيد العلاقات بين حركة البشر (الهجرة) والحدود التي يتم فرضها بين جماعات بشرية لهم مفردات ثقافية وأصول “إثنية” مشتركة، وكذلك طرق تشكيل المعالجة السلبية للجماعات الإثنية. وتسعى السطور التالية إلى التعرف على بعض الطرق الأساسية التي يحدث ذلك من خلالها. وهناك العديد من المناهج والطرق التي يمكن استخدامها لدراسة هذه الأسئلة وتتضمن:

  • النماذج الإقليمية للأشكال الأساسية للعلاقات مثل: تقرير الأمم المتحدة للهجرة (2002) في أفريقيا، آسيا، أوروبا، أمريكا اللاتينية، منطقة البحر الكاريبي، وأوقيانوسيا، وكذلك تقرير “جولدبرج” للإقليمية العرقية (2008) وتقرير “ويناند” للتكوينات العرقية (2001) – والذي ستتم مناقشته لاحقاً.
  • النماذج القومية التي تتخذ من كل دولة أو قومية موضوعًا لدراسة الحالة، مثل دراسة العرق والإثنية والهجرة والثقافة في اليابان.

ونسعى فيما يلي إلى دراسة هذه المناهج والطرق وفحص قيمتها وايجابياتها وإخفاقاتها عن طريق ما يلي:

 أولاً: دراسة واحد من الأشكال الأساسية للحكم العنصري المعاصر. وهو العنصرية ضد الفلسطينيين وعلاقاتها الوثيقة بعمليات الهجرة. وإضافة إلى ذلك وبالتوازي مع هذا السياق، سوف تتم دراسة الهيمنة العرقية الصينية على إقليم التبت.

 ثانياً، انطلاقا من تقرير التنوع الإثني في المملكة المتحدة والذي تمت دراسته في الفصل الرابع، سيتم بحث العلاقات بين الهجرة والعرقية والإثنية من خلال التركيز على السياقات السياسات، وسياسة الهجرة، وسياسة العلاقات العرقية، والقانون الانجليزي.

وقد شرع اثنان من المنظرين الكبار وهما: “ديفيد جولدبرج” (2008) و”هورت وينانت” (2001) في دراسة الأشكال التاريخية والمعاصرة للسلالة والإثنية من خلال التركيز على عمليات مختلفة عبر مناطق مختلفة حول العالم. ويقدم “جولدبرج” تصنيفا جديدا لهذه المناطق.

أشكال “جولدبرج” للعمليات العرقية المعاصرة:

  • العنصرية الأمريكية: وتشمل العمليات التاريخية للفصل العنصري والعنصرية المولدة من جديد، واتصالها بمفهوم الإمبريالية الجديدة.

  • العنصرية في فلسطين: وتشمل عمليات الاحتلال، والفصل، والهيمنة العسكرية.

  • العنصرية الأوروبية: وتشمل تحديد الحدود الثقافية والإقليمية من جديد من خلال التعامل مع الهجرة على أنها التهديد العرقي الأساسي.

  • العرقية في أمريكا اللاتينية: وتشمل عمليات التنظيم والتقدم الاجتماعي، واحتواء الخليط العرقي.

  • العنصرية في جنوب أفريقيا: وتشمل الانتقال من القيود القمعية لنظام الفصل العنصري إلى ازدواجية ما بعد العنصرية.

  • العنصرية الليبرالية الجديدة (العابرة للأقاليم): وتشمل الانتقال من العنصريات العامة التقليدية وعنصرية الدولة إلى إعادة خلق الانقسامات وعدم المساواة من خلال الخصخصة، والتركيز على الأمن والتحكم من خلال الهجرة على سبيل المثال.

وتتنوع كل هذه الأشكال في مداها ما بين المستوى شبه القومي إلى المستوى القاري. ويعرف “جولدبرج” (2008: 87) هذه الأشكال بأنها مشاهد دائمة التفاعل والتداخل. ولكنه يذهب إلى القول بأنها تتسم بالتمايز العرقي فيما يخص تاريخها وظروفها وطرق التعبير عنها (2000).

 أما نهج “وينانت” فهو قائم على الاهتمام بالتغلب على التركيز على حدود الدول القومية كوحدات أساسية للتحليل بالتأكيد على كل من كيفية عمل النظام العنصري الدولي ودراسة حالات إقليمية أو قومية مثل الولايات المتحدة، أوروبا، البرازيل، وجنوب أفريقيا.

وأوجه التشابه بين هذين النمطين واضحة. وتشير إلى بعض الاتفاق حول أهم المراكز والمواقع الأساسية المعاصرة لتحليل العنصرية. ولكن.. ماذا يفتقد كلا النموذجين؟

 بمقارنة تلك النماذج بتقديرات الأمم المتحدة حول الهجرة العالمية التي بحثت التوجهات في ستة مناطق مختلفة وهي: أفريقيا، آسيا، أوروبا، أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا، يتضح أن منطقة أوقيانوسيا ومناطق ضخمة في أفريقيا وآسيا لا يتم الاهتمام بها وأخذها في الاعتبار في النموذجين. ومن حيث عدد السكان، فإن 8 دول من أكبر 10 دول حول العالم لا يتم الاهتمام بها في النموذجين، وهي: الصين، الهند، إندونيسيا، باكستان، بنجلاديش، نيجيريا، روسيا، واليابان.

 ومن حيث أكبر عشرة تكتلات بشرية أساسية في العالم، فإن ستة تكتلات منها لم تُمثل في هذه التحليلات وهي طوكيو (اليابان)، سول (كوريا الجنوبية)، مانيلا (الفلبين)، مومباي ودلهي (الهند)، وشنغهاي (الصين). فلقد كان للهجرة تأثير كبير على كل هذه الدول والمجتمعات الحضرية حيث تتصف جميعها بأشكال مختلفة من التنوع والتمايز الإثني. كما يلعب العرق دورًا هامًا في هذه السياقات. كما تم توضيحه والتركيز عليه في حالات الصين واليابان من قبل في ذلك الكتاب.

وقد أقر “”جولدبرج”” و”وينانت” بهذه الانتقادات بشكل عام حيث أشارا إلى ضرورة الحذر من التعميمات التي لا أساس لها. ويحاول “جولدبرج” جذب الانتباه بشكل خاص لشكلين آخرين من المناطق العنصرية في تصنيفه لكي يتم تناولهم بمزيد من الدراسة لاحقا، وهما، أولا: ” الآسينة العنصريةRacial Asianisation” والتي تغطي على سبيل المثال العنصرية التي يواجهها “الكوريين الزاينتشي Zainichi Koreans” في اليابان، وكذلك الطرق التي تتبلور من خلالها الممارسات والفكر العنصري في الهند والصين. ثانياً، “البلقنة العنصرية” التي لا تزال خارج الاهتمام ولا زالت تحتاج إلى دراسة تفصلها وتحدد معالمها.

 لقد ناقشنا جوانب ومناحي العنصرية في أمريكا وأوروبا. والآن سوف نتحول لمناقشة واحد من أكثر الأمثلة قمعًا وإخضاعًا وإهانة ودموية (“جولدبرج” 2008: 106). وهي العنصرية ضد الفلسطينيين. وهي الحالة التي تحمل أوجه تشابه مع مثال سوف يتم التعرض له لاحقًا في هذا القسم. ولم يتم تناوله في هذين النموذجين العالميين الذين تم شرحهما، وهي حالة “التبت”، وما يناظرها ويوازيها من احتلال عسكري وتضييق وتحكم عنصري.

العنصرية ضد الفلسطينيين

 عرض الكتاب للتطور التاريخي لمعاداة السامية في الفصل الأول. أما الأشكال المعاصرة من معاداة السامية والعنف المرتبط بها فسوف يتم تقديمها في الفصل السادس. وبالأخذ في الاعتبار طبيعة ومدى معاداة السامية، تاريخيًا وجغرافيًا، يبدو من التناقض أن تكون إسرائيل مسئولة عن خلق شكل جديد من الدولة العنصرية. والغرض من هذا القسم هو دراسة هذه الحالة المحددة المسماة “العنصرية ضد الفلسطينيين” عن طريق نموذج “جولدبرج” (2008). وسوف نوضح في الفصل السادس كيف أن مدى النقد الموجه إلى الدولة الإسرائيلية يخلق شكلاً جديدًا من معاداة السامية.

تشير كلمة “فلسطين” إلى منطقة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط وحتى نهر الأردن، ومن جنوب صحراء النجف إلى منطقة بحيرة الجليل في الشمال. وقد تم التأكيد على الترسيم الإقليمي لحدود الهوية الفلسطينية كرد فعل على الاحتلال الفرنسي والبريطاني لها في بدايات القرن العشرين وبالتزامن مع تأسيس إسرائيل. وقد بدأ تأسيس دولة إسرائيل بعد انتهاء الحكم العثماني في عام 1917م وإنشاء عصبة الأمم التي أقرت الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1919م والتي بدورها اعترفت بهذه المنطقة كوطن قومي لليهود.

لقد كانت الهجرات وعمليات الطرد والنفي والإخلاء، مفاهيم ومرتكزات إستراتيجية مركزية تم العمل من خلالها على نقل اليهود إلى إسرائيل، وكذلك الانتقال القسري والطرد والإجلاء للفلسطينيين إلى مناطق محددة ومنفصلة. وقد أدى انتهاء الانتداب البريطاني في عام 1948م – وما تلاه من خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين والتي وضعت حدودا منفصلة لدولتين فلسطينية وإسرائيلية – إلى القضاء على فلسطين كنطاق جغرافي محدد المعالم، وأدت إلى الهجرة الجماعية لبعض الفلسطينيين واليهود العرب من أراضيهم. وأدى ذلك إلى إنشاء إسرائيل – كدولة تشبه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا – وما ترتب على ذلك وما تلاه من انتقاص وسلب حقوق وسلطة الفلسطينيين، ومصادرة ممتلكاهم وفرصهم المادية في الحياة.

وقد أكد مؤتمر الأمم المتحدة العالمي ضد العنصرية – كجزء من إعلانه حول الجماعات المعرضة للاستضعاف وضحايا التمييز العنصري – أن الشعب الفلسطيني شعب تحت الاحتلال الأجنبي. وأقر بحقوقهم غير القابلة للمصادرة في تقرير المصير، بالإضافة إلى حق اللاجئين في العودة وفق إرادتهم لأوطانهم وممتلكاتهم بكرامة وأمان. وفي الآونة الأخيرة، وتحديدًا في أكتوبر 2008م عملت “اللجنة الفلسطينية الوطنية للمقاطعة Boycott National Committee BNC”، التي تمثل أكثر من 170 منظمة مجتمع مدني فلسطينية، على جذب الانتباه إلى حقيقة أن الأنماط المتعددة للتمييز المؤسسي الإسرائيلي الممنهج ضد الشعب الفلسطيني يعد شكلاً من أشكال” القمع العنصري”. ومن بين الصور التي يتخذها هذا القمع ما يلي:

  • المنع المستمر لعودة اللاجئين الفلسطينيين بوسائل تشمل القهر، والقانون، والأحكام القضائية.
  • مصادرة 3350 كيلو متر مربع (حوالي 60%) من الضفة الغربية بما يخدم الاستعمار اليهودي، وبما يتضمن الاستيطان المستمر ومحاولات العزل والفصل بين القدس الشرقية ونهر الأردن.
  • تمرير قوانين عنصرية عبر البرلمان الإسرائيلي لتقييد الحقوق المدنية الأساسية للفلسطينيين.
  • حصار قطاع غزة.
  • العزل المستمر وهدم منازل الفلسطينيين في إسرائيل، بما فيهم بدو النقب.
  • مصادرة الأراضي المملوكة للفلسطينيين داخل إسرائيل.
  • الحرمان مما يتوجب فعله تجاه نحو 11000 سجين فلسطيني في السجون الإسرائيلية، متضمنا من هم رهن الاعتقال الإداري المعرضين للتعذيب ومختلف أشكال سوء المعاملة.

ويتخذ سياق الصراع العربي الإسرائيلي درجة عالية من التسييس والنزاع، ويبدو مسرحا دائما للادعاءات والادعاءات المضادة والاتهامات بالعنصرية والرفض لهذه الاتهامات وما إلى ذلك من أصداء على الساحات العالمية والقومية والمحلية (سوف تتم دراسة أشكال أخرى لمعاداة السامية متصلة بهذا السياق في الفصل التالي). وفي دراسته لهذه المنطقة، وضع “جولدبرج” حالة مقنعة للتركيز عليها لمناقشة العنصرية ضد الفلسطينيين حيث قام بربطها برؤيته للعنصرية الأمريكية “الأمركة العنصرية”. وبدون مناقشة حق إسرائيل في الوجود، هاجم “جولدبرج” ما تقوم به الدولة الإسرائيلية من عمليات في حق الفلسطينيين حيث تتعامل معهم على أنهم شعب ” ليس له أهمية ولا يرغب في وجوده أحد”. ووصف تلك العمليات بأنها “مفرطة وحادة”. كما هاجم ما يصاحب ذلك من إعمال آلة “القتل والهدم” والدمار.

ويوضح الصراع الأخير في غزة 2008/ 2009 العديد من الأفكار التي نطرحها هنا. ويؤكد ذلك الصراع الرؤية التي تقول إن مسألة تحقيق علاقات سلمية بين الدولتين تبدو غير ممكنة التحقق في الوقت الحالي. فحل الدولتين من شأنه أن يعطي عرب إسرائيل بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين الجنسية في الدولة الفلسطينية الجديدة، علاوة على أنه يقدم للمواطنين العرب في الدولة الإسرائيلية اختيار الحصول على الجنسية الفلسطينية، بالإضافة إلى أن الفرصة ستظل لديهم أيضًا للبقاء كمواطنين إسرائيليين. ورغم أن ذلك الفرض مستبعد الحدوث إلا أن فرصته أفضل من إمكانية إنشاء دولة مستقلة على غرار نموذج التبت في الصين، حيث تنشط مبادئ وآليات الهيمنة العرقية بشكل صارخ.

الهيمنة العنصرية للصينيين في إقليم التبت:

صار جليا ما يتعرض له المواطنون من أذى جراء الأساليب العنصرية في إقليم التبت. وكما في الحالة الفلسطينية، فإن عمليات الأذى والاضطهاد والتمييز التي يتعرض لها المواطنون في التبت قد تعرض لها المؤتمر الدولي للعنصريةWCAR منذ عام 2001 وما بعد ذلك.

وإقليم التبت إقليم هضبي في وسط آسيا يبلغ حجمه حجم أوروبا الغربية. وكان مملكة مستقلة سابقا إلى أن تم غزوه واحتلاله من قبل جمهورية الصين الشعبية في أعقاب انتصار الحزب الشيوعي الصيني في الحرب الأهلية عام 1949، وهو ما تسبب في موت حوالي مليون مواطن تبتي. هذا بالإضافة إلى تدمير أكثر من 6000 من المعابد ودور العبادة. فضلاً عن سجن وتعذيب الآلاف من السكان التبت. ورغم كل ذلك فما زالت الصين متمسكة بأن العنصرية ظاهرة غربية وليس لها أي وجود أو أساس في المجتمع الصيني.

 ويعود تاريخ جذور العنصرية الصينية تجاه سكان التبت إلى فترة الصراعات الحدودية بين أمراء الحروب الصينيين والتبتيين، والتي زادت كثافتها مع استمرار هجرة المستوطنين الصينيين إلى المناطق الحدودية مع إقليم التبت. وازداد الأمر حدة نتيجة الصراع العنيف بين الأفكار الشيوعية الإلحادية والمعتقدات البوذية لسكان التبت. وكغيرهم من سكان مناطق مختلفة في العالم، بدأ سكان إقليم التبت الأصليين في المعاناة من القهر والطغيان من قبل المستوطنين الصينيين، والذي صاحبه تعميق العداء الثقافي بين الجانبين.

ومن المتعارف عليه أن المفاهيم الثقافية والعقيدة الراسخة بالتفوق العنصري للصينيين مستمدة من الأفكار الكونفوشيوسية التي تذهب إلى مركزية الصين وأهميتها في العالم. وهو ما يخلق القناعة بفكرة ضرورة استيعاب الجماعات البربرية الأجنبية غير المتحضرة أو القضاء عليها وفقًا للاعتقاد الصيني. وعليه فقد تم التعامل مع سكان إقليم التبت من هذا المنطلق العقائدي الذي يصفهم بالتخلف والوحشية والبدائية. بالإضافة إلى أنه تم الترويج لهذه النظرة وتلك المعتقدات في الخطاب السياسي والإعلامي الصيني.

 وتنظر الأيديولوجية السياسية الصينية الحالية إلى الهوية التبتية على أنها جزء من الهوية الوطنية الأكبر التي هي الهوية الصينية في أفضل الأحوال. أما في أسوأ الأحوال فينظر لها على أساس أنها وعى زائف ومتخلف، في طريقه المؤكد إلى الذوبان داخل الهوية الصينية عن طريق الاعتراف بفوائد ومميزات القومية الصينية.

وفى عام 1949، قام الزعيم الصيني ماو تسي تونج بمحاولة القضاء على النسق العنصري في الصين. وانتهج “كاسترو” في كوبا نفس النهج عام 1959، أي بعده بنحو عقد من الزمان. وفي هذا السياق تم تأسيس جيش التحرير الصيني الشعبي بدعاوى التحرير والحضارة والتحديث والتنوير وذلك عن طريق إخضاع وقهر عنصري لمختلف الأقليات القومية وعلى رأسهم سكان إقليم التبت؛ حيث أعلن وقتذاك أن الغرض الأساسي من هذا الجيش هو تأمين وحدة الشعب الصيني والحفاظ عليها. وهو المصطلح المعاصر الذي يُستخدم كمفهوم شامل للدلالة على الأمة الصينية التي تشمل العديد من الأعراق والأقليات أهمها عرق ” الهان Han “. والذي يمثل أكبر جماعة إثنية في البلاد حيث ينتمي إليه حوالي 92% من السكان. هذا بالإضافة إلى حوالي 56 هوية إثنية أخرى معترف بها في البلاد والتي تتألف من حوالي 105 مليون فرد تشمل إثنيات متعددة مثل “التشوانج Zhuang”، و”المانشو “Manchu، و”الهو Hua”، و”المنغول Mongol”، بالإضافة إلى 5.4 مليون تبتي من سكان إقليم التبت. كما ظهر مفهوم آخر يذهب إلى أن كافة الأعراق الصينية المختلفة بما فيهم التبتيين هم من أصل عرقي مشترك وهو نفس العرق الذي ينتمي إليه العرق المهيمن في الصين وهو عرق الهان وذلك بغرض مكافحة الدعاوى المطالبة بتقرير المصير العرقي. وفي هذا السياق نجد ثمة أوجه من الشبه بين الاستعمار الغربي والاستعمار الصيني أخذا في الاعتبار مفاهيم “الأبوية” و”المهمة الحضارية” التي ارتكز عليها كلا الشكلين من أشكال الاستعمار.

 وكالعديد من الجماعات الاستعمارية الأخرى التي تتسبب في خلق مجتمعات شتات جديدة، بدأ التبتيون تحت وطأة القمع الاستعماري الصيني عصر الشتات مع فشل انتفاضة ماركان عام 1959 والتي قادت إلى سفر “الدلاي لاما” من إقليم التبت إلى الهند. ومع انتشار الشائعات بأن الحكومة الصينية تخطط لخطف الدلاي لاما ـ أدت هذه الشائعات إلى تفجير انتفاضة شعبية انتهت بمقتل آلاف التبتيين. وخلال هذه الانتفاضة التي تفجرت بسبب قدسيته كرمز قرر الدلاي لاما الهروب من الإقليم. لكن هروبه من التبت عام 1959م ونفي التبتيين من موطنهم الأصلي أدى إلى تكوين حكومة منفى ومجتمعات شتات للتبتيين في دول المنفى التي يعيشون بها، كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية والهند (Hess 2006).

 وتظهر العنصرية الصينية ضد التبتيين بشكل واضح في مظاهر الحياة اليومية، وتأخذ في بعض الأحيان مظاهر شديدة القسوة مثل إلقاء الركاب التبتيين من الحافلات الصينية. بالإضافة إلى الضرب والعنف المستمر من قبل قوات الشرطة والأمن الصينية، فضلاً عن رفض تقديم الخدمات للتبتيين في الفنادق والمطاعم، والتمييز المستمر ضدهم واستبعادهم من الحصول على تصاريح أو عقود، وكذلك السكن. وتعد المعاملة العنصرية ضد سكان إقليم التبت شديدة الوضوح. وتظهر بشكل أكثر شدة فيما يتعلق بحرية التعبير، وحرية الحركة، والإقامة. وكذلك التعامل مع الثقافة والدين لسكان التبت، وممارسات التوظيف، والخدمات الصحية والتعليمية والتدريبية لسكان الإقليم. وأيضًا فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. كما يتعرض التبتيون في المدارس إلى الضرب والسخرية في حالة ما إذا كان هم أو آبائهم يعبرون عن معتقداتهم الدينية وتقاليدهم الثقافية. وعلاوة على ما سبق فإن الهيمنة العنصرية الصينية أدت إلى حرمان التبتيين من الحريات الأساسية واستمرت الاعتقالات السياسية وممارسات التنكيل والتعذيب.

و قد أدى استمرار إنكار العنصرية رغم ممارستها من قبل المؤسسات الصينية، بالإضافة إلى اعتقادها في المبدأ العنصري الذي يؤمن بأولوية ثورة الصين (عرق الهان) الشعبية، إلى دعم حضور آليات القوة كوسائل لاستمرار الهيمنة العنصرية الصينية على إقليم التبت.

خريطة “إقليم التبت ذي الحكم الذاتي

 لقد تم استخدام الهجرة والاستيطان والاحتلال كأسلحة للهيمنة العرقية والإثنية للصينيين في إقليم التبت. فقد تم تشجيع جماعات تنتمي إلى عرق الهان الصيني من قِبل العديد من المؤسسات الصينية على الهجرة والاستيطان في إقليم التبت. وذلك من خلال مبادرات مختلفة من قِبل تلك المؤسسات تتضمن إنشاء أبنية تتسع لعدد ضخم من المستوطنين، ومشروعات واسعة النطاق في مجالات كالبناء والتعدين ومشروعات الطاقة المائية، وتخصيص أراضي التبتيين لأهداف الزراعة وإعادة تخطيط المشروعات الخاصة. فضلاً عن تقديم القروض لمساعدة المهاجرين الصينيين على إنشاء الأسواق ومحلات الملابس والفنادق ومراقص الديسكو وبيوت الدعارة. وأخيرا إنشاء خطوط للسكك الحديدية لتسريع عملية تهجير الصينيين من العرق الهاني إلى إقليم التبت لفرض الوقائع على الأرض.

إن الأهمية المركزية لفهم الروابط بين العنصرية والهجرة والإثنية تعد شيئًا ضروريًا وأساسيًا حتى وان كان هناك تاريخ يمتد لعقود من المبادرات التي استهدفت تناول تلك المفاهيم. فالمشكلات التي مازالت تواجهها المملكة المتحدة حتى بعد مرور أربعين عامًا من سَن أول تشريع للعلاقات الإثنية تشمل مستويات عالية من عدم المساواة والتفرقة وصعود التيارات اليمينية المتشددة. وتشير تلك المشكلات بوضوح إلى استمرار العداء الإثني والعنف وانتهاك الحقوق.

تنظيم الهجرة، العنصرية، والإثنية في المملكة المتحدة.

الهجرة والإقصاء

لقد أُجري بحث حديث حول العنصرية والهجرة والرفاهية في المملكة المتحدة (Craig, 2007)  وخلص البحث إلى أن المهاجرين يتصفون بأنهم مخادعين ومثيرين للاشمئزاز ويفتقرون للمبادئ الأخلاقية، ويشكلون سببًا محتملاً لطمس الثقافة البريطانية. وتعكس سياسة الدولة البريطانية تجاه المهاجرين والأقليات عنصريه متأصلة وتاريخية (Craig, 2007 : 605). فهناك تدابير حكومية حاضرة بوضوح في تشريعات الهجرة والإصلاحات السياسية الاجتماعية ذات نطاق واسع منذ العصر الفيكتوري وحتى الآن. وتعمل تلك التشريعات على إقصاء الغرباء المقيمين بصفة دائمة في الأراضي البريطانية دون أن يحملوا الجنسية. وتعمل أيضًا على حرمان بعض المواطنين الذين يحملون الجنسية – ولكنهم ينتمون إلى أعراق أخرى – من حقهم في الرخاء الاجتماعي. وقد أدى إجحاف القواعد القانونية وقانون المعاشات والتشريعات الخاصة بالتعامل مع الأجانب ومقاييس التأمين الوطني إلى تأصيل تلك الإجراءات الإقصائية.

          المراحل الأربع لسياسات الهجرة في المملكة المتحدة:

  • فرض قيود على اليهود والأجانب القادمين من أوروبا، من 1905 حتى الآن.

  • فرض قيود على المهاجرين “الجدد” ممن ينتمون إلى دول الكومنولث (السود والأسيويين) على خلاف ما يحدث مع أقرانهم من المهاجرين القدامى (البيض) من دول الكومنولث وذلك منذ 1962 حتى الآن، مع فرض قيود صريحة ومحددة على المهاجرين الجدد منذ ذلك التاريخ.

  • فرض القيود على الدخول إلى أراضي المملكة وكذلك على حقوق الساعين للجوء منذ عام1980 حتى الآن.

  • تقييد الهجرة وفرض مزيد من القيود الانتقائية على هجرة العمالة لتشمل المهاجرين الذين ينتمون إلى دول شرق أوروبا مثل البلغاريين والرومانيين منذ عام 2000 حتى الآن.

وقد أدى ما يعرف بـ”العمالة الجديدة” إلى العمل على استمرار وزيادة وطأة السياسات المحافظة التي أشرنا إليها والمتعلقة بالرفاهية والهجرة واللجوء (( Morris 2007, Someville 2007. وقد أدت تلك السياسات إلى مزيد من تقليص الحقوق المكتسبة لطالبي اللجوء. كما فرضت مزيد من المتطلبات الواجب توافرها للحصول على وظيفة، علاوة على إجراء اختبارات التوافر والحضور، وفرض قيود على الهجرة والمهاجرين بصفة عامة باستثناء مجموعات معينة من المهاجرين أصحاب المهارات الخاصة. وتتم صياغة سياسات الهجرة بأخذ عدة عوامل في الاعتبار أهمها الرغبة في حماية مصادر الرفاهية وحاجه سوق العمل وكذلك الاتفاقات الدولية وحقوق العابرين للحدود. وقد أدي التوتر والغضب الناجم عن تلك السياسات في إدارة الهجرة إلى حضور الجوانب الأيديولوجية وممارسات تنظيم الرفاهية في الإعلام المعادى والسجالات السياسية والقيود الجديدة على الهجرة على سبيل المثال.

 وقد تلازم مع تنامي التمييز والتقييد فيما يتعلق بأهلية الحصول على حقوق الرفاهة تنامي نزعات العداء ضد طالبي اللجوء وشيطنتهم. وتنامى في الوقت ذاته القلق حول ما قد يترتب على ذلك من ترك أشخاص في العراء بدون العناصر الأساسية للحياة من مأكل، ملبس، مشرب، مسكن…الخ. وهناك جدل عنيف حول رؤية الحكومة البريطانية ومدى صحتها. وتذهب تلك الرؤية إلى أن ما يجذب طالبي اللجوء إلى بريطانيا هو الحصول على الإعانات الاجتماعية والاستفادة من معدلات الرفاه.

 وهناك مجموعة أخرى من العوامل الهامة التي تبرز في اتخاذ القرارات المتعلقة بالهجرة، وتشمل: سوق العمل غير المنظم وعدم فعالية عمليات ضبط المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم إلى مواطنهم الأصلية. وعلي الجانب الأخر شهدت دول أوروبا الجنوبية التي تتميز بمستويات دنيا من الرفاهية، زيادة ملحوظة في طلبات اللجوء (Sales 2007). وأدى تفاعل قانون الهجرة مباشرة مع إجراءات الأمن الاجتماعي إلى تقليل فرص الحصول على مميزات للرفاهية من قبل من هم في حالة تحول أو من يسعون إلى إعادة لم شمل الأسرة.

ويؤدي توزيع المسئولين عن منح تأشيرة الهجرة في رقع جغرافيه متباعدة طبقًا للنظام القانوني البريطاني إلى إضعاف إمكانية مسائلتهم والتشكيك في مصداقيتهم. وهناك عائق آخر يضاف للعائق السابق، يتمثل فيما يعرف بقاعدة السبب المبدئي. وهو مبدأ سيء السمعة يتطلب من المتقدم للجوء أن لا يكون السبب المبدئي للهجرة بالنسبة للزوج أو الزوجة هو “الحياة في بريطانيا”. وتتطلب قوانين الهجرة المتعاقبة منذ 1973م من أي شخص خارج إطار رعايا دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية، يسعى لمغادرة وطنه للدخول إلى المملكة المتحدة أو الإقامة فيها أن يثبت أنه قادر على أن يعول نفسه وأي شخص آخر تابع له دون الاعتماد على المال العام. وهذا يعنى أنه على هؤلاء الأشخاص أن يثبتوا أن لديهم وسائل لدعم أنفسهم وذويهم دون مساس بالمال العام. ولقد تم تحديد مفهوم المال العام لأول مرة في قانون الهجرة لعام 1995م. وبسبب اتساع نطاق الإعانات الاجتماعية تم تعديل قوانين الهجرة لإضافة مميزات رفاهية، من قبيل رصيد ضريبة الطفل ورصيد ضريبة ومكافأة نهاية الخدمة، بالإضافة إلى رصيد ضريبة العمل ليندرجوا تحت تصنيف المال العام. وشمل المال العام الإسكان الاجتماعي أيضًا طبقًا لهذا القانون ولكنه لم يشمل التعليم أو الرعاية الصحية.

بعض المراحل الرئيسة في سياسة المملكة المتحدة المتعلقة بالهجرة

  • قانون الجنسية البريطانية لعام 1948م : أكد على حق مواطني كل دول الكومنولث في الإقامة في المملكة المتحدة.
  • قانون مهاجري الكومنولث لعام 1962م: أول تشريع لتقييد حق مواطني دول الكومنولث في الإقامة في بريطانيا، كما استحدث هذا القانون نظام القسائم (إيصالات) للهجرة المبدئية، التي تتطلب توافر قسائم عمل للمهاجرين كشرط للهجرة.
  • قانون الهجرة لعام 1971: استحدث ما يعرف بأهلية الدخول في دائرة الإنفاق العام، كذلك استحدث مفهوم التمييز بين المهاجرين بما يعني مثلا تفضيل هجرة من ينتمون لدول الكومنولث البيضاء (أستراليا- كندا- جنوب إفريقيا) على حساب باقي دول الكومنولث.
  • قانون مناشدات اللجوء والهجرة لعام 1993م: استحدثت بصمة الأصابع والحرمان من الحق في الإسكان العام.
  • قانون اللجوء والهجرة لعام 1996م: نص على عقاب أصحاب العمل الذين يوظفون من لا يحمل الوثائق المطلوبة.
  • قانون اللجوء والهجرة لعام 1999م: استحدث نظام قسيمة الدعم ونظام الإقامة، وتم إنشاء خدمة دعم اللجوء القومي (NASS) وتخويلها بمسئوليات مباشرة لدعم طالبي اللجوء.
  • الحدود الآمنة، وثيقة الملاذ الآمن لعام 2002م: اقترحت التخلص التدريجي من نظام القسيمة مع استمرار خدمة دعم اللجوء القومي.
  • قانون الجنسية، الهجرة واللجوء لعام 2002م: استحدث نصوصًا تتناول موضوع إجبار بعض طالبي اللجوء على مغادرة البلاد، وسحب دعم طالبي اللجوء الذين تأخروا في تقديم طلباتهم أو هؤلاء الذين رُفضت طلباتهم.
  • اللجوء والهجرة لعام 2004م: ( قانون معاملة مقدمي الطلبات) ونص على إمكانية سحب الدعم من بعض العائلات التي تعول أطفالا تحت سن 18 عاما مع تقييد حق الشكوى.
  • قانون الهجرة، اللجوء والجنسية لعام 2006: استحدث نموذجًا جديدًا للجوء يدعم درجة عالية من المراقبة على طالبي اللجوء وبإجراءات تختلف باختلاف جنسيات طالبي اللجوء.
  • مشروع قانون حدود المملكة المتحدة لعام 2007م: يعطى لمسئولي الهجرة سلطات أكبر في تقليل حقوق الخاضعين لقيود الهجرة مع زيادة ما يفرض عليهم من واجبات وعقوبات، ونص على وجوب أن يحمل كل خاضع لقيود الهجرة بطاقة هوية.

وقد اتبعت حكومة حزب العمال نفس أساليب واستراتيجيات حكومة المحافظين لزيادة القيود على حصول طالبي اللجوء على الإعانات الاجتماعية. ودشن قانون الهجرة لعام 1999م ما يعرف “بالهيئة القومية لخدمات دعم اللجوء” وجعلها هيئة منفصلة في قواعدها ولوائحها عن مصلحة الأمن الاجتماعي. وذلك لتنظيم أماكن المعيشة وتقديم نظام القسيمة (بدلاً من الأموال) بنسبة 70% من معدلات الدخل كدعم للبالغين المعالين وبنسبة 100% للأطفال. وقد أدت حملة قادها “بيل موريس Bill Moriss” ، الذي أصبح بعد ذلك السكرتير العام لاتحاد النقل والعمال، إلى استبدال الأموال السائلة بدلاً من كوبونات الدفع. ولكن ظل الاختصاص الرسمي بأموال الدعم الأساسي للخدمة القومية لدعم اللجوء ومنفصلاً عن الأمن الاجتماعي بالرغم من ارتباطه بمعدلات دعم الدخل. وبالنسبة لمن يندرجون تحت القسم الرابع الخاص بـ “دعم الحالات الصعبة” (من فشل في الحصول على اللجوء ولا يستطيع العودة لموطنه الأصلي) استمر العمل بقسائم الدعم. وقد تم تطبيق مجموعة من الإجراءات التي تعمل على الخفض الممنهج للدعم المقدم لطالبي اللجوء وتشمل سحب الدعم ممن تقدم بطلب اللجوء متأخرًا، وممن رفضت طلباتهم، وبعض العائلات.

نهج المملكة المتحدة البريطانية في سياسة العلاقات العرقية.

 حلل “مايكل بانتون Banton  Michael1985″ و”شاميت ساجار Shamit Saggar 1992” الإطار السياسي الليبرالي الذي تبنته المملكة المتحدة في منتصف الستينات من القرن الماضي. وتم تحديد أربعة عناصر رئيسة لذلك الإطار: التجانس العرقي كمنفعة عامة، وفلسفة العلاقات المجتمعية، ومحاولات نزع الصفة السياسية عن القضايا المتعلقة بالعنصرية والهجرة المؤقتة، علاوة على فكرة المجتمع متعدد العرقيات.

لقد تم استبدال مفهوم “التجانس العرقي” بالتركيز على مفهوم المساواة العرقية بدءً من منتصف سبعينيات القرن الماضي حتى نهايتها. وصاحب ذلك لاحقًا تغيير في تسميات “مجالس العلاقات المجتمعية بـ “مجالس المساواة العرقية” في بداية التسعينيات من نفس القرن. ولكن ظلت مشكلة تهميش السياسة والإدارة فيما يتعلق بالعنصرية المحلية سمة قائمة ومتجذرة في بريطانيا. وظهر ذلك بقوه في تفويض سلطة صناعة السياسات الخاصة بتلك المسائل للسلطات المحلية وهيئات العلاقات المجتمعية.

 وارتبطت فكره المجتمع متعدد الأعراق بالعديد من الافتراضات المشكوك في صحتها. والتي تشمل الاعتقاد بأن بريطانيا كانت أمة بحدود معلومة ومحددة بدقة تضم وحدة سياسية متجانسة ثقافيًا قبل بداية الهجرة من المستعمرات الخاضعة لها في آسيا والكاريبي بعد الحرب العالمية الثانية. ونظر الكثيرون إلى الهجرة الملونة كعامل مُغَّير لطبيعة هذه الوحدة السياسية. ولذلك نشأ مجتمع متعدد الثقافات يجب أن تتم تنميته ودفعه للأمام، عن طريق سياسات تحقق الاندماج والتكامل والفرص المتساوية.

وقد تم انتقاد هذه الفكرة كثيرًا. ولخص “ميلز” ذلك في ثلاثة انتقادات رئيسية، هي:

 أولاً: إن تأسيس مفهومي التكامل والاندماج في الأمة البريطانية جزئي وغير كامل. ولم يتم أبدًا التوصل إلى التكامل الثقافي البريطاني. وفشلت عملية تأسيس الأمة البريطانية كنتيجة لفشل التكامل الثقافي في خلق ثقافة بريطانية موحدة من شأنها أن تقف في مواجهه ثقافة المهاجرين الآسيويين وأقرانهم من دول الكاريبي والدول الأفريقية.

 ثانيًا: حدثت قبيل موجة هجرة ما بعد الحرب العالمية الثانية عدة هجرات لمجموعات تشمل: أيرلنديين، ويهود، وصينيين، وأفارقة ينتمون إلى أعراق محددة بيولوجيًا وثقافيًا. وتم تخطي تلك الحقيقة في سبيل تحقيق هدف ظهور المجتمع الجديد متعدد الثقافات.

 ثالثًا: تم التعامل مع الفوارق الطبقية على أنها تحمل وزنًا ثقافيًا وعرقيًا. فعلى سبيل المثال كانت النظرة العرقية للفقراء أنهم متخلفون وغير متحضرين، ويعيشون في عالم الظلام، وكان ينظر إلى أبناء الطبقة الحاكمة على أنهم عرق متفرد له نسل مختلف.

 وقد تناول “دوجلاس لوريمر  Douglas Lorimer 1978” النقاشات المتعلقة بالطبقة والاتجاهات والمعتقدات العنصرية والعرقية في خمسينيات القرن التاسع عشر، وتناول عواقبها في سياقات اجتماعية مختلفة. وتعارضت النتائج التي توصل إليها مع الافتراضات المتعلقة بالتجانس الثقافي. وقد بدأ التطبيق القانوني لسياسة علاقات المجتمع والحماية من التمييز العرقي في 1965م ونعرض فيما يلي خلاصة ذلك.

سياسة العلاقات المجتمعية والتشريع للعلاقات العرقية.

  • 1943: أول اهتمام حكومي بتشريع التمييز العرقي.
  • 1962: أسست الحكومة ما عرف بالمجلس الاستشاري لمهاجري الكومنولث (CIAC) غير المقيدين، للتركيز على قضايا رفاهية وتكامل المهاجرين.
  • 1964: وسعت اللجنة القومية لمهاجري الكومنولث ((NCCI من عمل المجلس الاستشاري (CIAC) ودعمت تأسيس شبكة من اللجان المحلية للاهتمام بالقضايا المتعلقة بهؤلاء المهاجرين.
  • 1965: أول قانون للعلاقات العرقية. نص على أن التحريض العرقي جريمة جنائية. وأن الأشكال السطحية أو المحدودة للتميز العرقي مخالفة مدنية. كما قام بالتركيز على المصالحة والحلول الودية من خلال لجان التقريب المحلية وهيئه العلاقات العرقية (RRB). وقد تم انتقاد القانون لافتقاده لفرض الحلول ومن ثم الحاجة للتعديل.
  • 1968: ثان قانون للعلاقات العرقية: وسع مدى التمييز العنصري المباشر ليشمل التوظيف الخاص والعام والإسكان. وعمل على استبدال اللجنة القومية لمهاجري الكومنولث (NCCI) بلجنة العلاقات المجتمعية ((CRC لتضطلع بمسؤولية تشجيع العلاقات المجتمعية المتجانسة من خلال تمويل مجالس العلاقات المجتمعية المحلية.
  • 1968-1975: اتسم القانون بعدة معضلات متعلقة بفرض القانون منها: صعوبة إثبات وقائع التمييز وعدم تطبيق القانون على تأثيرات أفعال التمييز السابقة سواء كان ذلك التأثير مباشرا أو غير مباشر. بالإضافة إلى قلة عدد الشكاوى وعدم وجود سلطة للبحث عن الأدلة. فضلا عن الوقت الطويل الذي تستغرقه القضايا، و يتعذر إثبات الوقائع في الغالب. كما أن المعالجات كانت نادرة، علاوة على النجاح المحدود في التأثير على التصورات والسلوك من خلال إعلان سياسة عامة.
  • 1976: ثالث قانون للعلاقات العرقية. تم تعديل القانون ليشمل التمييز العرقي غير المباشر. وعمل على تسهيل تقديم الشكاوى الفردية من خلال الإجراءات القانونية المتعارف عليها. وأنشأت بموجبه لجنة المساواة العرقية لتحل محل لجنة العلاقات المجتمعية (CRC) وهيئه العلاقات العرقية RRB)).
  • 1976-1990:

 سلبياته :

 1- توسيع القانون ليشمل التمييز غير المباشر، ولم يُعمل به لأن الغالبية العظمى من القضايا كانت تمييزا مباشرا.

2- تأجيلات طويلة في التحقيقات الرسمية بسبب سوء التخطيط وضعف الاهتمام والتحديات القانونية.

3- الصراع بين فرض القانون والاستراتيجيات الأخرى للحل. وصعوبة الشكاوى الفردية لطول الإجراءات. والتمويل الضعيف والتمثيل القانوني غير المناسب.

إيجابياته:

– زيادة عدد الشكاوى الفردية منذ 1976م.

– مساعده مقدمي بالشكوى.

– وجود دلائل على تطبيق سياسات وممارسات الفرص المتساوية في القطاعين العام والخاص، وخاصة المنظمات الكبيرة.

– الأهمية الرمزية للقانون كنقطة محورية تنطلق منها العديد من الحملات والإجراءات لتحديد التصرفات والممارسات العنصرية غير المقبولة.

السياق: تمويل حكومي غير مناسب، مراجعة قضائية معادية (يستبعد التحقيقات العامة لبعض الجهات)، الثقافة التي تمنح أهمية كبيرة للحقوق الفردية على حساب الحلول الجماعية.

– نظرة عامة لنتائج التشريع على الأرض: فشلت في تقليل مستويات التمييز العرقي ولكن ظهرت قيمة القانون في مساهمته في تطوير السياسيات الحكومية ضد التمييز العرقي.

  • 2000: شهد تعديل قانون العلاقات المجتمعية: وحمل التعديل إجبار قانوني لكل الهيئات العامة لتقليل التمييز العرقي ودعم العلاقات المجتمعية السليمة.
  • 2003: شهد تعديل قانون العلاقات العرقية الذي استحدث تعريفًا جديدًا للتمييز العرقي غير المباشر وأشكال لتحرش.
  • 2006:

– قانون الكراهية العرقية والدينية: استهدف توقيف من يستخدمون كلمات وتعبيرات التهديد أو الأفعال التي تحرض على الكراهية ضد شخص ما بسبب معتقداته.

– قانون المساواة: أدى إلى وضع نهاية لعمل لجنة المساواة العرقية لدمجها في لجنة المساواة وحقوق الإنسان في 2007م.

القانون الإنجليزي والإثنية.

قام “سيبستيان بولتر Sebastian Poulter” (1986- 1992م) بتحليل القانون الانجليزي فيما يتعلق بتقاليد الأقليات الإثنية والتعددية الثقافية. وهناك أدلة على حضور التمييز والمعاملة العنصرية والتضييق والتقييد على الأقليات الإثنية أو الجماعات الدينية وفي سياق منظومة القانون الحاكم للزواج والطلاق واختيار المدارس والأحكام القضائية للمحاكم وحقوق السجناء. إضافة إلى توافر المواقف والبيئات التي تتضمن رفضًا للاعتراف بالتعددية الثقافية. وقد رصد “بولتر” (1992- ص176) أن القضاة البريطانيين قد أكدوا على أن التسامح الثقافي مقيد بالاتساق بمفاهيم المعقولية وكذلك السياسة العامة، كما رصد عدم الاعتراف بتقاليد الأقليات وقوانينها في حال اعتبارها منبوذة أو تعارض ضمير المحكمة.

 ومن ناحية أخرى، فإن تكييف القانون الإنجليزي على أسس مرتجلة يترك الباب مفتوحًا أمام التساؤل حول كيفية تعيين حدود التعددية الثقافية فيما يتعلق بالسياسة العامة على سبيل المثال. وفي هذا السياق نهج “بولتر” نهجًا يربط حقوق الإنسان بمثل هذه التساؤلات والاستفسارات. وقدمت كل من المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية إطارًا عامًا لتقييم ما إذا كانت المطالب للاعتراف القانوني أو السياسي ببعض الممارسات الثقافية، يتم تدعيمه بالتأكيد على حقوق الإنسان العامة، أم تمثل هذه الممارسات انتهاكًا لحقوق الإنسان.

وبناء على ذلك يكون الامتناع عن تطبيق القانون الإسلامي للأحوال الشخصية مبنيا على أساس أنه سوف يتسبب في انتهاك حقوق المرأة عن طريق حالات الطلاق أو الزواج الإجباري، ومع ذلك لا يمكن تبرير خضوع المسلمين لقانون آخر يخالف عقيدتهم. ويرسي القانون الدولي لحقوق الإنسان المبادئ الأساسية اللازمة للمعاملات غير العنصرية والمحايدة والتي لا يمكن تحققها دون مراعاة المساواة في احترام القيم الثقافية والدينية.

وقد حدد “بولتر” بعض سلبيات هذا المنهج. وتشمل التعميم الذي قد يؤدي إلى مشكلات في تعيين حدود التعددية الثقافية من حيث الممارسة. ويقدم هذا المنهج أيضًا فرصة للانتقاد الثقافي مبنية على التحيز والعنصرية، سواء من أولئك الذين يفضلون عملية الاحتواء الثقافي أو الذين يؤمنون بالنسبية والتعددية الثقافية. والنطاق الذي قد تصبح فيه الممارسات الدينية موضع خلاف يمكن الفصل فيه قضائيًا هو أمر يختلف من دين لآخر. وحيثما تستخدم الأقليات الإثنية الدين للتعبير عن هوياتهم تكون هناك احتمالية كبيرة لنشوب الصراع في هذا الخصوص. وربما يشمل هذا هجمات على ممارسات أقلية محددة من ناحية، والمطالبة بالحماية ضد العنصرية الدينية من جانب المجتمعات من ناحية أخرى.

 وعن الجدل الدائر حول الاعتراف بقوانين الشريعة الإسلامية في المملكة المتحدة فقد برز مؤخرًا كموضع اهتمام للرأي العام. فقد صرح مطران كنيسة كانتربرى الدكتور “رون ويليامز Rowan Williams” بأن ” تبني أجزاء محددة من هذه القوانين في المملكة المتحدة هو شيء لا مفر منه”. وأضاف قائلا: “إن تطبيق بعض قوانين الشريعة الإسلامية من شأنه أن يدعم الترابط الاجتماعي في البلاد”. فعلى سبيل المثال بإمكان المسلمين أن يختاروا الاحتكام إلى محاكم الشريعة الإسلامية فيما يخص خلافاتهم الزوجية وشؤونهم المالية. وأكد ويليامز أن المسلمين لا يجب عليهم الاختيار بين بديلين قاسيين: الولاء الثقافي أو الولاء للدولة (bbc news 7 feb 2008 ).

والشريعة الإسلامية هي النظام القانوني في الإسلام. وهي مستمدة من القرآن باعتباره كلام الله، ومن سيرة النبي محمد، وأيضًا من فتاوى العلماء. وتختلف الشريعة الإسلامية اختلافًا جوهريًا في أحد الجوانب عن التراث القانوني في الغرب. فالشريعة الإسلامية تراعي كافة مناحي الحياة للمسلم. فقد جاءت لتوجه أفعال المسلمين كلها نحو ما يريده الله. أما القانون الغربي فهو أكثر تركيزًا على الجريمة والعقود والمعاملات المدنية؛ ولهذا يمكن القول أن الشريعة الإسلامية أكثر شمولية.

وقد راعي القانون البريطاني اعتبارات الشريعة الدينية في أمرين هامين، أولاً: لقد سمح القانون البريطاني بمراعاة الطرق الشرعية فيما يتعلق بذبح اللحوم وفقًا للمعتقدات الإسلامية واليهودية. وقد باتت تلك القضية قضية ملحة للجماعات الإسلامية واليهودية التي تعيش في بريطانيا. ثانيا: وافقت وزارة الخزانة على تطبيق بعض الأمور المالية المناسبة للنظام المالي في الشريعة الإسلامية في شؤون الرهن العقاري والاستثمار. فالإسلام يحرم الفائدة على أساس أنها كسب مالي جني بطريقة غير عادلة. ويبرر داعمو هذه التطورات القانونية في القانون الإنجليزي بأنها من متطلبات الحياة العصرية التي تتناسب مع الإيمان (bbc news, 2008).

وتعمل المحاكم الإسلامية الشرعية في بريطانيا منذ فترة. فقد تشكل مجلس الشريعة الإسلامية في 1982م. ويقوم المجلس بتقديم النصائح والاستشارات الشرعية في شتى الأمور، بدءً من تسوية النزاعات حول الميراث وحتى التساؤل حول مشروعية ارتداء المرأة المسلمة للشعر المستعار. وتتعلق الغالبية العظمى من القضايا التي يتناولها المجلس بالطلاق وتحرير المرأة من قيود الزواج القسري. وذلك بالأخذ في الاعتبار أن تطبيقات الطلاق تأتى بالأساس من خلال سوء استخدام قانون الزواج في الإسلام أو بواسطة الأزواج. وفي هذا السياق، صرح الشيخ سيد رئيس مجلس الشريعة الإسلامية قائلاً: ’’إن شعارنا هو المصالحة أولا في كل حالة من تلك الحالات. ولذلك فنحن نحاول إصلاح القضايا التي تم فيها الزواج بإجبار الفتاة ضد رغبتها أو ضد رأيها. وعموما نحن لا نسعى إلى التفاوض. وكل ما نفعله هو أننا نساعد الأوصياء أو أباء النساء وعائلاتهم على فهم موقف الإسلام من الزواج القسري، وكذلك موقف القانون الإنجليزي من هذا النوع من الزواج”‘. وتقول “نجمة إبراهيم” (منسقة سابقة لمساعدة المسلمات) أنها تلقت حوالي ألفين مكالمة هاتفية في السنة وأن حوالي من 70 إلى 80 % من تلك المكالمات كانت من نساء تعاني مشاكل زوجية. فالمجلس يقدم خدمات شديدة الحيوية والأهمية للنساء المسلمات.

مناهج وطنية لمواجهة الهجرة

لكل دولة في العالم تواريخ وسياقات خاصة فيما يتعلق بمشكلة الهجرة. ولها أيضًا نماذج خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الإثنية وصور العنصرية بداخلها. فعلى سبيل المثال يمكننا مقارنة الحالة البريطانية التي تحدثنا عنها مع حالة “ما بعد سياسة الفصل العنصري (الأبارتيد) Post- Apartheid” في جنوب أفريقيا. فالأيديولوجيات الوطنية وكذلك طرق التعامل والتعاطي والتفكير في كل من هذه القضايا منفردة تعمل على خلق أجندة مناسبة خاصة بها للتحقق والبحث العلمي. ولكن العولمة والهجرة المعاصرة وتنامي الأقليات العرقية العابرة للقوميات والسياسات الدولية وكذلك القانون الدولي، كلها عوامل تفرض مجموعة حديثة من المحددات التي تؤدي إلى أنه من غير الممكن شرح محتوى الأحداث والمخرجات والمفاهيم المعاصرة دون اللجوء إلى نطاق تركيز أوسع.

ويوصف اقتصار دراسة أنماط الهجرة والعلاقات الإثنية والعنصرية على نماذج قومية فقط بأنه أحد المعوقات الأساسية التي تجابه العلوم الاجتماعية (Castels 2000: 17). وتعد الأنماط التقليدية غير كافية في العديد من الأوجه. وبالرغم من أن التحيزات الإثنية في مجالات هامة مثل الإسكان والتعليم ما زالت تُحلل وتُدرس من خلال المستويات الوطنية فقط كنماذج للدراسة والتحليل (Karen Phalet , Antel Orkeny 2000)، فإن التقديرات المقارنة لألمانيا والمجر على سبيل المثال فيما يخص العلاقات الإثنية تبرز أهمية تحديد التغيرات البنيوية وتوصيفها على مستوى متجاوز للقوميات، وأيضًا صياغة قوى السوق العالمية داخل شبكة الأعمال المحلية، وتحديد أنماط الفعل والهوية السياسية المتجاوزة للقوميات.

بيت الجغرافيا