بعض المفاهيم الأساسية في العنصرية والإثنية

2020-02-28T17:46:31+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثالث من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

يحاول هذا الفصل أن يعرف القارئ بأهم الشخصيات المؤسسة لعلم اجتماع العنصرية والإثنية. ويركز بشكل خاص على اسهامات “أنا كوبر” و”دي بويه” و”ماكس فيبر” و”مايكل بانتون” و”جون ريكس”. ويقدم تقييمًا نقديًا لما طرحه هؤلاء الرواد الأوائل في هذا المجال البحثي. ويتناول مفاهيم التداخل والاختلاط العرقي ومدى تأثيرها على إمكانية القضاء على العنصرية في سياق المجتمع المدني المتحضر. ويتوقف الفصل لتوضيح خريطة البحث الأكاديمي في هذا المجال في بريطانيا بشيء من التفصيل. ويوضح مدى استفادة الباحثين البريطانيين مما قدمه علماء الاجتماع الأمريكيين وخاصة مدرسة شيكاغو. ويطرح الفصل في نهايته تساؤلاً عن مدى الفائدة العملية لاعتبار أن فكرة العرق هي فكرة أسطورية وليست واقعية أو حقيقية. ويحاول الإجابة على هذا التساؤل بتحليل العمليات الاجتماعية الدينامية التي تتمحور حول تلك الفكرة.

ورغم ضخامة الإسهام الأكاديمي في مجال العنصرية إلا أنه لا يزال في تنامي مستمر. فهو يجمع العديد من المباحث والعلوم مثل علم النفس والجغرافيا والتاريخ وعلوم الاقتصاد واللغات والصحة والدراسات الدينية والسياسية وعلوم الآثار والفلسفة وعلوم الاتصال وعلم الاجتماع وعلوم السياسة الاجتماعية (Bulmer and Solomos 1999). وما يربط بين هذه التخصصات المختلفة في هذا المجال هو استخدامها لمجموعة مصطلحات أساسية من قبيل العرق والعنصرية والإثنية والهجرة، رغم أن تلك المصطلحات متنازع عليها بين المباحث والفروع الأكاديمية المختلفة، ويختلف بحثها والتنظير لها وتطبيقها أيضًا في كل مبحث من تلك المباحث. وقد أكد “جولدبرج Goldberg وسولموس Solomos” (2002) في رصدهما لهذا الجهد البحثي أن هناك تداخلا بين تلك المجالات الدراسية سعيًا نحو نظرية كلية وشاملة.

لا تزال قائمة الشخصيات الأساسية في هذا العلم مفتوحة وتقبل المزيد (Reed 2006). وقد أشرنا في الفصل الأول إلى الجدال حول أن “وليام دي بويه Du Bois” هو عالم الاجتماع الرائد في هذا الفرع من علم الاجتماع؛ حيث أشار إلى أن العرق هو البنية الاجتماعية الأكثر أهمية بالنسبة للحداثة، فالعرق عنده أشبه بمفهوم (الطبقة) عند كارل ماركس.

ولم يكن ما قدمه “دي بويه” مجرد عمل نظري محض بل إنه دشن لنظرية مدعمة إمبريقيًا (تجريبيا) بشكل كامل. وقد جعل هذا من عمله العمل الأفضل في هذا المجال. ومنذ ما قدمه “دي بويه” بات لدينا تراث بحثي في أزيد من قرن من الزمان يحاول أن يفهم العنصرية، ينظر إلى الوراء ليبحث في السياقات والتساؤلات التاريخية. ثم يتحول للوقت الراهن ليبحث في الصراعات والتساؤلات الرئيسة التي تواجهنا بهدف تحديد الإجراءات الاجتماعية والسياسية المناسبة لمواجهتها.

ويقدم الفصل إطلالة سريعة على أهم المنظرين الرئيسيين لهذا المجال البحثي وأهم النصوص التكوينية فيه. ويشار إلى كل من “ماكس فيبر” و”دي بويه” و”روبرت بارك” باعتبارهم الشخصيات الرائدة المؤسسة لعلم اجتماع العرق والإثنية. وعن طريقهم تم اكتشاف الأفكار والروابط الرئيسة في هذا الفرع الوليد من علم الاجتماع. وقد كان لهؤلاء الرواد فضلاً كبيرًا في تحفيز الجيل الثاني من الباحثين في بريطانيا من أمثال “مايكل باتون” و”جون ريكس” للإسهام في هذا الفرع البحثي في فترة ما بعد الحرب، والاسهامات الجديدة التي قدمتها نصوصهم. ولا يمكن اعتبار أن “كارل ماركس” أو “إميل دور كايم” قد قدما إسهامًا مباشرًا في هذا الفرع البحثي من علم الاجتماع. ويمكن من خلال ما قدمه ماركس عن المهاجرين الأيرلنديين في بريطانيا، وكذلك ما قدمه عن المسألة اليهودية، وعن بعض الجماعات الإثنية، أن نفهم الأفكار الأساسية له في هذا الإطار. وتشمل أفكاره الأساسية التأكيد على أهمية الأساس الاقتصادي في تحديد العلاقات الثقافية والإثنية. كما رأى أن الإثنية إنما تمثل عائقًا أمام التقدم الإنساني (على سبيل المثال، المطالبة بحق الاعتراف لمجموعات إثنية غير قادرة على تكوين دولة قومية أو المطالبة بالاستيعاب والقبول داخل المجتمع مثل حالة الصرب). وقد رأى ماركس أيضًا أن العلاقات العرقية والإثنية تضمحل في مقابل العلاقات الطبقية التي صارت أكثر أهمية. فعلى سبيل المثال رأي أن العنصرية ضد الإيرلنديين إنما مردها إلى انقسام وعجز الطبقة العاملة في إنجلترا (Malesevic 2004).

وبدلا من جعل الإثنية والعرقية في مرتبة هامشية بعد مفهوم الطبقة الاجتماعية فإن تحليل الإثنية والعرقية من خلال مفاهيم الطبقة قد ألهم مجموعة من الباحثين من أمثال “سيدريك روبنسون Cedric Robinson” في عمله “الماركسية السوداء – صناعة التراث العنصري الأسود” 1983م. وكذلك “س.ل.ر جيمس C.L.R James” و”ريتشارد رايت Richard Wright” الذي انتقد النماذج الأوربية غير الدقيقة في تفسير التغير التاريخي والاجتماعي دون مراعاة دور السود في هذا الأمر.

رائدة نظرية العرق: أنا كوبر

 تقع أعمال “أنا يوليا كوبر Anna Julia Cooper” في قلب قائمة الأعمال الاجتماعية الكلاسيكية الأساسية في هذا المجال. وتلقى تلك الأعمال اعترافًا وقبولاً واسعًا مما يجعلها شخصية رائدة في علم الاجتماع العرقي. ولم تركز “كوبر” على العرق فحسب في أعمالها بل ركزت أيضًا على علاقته بكل من الجنس والطبقة الاجتماعية (Lemert 1995, Reed 2006).  ومنذ البداية حاولت “كوبر” أن توضح أن “العرق” له علاقة مركبة مع البنى المتداخلة للظلم وعدم المساواة. ويعد التركيز على هذا التداخل جانب أساسي في هذا المجال منذ نشأته. وقد حفزت الأفكار الأساسية لـ “أنا كوبر” – وكذلك المفاهيم والاصطلاحات النظرية التي دشنتها- الكثير من أكاديمي القرن العشرين للانخراط في تفاصيل هذا العلم. ومنهم على سبيل المثال “أنجيلا ديفيز Angela Davis” في كتابها “النساء والعرق والطبقة الاجتماعية” 1980م. وكذلك “فيونا وليامز Fiona Williams” في كتابها عن السياسة الاجتماعية وقضايا العرق والنوع والطبقة الاجتماعية (1989 – 2005). وأيضًا كان لها تأثير على معظم النقاشات والتفسيرات المعاصرة عن التداخل العرقي والتمييز العنصري المتعدد في أوروبا (Quing 2007, Walby 2007). والتداخل العرقي هو محاولة لتنظير الأفعال والنواتج التي تظهر عبر بنى مختلفة تتحقق فيها اللامساواة مثل العرق والجنس والطبقة الاجتماعية. وقد مثلت الاسهامات الرئيسية في ذلك المجال الأساس الذي أقام عليه عدد هائل من الباحثين والكتاب منطقة الدراسة الخاصة بهم بوصفها من أكثر المناطق البحثية إثارة وفعالية في مجال علم الاجتماع.

أنا يوليا كوبر Anna Julia Cooper

وقد نشرت “أنا كوبر” مؤلفها “صوت من الجنوب” في عام 1892م. وهو العمل الذي نال اعترافًا وقبولاً بوصفه العمل الأكثر أهمية في مجال النسوية السوداء Black feminist. ويمكن قراءة النص الأصلي على الرابط التالي:

       http://docsouth.unc.edu/church/cooper/cooper.html

وبالرغم من أن كوبر لم تقدم نظرية مكتملة في هذا العمل إلا أنها ربطت بين المساواة والعنصرية والطبقة الاجتماعية في أمريكا من جانب، وبين تحليل دور النسوية والذكورية والاستراتيجيات المرتبطة بهما في النشاط والتطور الاجتماعي من جانب آخر. وركزت على أبعاد مختلفة لمشكلة العرق، وعلى تمثيل السود في الأدب الأمريكي، وكذلك على حالة المرأة. وقدمت “كوبر” المرأة باعتبارها تلعب الدور المحوري في الصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي ذلك تقول:

’’تجد المرأة المعاصرة نفسها أمام مسئوليات تنبع من اهتمامات عميقة ومتنوعة لبلدها وعرقها. ولا يمكن لقضايا النقصان وعدم المقدرة والخطيئة والسقوط والبشرية الطامحة في أن تجعل من المرأة خارج الحسابات. ولا يمكن إنكار حقيقة تأثير المرأة في المجتمع. فلا يمكن أن يعاد ترميم المجتمع بدونها. ولا يمكن تنقية السياسة ولا إصلاح الكنيسة أو الدولة، ولا إصلاح أية مسائل أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية بدون المرأة. لا يمكن التحرك إلى الأعلى أو إلى الأسفل في هذا الكوكب البشري بدون المرأة‘‘ (Cooper 1892 142-3).

إن ما قدمته “أنا كوبر” في مجال المساواة العرقية أصبح حجر الزاوية الذي بُني عليه الكثير والكثير في هذا المبحث من علم الاجتماع. وقد أشارت “كوبر” بداية إلى بعض الطرق التي يتم فيها التعبير عن فوبيا الزنوج أو العنصرية ضدهم. فعلى سبيل المثال، أوضحت تلك النظرة إلى الأفارقة أو السود في أمريكا على أنهم لا يقدمون أي شيء للعالم، لا يقدمون اختراعًا ولا قصيدة ولا عمل فني يُذكر. إنهم تلك السلالة التي لن تشكل فرقًا لو غرقت القارة كلها في المحيط غدًا. وأمريكا هي ذلك المكان الذي يشار فيه إلى السود في المحادثات اليومية بعاصفة من المشاعر تصور الرجال السود بصورة بربرية وغير صحيحة. ويبدو هذا قلبًا لنمط العنصرية التقليدي المعروف. فليس الأسود مكروها لأنه أسود، بل لأنه ضعيف. ونحن لا نحب الضعفاء. وعلى النقيض من تلك النظرة فقد أكدت على

وكان الفقر والحاجة والتشرد وظروف السكن غير الصحية للسود من أهم السمات المرتبطة بالتمييز العنصري. وعلى سبيل المثال.. كانت المساكن منخفضة الإيجار محفوظة للبيض. وكان يعلق عليها لافتة (ممنوع الإيجار للملونين). أما من وجهة نظر البيض فإن أسباب فقر السود تتمثل في أن الأسود كسول ومبذر وشرير بشكل عام. وقد نجحت كوبر في تقديم صورة عاطفية مناقضة لتلك بشكل بليغ حين وضعت العامل الأسود مقابل نمط الاقتصاد الظالم:

’’يكدح العمال السود عامًا بعد عام.. من شروق الشمس وحتى مغربها.. مقابل خمسين سنتًا في اليوم..مطلوب منهم أن يوفروا من هذا المبلغ الزهيد طعامهم ومسكنهم وملبسهم هم وعائلاتهم!! وكانوا يحصلون على رواتبهم في الغالب في صورة أذون صرف لمواد غذائية من بقالة القرية التي يديرها نفس الموظف الذي يباشر عملهم. وهناك من يستأجرون الأراضي يكدحون فيها على مدار ست عشرة ساعة يوميًا، ويقومون بتشغيل كل ما على الأرض من فتيات وأطفال حتى الزوجة الكادحة، وفي نهاية الموسم يسدد المزارعون ديونهم التي تراكمت. ويتحول حصادهم إلى ما يشبه تجميع الماء في غربال‘‘ (Cooper 1892: 252-3).  

تبحث “كوبر” السياقات الاقتصادية. وتكشف العلاقات بين التصنيفات العرقية والرأسمالية وعلاقات العمل والطبقة الاجتماعية في السياقات الريفية والحضرية. وقد شكل ما قدمته تحديًا واضحًا للحكومة والثقافة البيضاء، وما تزعمه من قيم أخلاقية واجتماعية خاصة بتفوق العرق الأبيض. ويخاطب عملها الاجتماعي واسع النطاق المؤسسات الاجتماعية والعائلية ومؤسسات التعليم فضلاً عن التعقيدات الخاصة بالتطبيق (Reed 2006). وقد قدمت “كوبر” إسهامًا قويًا فيما يتعلق بمكافحة الاستغلال الاقتصادي ومكافحة العنصرية والتمييز بين النوعين. ورغم أنها تعتمد على بعض المناهج المثالية الخاصة بالنسوية والعرق الأسود إلا أن ما قدمته كان له تأثير واضح في تطور النسوية السوداء.

ويُعتبر “دي بويه” من رواد النسوية السوداء لأنه كتب عن ظلم المرأة والعنصرية ضدها. على سبيل المثال، في الحجة التي تم تقديمها في “حرية المرأة” 1924م أشار إلى خطبة “سوجورنر تروث” “أو لست امرأة؟!” والتي ألقتها في الملتقي الثاني لبحث معاناة المرأة عام 1852م. وقبل أن تتحدث سجلت امرأة بيضاء حديثها لموظف عام وقالت له: ’’لا تربط إلغاء الرق بالزنوج فقط”. وقد قدم “دي بويه” الخطبة كاملة، وأشار إلى إسهام كفاح المرأة السوداء في التحرر الاجتماعي الأوسع. ونشير الآن إلى مقتطف قصير من خطبة “سوجورنير تروث” كما قدمه “دي بويه” وتشير فيه إلى نفسها باعتبارها مساوية بشكل كامل لأية امرأة وأي رجل من العرق الأبيض كما يلي:

’’بمقدروي العمل مثل الرجل.. وبمقدوري الأكل مثله (هذا إن وجدت الطعام).. أو لست امرأة؟ ..ولدت ثلاثة عشر طفلاً.. رأيتهم جميعهم يباعوا عبيد.. وعندما صرخت بنحيب الأم وألمها.. لم يسمعني أحد سوى المسيح.. أو لست امرأة؟‘‘ (Zukerman 2004: 158).

إن الأفكار والموضوعات الأساسية التي نجدها لدى “أنا كوبر” و”دي بويه” و”سوجورنير تروث” عن العنصرية والنوع والطبقة الاجتماعية والكفاح الداخلي المتعلق بالتحرر والمساواة والاستيعاب، كلها نجدها أيضًا في مؤلف “أنجيلا ديفيز” “المرأة والعرق والطبقة الاجتماعية” 1980م. وقد بدأت بدراسة تجربة العبودية اعتمادًا على حكايات العبيد التي اتفقت في سرد حالات الاغتصاب والجرائم الجنسية لإرهاب وتخويف النساء. وأشارت إلى مقاومتهم المستمرة (لن أكون سلبية أبدًا). وترى “ديفيز” أن معايير الأنوثة الحديثة قد حددتها الإماء من النساء اللواتي نقلن تراث الإصرار والعمل الجاد والاعتماد على الذات والمقاومة المستمرة. وقد أكدت على الروابط القوية بين مناهضة العبودية وحقوق المرأة وحركات مناهضة العنصرية ضد النساء المكافحات. وأكدت أيضًا على أن القوى الاقتصادية المركزية دوليًا ومحليًا هي التي وضعت المرأة السوداء مقام الاستغلال والعبودية دون أي أمل في التحرر.

وقد أكد احصاء عام 1980م أنه على الرغم من مرور عقود عديدة على إلغاء الرق إلا أن أعدادًا كبيرة من النساء السود لا زلن يعملن في حقول القطن ومعامل تكرير السكر ويقومون بالأعمال الشاقة في المناجم مقابل أجور ظالمة. وأكد أيضًا أن أكثر من ثلاثين بالمائة منهن يعملن في مجالات الخدمة المنزلية. وأكدت “ديفيز” أنه بحلول الستينيات كان ثلث النساء السود لا يزلن مقيدات بنفس الأعمال القديمة من الخدمة المنزلية. وهو ما يمثل عائقًا حقيقيًا نحو التحرر (Davis 1980: 98). وهو ما أكد عليه أيضًا “دي بويه” الذي تعرض للنقد بسبب تنظيره غير المكتمل للعرق (أنظر الفصل الأول)، وفشله في تفكيك البنى الأنثروبولوجية الأساسية المسيطرة من أجل تقديم وجهة نظر اجتماعية متكاملة (أنظر أيضًا الفصل الثاني في نقد البنى الطبيعية للتصنيفات العرقية والسلالية).

وفي بريطانيا سعت “فيونا وليامز Fiona Williams 1989” لوضع تفسير متكامل للعلاقة بين السلالة والجنس والطبقة الاجتماعية في إطار علاقة محددة بحالة الرفاهة ونظام السياسة الاجتماعية. وقد اعترفت بصعوبة تحقيق العدالة لهذه المطالب والأشكال الأخرى من التصنيفات الاجتماعية مثل العجز والتوجه الجنسي والعمر. وقد قدمت إطارًا تحليليًا جديدًا لـ “الرأسمالية الأبويهة العنصرية بنيويًا” مع حالة الرفاهة في بريطانيا، وفي ذلك تقول:

“بنيت الرأسمالية باستغلال العمالة السوداء، وغيرهم من العمال المهاجرين والنساء. فالرأسمالية أعادت إنتاج التقسيمات الدولية للعمال عرقيًا وجنسيًا، ودشنت الهيمنة العرقية وتبعية النساء، وجميعها مغلفة باختلافات طبقية”‘ (Williams 1989: 207).

مفاهيم أساسية: التداخل Intersectionality

ميز “كيمبريلي كرينشو Kimberle Crenshow 1990-91” بين التداخل البنيوي والتداخل السياسي. وأشار إلى أهمية دراسة تفاعلات ومخرجات بنى الظلم وفحص السبل التي تتفاعل فيها الأيديولوجيات والخطابات السياسية لتهميش قضايا رئيسة مثل تهميش المرأة والمعاقين. وقد استخدم “فيلومينا إيسيد Philomena essed 1991” التداخل كوسيلة لتحديد التشابك بين النوع والجنس والعرق والإثنية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية في تشكيل صور محددة من الظلم في الحياة اليومية. وقد ساعدت تلك الأعمال في دفع المناقشات حول الموضوع في السياقات العالمية وداخل الأمم المتحدة. وبات هناك اعتراف متنامي بأن النساء لم يواجهن إقصاء وتمييزا عنصريا على أساس النوع فحسب، بل أيضًا على أساس العمر والعجز والحالة الصحية والإثنية والطائفة والطبقة الاجتماعية والأصل القومي والتوجه الجنسي.

وهناك عمل أحدث قدمته “سيلفيا والبي 2007 Sylvia Walby” اهتم بتنظير المظالم الاجتماعية المتعددة على أساس التعقيد الاجتماعي ونظرية الأنساق. وقد ركز عملها على النوع والتداخل في أوروبا ودراسة التضمينات الأوسع لتلك النقاشات في سياقات النظرية الاجتماعية. ويعد هذا العمل دلالة على توجه تلك المناقشات بعيدًا عن التركيز الأساسي لتحليل السلالة والعنصرية إلى رؤية تلك الأمور على أنها نهج رئيسي للأنماط المعاصرة من الاضطهاد والعولمة. وحتى بالنسبة لهؤلاء الباحثين الذين يريدون الاحتفاظ بالتركيز الأساسي على العنصرية فإن هذا يقود إلى تحقق من التعقيد الاجتماعي، مثل التصنيف الحديث الذي قام به “مورجي وسولوموس Murji and Solomos 2005” عن تضمينات العنصرية.

مفاهيم أساسية: الوسم العنصري Racialisation

هي العملية الدينامية التي تؤسس بها المفاهيم العنصرية والتصنيفات العرقية نفسها في بنية الحياة الاجتماعية، سواء في الفكر (Fanon 1967)، أو في السياسات البريطانية في مرحلة ما بعد الحرب (Miles 1989)، أو في السياسة والقانون (Banton 1977)، أو في الدول القومية والأنساق العالمية والإقليمية (Goldberg 2002).

لقد اهتم قرن من البحث الأكاديمي بشكل أساسي بدراسة التصنيفات الاجتماعية العرقية في أمريكا بدءًا من “أنا كوبر” و”دي بويه” ومن جاءوا بعدهما. ومن أهم الإسهامات في هذا المجال هو إسهام “جولدبيرج” 2005 الذي حاول تصنيف هذا الجهد الضخم. وقد اهتم بتوجيه علماء الاجتماع إلى توخي الحذر عند استخدام الوسم العنصري بوصفه علامة سهلة وبسيطة تعبر عن عمليات اجتماعية معقدة. ويؤكد “جولبدبرج” أن العرق سواء في أمريكا أو في أي مكان آخر في العالم هو الذي يحدد: إلى أين يمكنك الذهاب؟ وما الذي يمكنك عمله؟ وكيف يتم النظر إليك أو التعامل معك اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا وثقافياً.. باختصار.. كيف يتم التعامل معك في خبرة الحياة اليومية (Goldberg 2005 101).

وقد تم إلقاء الضوء على دور الطبقة الاجتماعية في الظلم الاجتماعي. ويظهر هذا الأمر بوضوح عند الإشارة للدخول والأجور. فهذا دليل على العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية. وتلعب التصنيفات العرقية الدور الرئيس في هذا التحليل. وتتفاوت أهمية البنى الأخرى لعدم العدالة وكيفية تداخلها. وهو الأمر المحوري لدى حركات النسوية السوداء. ومع ذلك يؤكد “راتانسي Rattansi 2005: 271-290” على أن مفهوم العرقية لا غنى عنه في الوصف البسيط للسلالة، وأن العرقية تفترض الفردية وصلات القرابة، بينما يتضمن تحليل العنصرية قائمة طويلة من العمليات الدينامية المعقدة عبر التصنيفات العرقية في سياقات معينة خاضعة للتطور والتغير باستمرار.

ومطلب “راتانسي” هو مطلب سهل المنال غير أنه يصبح أصعب في حدود مصطلحات الملائمة وتنوع التحليل الاجتماعي. وهو يسعي لتوضيح هذا الاهتمام من خلال تحقق حذر من “درجات الصلة” و”درجات الالتزام” للسياسيين والموظفين البيروقراطيين الذين عليهم أن يعترفوا بالعنصرية في سياق مناقشات ما بعد الحرب حول موضوع الهجرة. ويشير “راتانسي” أيضًا إلى أن الأفراد يتصرفون وفقًا للأفكار الخاصة عن السلالة والعرق والإثنية والاختلافات القومية والثقافية والطبقة الاجتماعية والنوع والجنس.

وفضلاً عن إمكانية كون تلك البيانات والتقارير غامضة ومبهمة فإنها تكشف عن التعقيد الكامن وراء الاتهامات البسيطة بالعنصرية. ويسهل هذا من تحليل الهويات العرقية والفاعلين الذين لا يمكن تصنيف أفعالهم على أنها عنصرية أو غير عنصرية. والإطار الذي عمل فيه راتانسي هو إطار “تعقيد العرق والأمة والإثنية وصياغتها مع الجنس والنوع والطبقة الاجتماعية”. وهو نفس الموقف النظري الذي انطلق منه “كرينشو وآيسيد” (أنظر مصطلح التداخل الذي ورد سابقًا). وميزة هذا الموقف النظري أنه يمكن أن يستكشف الروابط بين تلك العوامل دون أن يعطي لأحدها أولوية على العوامل الأخرى كما تفعل الماركسية مثلاً التي تعطي الأولية لمفهوم “الطبقة الاجتماعية” أو النسوية التي تعطي أولوية لمفهوم “النوع”.

ويمكن التنظير لصورة تلك التصنيفات والعلاقات فيما بينها على أنها تمثل حالة “استجابة مستمرة” أو على أنها عملية “استجابة غير ضرورية” بين كل تصنيف وآخر. بكلمات أخرى، إن تلك العوامل إنما تتفاعل في مواقف وسياقات تاريخية معينة. وهناك حاجة لأن يتم اكتشاف تلك السياقات. وأنها قد تعتمد أو لا تعتمد على الظروف السائدة. ويسمح هذا الموقف الأخير بالاستقلال في المنطق العنصري، كما هو الحال على سبيل المثال في القانون أو العلم الذي لا يراعي الاعتبارات الاقتصادية أو الجنسية. وحتى يكون الكلام أكثر تحديدًا فإننا نقول مثلاً إن القانون الإنجليزي في القرن السادس عشر كان همه المباشر هو الحفاظ على رأس المال، وكان يعرف السود على أنهم بضائع وسلع تخضع لأغراض الشحن والنقل.

رائد نظرية الإثنية: ماكس فيبر

يعتبر ماكس فيبر من الرواد المؤسسين لهذا المجال من الدراسة. وقد تمسك بالطبيعة متعددة الأبعاد لمركبة (السلالة – الإثنية – الأمة) بخلاف تورطه في بعض المعالجات العنصرية حيث انخرط في بعض المعالجات والآراء السلبية عن بعض الجماعات العرقية مثل السلالة السلافية في ألمانيا (Manasse 1974).

ماكس فيبر

وربما يكون ماكس فيبر هو أكثر عالم اجتماع تم انتقاده من أي عالم آخر منذ الثورة الفرنسية وحتى الحرب العالمية الأولي. وذلك لفشله في إعطاء اهتماما كافيا للصراعات العرقية والإثنية والقومية (Stone 2003: 9).

ورغم أن تحليله لتلك القضايا كان محدودًا إلا أنه كان له أثر بالغ فيما بعد. وقد عارض فيبر ما أسماه “روحانية العرق Race Mysticism”. وعارض النظريات السلالية عن التضحيات القومية والتغير الاجتماعي. فعلى سبيل المثال كان من أشد المعارضين لعلم تحسين النسل في ألمانيا. وخاصة وجهة نظر “آلفريد بوليتز” الذي أكد على أهمية النقاء العرقي في المجتمع الألماني (1904). وقال فيبر عنه “فيما يخص السلالة فإنه يمكنك أن تقول أو تنفي أي شيء تريده دون دليل”. وقد أسمى فيبر هذا العلم بـ”الجريمة العلمية”. وقد علق على مزاعم دونية السود بقوله أن أكثر الباحثين أهمية في الولايات الأمريكية الجنوبية بالولايات المتحدة هو أسود البشرة، وهو “دي بويه ” (Weber 1978 : 398).

“الاقتصاد والمجتمع” : ويمثل المقارنة التجريبية الهائلة للبنى والمعايير الاجتماعية في العمق التاريخي العالمي عند فيبر. وأعطى فيبر أحد فصول مقالته (الجماعات الإثنية) عنوان “العضوية العرقية – الأصول الاجتماعية المتعددة للإثنية وارتباطها بالمظهر القومي والثقافي”. وقد نظر إلى الهوية العرقية على أنها مصدر إشكالي للفعل الاجتماعي في حين نظر إلى الجماعة باعتبارها تمتلك خصائص مشتركة وتحتقر الآخرين. وقد شهد فيبر على الكراهية والاحتقار الشديد للعرق الأسود وعلاقاته الجنسية مع البيض في الولايات المتحدة الأمريكية في بدايات القرن العشرين. وأكد أن السبب في ذلك يرجع إلى احتكار مفاهيم القوة والشرف الاجتماعي للبيض وارتباط العرق الأسود بالعبودية وبالتالي استبعادهم من المعادلة الاجتماعية. وبالنسبة للعنصرية ضد السود من جانب البيض المعدمين في الولايات الجنوبية من أمريكا فإنهم رغم عدم امتلاكهم لشيء وحالتهم المعدمة بشكل عام فإنهم يدعون أحقيتهم بالشرف والكرامة نظرًا لكونهم بيض. ويرتبط ذلك أيضًا بالعزلة الاجتماعية وتدني الأوضاع والمراكز الاجتماعية للسود.

ويحدد فيبر قاعدة “نقطة الدم الواحدة One drop rule” التي تناهض السود وتجعلهم في مرتبة أقل من السكان الأصليين لأمريكا، فيقول:

إن أقل امتزاج بالدم الزنجي يجعل الشخص غير مؤهل ومستبعد تحت أي ظرف من الظروف. وهذا لا يحدث مع سكان أمريكا الأصليين. (Weber, 1978: 386).

 وبالنسبة لـ “فيبر” لا يهم ما إذا كانت الاختلافات العرقية والجماعات الإثنية أمرًا واقعيًا أم لا، بل ما يهم هو النتائج المترتبة على تلك التصنيفات بالنسبة للفعل الاجتماعي. فتلك التصنيفات تكون مسئولة عن تكوين جماعات وجاليات سياسية. وبالنسبة لـ”فيبر” فإن الجماعات الإثنية هي تلك الجماعات التي تعتقد في أصل مشترك ناتج عن: ذكريات جمعية عن الاستعمار والهجرة، أو عن العادات الاجتماعية المشتركة، أو الطقوس الدينية الموحدة، أو تلك الثلاثة مجتمعين.

وهناك علامات أخرى على الانتماء العرقي تشمل اللغة المشتركة والطقوس المنظمة للحياة والمعتقدات الدينية الجمعية أو على فكرة “الشعب المختار”. وقد ميز فيبر بين الجماعات الإثنية وجماعات القرابة. وتستند الأولى على أسس تنظيمية اصطناعية من الاعتقاد المشترك الذي تأصل عبر العمليات السياسية، وغالبًا ما تستمر الجماعة الإثنية بعد انحلال الجماعة السياسية غير أن تلك الجماعة لا تربطها روابط الدم مثل جماعات القرابة. وقد أكد فيبر على أن التصورات الجمعية عن الإثنية المشتركة إنما تتضمن أشكالاً عديدة من الاختلافات والتنوعات متضمنة الطبقة الاجتماعية والمهنة واللهجة والدين.

وإضافة لذلك فإنه من الملاحظ أن هناك الكثير من الدول القومية الحديثة التي توجد بها جماعات لغوية متعددة. ويعتبر السويسريون مثالاً واضحًا على ذلك. فليس لهم لغة مشتركة ولا أدب ولا فن مشترك إلا أنهم يمتلكون احساسًا قويًا بالجمعية والعادات والتقاليد والذكريات التاريخية ليتحدوا لأجل الدفاع عن تميزهم. وهنا يظهر مفهوم القوة السياسية كرابط أساسي في تكوين فكرة القومية. والأعظم هو التأكيد على القوة.. والأكثر قوة هو بزوغ وتحقق فكرة القومية.

وهذا التردد فضلاً عن الانتقائية من جانب فيبر في تفسير الارتباط بين السلالة والإثنية والقومية إنما جعل مما قدمه مجرد “تعميم غامض ومبهم”. فهذا التصنيف يمكن توسيعه بسهولة. وبشكل أكثر جوهرية، فإنه بجانب معارضته للفكر العرقي فإنه قد عارض أيضًا مفهوم الفعل الاجتماعي المحدد إثنيًا. وذلك لأنه يؤكد على أن كلا التصنيفين يتخفيان وراء عمليات اجتماعية يجب تحديدها وتمييزها بدقة. وبالنسبة لفيبر فإن التصور الكلي عن الجماعة الإثنية كان ليتم حله لو استمرت عملية التحليل في التركيز على عوامل محددة تتخفي وراء التقاليد والعادات مثل اللغة والدين وروابط القرابة وأنماط العلاقات الجنسية والزواج. وإضافة لذلك، أكد أن مفهومي الإثنية والقومية سوف يتراجعان بسبب تسارع عمليات التحديث والتصنيع وتزايد الاحساس بالفردانية. والعكس صحيح ، فقد لوحظ مما تقدم أن فيبر قد قلل من أهمية الصراعات الإثنية والقومية خلال القرن العشرين، وينسحب ذلك أيضًا على الهويات والصراعات العرقية.

ويمثل الفصل الكلاسيكي الذي قدمه فيبر في “الاقتصاد والمجتمع” إسهامًا كبيرًا في هذا المجال. وقد ميز “ستون Stone 2003” أربعة عناصر أساسية في هذا الإسهام. أولاً: نظرته الثاقبة في التعريفات الأساسية:

المفاهيم الأساسية عند ماكس فيبر

الهوية العرقية Race identity: هي الخصائص الموروثة والقابلة للتوريث التي تنشأ عن أصل مشترك.

الإثنية (الإنتماء العرقي) Ethnicity: اعتقاد يجمع مجموعات بشرية في أن لديها أصلا مشتركا نظرًا للتشابه البدني أو العادات أو بسبب الذكريات عن الاستعمار والهجرة، أو بسبب كل ما سبق معا. وهذا الاعتقاد لابد أن يكون مهمًا لأجل تشكل تلك الجماعة. ولا يهم في تلك الجماعة ما إذا كانت هناك صلات دم أم لا.

الأمة Nation: جماعة من الناس تتمتع بالسلطة السياسية ولها لغة أو دين أو عادات أو تقاليد أو ذكريات مشتركة. وهذه الأمة قد تكون موجودة بالفعل أو مرغوب في وجودها.

القومية Nationality: إحساس بالتميز المشترك والذي يتم الشعور به نتيجة لوحدة الأصل.

 

ويربط التشارك في الأصل الواحد بين هذه المفاهيم الأربعة، كما يربطها بعوامل أخرى تحدد الفروق فيما بينها. ويتميز العرق بالتقييم الاجتماعي للصفات البدنية الواقعية. أما الإثنية فيتم تمييزها من خلال مجموعة كبيرة من العلامات التي يعد العرق أحدها في بعض المواقف. أما الأمة فتتميز بالقوة السياسية والتكوين الفعلي أو المنتوى للدولة. وتلك التعريفات معترف بها باعتبارها تعريفات أساسية في هذا المجال تمشيًا مع التحدى المتزايد لحقيقة العرق كما أوضحنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

وقد حدد “ستون Stone 2003″ ثلاثة اسهامات جوهرية خاصة بـ”ماكس فيبر” في هذا المجال: التركيز على الانغلاق الاجتماعي كما هو الحال في الفعل الاجتماعي للجماعات العرقية التي تمنع الآخرين من الانتساب لها عبر التمييز العرقي في التوظيف مثلاً لقصر الفائدة علي أعضائها فقط. وصياغة الروابط الاجتماعية التي أثرت على أعمال “هيشتير Hechter 1975″ و”بروباكر Brubaker 2002″ و”بارت Barth 1969”. فعلى سبيل المثال فقد كان حافز عمل “بروباكر” هو نقد “الميل لتكوني المجموعات Groupism”، الميل نحو رؤية العالم وكأنه يشمل مجموعات محددة. وهذا الاهتمام من جانب برباكر مرده موقف فيبر في رؤيته للإثنية على أنها ليست شيء ما هناك موجود في العالم، بل إنه منظور نرى به العالم (Brubaker 2002: 56). والتركيز على البحث عن الشرعية في الفعل الاجتماعي وأهميتها فيما يخص أنساق الاعتقاد العنصري، وكذلك السبل التي من شأنها أن تسهل تطور التراتبيات العرقية. ويظهر أن التحمل والتغير لهما تأثير بالغ كما يظهر في عمل “ريكس Rex 1980”. وأخيرًا التركيز على أولوية القوة في أشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية بوصفها أمرًا أساسيًا في فهم الهيمنة في التراتبيات العرقية والإثنية. وهو إسهام أساسي قدمه “ماكس فيبر” وتم التوسع فيه من جانب المدرسة التعددية(Smith 1969 Furnivall 1984;Kuper and)، ومدرسة العلاقات العرقية (Banton 1967 Rex 1970)، وفي الدراسات العالمية عن التطهير العرقي والفاشية (Mann 2994a, 2004b). وإضافة إلى عمله عن التمدن والهياكل المؤسساتية للمدينة (Weber 1958) فإن فيبر قد قدم أساسًا لعلم الاجتماع الحضري الذي يركز بشكل أساسي على قضايا الهجرة والاختلاف الإثني والصراع العرقي.

رائد نظرية العلاقات العرقية: روبرت بارك ومدرسة شيكاغو

كان روبرت بارك أحد رواد ما يعرف بمدرسة شيكاغو في علم الاجتماع. وقد طور نظرية بالغة التأثير عن العلاقات العرقية. أما مدرسة شيكاغو فلم تنشأ عن مشروع ضخم. ولم تكن مدرسة في حد ذاتها بل تتضمن مداخل منهجية ونظرية بالغة التنوع.

روبرت بارك

مدرسة شيكاغو: من هم؟

يشمل المؤسسون الأوائل للمدرسة “ألبيون سمول Albion Small” و” و. ل توماس W.l. Thomas” (Thomas and Zunaniek 1918, 1920). والفيلسوف “جورج هربرت ميد 1939 George Herbert Mead”. وقد تبنى هؤلاء مشروعًا موحدًا في الفكر الاجتماعي تشكل في إطار التوجهات الأساسية لكل من “توماس” و”ميد” الذين صاغت أفكارهما إطارًا متماسكًا ومترابطًا يجب أن يتم البحث الاجتماعي من خلاله. أما الجيل الثاني من مدرسة شيكاغو فقد تعهد ببرنامج بحثي شامل قائم على الأفكار الأساسية للرواد الأوائل، ومدفوع برؤية “روبرت بارك” وزميله الشاب “إ . و بورخيس Burgess” (Bark and Burgess 1921). وبناء على ذلك ظهر مجموعة من الباحثين والمفكرين تقدمهم “إيفريت هيوز Everett C Hughes” (1943- 1984) و”هيربرت بلومر Herbert Blumer” (1969 – 1939). وقد طوروا من البحث النظري الخاص بتلك المدرسة بالتدريج ما وصف بأنه “تفاعل رمزي تبادلي”.  

وقد التحق “روبرت بارك” بجامعة شيكاغة في الفترة من 1914 إلى 1936. وشاهد تفجر النشاط البحثي آنذاك. والذي كان يدخل معظمه في نطاق اهتمامات بارك عن السلوك الاجتماعي الجمعي والبيئة الحضرية والعلاقات العرقية. وقد اهتم بشكل خاص بالعلاقات العرقية والإثنية في السياقات الاجتماعية. واعتبر أن تلك العلاقات هي الأسس التي ترتكز عليها نشأة وصياغة الجماعة (Lal 2003). وقد رأى أن الصراعات الاجتماعية إنما ترجع إلى محاولة الجماعة الحصول على موقع اجتماعي مميز أو الحفاظ علي موقع حصلت عليه. وعارض وجهة النظر التي ترى أن التقسيمات العرقية والإثنية تخفي الكثير من الأسس الجوهرية أو الوظيفية التي تتخفي وراء مصالح الجماعة. وهنا فإن الجماعة العرقية ربما تتصرف وفقًا لمعتقداتها الأيديولوجية أو مشاعرها التي ربما تتصارع مع الانطباعات العقلية والمصالح الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، ربما لا يتناسب عداء الأغلبية للعمال من الأقلية الإثنية مع النقص في المهارات في سوق العمل والحاجة لموظفين. ويرفض “بارك” الاعتبارات البيولوجية والسيكولوجية عن السلالة موضحًا أهمية دراسة العلاقات الاجتماعية بين الجماعات الثقافية في السياقات الحضرية (Banton 1987).

تعريف “بارك” للعلاقات العرقية

تتميز العلاقات بين البشر بعلامات الأصل العرقي. وخاصة عندما تدخل تلك الاختلافات العرقية في وعي الأفراد والجماعات بشكل مميز جدًا. ومن خلال هذا الأمر يتحدد تصور الفرد عن نفسه، وكذلك عن منزلته في الجماعة التي ينتمي إليها.

وتاريخيًا، فإن الجنس البشري قد عاش مع بعضه لأزمان طويلة وفي أماكن متعددة بطرق مختلفة.. دون تداخل عرقي…محافظين على سلامتهم مثل الغجر في أوروبا. ومن ناحية أخرى فإن أولئك الذين اندمجوًا سويًا لتكوين الشعب الأوروبي قد عاشوا سويًا في ألفة بالغة رغم أن الأصول السلالية يمكن تمييزها بوضوح مثل القبائل الجرمانية والسلافية (Park 1950: 81).  

ومعتمدًا على التفسير الإيكولوجي حاول بارك فهم العلاقات السلالية من خلال عمليات محددة تشكل الحياة البشرية والحيوانية والنباتية. فالنباتات تعيش معًا في سلام، ويمكنها الهجرة، وربما تغزو وتستولي على الآخرين وتسيطر عليهم، وربما يكون هناك مزج وتهجين بين تلك النباتات. وقد اعتبر بارك وبورخيس (1921) أن المنافسة على الأرض والموارد هي محدد أساسي من محددات التنظيم الاجتماعي. وقد نظرا إلى الإجحاف العرقي على أنه وسيلة من وسائل تقليل المنافسة والصراع واستمرار السيطرة على الأرض. وقد قدم “بارك” ثلاثة أنماط للتغير الاجتماعي، الأول: اندماج الأقليات في النمط الاجتماعي المسيطر من خلال الديمقراطية الشعبية والتعليم العام والإصلاح الاجتماعي ومفاوضات المصالحة والمصالح المشتركة في إطار المؤسسات السياسية. والثاني: يتمثل في السلوك الاجتماعي الذي يتضمن الاضطرابات والثورات والاحتجاجات وغيرها من الأفعال التي يمكن للحركات الاجتماعية أن تستغلها لحدوث تغير اجتماعي. أما النموذج الثالث فهو النموذج الذي نال القدر الأكبر من الانتقاد. ويمثل دورة العلاقات العرقية نحو التكامل والاندماج. فعندما تصل مجموعة عرقية حديثًا فإنها تمر بأربعة مراحل كبرى من التفاعل وهي: التنافس، الصراع، التمكين، وأخيرًا الاستيعاب داخل الدولة القومية الشاملة (Park 1950). وهنا يشير العرق إلى الإيطاليين والبولنديين والسلافيين وكذلك إلى السود. ويشير “رويدجير Roediger 2006” إلى أن هذا التصنيف الواسع للعرق كان ملائمًا في سياق أوائل القرن العشرين عندما كانت العلاقات غير واضحة بين البولنديين والأيرلنديين والإيطاليين والليتوانيين (على سبيل المثال) مع سكان أمريكا من البيض. ويمكن تفسير إعادة تخطيط التقسيمات العرقية واستقرار المهاجرين الأوربيين بوصفهم “بيضا” في شيكاغو ومدن أمريكية أخرى من خلال النشاط الاجتماعي وعمليات التنافس والصراع الاقتصادي والسياسي أكثر من تفسيره استنادًا على العمليات الطبيعية للاستيعاب.

مفاهيم أساسية : الاستيعاب Assimilation

عميلة من التداخل والاندماج يكتسب فيها الأفراد والمجموعات ذكريات ومشاعر وتوجهات أفراد وجماعات أخرى من خلال المشاركة في خبرتهم وتاريخهم ويندمجون معهم في حياة ثقافية مشتركة.

وقد قدم بارك تصورًا متفائلاً ومثاليًا يتنبأ بتكامل المجموعات الثقافية في حضارة عالمية متنوعة ونظام اجتماعي متوازي في مقابل انحسار الانغلاق العرقي عن طريق عمليات التمدن. فعلى سبيل المثال يعتبر التنافس على الوظيفة أحد السبل التي تؤدي للتمييز العرقي. وعندما غير المهاجرون من لغتهم ومؤسساتهم وممارستهم الأخرى فإنهم قد استقروا وأصبح تعرضهم للتمييز العرقي أقل بشكل ملحوظ. وقد خضعت تلك الرؤية للدراسة من جانب “بارك” في جزر هاواي التي بدت وكأنها “جنة العرقية” مقارنة بالاضطرابات العرقية وإعدام الزنوج بعيدًا عن القوانين بقواعد “جيم كرو” في معظم الأراضي الأمريكية. وفي هاواي أيضًا كانت المعارضة الشعبية والقانونية للعلاقات العرقية أو الزواج بين الأعراق المختلطة قليلة للغاية (Pierce 2005).

هاواى : المعمل السلالي لنظرية بارك

لقد أصبحت جزر هاواي معملاً لدراسة المشكلة السلالية. وقد أتت السلالات والأعراق من الباسيفيك وتجمعت معًا حيث الأعداد والظروف مواتية جدًا لانصهار تلك الأعراق في بوتقة واحدة أكثر من أي مكان آخر على هذا الكوكب (Park 1926).

وبتتبع وصول “الهاول Haole” (الأوربيون والأمريكيون البيض) وجد أن تلك الجزر شهدت حالات وفاة جماعية كنتيجة لانتشار الأمراض الوبائية والتناسلية التي قضت على نحو تسعين بالمائة من السكان في الفترة الممتدة من 1778م وحتى نهاية القرن التاسع عشر. ومنذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى عشرينيات القرن العشرين فإن ملكية الأراضي للأجانب والتوسع في مزارع السكر وهجرة القوة العاملة من الصين واليابان وكوريا وأماكن أخرى قد أدى لتحول المجتمع بشكل درامي (كان نحو ستين بالمائة من السكان الذين ولدوا قبل عام 1900م من الأجانب).

وقد أدى تحكم أصحاب البشرة البيضاء في السياسة الاقتصادية إلى سقوط نظام الحكم الملكي لدى السكان الأصليين. وأصبحت هاواي أرضًا تابعة للولايات الأمريكية منذ عام 1900م بشكل رسمي. وفي هذا التوقيت عندما زار “بارك” هاواي وجد أن كل من السكان الأصليين والسكان البيض يمثلون أقليات بنسبة 12 إلى 13% من عدد السكان. وقد تنامت قوة العمل الآسيوية المتنافسة للحصول على أعمال وأجور وظروف حياة أفضل. وتنامت أيضًا سيطرة القيم الغربية وتفوق العرق الأبيض من خلال الوسائل القانونية والمؤسساتية التي أعدت المشهد لاختبار نظريات بارك عن الاستيعاب والتحضر.

وقد بحث “آدامز Adams 1937” وهو أحد الباحثين المعاصرين لبارك في مدرسة شيكاغو عملية التزاوج بين الأعراق في المنطقة الحضرية بهونولولو (المدينة العاصمة في هاواي). وقد وجد آدامز أنه بالرغم من النسب المنخفضة لحالات التزاوج بين العرق الأبيض والمجموعات اليابانية إلا أن البعد التاريخي للتداخل بين الأعراق ونمو مجموعة كبيرة من الناس من مختلطي الأعراق فضلاً عن قيم العدالة والمساواة قد أدوا جميعهم إلى تراجع واضح في التقسيمات والتصنيفات السلالية والعرقية. ورغم ذلك فإن استمرار العنصرية البيضاء والصراع العرقي في المزارع والتمييز العنصري المؤسساتي قد أوضح أن دورة العلاقات العرقية كانت تفتقر حقًا لتوضيح ما إذا كانت هاواي هي “جنة الأعراق” أم لا.

علم اجتماع العلاقات العرقية في بريطانيا

للباحثين الأمريكيين تأثير بالغ على البحث البريطانى منذ تأثير مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع حول دراسات العلاقات بين الأبيض والأسود فى إنجلترا وويلز منذ أربعينيات القرن العشرين وخلالها، إلى دور مؤسسة “فورد “Ford فى دعم البحث فى مجال المشكلات فيما بين الأعراق والإثنيات بالمدن البريطانية خلال الخمسينيات والستينيات (Clapson 2006). زنوج فيلادفيا (1899) الذى قدمه “دي بويه Du Bois”. ودراسة لجنة شيكاغو للعلاقات السلالية عن  الزنوج فى شيكاغو  (1922) وعمل “جونار ميرالGunnar Myral المعضلة الأمريكية : مشكلة الزنوج والديموقراطية الحديثة (1944). والعمل الذى قدمه كل من “سانت كلير دارك – هـ . ر كلايتون “St Clair darke and HR Clayton  “العاصمة السوداء: دراسة لحياة الزنوج بالمدينة الشمالية” (1945) بتقديم سجل للدراسات التجريبية المؤثرة عن العنصرية والظروف المادية فى السياقات الحضرية الأمريكية.

وقد ألهمت تلك البحوث الدراسات الاجتماعية في بريطانيا. وتعد الدراسة التى قدمها “كينيث ليتل”Kenneth Litlle  عن الزنوج فى بريطانيا : دراسة للعلاقات السلالية فى المجتمع الإنجليزي (1948) من أولى الدراسات التى فحصت تاريخ وجود العرق الأسود فى بريطانيا والحياة في الجماعة السوداء بمدينة كارديف Cardiff، وتغلغل الأساطير العنصرية عن “الوضاعه العقلية” السود. وانتشار أساطير انتقال الأمراض العرقية بين الأطفال في الثقافة الإنجليزية. واستمر هذا التراث البحثي على يد “جون ريكس John Rex” و”روبرت مور Robert More” في دراستهما التجريبية عن (العنصرية والجماعة والصراع 1967). وقد قاما بدراسة تلك القضايا في برمنجهام. وقد وحد منظور هذه الدراسة من وجهات النظر المتصارعة حيث شدد على أنه لكي نفهم المجتمع فإنه علينا أن نفهم الكفاحات والتنافسات المختلفة بين المجموعات معتمدين في ذلك على نموذج التمييز السكاني والتركيب المكاني لدى الإيكولوجيين بمدرسة سيكاغو. فهم يرون المدينة على أنها صراع طبقي من أجل السكن في حين أن المجموعات تدافع عن مصالحها الخاصة في نطاق السوق. فيضطر المهاجرون السود لشغل مناطق انتقالية. ويرتبط الحصول على الوظائف بالتمييز العرقي. ونفس الأمر في الحصول على أماكن للسكن. ويرتبط هذا الأمر أيضًا بالمصادر الاجتماعية والثقافية التي أحضرها المهاجرون معهم وبمدى تطور المؤسسات وتكيفها. فقد أكدت هذه الدراسة على أن العنصرية متأصلة في المجتمعات في مرحلة ما بعد الاستعمار. وأن تلك العنصرية متأصلة في العلاقات الاجتماعية للقوة والسيطرة (Bailey 1975). وأكدت الدراسة أيضًا أن العنصرية يمكنها أن تعمل بشكل مستقل عن الطبقة الاجتماعية مثلما يحدث على سبيل المثال في استبعاد المهاجرين السود والآسيوين من حالة الرفاه والخدمات العامة مثل مجلس الإسكان (Williams 1989).

“ريكس Rex” و”بانتون Banton

كان لكل من جون ريكس ومايكل بانتون دورا رائدا في تطوير علم الاجتماع البريطاني فيما يخص العلاقات السلالية في فترة ما بعد الحرب. وتتمثل الإضافة الجوهرية لجون ريكس في أنه قد وضع الصراع في قلب التحليلات السوسيولوجية عن العرق والإثنية. وقدم وجهة نظر مصطبغة بالصبغة الدولية والتاريخية عن العلاقة بين العرق والنزعة الاستعمارية مستخدمًا في ذلك المفاهيم الفيبرية عن علاقة الطبقة الاجتماعية بالعلاقات العرقية وحالات السوق، والربط بين كل هذه العوامل وبين حالة الرفاه (Jenkins 2005, Williams 1989).

ومن وجهة نظر جون ريكس فإن الجماعات الإثنية هي أمر حقيقي، أما العرق فليس كذلك. إلا أن تحليلات العلاقات العرقية ومواقف العلاقات العرقية والانغلاق العرقي في العمل والسكن والتعليم يبدو أنها ملائمة للجماعات الإثنية التي تؤسس لمعتقداتها عن التراتبيات العرقية وتتصرف وفقًا لتلك المعتقدات خلال الاستبعاد والتمييز العنصري. ورغم ذلك فقد أدى تركيز “ريكس” على الأقليات الإثنية وتعبئة الإثنيات من ناحية، وتركيزه على المفاهيم الفيبرية عن الطبقة الاجتماعية بوصفها مستمدة من الموقع السوقي من ناحية أخرى، قد أديا إلى انتقاده لأنه لم يعط اهتمامًا كافيًا لمركزية العنصرية في سياقات ما بعد الاستعمار. بالإضافة للنقد الجوهري بأن “العلاقات العرقية” إنما تؤكد بشكل صريح على أن مفهوم “العرق” مفهوم حقيقي. وقد تم انتقاد ريكس أيضًا بسبب تركيزه على السود أكثر من تركيزه على بنية هيمنة البيض  (Jenkins 2005: 203-4).

وبشكل مشابه اهتم “مايكل بانتون” بدراسة الاستيطان وتجارب المهاجرين المنتقلين إلى بريطانيا من المستعمرات السابقة كما هو الحال في كتابه الأول دراسة اثنوجرافية عن “الربع الملون في الشرق الأدنى من لندن” عام 1955م. ومتابعًا لـ “جون ريكس” ومستبقًا إياه أيضًا قدم “بانتون” عملاً سوسيولوجيًا عن العلاقات العرقية في بريطانيا واضعًا تلك العلاقات في سياق النزعة الاستعمارية العالمية. وبالمثل فإن قضايا المهاجرين الكاريبين في بريطانيا خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين قد تم الاهتمام بها من جانب المكتب الاستعماري الحكومي الذي كان جزء من وزارة الخارجية. وكانت الاضطرابات العرقية بالمدن البريطانية عام 1958 سببًا في اهتمام الإدارة المحلية بالعلاقات العرقية، ثم أصبحت تلك القضايا محل اهتمام المكتب الوطني وتم اتباع سياسة العلاقات العرقية في بريطانيا.

وقد قدم “بانتون Banton 1967: 68-76” مدخلاً مقارنًا للفعل الاجتماعي واستخدم العرقية لتدشين نظمًا مختلفة من العلاقات العرقية على مستوى العالم وتحديد تصنيف نوعي لمواقف العلاقات العرقية مشتملاً على الهيمنة والتكامل والتعددية. وقد قدم “جون ريكس” تصنيفًا محددا بشكل أكبر يتضمن المنافسة الحدودية، والعمل غير المجاني، والعمل القهري الاستغلالي، وعدم المساواة في نظام الطوائف، وأشكال أخرى من عدم المساواة، وكذلك التعددية الثقافية، والانغلاق الحضري، والطبقات الدنيا، والغرباء، والمنبوذين، المهمشين. وفي كل هذه السياقات يتم النظر إلى أنساق الاعتقاد العرقي على أنها مرتبطة سياسيًا ببنى الاستغلال والظلم. وفي هذه السياقات يتم التركيز على الوحدات الكبرى للتحليل، أما “بانتون” فقام بتقديم وجهة نظر مضادة لتلك عن طريق تحليل الوحدات الصغرى من خلال تحليل الفرد وفعله الاجتماعي من خلال نظرية الاختيار العقلي وتسليط الضوء على دور المنافسة في تشكيل العلاقات العرقية والإثنية (Banton 1983; Barot 2006). وهنا فإن الأفراد يستخدمون الاختلافات البدنية والثقافية لخلق مجموعات وتصنيفات عن طريق الاستيعاب (مجموعات إثنية) والاستبعاد (مجموعات عرقية). وتنتج التفاعلات بين المجموعات حدود يحددها شكل المنافسة ومدى تركيزها. وهنا فإن التركيز على الفعل الفردي في مجال الإسكان على سبيل المثال إنما يؤدي إلى الاهتمام بمسألة التمييز العرقي “وما دام هناك تمييز عرقي فإنه لابد أن هناك شخص ما مسئول عن هذا التمييز ويجب أن يتعرض للمساءلة” (Banton 1996).

 العلاقات العرقية وما بعدها

تفترض إشكالية العلاقات العرقية أن الأعراق هي أشياء واقعية حقيقية تدخل في تفاعل وصراع بعضها مع بعض. وبالتالي تصبح تلك العمليات موضوعًا للدراسة. وهو ما تم انتقاده كثيرًا. وقد أكد كل من (Miles 1993) و(Goldberg 1990) و(Guillaumin 1980) على ضرورة عدم استخدام فكرة العرق في التحليلات الاجتماعية لأنها تبدو وكأنها تفترض بالضرورة أن هناك بعض العلاقات الاجتماعية حتمية وطبيعية. وبالتالي فإن الاعتقاد بأن الأعراق واقعية أو حقيقية قد تعرض لشك كبير. وتم النظر إليه على أنه اعتقاد أيديولوجي بشكل جوهري. ومهمة التحليل هو أن يوضح لماذا يتم تأويل العلاقات الاجتماعية بهذه الطريقة.

وقد تحول هذا الموقف إلى نقد عام للخبرة الناتجة عن سياسات العلاقات العرقية في بريطانيا منذ ستينيات القرن العشرين وما بعدها من جانب ليود (Lioyd 1994: 230) حيث وصفت بأنها تعزز من عنصرية العلاقات العرقية في بريطانيا. وبالتالي يمكن القول أن التقسيمات العرقية قد أوجدتها سياسات هي نفسها وضعت لتتحدى التمييز العرقي والعنصرية. ومرد هذا الأمر إلى الإصرار على استخدام مفهوم العرق في الخطابات البيروقراطية والتكنولوجية والأكاديمية والسياسية. وقد اكتسب مفهوم العرق وجودًا واقعيًا من خلال التشريعات الخاصة بالعلاقات العرقية وسياسات العلاقات العرقية ومسارات تلك العلاقة والبرامج الدراسية وبرامج الأحزاب السياسية. بمعنى آخر فإن الإصرار على استخدام فكرة العرق قد عزز من الأفكار السائدة بأن هناك اختلافات عرقية وسلالية لها واقع وحقيقة بيولوجية.

إن المساهمات التي قدمها “بانتون” و”ريكس” و”ليتل” تجمعها هموم مشتركة مع غيرهم من الباحثين لإعلان تلك القضايا وتوضيح المشهد العام للسياق الدولي والبريطاني. وقد قدموا جميعًا اسهامًا كبيرًا في هذا الحقل الدراسي (Banks 1983). وفيما وراء علم اجتماع العلاقات العرقية، تحرك الباحثون الأكاديميون في عدد من الاتجاهات. وربما تحول كثير من الباحثين نحو الإثنية سعيًا نحو فحص ودراسة تلك الجماعة الأكثر واقعية بين الظاهرات الاجتماعية. وسوف تكون طبيعة وديناميات الإثنية هي موضوع الفصل التالي من هذا الكتاب.

بيت الجغرافيا