العنصرية والهجرة في الإعلام الجديد

2020-02-28T22:59:58+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثامن من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

يهدف هذا الفصل في المقام الأول إلى تقييم الطرق والأساليب التي يمكن اتباعها في دراسة العنصرية في المنتج الإعلامي الإخباري؛ وثانيا، مدي تمثيل العرقية والأقليات العرقية والمهاجرين خلال العشرين عاما الماضية. وعلى نحو ما حدد الاتحاد الدولي للصحفيين في عام 2005، فإن هناك دورين متعارضين يلعبهم الإعلاميون في هذا الصدد.

أولا: في كثير من الأحيان يتم النظر إلي الإعلاميين على أنهم مسئوليين عن صياغة كل من العنصرية، والتعصب، وتعزيز الإثنية والعرقية، والكراهية العنصرية والدينية والتحريض على العنف المرتبط بهما.

ثانيا، قيامهم على الجانب الآخر بالمساهمة في مكافحة العنصرية، وتغطية الصراع ضد الفصل والتمييز العنصري والانتفاضة الفلسطينية، والكشف عن العنصرية، والتمييز وانتهاكات حقوق الإنسان والدعوة إلى المساواه والعدالة. لذلك يمكن أن نتوقع إيجاد مثل تلك الأشكال الصحفية الواضحة في وكالات الأنباء وانتاجها، ومن المهم تحديد ومعالجة وجهات النظر هذه عند التحقيق في أنماط التمثيل.

ولكن أي من تلك الأطر المنهجية تهيمن على التغطية الإخبارية؟ كيف ولماذا حدث التغيير؟ وما الذي لايزال يتعين القيام به من قبل المؤسسات والمنظمات في هذا المجال؟ خاصة أن العرقية بقيت موضوعا إخباريا ذا أهمية خاصة في بريطانيا وأوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من 250 عاما. وكانت وسائل الإعلام في ذلك الوقت تقدم تمثيلاً رئيسيا للأفكار حول الجماعات العرقية، وتطرح كثيرا من المناقشات، والتعليقات والمعلومات. ويمدنا الأرشيف الثقافي بمخزون هائل من المعارف والقيم والصور التي ساعدت في استدامة وإعادة إنتاج الأفكار العنصرية، والتي تم ادماجها في كل من الأشكال التاريخية والمعاصرة للإزدواجية العنصرية. ومع ما تتسم به العرقية والعنصرية من إغراء للمعالجة الإعلامية، لا تزال المعاملة الخاصة والتغطية الإخبارية والبرامج الواقعية قضية متكررة ومثيرة للجدل إلى اليوم.

وقد تبلور هذا الفصل، والأبحاث التي يُستمد منها، من اهتمام تحليلي يسعى إلى تحديد ومعالجة الطرق التي يتم بها إذكاء أو إخماد الموضوعات الرئيسية في الأخبار عن العرقية. ويتناول هذا الفصل ثلاث قضايا رئيسية. أولا، التقييم الفكري والمنهجي للعنصرية في المنتج الإخباري. ثانيا، البحث عن كثب في المواضيع والرسائل الأساسية، وتحديد شكل العداء، واستكشاف الكراهية والعنصرية فى المعالجة الإعلامية. وثالثا، الطرق التي يتم بها تعزيز وتمثيل الرسائل العكسية للقضايا محل الاهتمام.

ويستند هذا الفصل إلى نماذج من روسيا، وأمريكا، وأوروبا. أما الدراسات عن الأخبار والأنباء في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وهولندا، وألمانيا، وفرنسا، وايطاليا وأستراليا فقد قدمت استنتاجات أظهرت الطرق المعقدة التي تم بها إعادة نشر الأفكار عن العرقية وذلك من خلال تقديم التقارير عن مجموعات الأقليات العرقية وقضايا الهجرة.  وكانت هناك نتائج شائعة وقفت حاجزا أمام تغطية مجموعة من الموضوعات المحددة فى مقدمتها:

  • الهجرة وما يرتبط بها من جدل حول الأرقام، والدخول غير المشروعة، والأنشطة الاحتيالية، وأشكال الحبس والرقابة، وتهديد الثقافة والمجتمع والأمة.
  • الجريمة، مع إعطاء اهتمام خاص للجريمة العرقية مثل السطو، أعمال الشغب، جرائم المخدرات، الدعارة، وجرائم العنف.
  • الاختلاف الثقافي، الذي تضخم في بعض الأحيان، والذي ارتبط وفسر المشاكل الاجتماعية، بما في ذلك تدهور قلب المدينة ومشكلات البطالة.
  • العلاقات الإثنية، بما فيها من توتر بين الجماعات العرقية والعنف والتمييز.

وتعتبر كل من العنصرية ومناهضة العنصرية قوى اجتماعية توأمية وستستمر في تشكيل الرسائل الإخبارية خلال القرن الحادى والعشرين. وستبقى تعمل في العديد من الطرق المختلفة عبر مختلف السياقات الوطنية والدولية، ومازال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لرسم معالم تلك المنطقة المعقدة من البحث.

وتعد الرسائل الإخبارية العالمية والوطنية بيئة سريعة التغير، تخضع فيها التمثيلات عن العرقية لحركة ديناميكية، مع الصور والرسائل القديمة التي يجري التدريب عليها وإعادة تشكيلها مع إنتاج صور ورسائل جديدة لكل من الإدماج والإقصاء.

وعلى الصعيد العالمي، تلعب وسائل الإعلام دورا رئيسيا في كل من مجابهة إنشاء الهويات ومايرتبط بها من وجهات النظر العالمية وبدء ونقل الأفكار والصور التي تقوم بتشكيل العالم الجديد والتأثير عليه.

ومع ذلك ما تزال قوى الهجرة والعرقية والعنصرية فاعلة ونشطة، وما تزال تثير الصراعات والحروب ويبدو وكأنها لم تتأثر بالسلطة الجديدة من التقارب والاتصال العالمي.

عودة إلى الأساسيات: صياغة مفهوم العنصرية الإعلامية

كيف يمكننا بشكل منهجي تحديد العنصرية في السياقات الإعلامية؟ فالطابع المعقد والمتقلب للعنصرية ـ والذي يخضع للتنوع والاختلاف عبر السياقات والأزمان ـ يطرح مشاكل كبيرة للتحليل العقلاني. فالمادة العنصرية ومن أصبح هدفا لها تختلف اختلافا واسعا داخل وعبر الدول القومية.

ولكن في كل مكان تنطوي العنصرية على أهمية العرق لتحديد الطابع الجماعي وعلاقاته بالارتباطات السلبية. لذلك مطلوب توصيف لهذين العنصرين الرئيسيين لتحديد العنصرية في وسائل الإعلام؛ فضلاً عن المغزى من العرقية وتقييم الارتباطات السلبية. ومن المهم أن أؤكد على أن الأعراق جميعها عبارة عن اختلاقات أسطورية وهمية. ومهمتنا الأولى هي تحديد أين ومتى تتم الإشارة إلى العرقية في النص. فعلى سبيل المثال، هل استخدام صورة لوجه شخص ما في خبر يحمل معنى عرقيا؟ قد نتفق على ذلك حين نجد صورة مقدمة من الشرطة لمجرم شاب أسود يتم استخدامها لتوضيح تهمة اغتصاب. ومن الجائز لنا أيضا أن نرى أن إظهار أُناس ذوي بشرة بيضاء في أدوار معينة مثلا كخبراء في التقارير الإخبارية يحمل معنى عنصري ضمني. وبالتالي، متى يدل ذلك على العنصرية ومتى لا يدل؟ متى يكون ومتى لا يكون للعنصرية مدلول؟ علاوة على ذلك، كيف لنا أن نحكم في الخلافات حول المعنى العنصري؟

فالعلامة أو الإشاره ترتبط بالشخص المشار إليه (صورة، كلمة ..ألخ) ومع المدلول (فكرة، مفهوم، صورة ذهنية أو معنى). وفي هذه الحالة فإن المدلول (العرق فى هذه الحالة) يشير إلى مجموعة متميزة من الأشخاص الذين تتم رؤيتهم متقاسمين خصائص فيزيائية أو سيمائية مشتركة. ومن الممكن أن تحتوي دلالات العرقية على كلمات (على سبيل المثال، أبيض، أسود، قوقازي، زنجي، وافد، مهاجر، غجرى) أو صور (لأشخاص يجمعم لون بشرة مشترك) وعادة ما تكون هذه الدلالات قابلة للاختلاف في المعنى والتفسير. ويطرح الطابع الخفي أو طبيعة التفسيرات والتحيز للجنس الأبيض إلى جانب الاستراتيجيات الخطابية للإنكار العنصري مشاكل معينة للتحليل الإعلامي (Gabriel 1998).

ومهمتنا التالية هي قياس الارتباطات السلبية للعرقية، وهنا كثيرا ما يتم التعامل معها بطريقة مبهمة وغامضة، فالارتباطات السلبية من الممكن أن يكون لها عدد من المعاني المختلفة التي تعتمد على كيفية تقييم ذلك.

المناهج المختلفة لقياس الارتباطات السلبية للمجموعات العرقية

  • قياس الارتباطات السلبية لدى الأقليات ضد القاعدة البيضاء المهيمنة؛
  • تقييم التمثيل العرقي والثقافي مقارنة بالحياه “الواقعية”؛
  • تقييم مزايا البيض، وإسكات الأصوات الثقافية المناهضة لهيمنة الثقافة الأوربية
  • إدراك الارتباطات السلبية لدى الجماعات العرقية نفسها (Law 2002, 2009)

المركزية البيضاء

يقصد بالمركزية البيضاء مقارنة المعاملة التي يتلقاها البشر وفقاً لـ” المعايير البيضاء”. وكثيرا ما تستخدم هذه المعايير على سبيل المثال في تقييم صورة مجموعات الأقليات العرقية في البرامج التلفيزيونية. وقد قام كوميرباتش وزملاؤه ( 1996  Cummerbatch et al ) بتحليل عينة من البرامج التلفيزيونية ووجدوا أنه في أحد جوانب التمثيل لم يكن هناك ارتباط سلبي، فقد قدم غير البيض فى  6% من الحالات كمجرمين مقارنة بـ 8% من الأشخاص البيض.  وقد يكون هذا وسيلة مفيدة لإقامة الحجج حول قضايا الظلم والإجحاف في البرامج والأفلام، ولكن هذا النهج يعتمد على إشكالية التمثيل المتكافئ ويضع ضمنيا “عبء التمثيل” على مُعِدِىِ هذه  البرامج.

وهذا يعني أن تصوير مجموعات الأقلية العرقية يجب أن يتفق مع نمط تصوير البيض، ومن ثم وضع المعايير “البيضاء” في صميم التحليل. وفى مثال من المملكة المتحدة، سعت شركة جلاسكو ميديا جروب (1997a, 1997b, Philo 1999) إلى تفعيل تحليل المركزية البيضاء من خلال دراسة التمثيل النسبي لأفراد الأقليات العرقية وحين يظهرون فى صورة ضيوف أو معدى لبرامج التلفيزيون البريطاني، وفي الإعلانات التلفيزيونية.

وقد أظهر تحليل البرامج التليفزيونية في يونيو وأغسطس 1996 أن جزءا كبيرا من البرامج الترفيهية والواقعية كانت “بيضاء” حصريا، كما هو الحال على سبيل المثال فى نشرات الأحوال الجوية، والأفلام الوثائقية، وبرامج الأحداث الجارية، والمسابقات والألعاب، والبرامج الحوارية.

فقد وفرت هذه الدراسة مقارنة بين أدوار البيض وأصحاب البشرة السمراء في الظهور في الأفلام والإعلانات التليفزيونية والبرامج الترفيهية والتمثيل في التقارير الإخبارية. وحرصت الدراسة فى أن تنأى بنفسها عن أي حجة تحاول تقييم التمثيل الكمي في العلاقة مع الواقع، على سبيل المثال يظهر الإبلاغ عن مرتكبي الجرائم من أصحاب البشرة السوداء في التليفزيون المحلي والأخبار الصحفية بدرجة تبدو معها وكأن هناك مبالغة في التمثيل مقارنة بإحصاءات الجريمة. ومع ذلك، سعت تلك الدراسة إلى تجاوز التحليل الكمي للمركزية البيضاء لكشف المزيد من الطرق الأساسية التي تؤثر في المعايير والقيم الأمريكية البيضاء وتحديد إنتاج وسائل الإعلام (لمزيد من التحليل انظر أدناه معالجة العرقية في وسائل الإعلام الأمريكية). ويعد هذا الاهتمام بالتحقيق في أهمية ودور النزعة البيضاء في تمثيل وسائل الإعلام من خلال تحليل أعمق للمعنى هو السمة الأحدث في النقاشات المعاصرة.

ومن المثير للاهتمام، أنه ينظر إلى دور وسائل الإعلام كأحد الآليات المحورية في تغيير الاستقرار التاريخي لمركزية المعايير البيضاء السائدة، ومن ثم يعمل الإعلام على المساهمة بشكل جذرى في اختلال القوى التقليدية للهوية الثقافية البيضاء. وتعد أعمال جابرييل ذات قيمة خاصة في التعبير عن كل من الاستخدامات والاشكال المعاصرة من التحيز للنزعة البيضاء وأيضا ذات قيمة خاصة فى الاستراتيجيات المتطابقة من المقاومة والتدخل. وقامت جابرييل بتحديد الاحتفاء العنصري والتحيز المعيارى للجنس الأبيض (بشكل ضمنى فى الخطابات السياسية العنصرية والعالمية والليبرالية والهوية الوطنية والأشكال الثقافية والرياضة، والموسيقى، والأفلام)، وأخيرا، التحيز التقدمي للجنس الأبيض (السياسة التي تدين الاعتزاز بالجنس الأبيض ولكنها تقبل باستدامة الهيمنة ” البيضاء”). ويفتح هذا النهج التحليلي أرضية قيمة للاستجواب الخطابي لتمثيل وسائل الاعلام، والتي تتحرك جيداً وراء الاستراتيجات الآلية لتقييم المركزية البيضاء المبينة أعلاه.

دقة التقليد Mimetic accuracy  

لعل الأكثر أهمية علاوة على ما سبق، هو أن تقييم الارتباطات السلبية والتمثيل السلبي من الممكن أن يتم من خلال فحص علاقته بـ”حقيقة” المحاكاه أو التقليد. وقد سلطت دراسة Ella Shohat & Robert Stam (1994) الضوء على ما بهذا النهج من قوة وضعف وأكدت هذه الدراسة أيضا على قيمة “الواقعية التقدمية”، التي يمكن استخدامها بشكل فعال لكشف ومكافحة التمثيلات المهيمنة، وتتراوح الأمثلة الكثيرة للاحتجاج الحماسي على التمثيل المشوه، المبني على تلك المطالبات بالواقعية التقدمية مابين الباكستانيين في برادفورد من خلال تصويرهم باعتبارهم “الطبقة الدنيا المسلمة” الناشئة على نحو ما يظهر تقرير وثائقي مثير فى برنامج BBC Panorama وما سببه ذلك من انتقادات واسعة من المجموعات المسلمة التى انتقدت صناعة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) في وسائل الإعلام البريطانية، وهو نفس الانتقاد الذى وجهه المواطنون الأصليون فى أمريكا ضد تصويرهم كهنود حمر في أفلام هوليوود. وفى مناقشة فعالية هذا النهج القائم على صياغة الصور التقليدية والتشوهات عادت الدراسة السابقة إلى ما أسمته “الهوس بالواقعية”.

  • المركزية الاوروبية:

ركزت الدراسة السابقة أيضا على تقديم تحليل يركز على “تناغم الخطابات والرؤى” على أسس من الالتزام بالثقافات المتعددة المراكز، التي تنطوي على الانتقال من تحليل الصور إلى تحليل “الصوت”، حيث أن مهمة الانتقادات هي التركيز على “الأصوات الثقافية المؤثرة وتلك التي لم يعد لها تأثير”. وهذا ينطوي على تحول مفاهيمي من تحليل العنصرية إلى تحليل المركزية الأوروبية الاستعمارية حيث تقوم أسس التقييم على اختبار مدى اتفاق معايير الثقافات الأخرى مع المعايير الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية الأوروبية.

  • الأصوات العنصرية:

من الممكن أن يتم تقييم الارتباط السلبي للعرقية من خلال تحليل إدراك المنتمين لعرق بعينه. وقد قدمت كارين روس (244:1997) تقريرا عن كل من “الرغبة المؤلمة للصور السوداء المراد إنشاؤها، والتي يتم الإفادة عنها ومناقشتها وتفسيرها بالطرق التي تعترف بإنسانيتهم وليس فقط مجرد لونهم الأسود”. (Daniels 1990) كما تمت مراجعة ما يمكن تسميته “الفحص غير المقبول” للجماهير السوداء من خلال عرض القليل من الشخصيات السوداء في التلفيزيون. والفارق الرئيسي، الذي سلطت روس الضوء عليه، هو الفجوة في المعرفة بين “الإعلامين البيض” والجماهير”السود” في تفاصيل الحياة اليومية في الأسر والمجتمعات العرقية. ويعطى هذا ميزة لدور جماعات الأقليات والسود كنقاد، لهم الحق في أن يستمع إلى وجهات نظرهم وأطروحاتهم.

العرقية ووسائل الإعلام في روسيا

تعد العنصرية والعداء العرقي والتمييز في روسيا أشياء ممنهجة. فالمذابح، والتهجير، والتشريد لمجتمعات بأكملها، بشكل خاص اليهود وأعضاء الأقليات الأخرى هي سمة أساسية في كل من تاريخ الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي. وعلى الرغم من أن الاشكال الحديثة المعادية للإسلام فى روسيا تعود بشكل خاص لحركات الاستقلال السياسي بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي، وبشكل خاص في الشيشان، إلا أنه تم اضطهاد الإسلام، كغيره من الديانات الأخرى غير الأرثوذكسية.

وقد تعرض الآلاف من الطلبة الأفارقة السود الذين جاءوا إلى دول ما بعد الاتحاد السوفييتي لهجمات ومضايقات وسوء المعاملة. ففي عام 2006 أرسلت الأمم المتحدة مبعوثها الخاص بشأن العنصرية للتحقيق في تسارع العنصرية في روسيا. وكانت تلك المهمة مدفوعة بـ:

  • عدد متزايد من الهجمات ذات الدوافع العنصرية، وبخاصة التي يتعرض لها من هم ذوي المظهر غير السلافي، خاصة أولئك الذين جاءوا من القوقاز، وأفريقيا، آسيا، أو العالم العربي، ومايرتبط بهذه الهجمات من نشاط نازي جديد؛
  • تزايد حدةمعاداة السامية، فضلا عن غيرها من أشكال التعصب الديني، وبشكل خاص ضد المسلمين؛
  • ظهور وتزايد أهمية الأحزاب السياسية التى تقوم على أسس من العنصرية وكراهية الأجانب (الزينوفوبيا)؛
  • التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأقليات العرقية والجماعات الأخرى التي تعاني من التمييز في الاتحاد الروسي(UN 2006: 3).

وينظر إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الأسياسية والتحيز لعرق قومى أحادى كأسباب مباشرة للترويج لثقافة الكراهية والعنصرية. وقد انعكس هذا العداء المتصاعد في التقارير الواردة عن استطلاعات الرأي التي أشارت على التوالي الى أن 53% من أفراد العينة يؤيدون شعار”روسيا فقط للروس” و 42% يؤيدون قرار طرد أبناء الجماعات العرقية غير الروسية من منطقتهم.

ومن بين أبرز الحالات المزعجة والتي توضح تلك الاتجاهات كان مقتل خورشدة سلطانوفا Khursheda sultonova الفتاة الطاجيكية ذات السنوات التسع في مدينة سان بطرسبرج على أيدي مجموعة من الشباب الروس المسلحين بمضارب البيسبول، والسلاسل، والسكاكين وهتافاتهم “روسيا فقط للروس”.

العنصرية ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة

نتناول في الفقرات التالية الأمركة العنصرية التي تم استكشافها في الفصل الأول. فالتغطية الإخبارية العالمية لتنصيب باراك أوباما في يناير 2009 مثلت أخبارا معاصرة تستحق النقاش حول ما إن كان أو سيصبح الرئيس الأمريكى” أسود جدا” أو ” ليس داكنا بالشكل الكاف”، وهو ما كان أحد أبعاد حملته الانتخابية الناجحة (راجع الفصل التاسع). ومن الأمثلة على ذلك البرنامج الذي قدمه راديو KSFO  في سان فرانسيسكو والذي استضاف اثنين من أنصار اليمين المتطرف وهما ميلاني مورجان Melanie Morgan وبرين سومان Brian Sussman وأشار فيه الضيفان إلى أن باراك اوباما نصف أفريقى.

وقد علق سوسمان قائلا “صحيح أن أوباما مختلط……. فوالده كان من كينيا ووالدته بيضاء”. لكنه استدرك قائلا مخاطباً زميله “من رأيي، ورأيي هو رأيك كرجل أبيض عادي..ليس مسموحا لأوباما ارتداء شارة الأمريكي الأفريقي لأن عائلته ليست من نسل العبيد، ألا توافق معى؟ لا يستطيع أوباما أن يشعر بإرث التمييز والعبودية”. (لمزيد من الأمثلة عن “تجار الكراهية” في وسائل الإعلام الامريكية انظر www.mediamatters.org ).

وكما قال أوباما نفسه فإن الصحافة جابت كل استطلاع للرأي للحصول على أحدث دليل على الاستقطاب العنصري. ولقى هذا الانبهار والهوس بالعرقية اهتماماً في عدد من الدراسات (انظر على سبيل المثال Campbell 1995). وفي مراجعة موسعة عن العرقية ووسائل الاعلام، بما فى ذلك التغطية الإخبارية، أكدت دراسة  (Rojeck & Entman, 2004) على أن “الازدواجية المعقدة” هي الصفة المميزة للمواقف العنصرية البيضاء، وأن وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك التليفزيون، والأفلام والإعلانات، تلعب “دورا استنزافيا” يقلص الفهم الاجتماعي، الذي يحول الازدواجية السائدة فى اتجاه العداء العنصري.

وهناك كثير من القضايا “المسكوت عنها” في وسائل الاعلام، مثل طبيعة انتشار التفضيلات الإيجابية للبيض في التقسيم الاجتماعي للرفاهية، بشكل متواز مع عرض عالم اجتماعي أسود غير مسئول ومستهتر من خلال الصور النمطية عن عالم السود الكسول، الملئ بالغش في الرعاية الاجتماعية، والعنف القاتل والتجاوزات الجنسية.

وبشكل مواز، ثمة إغفال إعلامى نسبى للعنف ضد المرأة الأمريكية ذات الأصل الإفريقى لعرض مجموعة من الصور النمطية المتكررة، وتصوير الأمريكيين ذوى الأصل الإفريقية بالوحشية، والعنف، وآباء سود مفرطين جنسيا، وأمهات مجرمات يتعاطين المخدرات وضحايا للعنف السابق.

وفي استعراض أوسع للأخبار الأمريكية وجد أن الافارقة الأمريكيين يتم تصويرهم بشكل عام، كنجوم موسيقى الراب، مدمنى مخدرات، أو أمهات الرعاية الاجتماعية، بينما يتم تصوير اللاتينيين على إنهم “غرباء وأجانب”، أما الأمريكيون ذوى الأصل الأسيوى فتم تصويرهم على أنهم “متلاعبون غامضون” غزاة البيزنس الأمريكي، أما الأميركيون الأصليون فليسوا أكثر من “هنود سكارى” (Cllj 1994). وكانت هذه الصور النمطية تجسد قرارات غرفة الأخبار المركزية ذات النزعة البيضاء وقيم إخبارية متماثلة المركز (أي أنها تقبل مسلمات عن الذات والآخرين تصنف من خلالها المختلفين كغرباء أو كمصدر تهديد ). (Aldrich 1999).

العرقية والاغتصاب في الأخبار الأمريكية

قدم القس جيسي جاكسون في التعليقات التي أدلى بها في حلقة تلفيزيونية انتقادا لاذعا للربط المتكرر بين الرجال السود والجدل الجنسي في الأخبار الأمريكية. فهناك حالات مثل إدعاءات التحرش الجنسي ضد القاضي كلارنس توماس، واتهامات الإعتداء الجنسي على الأطفال ضد مايكل جاكسون والإدانة بالاغتصاب ضد الملاكم مايك تايسون، واستخدمت جميعها لتوضيح عمق الإثارة والقيم العالية ضد السود فى أخبار تلك القصص.

وقد قامت دراستان عن التغطية الإعلامية للعنف ضد المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية بتوضيح مزيد من القضايا الخطيرة في إنتاج وتمثيل واستهلاك للموضوعات الإخبارية ذات الصلة العرقية. الدراسة الأولى قامت بالتركيز على الأخبار المحلية في التلفيزيون والصحافة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا ((Meyers 1997. وفى هذه الدراسة تقول مايرز إن الأخبار المحلية تميل لإعطاء مساحة أكبر للعنف الشائع العادي ضد المرأة، مقارنة بتغطية القنوات القومية للعنف المرتبط بالحالات المثيرة أو الخاصة بالمشاهير، مثل محاكمة مايك تايسون والتى سنناقشها لاحقاً.

وقد وجدت تلك الدراسة أن العنف  ضد المرأة الأمريكية ذات الأصل الإفريقي لم يكن يحظى بقدر كاف من التغطية الإخبارية مقارنة بالعنف ضد المرأة الغنية البيضاء. كما أن أولئك النساء الأفروأمريكيات اللاتي تم تمثيلهن في الأخبار كانوا أكثر عرضة لتوجيه اللوم إليهن كضحايا مقارنة بالنساء البيض(Meyers 1997:66). ويشير هذا الغياب النسبي للمرأة الامريكية ذات الأصل الافريقي إلى “أسطورة التخفي” حيث أن هناك تغطية أقل لقضايا الأقلية العرقية والمجتمعات المحلية في الأخبار وبشكل عام التي ينظر إليها على أنها ناتجة بشكل خاص عن المركزية البيضاء التى توجه قرارات غرفة الأخبار (Johan and sears 1971, Pease 1989, Campbell 1995).

وبالاضافة الى ذلك، تقول مايرز إن التغطية الإخبارية للعنف ضد المرأة الأفروأمريكية يعزز أيضا الصور النمطية عنها وعن الرجل الأفروأمريكي وميلهم للتورط في العنف، وتعاطي المخدرات، وممارسة الدعارة. واستنادا إلى حالات بعينها، قامت الدراسة السابقة بإلقاء الضوء على تمثيل الآباء الأمريكيين ذوى الأصل الإفريقى على أنهم يميلون إلى العنف والتجاوز الجنسي، وتصور الأمهات غير مؤهلات، متاجرات بالمخدرات، ومجرمات. ويشي هذا النهج من التغطية بأن الأنثى الأفروأمريكية الناجية من العنف كمتعاطية للمخدرات والكحول وتورطها في الدعارة هي المسئولة عن أعمال العنف ضدها .(Meyers 1997: 119-20)

وقد فشلت نشرات الأخبار في الخروج عن “القواعد العرقية” (Hall 1981). لكن السؤال هو إلى أي مدى ينظر مقدمو الأخبار إلى حالة العرقية المرتبطة بالاغتصاب على أنها حالة غير عادية، ومثيرة للاهتمام، أو مثيرة للجدل وبالتالي تستحق التغطية بسبب محتواها العرقي.

ولعل الدليل على الإغفال النسبي يشير الى الوضع العكسى، حيث يعطى قليل من الاهتمام لتغطية العنف ضد المرأة الأفروأمريكية. وفي المقابل، شهدت الولايات المتحدة في 1992 قضية مايك تايسون والتي تعد واحدة من أكثر “القصص الإخبارية البارزة، ربما سيئة السمعة” (Lule 1997). وقد أعطى هذا فرصة لدراسة تفاصيل التمثيل الإخباري الشامل عن العرقية والاغتصاب. فقد تم اتهام  بطل الملاكمة للوزن الثقيل مايك تايسون وحكم عليه بالسجن 6 سنوات لاغتصابه ديزيه واشنطن Desiree Washington المشاركة في مسابقة ملكة جمال أمريكا السوداء. وقام جاك لولي (1997) بتحليل تقارير خمسة من أكبر الصحف عن تلك القضية على مدى فترة 9 أشهر ( يوليو 1991- أبريل 1992) التي تكونت من 500 مقال وخلص إلى أن “التقرير كان معيبا باعتماده على صور عنصرية” (Lule 1997:382).

فقد كان يتم تمثيل تايسون في التقارير بطريقتين: الوحش الأسود، غير الإنساني، العنيف، الوحش المهووس بالجنس؛ أو كضحية للظروف الاجتماعية، بما فيها العنصرية، التي عرقلت خطاه في نهاية المطاف. ولكن لولي أقر باثنتين من السمات الأساسية الأخرى للتغطية الإخبارية: الأولى أنه لم يكن هناك أي خطاب متعصب استُخدم بشكل صريح، ثانيا، تعقيد قضايا الطبقة والجنس والتي تتداخل مع التمثيلات العرقية.

الهجرة

كانت تغطية الهجرة على الأرجح أكثر المجالات التى تعرضت لانتقادات التمثيل الإخباري في ما يتعلق بمجموعات الأقلية العرقية؛ فعلى سبيل المثال أقرت دراسة (Greg Philo & L. Beati, 1999 :181) بأن الأخبار التليفزيونية قدمت بشكل أساسي وجهات نظر سلبية عن عملية الهجرة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الصورة النمطية الإخبارية الأكثر شيوعا عن الهجرة هي أن سياسة الهجرة “خارج السيطرة” مع التركيز الكبير على الحركة غير المنضبطة للمهاجرين غير الشرعيين الوافدين من المكسيك.

وينظر إلى هذا باعتباره  ناتجا عن “الصحافة السيئة التي تحول الواقع المعقد إلى خيال بسيط ومشئوم” (Miller 1997:27). وكتب روبرت سامويلسون، وهو صحفي في مجلة نيوزويك، أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون الإسفنجة التى تمتص فقراء المكسيك” (24 يوليو، 2000). وزعم أن “مصلحتنا (مصلحة الرأي العام الأمريكي) تكمن في هجرة أقل، وذلك لأن الكثير من المكسيكيين ليست لديهم الرغبة في الانضمام للتيار الأمريكى العام، ولأن هذا أيضا “من شأنه أن يضر المواطنيين الأمريكيين من خلال خفض الأجور، وزيادة العنصرية ضد الوافدين من أمريكا اللاتينية، وإجهاد المدارس والخدمات الاجتماعية.

ووفقا لهذا الرأي فإنه يمكن “التجاوز” عن الفوائد الاقتصادية للهجرة من أجل الحرص على الوحدة الوطنية. ويعكس هذا الموقف بعضا من الحملة الإعلانية الإذاعية والتلفزيونية التي استخدمها المرشح اليميني بات بوشنان Pat Buchanan في الحملة الرئاسية لعام 2000.

وفى هذه الحالة تم تصوير طغيان بعض اللغات التي تتحدث بها المجموعات المهاجرة على اللغة الانجليزية على أنها تقويض للمجتمع الامريكي وتسبب اضطرابا خطيرا، كما فى المدارس على سبيل المثال.

وفي تقريرها عن القضايا الرئيسية للناخب الأمريكي، ركزت مجلة نيوزويك (6 نوفمبر 2000:37) بشكل واضح على فشل جورج بوش وآل جور فى معالجة مسألة الهجرة خلال الحملة الانتخابية في عام 2000 ودعتهم لتناول “القضية المركزية وهى تقدير العدد الضخم للمهاجرين”، مطالبة إياهم بالعودة إلى “لعبة الأرقام” من أجل الاستخدام العملي “للورقة العرقية”.

ويصور تقرير نيوزويك الهجرة على أنها “إنفجار سياسي” محذرا من أن “أي رئيس أمريكى مقبل لن يكون قادرا على التغاضي عن هذه المشكلة لفترة طويلة”. وكان التخلي عن الورقة العرقية سمة مميزة لحملة بوش الرئاسية، الذى تجاهل سياسة الهجرة، وسن القوانين لتجريم الكراهية في المناظرات الرئاسية التلفيزيونية. وكتب كوهين Cohn  في صحيفة “New Republic” (13 نوفمبر 2000) متساءلاً ” لماذا تخلى الجمهوريون عن الورقة العرقية”، محللاً الفشل المتزايد للخط السياسي الجمهوري حيث أن الديمقراطييين أذعنوا الى التشدد الأسود عن طريق زيادة الإنفاق الاتحادي على الرفاهية، وفرض الضرائب على سكان الضواحي من الطبقة المتوسطة البيضاء لدعم المناطق الداخلية من المدينة التى يسكنها السود.

  • كشف العنصرية في الأخبار الامريكية

لم تعثر دراسة إنتمان ورويكي Entman & Rojecki (2005) على كثير من الأدلة الدامغة على الاهتمام الذي تظهره وسائل الإعلام الإخبارية لكشف العنصرية، ولكنها قدمت ملاحظات مهمة عن الطرق التي يمكن أو يجب أن تتحسن بها وسائل كشف العنصرية. هل يعود السبب فى نقص هذه المواد الإعلامية الإخبارية الى تواطؤ في عملية إنكار العنصرية والتمييز العنصري؟ أو هل مبرر ذلك يعود إلى أن التغطية الإخبارية لم تكن مركزية بالنسبة للتحليل الذي قدمته الدراسة السابقة، ومن ثم فإنه لم يكن هناك بحث كاف حتى الآن؟ أم أن التغطيات الإخبارية الأمريكية التي تكشف العنصرية وتسلط الضوء على مميزات التنوع العرقي هى فى الواقع جد ضئيلة؟

ففى تحليلهما لتغطية قضايا الفقر لاحظت دراسة (Entman & Rojecki, 2000: 252)  الارتباط الوثيق بين الفقر والعنصرية، وذلك من خلال تكرار الإشارة فى المواد الإخبارية إلى التمييز العرقى، والعرقية ووحشية الشرطة. ومع ذلك، يبدو أن العلاقة بين هاتين المسألتين ـ الفقر والعنصرية ـ نادرا ما تم شرحهما من قبل وأنه في كثير من الأحيان كان التمييز شائعا في العقود السابقة، ويبدو وكأنه “قد انتهى منذ فترة طويلة”.

ومثل تلك المواد التى تقيم الفقر وما يرتبط به من تهديدات (كالعنف، والجريمة، والمخدرات) أو المعاناة (العنصرية، البطالة، التشرد) تعتمد على التغطية الإخبارية منذ 1990 وحتي 1994. على هذا النحو، بدت الأخبار الأمريكية في موضع الاتهام ورميت بأنها محرضة على العنصرية والتمييز. ولكن هل هذه هي القصة كلها؟ هل معظم تصورات الأخبار عن حالات العنصرية في المجتمع الأمريكي تم تأطيرها لمنع أهميتها ودلالاتها المعاصرة؟ سنتعرض للإجابه عن هذا السؤال من خلال استخدام مجموعة محدودة ومختارة من الأمثلة الحديثة.

ففي 5 سبتمبر عام 2000، قدمت صحيفة شيكاغو والبرنامج الإخبارى WGN تقريراً عن وجود دعوى تمييز عنصري منذ فترة طويلة ضد دار دونللى للطباعة بولاية إلينوي. وتصدرت القضية الصفحات الأولى للصحف في مجال الأعمال. وكانت الصورة المركزية فى هذه التغطية الإعلامية للوزير “آلان روندترى ” الذى ظهر فى الكنيسة مبتسما وممسكاً بأيدي إمرأة أمريكية من أصول إفريقية كما لو كانت الصورة تقدم احتفاء بدوره في هذه القضية. وكان عنوان التغطية يقول: شهادة من الحاضر والمستقبل، العاملون بدار طباعه دونللى يجددون الاتهامات العنصرية الواردة في دعوى التمييز ضد عملاق الطباعة”.

وفى هذه التغطية الإعلامية أعربت ريتا هاريسون (عاملة أخرى سوداء في نفس الدار) عن أشكال التمييز فى مؤسسة دونللي في أنديانا من شعارات عنصرية وتمييز عنصري في التعيين والترقية والتسريح. وتم عرض الانتهاكات العنصرية بقوة وتعاطف في هذا المقال. ولم تكتف التغطية الإخبارية برفض العنصرية، بل أفسحت المجال لصوت المحامي الرئيسي للعمال السود للتنديد بالمؤسسة وعنصريتها.

وقد ظهر هذا المقال من خلال تغطية الشهادات الجديدة التي تم الإدلاء بها والتي وثقت تجارب العمال السود. ويعترف هذا المقال بشذوذ التغطية الإخبارية، مشيرا إلى أن القضية في البداية جذبت العناوين الرئيسية منذ ثلاث سنوات عندما تم تقديمها وتم نسيانها فيما بعد من قبل وسائل الاعلام. وعموما، فإن تغطية تلك القضية تشير الى مجموعة متنوعة من الميزات. أولا، هناك اهتمام لتقديم عدد من القضايا الضخمة للتمييز من قبل صاحب العمل. ثانيا، أوليت عناية كبيرة للأدلة ولأصوات وصور العمال السود، وأكدت العناوين الفرعية على ضرورة أن يستعد المرء لمواجهة العنصرية اليومية.

وفي 6 نوفمبر 2000، نشرت نيوزويك تقريراً عن هجمات العنف العنصري ضد الأمريكيين ذوى الأصول الكورية والآسيوية وكان العنوان: ” الضحايا الجدد للكراهية، جرائم التحيز تضرب أسرع المجموعات العرقية نموا”. وكانت الصورة التي استخدمت لتوضيح تلك القصة تظهر”جون لى John lee ” الشاب حسن المظهر ذو الأصول الكورية  وقد تعرض لكسر في الجمجمة بعد مهاجمته خارج السكن الجامعي لجامعة ولاية نيويورك، وقد قيل له “أيها الصيني اللعين، هذا ما تستحقه”. وكان التعليق أسفل الصورة يقول ” يساورنى الرعب… كنت على شفا الموت ..لقد خذلني النظام.” وعادة ما تستخدم قضية جون لي ضمن تقرير ائتلاف الحقوق المدنية الأسيوأمريكية عن تزايد الهجمات العنصرية العنيفة.

وانتقد المقال الصور النمطية عن الأمريكيين من أصل أسيوي كناجحين تجاريا والعنصرية التي تستهدف تلك المجموعة، والذى ينكره مكتب التحقيقات الفدرالية والشرطة، وهو الإنكار ذاته تجاه ما يتعرض له الطلاب الآخرون من السود والوافدين من أمريكا اللاتينية. وقد عرض المقال أيضا لتعليقات رئيس الاتحاد الآسيوي في جامعة ولاية نيويورك والذى ذهب يقول “يظن الناس أن كونك آسيويا فإنك بشكل تلقائي تعمل فى بنك فاخر مثل بنك ميريل لينش  Merril Lynchوأن أحدا لم يمسسك بأية إساءة عنصرية”. (على نحو ما قالت الناشطة الطلابية ريزالاني زابالا Rizalene Zabala ).

وتفسح تلك المقالة المجال لسماع صوت الأسيوأمريكيين، وتنتقد العنصرية المؤسسية وتكشف عن القليل الذى تم الإبلاغ عنه من العنف العنصري. وهناك حجة أخرى قدمتها دراسة إنتمان ورويكي  (Entman & Rojecki, 2000)  تقر بفشل التغطية الإخبارية الأمريكية في الإبلاغ عن استمرارية وجود الميزة العنصرية التي تعطى للبيض، وفي هذا السياق، من المهم أن ننتبه إلى مقالة إليس كوزي Ellis Cose في النيوزويك ( 18 سبتمبر 2000) التي اختارت التركيز على المزايا الممنوحة للبيض.

ومن الإشارات الواردة في هذا المقال كان هناك عنوان جانبي يقول “الوجه الجديد للعرقية”، وهو ما أكد على هذا البعد بشكل دقيق، وإن لم يكن قد لقي حقه في المناقشة المتعلقة بما يمكن تسميته “التقاطعات الحرجة” للون. وهناك أيضا اهتمام لتجدد الموقف العنصري تجاه “الوافدين من أمركيا اللاتينية” والذي نشأ استجابة للهجرة الوافدة من المكسيك والتي تتناقض مع تأكيدات الإنكار الصحفي لهذه المشكلة.

لقد كانت الطبعة الخاصة من “نيوزويك” عن “إعادة تعريف المفهوم العرقي في أمريكا” جزء من تراث طويل من التقارير الخاصة عن الأعراق خلال العقود الثلاثة الماضية بما تضمنه ذلك من طبعات ركزت على برامج الحقوق المدنية، والدور الذي لعبه الرجال السود في ذلك المسار، والسياسات العرقية الإيجابية تجاه السود، واضرابات لوس انجلوس، فضلا عما أشارت إليه دراسة سمبسون وإنتمان ورويكي (Simpson, Entman and Rojecki  2000)  بشكل نقدي تحت عنوان ” العرق والشغب” زاعمين فيه أن العلاقة بين الإثنين تعزز من العداء المكشوف من خلال تأطير القضية باعتبارها واحدة من أشكال اختلاف المصالح غير القابلة للتوفيق ما بين “المنتفعين” السود، و “الخاسرين” البيض.

وعلى أية حال فقد اعترفت هذه الدراسة أيضا بأن التغطيات الإخبارية المهتمة ببرامج السياسات العرقية الإيجابية تعطي دراسات حالة مفيدة للبرامج والمعالجات الإعلامية المتعاطفة مع السود. وبعد ذلك بخمس سنوات، ومع تحقق أن الهجوم على السياسات العرقية الإيجابية لم يكسب أصواتا بيضاء في الانتخابات الرئاسية عام 1996 واستمرار غالبية الشعب الامريكي في دعم السياسات العرقية الإصلاحية، فإن هذه السياسات العرقية الإيجابية، وخاصة تجاه الهجرات الوافدة، تراجعت  كأرضية لعراك سياسي رئيسي. وبدلا من ذلك فإن الرسالة السياسية والإعلامية لمجلة النيوزويك قد تغيرت نحو سياسة أخرى داعمة للتنوع الرقي. وفي ذلك ذهبت نيوزويك في 18 سبتمبر 2000 إلى القول:

” يوما بعد يوم، وفي كل ركن من أرجاء الولايات المتحدة، نعيد رسم خطوط ألوان البشر ونعيد تعريف ما الذي نعنيه حقا بالسلالة والعرق. فالقضية لم تعد قضية أسود وأبيض، فالفروقات الدقيقة بين البني والأصفر والأحمر أصبحت تعني الكثير ـ والقليل ـ مقارنة بأي فترة مضت”.

 ومن ثم، فإن تقسيمات الأبيض/ الأسود، يشار إليها الآن باعتبارها تاريخ “قديم”، وأن تقسيمات جديدة ما تزال تقدم في القضايا العرقية المتعلقة بمصطلحات الأحمر والأصفر والبني.  فهذه المصطلحات الدقيقة التقطها وعمل عليها جورج بوش في إحدى مناظراته التلفزيونية خلال حملته الرئاسية في أكتوبر 2000، وهو نهج يبدو أنه سيستمر في المعالجات الإعلامية والشعبية. فالهجرة الوافدة من أمريكا اللاتينية، وتزايد الزواج المختلط بين الأعراق، وتناقص السكان البيض في كاليفورنيا لدرجة أصبحوا معها أقلية عددية في ولاياتهم، وأن ثلاث ولايات في الجنوب الأمريكي فضلا عن مدن العواصم بهذه الولايات لم يعد بها أكثرية عددية بيضاء، حتى أنه مع ارتفاع نسبة المهاجرين من أصول لاتينية أصبح البيض أكبر أقلية في بعض الولايات الأمريكية عام 2010 فضلا عن الشعبية الجارفة لنجوم غير بيض من أمثال جينيفر لوبيز Jennifer Lopez  وريكي مارتن Ricky Martin، وكل ذلك يعد من عوامل تغيير وجه أمريكا. على أية حال، فإننا ما نزال نرى انتكاسة قليلة في التقسيمات “القديمة” للعرقية تعترف بأن هناك معاناة من “الفقر والانحباس والتنميط العنصري والتمثيل غير المتماثل لدى الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية. وإن كان ذلك يهمل جانبا في ظل معطيات العالم الجديد الذي نجده اليوم أصبح “مختلطا بعديد من الألوان” ولم يعد قاصرا على ثنائية الأبيض/الأسود. وهنا نجد أن الهجين العرقي والثقافي تم تمثيله ضمنيا وفقا لمعايير عرقية.

وقد قدمت النيوزويك (بتاريخ 18 سبتمبر 2000) “خريطة المزيج العرقي” حيث عرضت صورة سكان كل ولاية أمريكية بمعايير كونها ولايات يسكنها البيض أو السود أو الهسبانيون (ذوو الأصول الأمريكولاتينية)، أو الآسيويون، أو وافدون من جزر المحيط الهادئ، أو من السكان الأصليين من الهنود الأمريكيين/الإسكيمو/ وجزر ألوشيان، فلدينا الآن فئات “مختلطة” بكل الألوان وليست قاصرة فقط على “ثنائية” الأبيض/الأسود.

وهناك من العناصر الأخرى التي تناقش “فيضان” المهاجرين “الهسبان” إلى جنوب الولايات المتحدة وغربها الأوسط فما يعرف باسم “البني ضد البني”. ولماذا يتم التاكيد على هذه المفاهيم بهذه الطريقة؟ لقد قيل لنا إن “عشرات من البلدات قد تلونت بالعرق البني بين يوم وليلة”. ويقدم تقرير النيوزويك معالجة مناهضة للعنصرية كاشفا عن العداء من قبل “المتعاطفين مع الزمن الأبيض القديم” الذين وصفوا الوافدين بأنهم يعيشون “مثل الرعاع” منتقدين ارتفاع الجريمة وحالة الهياج والصخب في الحدائق والرطانة والثرثرة بلهجة إسبانية، إضافة إلى العداء من قبل الأمريكيين المكسيك (الشيكانو Chicanos) ذوي الأصول الإسبانية  المستقرين هنا لفترات طويلة والذي يشعرون بتململ تجاه الوافدين الجدد من أبناء جلدتهم. وقال أحد المهاجرين الوافدين حديثا ، ويدعى بييريز Perez، بأن “الشيكانو هم من بني جلدتي من ناحية العرق لكني لا اعتبرهم من أبناء وطني”.

وتحتاج الدروس التشاؤمية أيضا لأن تؤخذ في الاعتبار من خلال التجربة الأمريكية خاصة فيما يعرف بعدم المساواة العرقية والتوظيف في المنظمات الإعلامية. وقبل عشرين سنة مضت وضعت الجمعية الأمريكية لمحرري الصحف هدفا لغرف الأخبار عبر أرجاء البلاد سعى لأن تعكس التغطيات الإخبارية والإعلامية المركب العرقي والإثني لكافة المجتمعات البشرية في الولايات المتحدة بحلول عام 2000.

وتبعا لهذه الجمعية فإنه بحسب إحصاءات عام 1998 كان نحو 12 % من الصحافيين ينتمون إلى أقليات عرقية، مقارنة بنسبة الأقليات العرقية في النسيج السكاني الأمريكي والتي تبلغ 26 %. أما في عام 1978 لم تكن نسبة الصحافيين من أبناء الأقليات العرقية تزيد عن 4 % فقط من نسبة العاملين في غرف الأخبار. ومن ثم فإنه على الرغم من أن هناك تغيرات ملحوظة في هذه النسب، إلا أنه ما زالت هناك فجوة كبيرة في تمثيل الأقليات في هذا المضمار.

وقد وضعت هذه الجمعية تاريخ 2025 كهدف مأمول تصل فيه نسبة التمثيل إلى القدر المتناسب رغم الانتقاد الموجه الى أن ذلك التاريخ الذي يبدو بعيدا، خاصة من قبل الرابطة القومية للصحافيين السود بالولايات المتحدة.

وفي فحص مقياس التغير في الحصة الممنوحة للصحافيين من أبناء الأقليات في البث الإذاعي والتلفازي المباشر، أظهرت دراسة قدمتها جامعة إلينوي الجنوبية حول أكبر ثلاث نشرات إخبارية مسائية أن نسبة الإعلاميين من أعراق الأقليات تبلغ 15 % من إجمالي فريق العمل في عام 1998 مقارنة بـ 7 % فقط عام 1991.

كما أظهرت هذه الدراسة أن الصحافيين من أبناء الأقليات يمثلون 20 % من إجمالي 163 عضوا في الشبكات الإخبارية بفريق الأخبار. وبناء على هذا فإنه في الولايات المتحدة ثبت أن المجال الإعلامي ما يزال يحتاج إلى نحو 50 سنة كي يحقق الحد الأدنى من التوافق بين نسبة الأقليات في المجتمع ونسبتهم لإجمالي السكان رغم الجهود الكبرى لبرامج التمييز الإيجابي للأقليات التي شكلت خطوات جادة لتوفير فرص عمل وبناء مستقبل العديد من الأفراد وساعدت في توفير بيئة صالحة لتنمية قدرات ومواهب أبناء الأقليات. وما زلنا في حاجة لبذل كثير من الجهد عند مستويات سياقية متعددة من أجل المساعدة في تحقيق الرابط بين الأنماط المتغيرة لمكانة الأقليات في فرق العمل والأنماط المتغيرة من التغطيات الإخبارية لقضايا الأقليات.

العرقية ووسائل الإعلام في أوروبا

التوجهات الأوروبية

من المسلم به أننا قطعنا خطوات واسعة على طريق التعرف على الرسائل والآليات السلبية القوية في التغطية الاخبارية عبر القارة الأوروبية (FRA 2002). فقد أكدت تقارير التغطية الإخبارية على مستوى الدول أنه بمجرد أن يتأسس خطاب سلبي عن المهاجرين أو الاقليات العرقية تبقى هذه الخطابات سائدة لفترة مستمرة من الزمن. وتصبح مثل هذه الخطابات بمثابة “ذخيرة ثابتة”، حيث تنطوي تغطية الأحداث على سلسلة متكررة من التصريحات والإجراءات والاستنتاجات (على نحو ما اتضح على سبيل المثال في تغطية الاحتجاجات ضد المستوطنات التي أقامها المهاجرون في المناطق الحضرية الكبرى في إيطاليا، والتي تم تفكيكها من خلال تدخلات إقرار النظام العام وإقامة مناطق للعزل العرقي).

ولقد وجد أن الصحفيين قدموا قراءة للأحداث التي شكلت عداء وكانت مختلفة بشكل ملحوظ عن تصورات سكن الأحياء التى كانت محور التقرير(ذلك العداء الذي تشكل بسبب الصراعات، والاحتجاجات أو الاضطرابات) وأنهم لم يتعرفوا على أنفسهم أو المواقع التي يعيشون فيها عبر الطريقة التي تم بها عرض مشاكلهم في تلك التغطيات الإعلامية. فعلى سبيل المثال وجد أن التغطيات الإخبارية في إيطاليا واليونان تذكي الصراع وتكون هيستريا شعبية ضد المستوطنات التي أقامها المهاجرون، وما يتبع ذلك من عمليات تقوم بها الشرطة ضد تلك المستوطنات من أجل استرضاء المواطنين.

وفي مثل هذه الحالات تم بناء إجماع في التغطية الصحفية الإيطالية يقوم على إجماع مناهض للهجرة الوافدة، وذلك من خلال الجمع بين عدة أشكال من الصور النمطية والتصويرات السلبية وبطريقة تبدو وكأنها مدعومة من قبل “الرأي العام” أو مدعومة بطريقة مباشرة عن طريق التعبئة التي تقوم بها السلطات السياسية.

وفي أسبانيا، خلقت التغطية الإعلامية للاشتباكات التي نشبت في مناطق مستوطنات المهاجرين صورة مشوهة عن الأحداث، وذلك بسبب تركيزها على الوضع غير القانوني للمهاجرين (ممن لم يتم استطلاع رأيهم)، وتم استخدام روابط تعميم جمعت بين مجتمع المهاجرين الوافدين وأسباب النزاع، واقترحت مثل هذه التغطيات الإعلامية وجود تعبئة موحدة لدى “الجيران” الإسبان (السكان الأصليين) ضد هؤلاء المهاجرين ( FRA 2002:36).

وثمة سمة عامة أخرى تتسم بها التغطيات الإخبارية في جميع الدول تقريبا وهي أنها لا تسمح بسماع أصوات “المهاجرين” أو أبناء “الأقليات” إلا فيما ندر، ولا يتم الرجوع إليهم كمصادر منتظمة لتقصي الحقيقة في الأخبار، على نحو ما نجد هذه المشكلة في كل من إسبانيا، فنلندا، والسويد. وعادة ما تركز الاخبار المتعلقة بالأقليات والمهاجرين على قضايا الجريمة، والعنف، والإجرام، وهنا نجد مجموعات الغجر (من مجموعات الروما والسنتي) هي المستهدف الأول في مثل هذه التغطيات. أما المنظمات ذات الموقف الإنساني والمعنية بالدفاع عن الأقليات ومناهضة العنصرية ومساعدة اللاجئين والمهاجرين فدائما ما لا تؤخذ باهتمام بل كانت تتعرض في بعض الأحيان لتشويه السمعة، على نحو ما حدث على سبيل المثال في الصحافة المحافظة/ الشعبية في إيطاليا والنمسا.

تغير أنماط التمثيل في المملكة المتحدة

يمكن القول إن معظم الدراسات التي اهتمت بالعرقية في الأخبار تعاني من الانتقائية وتفتقد “الصورة الكلية” لمجمل القضايا وأطياف القصص المقدمة، إذ يعيبها التركيز على الأمثلة السلبية الواضحة والصارخة. وهناك دراسة تجريبية رائدة أجريت في المملكة المتحدة، اعتنت بشكل كامل بـ ” تمثل القضايا العرقية في الأخبار” (Law 2002) وهدفت معالجة تلك الفجوة في المعرفة ونادت بإجراء بحث وتمحيص في وجود العنصرية المؤسسية في وكالات الأنباء. فقد تم تحليل المنتج الإخباري المقدم على مدار ستة أشهر (نوفمبر 1996 و حتى مايو 1997) التي شملتها التغطيات اليومية للعرقية في الأخبار المقدمة عبر البث الإذاعي والتلفازي والصحافة الشعبية. وأظهرت تلك الدراسة تحولا كبيرا في التغطية بين عقدي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين والانتقال من مستوى العداء المكشوف للموقف المناهض للعنصرية باتجاه موقف مغاير يقوم على “عرض مناهض للعنصرية”.

وقد جادل البعض معتبرا أن هذا “العرض” العظيم المناهض للعنصرية قد يصبح ـ في بعض وكالات الأنباء ـ ليس أكثر من محاولة شكلية فارغة للاستعراض ووضع أقنعة على الممارسات المستمرة والمتواصلة من التحيز للعرق الأبيض في منظمات الإعلام والتغطية على عدم المساواة العرقية والعنصرية في مجالات السلطة والتوظيف فضلا عن كونها دلالة على فشل جماعي في تقديم خدمات إخبارية جديدة لمجتمعات الأقليات العرقية السوداء وغيرهم من مستهلكي تلك الأخبار والتغطيات الإعلامية.

ومثل هذا الاستعراض ربما يصبح بناء على ذلك، معاكسا لخلفية العنصرية المؤسسية. ورغم هذا، ففي الحالة الدراسية للأخبار الإنجليزية، فإنه في حالة ثلاثة أرباع المواد الإخبارية المدروسة كان هناك تقديم رسالة عامة مناهضة للعنصرية، بما يتضمنه ذلك من مواد إخبارية ومحاولات لكشف ونقد الاتجاهات العنصرية، فضلا عن التقارير والتعبيرات والأفعال والسياسات المستهدفة للمجموعات العرقية ومجموعات الأقليات والمهاجرين وإظهار إسهامهم في المجتمع الإنجليزي وما تضمنه ذلك من الإشارة إلى هوية المجتمع البريطاني متعدد الثقافات.

وهناك مجموعة معقدة من العوامل المسئولة عن هذه العملية بما في ذلك تغير الخطاب الثقافي والسياسي والحكومي حول قضايا العرقية، فضلا عن إحداث تغير في ملف التوظيف لأبناء الأقليات العرقية في بعض وكالات الأنباء، وزيادة الاعتراف بمناهضة العنصرية وتدعيم الهوية متعددة الثقافات في بيئات تنظيمية قادرة على خلق تنافس فعال في إنتاج الأخبار.

ومن الأمثلة التي تستوقف المرء قصة مقتل الشاب الأسود ستيفين لورانس Stephen Lawrence  لأسباب عنصرية والتي سيطرت على البرامج الإخبارية في أواخر تسعينيات القرن العشرين، ووصفها الصحفي ميشيل مانسفيلد Mansfield  في 19 أبريل 1999 بصحيفة الجارديان بأنها “أكبر تغير ملموس شهدته التغطية الإعلامية العرقية”. فقد لاحظ مانسفيلد عدم اكتراث المنظمات الإخبارية وبرامج الأحداث الجارية لتلك القضية التي وقعت في عام 1993-1994 مقارنة مع الأخبار واسعة النطاق، والأفلام الوثائقية والتغطية الدرامية التي شهدتها تلك القضية بعد مضي نحو ست سنوات على وقوعها. وإضافة إلى ما سبق فإنه بالنسبة للعلاقة مع الجريمة العرقية تعرف مانسفيلد بشكل أكثر عمومية على التحسنات الكبيرة التي شهدتها تغطية القضايا العرقية على الصعيدين المحلي والوطني.

لكن السؤال هو: هل سيجلب هذا التغيير تحسنا إيجابيا في اتجاهات المعالجة الإخبارية العرقية؟ في أحسن الأحوال، يمكننا أن نتوقع حدوث قدر من الشجاعة والابتكار والابداع في تحديد العنصرية المؤسسية وأشكال الاستبعاد العنصري والعرقي والثقافي. ففي بريطانيا تمكنت الصورة العامة عن العنصرية المؤسسية التي انبثقت عن التغطية الإخبارية من إلقاء ضوء كاشف على دور الهيئات المعنية بالهجرة الوافدة، ومنظمات العدالة الإجرامية، وأندية كرة القدم، والهيئات والمنظمات الائتمانية الصحية، فضلا عن القوات المسلحة وأصحاب الأعمال الخاصة مثل مؤسسة فورد، باعتبار كل ما سبق مجالات لدراسة المشكلات العنصرية. فهنا لا يمكن غض الطرف عن مدى وتنوع العنصرية المؤسسية، كما أن العنصرية لا يتم اختزالها في مشكلة السلوك العنصري للأفراد على نحو ما اقترح بعض النقاد وفي مقدمتهم جوردن و روسنبرج (Gordon and Rosenberg 1989).

وتعد التغطية الإخبارية المحسنة عن نشاط الحملات المناهضة للعنصرية بمثابة تغيير رئيسي منذ ثمانينات القرن العشرين بما يعكس الانفتاح المتزايد تجاه أصوات الأقليات. وتحتوي الأخبار البريطانية وصناعة الأفلام الوثائقية على مشاركة قوية من الإنتاج الذي تميز في حمل هذه الرسالة وما ارتبط به من حمل هذه الرسالة إلى الإمام. ومن الممكن أن تتدعم درجة تجدد الثقة في الأصوات المناهضة للعنصرية مع وجود اتجاه سياسي قوي لمناهضة العنصرية بما يؤدي إلى تعميق هذه العملية بشكل قوي عن طريق وسائل الإعلام.

في يناير 2006، لم يكن متوقعا بالمرة رؤية نداء لوسائل الإعلام الإخبارية لمواجهة العنصرية المؤسسية الصادرة عن السير إيان بلير  Ian Blairالمفوض العام لشرطة العاصمة. وقد جاءت تلك الدعوة استجابة لما نادى به مؤلف هذا الكتاب  ( Law 2002) لإجراء تحقيق مبني على أدلة قدمت قبل عقد من الزمن. فالهجوم المتصل الذي شنه ذلك المفوض على الصحف المؤيدة للتمييز في التعامل مع ضحايا جرائم القتل مقارنة بالمعاملة التي يتلقونها من الشرطة، وفي ذلك يقول بلير “نقوم بتخصيص نفس مستوى الموارد بالنسبة للقتلة فيما يتعلق بمدى الصعوبات التي تعرضوا لها، الفرق هو كيف تم الابلاغ عنهم. فانا في الواقع أعتقد أن وسائل الاعلام مذنبة بتهمة التمييز المؤسسي في الطريقة التي يتم بها الابلاغ عن حالات القتل” (The Guardian 27 Jan 2006 ). وكان رؤساء تحرير الصحف سريعي الاستجابة في رفض تلك المزاعم بل وحاجج تريفور فيليبس من لجنة المساواة العرقية بقوله “إن الإدانة المستترة لوسائل الإعلام ضرب من الماضي، فوسائل الإعلام لا يزال في مقدورها فعل المزيد ليتم تقديمه في تقاريرها”. ومع ذلك، فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه خلال الشهور القليلة التي تلت ذلك (أي في ابريل 2006) نشرت لجنة المساواة العرقية اثنين من التقارير عالجا التمييز في وسائل الإعلام، حيث عالج الأول أسباب ترك العمال من الأقليات العرقية في لندن قطاع الصحف المطبوعة بسبب عنصرية وكالات الأنباء. كما أظهر التقرير الثاني أن قواعد العمل في الصحافة المطبوعة استهدفت الأقليات من خلال العنصرية اليومية من حيث المواقف، واللغة، ومعاملة الصحفيين من الأقليات العرقية. وقد ظهر في هذين التقريرين أن الأقلية العرقية كانت على درجة عالية من الوعي بحجم ومستوى العنصرية والتمييز في هذا القطاع من الأعمال.

وما من شك أن ثمة تحول جذري في تمثيل قضايا العرقية في الأخبار التي وقعت خلال السنوات الخمس إلى العشر الأخيرة مع التركيز على قضايا الأقليات المسلمة. وظهر ذلك بوضوح قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 من خلال ما قدمه جون ريتشاردسون في كتابه “سوء تمثيل الإسلام..إشكالات العنصرية والخطاب الإعلامي البريطاني “والصادر عام 2004. وقد وقف هذا الكتاب على أن الصحف التقليدية في بريطانيا جادلت بأن المسلمين في الغالب يمثلون “جماعة متجانسة داخليا، ومنفصلين عن الشعب البريطاني، وأدنى منزلة من الشعب البريطاني، بل أعداء للشعب البريطاني” ومن ثم كانت هذه الصحف سببا في نشر التخويف من الإسلام “الاسلاموفوبيا” وإعادة تأطير الاختلاف الثقافي المسلم بتصويره انحرافا ثقافيا بل وتقديمه على نحو متزايد كتهديد ثقافي، سواء كان تهديدا عسكريا او إرهابيا، او تهديدا للاستقرار الديموقراطي للدول الأخرى أو على الأقل مصدر تهديد للنساء. ولعل التركيز على مثل تلك القضايا يعد بمثابة الفكرة المركزية المهيمنة بتقديم المسلمين في المقام الأول كجماعة من البرابرة يعوزهم الرقي الحضاري. وقد حلل ريتشاردسون بعناية المعالجة الصحفية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بطريقة تقدم إطارا مرجعيا للصحفيين لتفسير الأحداث التي تلت وما ترتب على تداعيات أحداث السنوات الأخيرة.

ومن الناحية التاريخية، اعتادت التغطية الإعلامية الأوربية لجماعات الغجر والرحل أن تكون معادية لهذه المجموعات العرقية، على نحو ما لاحظنا من قبل خلال هذا الفصل. وكان معظم الغجر الذين وفدوا مؤخرا إلى المملكة المتحدة يخضعون لعداء وانتقاد في وسائل الإعلام بشكل جد صريح (Craske 2000). ولعل هذه المجموعة البشرية هي التي تلقت على الأرحج أكبر تغطية سلبية عبر وسائل الإعلام مقارنة بأى مجموعة أخرى من الأقليات، في ظل عناوين مثل ” أزيلوا تلك المخيمات” كالتي قدمتها صحيفة “صن Sun ” داعية الحكومة والشرطة للهجوم على مواقع الغجر والرحل (BBC News, 11 March 2005). وبالمثل كان عداء وسائل الإعلام ضد المهاجرين البنجلاديش واضحا بشكل صريح ومنذ هجرتهم الأولى للمملكة المتحدة، غير أن أنماط التغطية الإعلامية تغيرت عبر العقود الثلاث الماضية؛ فعلى سبيل المثال وجه زعماء السيخ والهندوس مؤخرا الاتهام إلى شبكة BBC الإخبارية بالانحياز إلى المسلمين في المملكة المتحدة بسبب العدد الكبير للبرامج التي تظهر الإسلام في ضوء إيجابي، حتى أن عدد البرامج التي أذيعت بلغ 41 برنامجا منذ عام 2001 (نقلا عن صحيفة الإندبندنت بتاريخ 8 سبتمبر 2008).

وفيما يخص التغطية الصحفية لطالبي اللجوء المستمر للحد من حقوق المهاجرين، لوحظ وجود موقف سلبي دائم مرده الخوف من عبء المهاجرين على مستوى الرفاهية الاجتماعية في الدولة. وفي دراسة قدمت عام 2004 قام بها مركز معلومات اللجوء واللاجئين تبين كيف أن هذا النوع السلبي من التغطية الإعلامية يمكن أن يساهم في زيادة التوتر المجتمعي والمضايقات لطالبي اللجوء، إلا أنها تظهر أيضا أن الصحف المحلية كانت أكثر إيجابية تجاه هذه القضايا في بعض المناطق.

بيت الجغرافيا