تصنيف الشعوب وفقا للسلالة والأصل والتسمية

2020-02-28T16:20:38+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الثاني من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

شهد الاستخدام المزدوج لفكرة السلالة حشدا كي يعمل بشكل جيد من خلال الكولونيالية والهيمنة الاستعمارية، كما تم استخدام الفكر السلالي من أجل الحشد وبث المقاومة البطولية، على نحو ما تم تقديمه فى الفصل الأول. ويقوم الفصل الحالي علي هذه الجدلية، وذلك من خلال الفحص المدقق للميدان العلمي للسلالة. فالعلم يوفر الأرضية لكل من الأفكار الأكثر نظرية ووضوحا للسلالة والعنصرية، فضلا عن الأفكار المناهضة للعنصرية فى ذات الوقت. وتظهر هذه الأرضية المكانة المركزية للسلالة فى الحداثة الأوروبية وغير الأوروبية وما تتضمنه من تناقضات (Hesse 2007). فعلى مدى أكثر من قرنين من ترسيخ العنصرية العلمية المثبتة فى كتابات العالم الفرنسي “جيورجيي كوفيهGeorges Cuvier ” عام 1800 ـ رائد علم الجينات والمكتشف المشارك للحامض النووي DNA ـ أعاد جيمس واتسون James Waston  تقديم حجج مشابهة. فقد ربط كوفيه بين السلالة والترتيب الهرمى لمراتب الدونية والسمو، مع جعل الجنس الأبيض فى قمة هذا الترتيب الهرمى، ومضى واتسون مقتفيا خطاه.

جيمس واتسون James Waston

فقد اقترح واتسون فى عام 2000 أن هناك علاقة تربط بين كل من اللون والدافع الجنسي، مفترضا أن لدى أصحاب البشرة السوداء غرائز جنسية أقوى، مرتكزا فى ذلك على أساس الاستراتيجية الخطابية القديمة للفانتازيا الجنسية التى ارتبطت لفترة طويلة بلغة الاستغلال والهيمنة الغربية (Hall 1992). وفى عام 2007 ذهب واتسون إلى أنه كان “مكتئبا فى الأصل فيما يخص مستقبل أفريقيا” وذلك نظراً “لأن جميع سياساتنا الاجتماعية مبنية على حقيقة أن مستوياتهم العقلية تماما هى مثل مستوياتنا – بينما تدل جميع الاختبارات أن ذلك ليس هو حقيقة الأمر”. وقد ذهب واتسون إلى أنه “ليس هناك سبب قوي يجعلنا نتوقع أن القدرات الذهنية  للشعوب التى تطورت بشكل منفصل من الناحية الجغرافية يجب أن يثبت أنها تطورت بشكل مميز “(واتسون مقتبساً عن Hunt- Grube 2007). وقد أدت هذه المقولات الى عاصفة دولية من الاحتجاج، وأعقبها إنكار من قبل واتسون، الذى اعتذر وذهب ليذكر أن الأفارقة لم يكونوا” فى منزلة أدنى من الناحية الجينية”. وتعبر هذه الواقعة عن كل من الجسارة التى يتمتع بها العلم السلالي وكذلك القوة التى تميز مناهضة العنصرية فى هذا الحقل.

يهتم القسم الأول من هذا الفصل بدراسة بزوغ العلم السلالي. أما الحشد السلالي فى الخطاب العلمي فيعد شاغلنا الأول فى هذا الفصل، وهو الذى سيختص بدراسة كل من بزوغ السلالة، وأشكال الترتيب الهرمي غير العادلة للتصنيف العرقي على النحو المبين فى العلوم الطبيعية وفى بناء المعرفة الأكاديمية فى مختلف الميادين. لقد تطور التصنيف العلمي للسلالات فى أحضان حقل التاريخ الطبيعي. إذ تطور بناء السلالات بوصفها أنماطا طبيعية مبهمة منذ فترة مبكرة ترجع الى أوائل القرن التاسع عشر، مستندة على أفكار الترتيب الهرمي التقليدي للسلالات ومرتبطة بقدرات ثابتة وغالباً محدودة للتطور الحضارى والثقافى.

وقد نظر تشارلز داروين إلى السلالات على أنها أنواع فرعية مميزة، ولكنه خالف العنصرية العلمية السابقة من خلال إزاحته لفكرة الاستقرار والثبات العرقي والترتيب الهرمى الثقافي وأحل محلها فكرة العالم المتطور. كما أنه قد أسس مبدأ الأصل المشترك، الذى تبدو من خلاله السلالات جميعها أنواعا فرعية من الإنسان العاقل، كما وضع داروين الأسس التى قادت التغير من التفكير التنميطي إلى التفكير السكانى (Banton 1997).

وسنعرض فى هذا الفصل أيضاً لسقوط العلم السلالي الذى كان جزء من مراجة نقدية أوسع لمناهضة العنصرية القائمة على الترتيب الهرمى والبناء البيولوجى للسلالة، المدفوع بمحفز السعى إلى مراجعة وانتقاد الأيديولوجيات النازية منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وقد شهدت الفترة الأخيرة استخدام فصائل الدم وغيرها من العلامات البروتينية المتنوعة لاقتفاء أثر وتمييز ذوي الأصول المختلطة بين السكان البريطانيين. وعلى أية حال فقد قامت الداروينية الاجتماعية وكل من الأنثروبولوجيا الطبيعية، وتحديد النسل، والإيكولوجيا الاجتماعية، والبيولوجيا الاجتماعية، بالإبقاء على استخدام التصنيفات السلالية وحاولت وضع أسس طبيعية أو بيولوجية للاختلاف الاجتماعي والثقافي.

بزوغ وأفول علم السلالة

تم تمييز الجذور الأولي لعلم السلالة فى سياقات مختلفة فيما قبل الرأسمالية، وإن كان الصعود الرئيسي للعلم السلالي عبر أوروبا وأمريكا الشمالية قد اكتمل فى نهاية القرن الثامن عشر وشكل جزء أصيلا من الحركة الأوسع للتحول من التفسير الدينى إلى التفسير العلمي، وكان ذلك بالتوازى مع صعود الاستعمارية الأوروبية. هذا ولم يكن لإلغاء العبودية المزرعية دورا فى وضع حد لعلم السلالة، بل طور العلم السلالي زخما اجتماعيا بلغ ذروته مع علم تحسين النسل النازى. لقد جاء التراجع فى الفكرة المسيحية عن أحادية الأصل (تلك النظرية التى تنادى بأننا جميعا ننحدر من أصل واحد كما تروي القصة التوراتية عن الخلق من آدم وحواء) نتيجة لعدم قدرتها تقدير الفروق بين الشعوب، تلك الفروق التى بزغت من القصص، والأساطير، وتقارير الرحالة والمستكشفين وكذلك سجلات من الكتابات عن “الغرب وبقية الدنيا The West and the Rest”  .

السلالة والتاريخ الطبيعي

تطورت التصنيفات العرقية فى ميادين التاريخ الطبيعي، والأنثربولوجيا، والإثنولوجيا. وقد حاول كارل لينو Carl Linnaeus فى عمله المعنون “نظام الطبيعة  Systema Naturea ”  (1758) أن يصنف كل ما هو حى إلى أجناس، وأنواع، وأصناف، أو أنواع فرعية، محددا ستة  أصناف من الإنسان العاقل Homo Sapiens، تضمنت كلا من الأوروبي (أبيض، متورد، ذو عضلات) والأسيوى (أصفر، كئيب، غير مرن)، والأفريقى (أسود، متسامح، رابط الجأش، وحشي). ثم قام جوهان فردريش بلومنباش Johann friedrich Blumenbach (وهو خبير ألمانى بعلم التشريح) بتجميع كم هائل من الجماجم البشرية وقام بتنقيح تصنيف لينو وحدد خمسة أصناف بشرية هي: القوقازى، والمنغولي، والحبشي، والأمريكى، والملايو. وقد ذهب بلومنباش إلى أن شخصاً أعمى بإمكانه من اللمسة الأولي للجماجم أن يمييز بين جمجمتى المنغولي والزنجى ( بلومنباش1796  نقلاً عنAugstein  1996:65 ). أما جيورجي كوفيه فقد تضمنت دراسته للسلالة تقسيم الجنس البشري إلى ثلاثة أنواع فرعية: القوقازى، المنغولى، والحبشي؛ أى الأبيض والأصفر والأسود. ومن خلال تقديم العالم وبه ثلاثة أعراق رئيسية تعيش بمعزل عن بعضها البعض، تكون ترتيب هرمي من الاختلافات فى الثقافة والقدرات العقلية تسببت فيها (على هذا النحو) الخصائص البيئية والطبيعية.

ولذا فإنه بالنسبة لجورجي كوفيه فقد كان واضحاً لماذا “حققت السلالة القوقازية السيادة على العالم”، ولماذا كان الصينيون أقل تقدماً، ولماذا كان الزنوج غارقين فى العبودية والملذات الحسية” (نقلاً عن Banton 1997:30). وفى الولايات المتحدة، استخدم العمل الذى قدمه أندريو مورتون (1839) بعنوان “البذور الأمريكية”Crania Americana  مقاييس لتقدير السعة الداخلية للجماجم من أجل الخروج بتصنيف هرمي لأولئك الذين يتميزون بالعقول الأكبر، حيث جاء القوقازيون فى قمة التصنيف بينما حل الحبشيون (الزنوج غير المخلطين، والأفارقة) فى ذيل التصنيف. ولقد قام ستيفن جاي جولدStephen Jay Gould  (1981) بإظهار كذب وتضليل هذه الأدلة من خلال قيامه بإعادة فحص واختبار الجماجم التى استخدمها مورتون فى صياغة تصنيفه.

الأنماط السلالية

يعود تطور مدرسة فكرية عالمية فى التصنيف السلالى إلى جهود علماء من فرنسا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا. وكان أبرز علماء تلك المدرسة كل من صامويل ستانهوب سميث، جيمس بريتشارد، جورج جليدون، خوسيه نوت، وبصفة خاصه فى أعمال اثنين من أشهر المؤسسين وهما أرثر دى جوبينيوArther de gobineau   وروبرت نوكس Robert Knox. فقد صنفت الاختلافات بين الشعوب عبر أنماط عرقية وتم التعامل معها على أنها ثوابت تاريخية. فقد تم النظر إلى الاختلافات السلالية كمعطيات موجودة منذ الخلق، ومن ثم واجهت هذه النظريات صعوبات عدة  فى معالجة قضية تطور الجنس البشري. والأكثر من ذلك، أن هذه النظرية نظرت إلى الأنماط السلالية على أنها تعرض العداء الفطرى تجاه بعضها البعض، فالكراهية التي تحتفظ بها السلالات القوقازية تجاه الزنوج عميقة الجذور وهى أمر حتمي وطبيعى. (Smith  1884  نقلاً عن  Banton 1997: 54).  ولقد قام جوبينيو فى 1853 بدراسة الصعود والسقوط العالمى للحضارات فى مقالته المعنونة “عدم المساواة بين الجنس البشري  l’inegalite des race humaines“. ومن وجهة نظره فإن “كل الحضارات العظيمة اشتقت من الجنس الأبيض” بما يضمه من الآريين (ومن بينهم المصريون) واليونان والرومان والصينيين والمكسيكيين.

وقد مثل موضوع “الحفاظ على نقاء الدم” “للعائلة البشرية البيضاء” قضية رئيسية لدى جوبينيو فى تفسيره لصعود وهبوط تلك الحضارات. وعلى ذلك، فسر جوبينيو تاريخ العالم عن طريق طبيعة وسلالات غير متكافئة. ويدل تأكيده هنا على “الدم النبيل” على أن ثمة ترابط بين الاعتقاد فى الأرستقراطية الطبيعية ووجود ترتيب هرمي للسلالات البشرية. وقد قدم روبرت نوكس إسهاماً مميزا من أجل شيوع فكرة السلالة ولاسيما فى محاضراته فى المدارس الطبية. وفى كتابه الذى صاغ منه تلك المحاضرات “سلالات البشر” (1850) قدم نوكس أطروحاته الرئيسية والتى ذهب فيها إلى أن كل من الاختلافات السلالية الداخلية (التشريحية) والخارجية لم تتغير منذ أكثر من 6000 سنة، حتى أن اختلاط السلالات لم يؤد إلى خصوبة فى “المنتج الهجين”، وأن فهم الاختلافات السلالية فى الذكاء والثقافة والأخلاق تقدم تفسيريا للصراعات السياسية الأوروبية. وقد قاده هذا التصور إلى القول بأنه لن ننعم بالأمن ما لم ندرك أن “مصدر كل الشرور”  يرقد داخل السلالة السلتية لإيرلندا، تلك التي ينبغي أن تجتث من تربتها”، وأن الدونية الطبيعية والسيكولوجية توجد فى “السلالات الأكثر دكانة فى اللون.” على هذا النحو كان البناء العلمي للسلالات الطبيعية بحلول منتصف القرن التاسع عشر.

داروين والتطور العرقي

قدم داروين مراجعه نقدية لكل من التعدد الجيني Polygenism وفكرة الأنماط السلالية الثابتة، وذلك فى أعماله ومن بينها “أصل الأنواع عن طريق الإنتخاب الطبيعي أو بقاء السلالات الصالحة في الصراع من أجل البقاء” On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life (1859) و”ظهور الإنسان” (1871). وفى مثل هذه الأعمال ذهب داروين إلى أن هناك أصلا مشتركا بين كافة البشر تحقق عبر التطور، وهى فكرة تدعو إلى وحدة الأصل التى أكدت التغير. فالصراع من أجل البقاء على قيد الحياة يؤدى إلى انتخاب طبيعيى وتعديلات فى الأنواع. وكان لفكرة داروين عن “ظهور الإنسان” الفضل فى تطوير الحجة المنادية بالانتقاء الجنسي (النوعى  Sexual) والتى فسرت لديه تطور الإنسان واختلافات الأنواع. ويري داروين أن السلالات كانت أنواعاً فرعية تطورت من خلال التناسل الجزئي، وأن كلا منها كان بمعزل عن الآخر. فبعض “السلالات المتوحشه ” ذات الأحجام الأصغر فى المخ واجهت احتمال انخفاض الخصوبة والتعرض للانقراض، بينما السلالات المتحضرة كانت أكثر مهارة فى التأقلم والبقاء على قيد الحياة.

تحسين النسل السلالي

في مرحلة لاحقة قام فرانسيس جالتون بتطوير أفكار داروين وتأثيراتها من خلال تطبيق تلك الأفكار على المجتمع (الداروينيه الاجتماعيه) والاستراتيجية المفضلة التى سارت مع غرس تلك المجموعة من الأفكار. وقد كان هذا يعنى أشكالا  من الدعوى عن تحسين الميزات الوراثية البشرية من خلال التدخل فى تحسين النسل والذى يعد بمثابة التوجيه الذاتى لتطور الانسان. وكانت تلك التقنيات تتضمن إما تشجيع الإنجاب فيما بين ذوى الصفات الوراثية الأفضل، أو تقليل عدد السكان ذوى الصفات المتدينة. وشملت سياسات تحسين النسل كلا من الإبادة الجماعية، الإجهاض القسري، العقم الإجباري، والفصل العنصرى. وتعد كل من اليابان وكوريا وأمريكا الشمالية وألمانيا النازية نماذج شهدت صورا من ممارسات تحسين النسل نشطت تحت مظلة ورعاية الدولة. وعلى نحو ما ذهب مايكل فينر(2004:225) فإنه لا يمكن الاستهانة بقدر الداروينية الاجتماعية فى اليابان. فمجموعات النخبة اليابانية قامت بالجمع بين الأفكار الإقطاعيه القديمة عن المجموعة اليابانية المتجانسة نقية السلالة، مع العنصرية العلمية من الغرب كى يبنوا الأمة اليابانية كسلالة جمعية تتسم بأنها ذات صفات وراثية راقية ومتمدنة.

لقد كان بناء النقاء المتصور للشعب الياباني (شعب ياماتو Yamato Minzoku) موازيا لبناء النقاء السلالي لأمة  الشعب الألمانى. وقد تركزت العنصرية فى اليابان بطريقة تقليدية على استبعاد مجموعات مثل الأينو Ainu والبوراكيومين Burakumin وقد وصفت هذه المجموعة الأخيرة على أنها “سلالة معزوله…..تفتقد الى أى حس أخلاقي”. وقد طبقت أيضا بعض الأفكار علي الفقراء والمعاقين. ونظرت السلطة اليابانية إلى التوسع الإمبريالي باعتباره ضرورة من أجل الحفاظ الطبيعي على السلالة اليابانية وتعبيرا عن جودة المعدن الوراثى المميز لشعب اليابان. ولقد فرضت السياسات الاستيعابية أشكالاً من سلوك أصحاب السلالة المهيمنة وقلقا حيال الحفاظ علي النقاء السلالي فى كل من داخل الوطن وخارجه، مما ترتب عليه تطور فى سياسات تحسين النسل فى شكل قوانين حماية تحسين النسل السلالي التى شرعت فى ثلاثينيات القرن العشرين.

وفى كوريا، اتضح أن الإرث الذى خلفه الاستعمار الياباني، وما ارتبط به من أولويات فى مجال تحسين النسل، قد ترك آثاره جلية من خلال مسعى كوريا لممارسة الإجهاض والعقم الإجباريين لمجموعات بعينها فى كوريا الجنوبية حتى ثمانينيات القرن العشرين. كما أن السويد أيضا كان لها مساع فى برامج العقم الإجباري تستهدف من خلالها الأقليات الإثنية والسلالية منذ نهاية الثلاثينيات حتى السبعينيات من نفس القرن. وفى أستراليا كان ينظر إلى الأطفال المولودين من هجين من السكان الأصليين والمهاجرين من شمال أوروبا كمصدر تهديد للنقاء السلالي فى البلاد، ومن ثم كانوا يؤخذون عنوة من أبائهم. وقد ظلت هذه الممارسات طيلة قرن من الزمان (1869-1969) مما خلق “الجيل المسروق” وهو ما صور فى فيلم “سياج واقية من الأرانب  Rabbit-Proof Fence”. وشملت سياسات تحسين النسل في كندا فى عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إجراء عمليات عقم إجبارى للمهاجرين الراسبين فى اختبار الذكاء. وليس بعيد ما حدث مؤخرا فى جمهورية التشيك من أن محكمة إقليمية فى مدينة أوسترافا Ostrava قضت بتعويض إمرأة من غجر الروما تعرضت لعملية عقم إجبارى قام بها طبيب دون موافقتها.

المشروعات النازية لتحسين النسل

سارت المشروعات النازية لتحسين النسل على خطى تيار البحث العلمي فى الولايات المتحدة وأوروبا (Proctor 1988). فالنص الأمريكي الذى قدمه ماديسون  جرانت عن “عبور الجنس العظيم أو الأسس السلالية للتاريخ البشري”(1916) أولى عناية للسلالة النوردية التى تعتبر مسئولة مبدئيا عن الإنجاز البشري، ولكنها مهددة بالاختلاط العرقي، الذى يمكن أن يؤدى إلى “الانتحار العرقي”. وكان ذلك بمثابة تسويغ لفرض قيود على الهجرات العرقية الوافدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات تحسين النسل التى تضمنت قوانين تحظر الزيجات بين الأعراق، والقوانين المناهضة للتمازج بين الأجناس. وقد بنى جرانت عمله على دراسات ويليام ريبيلى (1899) عن السلالات النوردية والألبية والبحر متوسطية، مع النظر إلى اعتبار النورديين هم الأرقى وهم المبدعون والفاتحون، تلك الدراسات التى اعتمدت بدورها على النظرية الآرية المبكرة التى طرحها جوبينيو. لقد كان لفكرة جرانت عن التفوق السلالي الآري أثر عظيم، ولقد روج لانتشار هذه النظرية عالم تحسين النسل الألمانى إيوجين فيشرEugen Fisher  وزملاؤه من أمثال فريتز لينز Fritz Lenz، وإروين بارErwin Barr ، في دراستهم بعنوان “الوراثة الإنسانية”(1923) وهو العمل الذى قرأه أدولف هتلر قبل أن يخط كتابه “كفاحى””mein kampf (1923). (Centre for Holocaust and genocide studies 2007).

تفنيد علم السلالة

يذهب إلعازر باركان إلى القول: “لقد أرغمنا جميعا النظام النازى على الاعتراف بالإمكانيات القاتلة لمفهوم السلالة والنتائج المفزعه لسوء استخدامها “Elazar Barkan  (1992:1). فرغم كل ما اكتنف العنصرية العلمية من غموض وتناقض، إلا أنه ظل التعامل معها يتم بوصفها نظاما للحقيقة فى كل من ألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحده مع بدايات القرن العشرين. ويمكن اقتفاء أثر انهيار هذا الشكل من أشكال المعرفة، والذي كان نشطا فى العديد من الخطابات العلمية والأكاديمية والسياسية والعسكرية خلال مسيرة القرن العشرين.

وبحلول خمسينيات القرن العشرين جاء الإعلان العالمي الذى قدمته لجنة الخبراء من خلال منظمة اليونيسكو وأعلن فيه أنه ليست هناك أسس علمية للسلالة، معتبرا أن كل السلالات البشرية تتمتع بذات القدرات العقلية، وأنه ليس هناك تدهور بيولوجي نتيجة لاختلاط الأعراق، وبذلك فإن السلالة هى بناء اجتماعي خرافي. وعلى الرغم من أن التفنيد العلمي للعنصرية (بوضع السلالة إلى جانب الترتيب الهرمي) قد بدأ فى عشرينيات القرن العشرين، سابقاً لصعود النازية، إلا أن أثره كان ضعيفا نسبيا (Barkan 199 ). وتحاشت الجهود الدولية المناهضة للعنصرية العلمية الخوض كثيرا فى القضية تجنبا لمعاداة هتلر، إلا أنه قد حدث انتقال تدريجي من الدراسات السلالية الأنثروبولوجية والبيولوجية ذات الدوافع السياسية، نحو التحليلات الاجتماعية والثقافية للسلالة.

أما العمل الذى قدمه جاك بارونJacques Barun  عن السلالة فقد كان كذلك له أثر كبير. إذ أن رسالة الدكتوراه التى قدمها فى عام 1932 وحملت عنوان “السلالة الفرنسية: نظريات عن أصلها وآثارها الاجتماعية والسياسية فيما قبل الثورة” نقدت الفكرة التى تنادى بأن أصل السلالة الفرنسية ظهر نتيجة لغزو شعوب الغال Gaul والرومان، رغم أنه ليس هناك سند للنقاء السلالي الفرنسي، إذ أنهم (الغال والرومان)  كانوا “خليطا بائسا ليس فقط من الرومان وإنما كذلك كان منهم أيبيريون وسوريون وفينيقيون” (مقتبس فى Vinciguerra 2006). وفى عمله الأكثر شهرة: “السلالة: دراسة فى الخرافة الحديثة” (1937)  ذهب بارون إلى القول:

“تبدو مشكلة السلالة أكبر من العذر الملفق  لعمليات الاضطهاد المحلي، فقد أصبحت أكثر من كونها نمطاً من التفكير المستوطن فى الحضارة الغربية، فهى تشوه كل أشكال النشاط العقلي، بما يتضمنه من التاريخ، والفن، والسياسات، والعلوم، والإصلاح الاجتماعي”. على هذا النحو سخر بارون من  “”تحول علم فراسة الدماغ ” لنظريات السلالة وجادل بقوة من أجل التخلي عن الخرافات المتعلقة بالسلالة المنكرة للفردانية.

ولقد اتسع مجال هذه الحجج ليشمل أعمالاً واسعة النفوذ لمناهضة العنصرية، فى مقدمتها ما كتبه أحد طلاب بواز للدكتوراه، وهو أشلي مونتاجو Ashley Montagu،  والذى كانت أطروحته تحمل عنوان “أسطورة الإنسان الأكثر خطورة: المغالطة السلالية ” وقد نشر هذا العمل عام 1942. ونظراً للرعب الذي رافق علم السلالة النازى، وظهور سياسات التجريب والتطهير العرقى حدث تحول فى الموقف نحو تفنيد العنصرية العلمية بشكل اكتسب شرعيه وأصبح موقفا ثقافياً واسع  الانتشار (Barkan 1992: 345).

الاحتفاظ بعلم السلالة على قيد الحياة،: الدعم الرائد ومناقشات اختبار الذكاء

في مسار بدا سباحة ضد التيار، استمر الربط بين كل من العرق والذكاء  محل اهتمام علمي وشعبي خلال القرن العشرين، وقد انعكس ذلك فى دراسات جيمس واتسون James Watson. وفى سبيل بحثه عن مصادر تمويل العنصرية العلمية اقتفى ويليام توكر William Tucker أثر الدور الذى لعبه صندوق الدعم الرائد ومقره الولايات المتحده الامريكية فى مجال تشجيع تمويل تلك المناقشات منذ ثلاثينيات القرن العشرين. إذ تأسس الصندوق الرائد فى عام 1937 بغرض دراسة المشكلات المتعلقة بـ “الوراثة وتحسين النسل” و”تحسين السلالة”، وتقديم المنح والمعلومات. ولعب الصندوق في ذلك دور جماعة ضغط لتحسين النسل. ومازال هذا الصندوق واسع النشاط وإن تحولت مهمته الحالية إلى المطالبة بإعادة منظور كل من داروين وجالت  Galtللاتجاه العام فى مجالات مثل الأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، إضافة إلي تبنى الأفكار الأكثر حداثه فى علم الوراثة السلوكية، ،علم الأعصاب، علم النفس التطوري، وعلم الاجتماع البيولوجي (WWW.Pioneerfund.org).

لقد كان هاري لوفلن Harry Laughlin  أول رئيس لهذا الصندوق الداعم وهو المسئول الرئيسي عن إدارة الحملة الناجحة لعمل التشريعات المقيدة للهجرة فى عام 1924 وإجراء عمليات العقم الفورى فى أكثر من ثلاثين ولاية. كما أنه أيضاً كان شديد الإيمان بفكرة التفوق النوردي، وعارض هجرة اليهود الفارين من الاضطهاد الألماني، كما عمل رئيسا لتحرير مجله “أخبار تحسين النسل”  وكان يدافع ويكيل المديح لسياسات العرق النظيف (التطهير العرقي) التى شرٍّعها النظام النازى الذى اتبع بدوره النموذج الأمريكي الذى كان يدافع لوفلن عنه.

وكانت أولى مشروعات “الصندوق الرائد” توزيع فيلم “المختبر الوراثى” والذى أنتجه مكتب السياسات العرقية النازية، لمعلمي البيولوجيا فى المدارس وعمال الخدمة الاجتماعية (Tucker 2002:45: 53). كما ربط  توكر كذلك بين الأفراد الرئيسين المنخرطين فى هذا الصندوق بالحملة العدائية لجمعية كوكولوكس كلان Ku Klux Klan (وهى جمعية إرهابية أمريكية أنشئت حوالى عام 1866 لترسيخ سيادة البيض على الزنوج) الساعية لإعادة السود الى مواطنهم الأصلية ومعارضة منحهم حقوقهم المدنية.

كان توكر فى طليعة من قدموا الدعم لهذا الصندوق. ومن بعده استمر آرثر جينسن وهانز إيشنيك Arther Jensen & Hans Eysenck فى تعزيز المطالب الرئيسية للاختلافات العرقية فى المستوى العقلي واختبارات الذكاء. كما حصل الصندوق على دعم مؤسسة برادلي Bradely، واستخدمت العديد من الأبحاث فى مجال المنحنى الجرسي ” The bell curve “(1994) وذلك على يد كل من ريتشارد هيرنشتياين وتشارلز موراي Richard Herrnstein & Charles Murray. وحاليا فإن موقع الصندوق على شبكة الانترنت يصرح بأن السلالة فى المقام الأول هى حقيقة بيولوجية واقعية، حيث يؤكد نصا على ما يلي:

“وفقاً لدراسات عديدة، تظهر الأدلة والدراسات الوراثية أن السلالة ليست مجرد بناء اجتماعي. ويمكن لمختبرات الجريمة الآن أن تحدد السلالة من خلال الهيكل العظمى أو حتى من الجمجمة وحدها، عبر تحليل عينات من الدم، والشعر، بل وأيضا عبر السائل المنوى. إن محاولة إنكار السلالة أمر غير علمي وكذلك غير واقعي. فالسلالة هى أكثر من مجرد لون البشرة”.

ويذهب الصندوق إلى أن السود، وسيما الأفارقة السود، ذوى مستويات عقلية أدنى، وفي ذلك يقول:

اظهرت مئات الدراسات التى أجريت على ملايين الناس على مستوى العالم أن متوسط اختبارات الذكاء بالنسبة للشرق آسيويين تحوم حول قيمة 106 ؛ وتبلغ نحو 100 بالنسبة لذوى البشرة البيضاء، بينما تنخفض القيمة الى 85 بالنسبة للسود فى الولايات المتحدة، ولنحو 70 فى أفريقيا جنوب الصحراء. (www.Pioneerfund.org، accessed 26 oct.2007)

علم السلالة المعاصر والاستعمارية البيولوجية

لقد قام كل من بوب كارتر Bob Carter (2007)   وريتشارد تاتون Richard Tattun (2007) بعمليات فحص لكل من استدامة وقوة الأفكار الخاصة بالسلالة فى سياق العلمية المعاصرة. ومن أجل الوقوف على كيفية صياغة مفاهيم السلالة، ولاسيما ما يخص منها فكرة تاتون عن التحيز للون الأبيض تمت مراجعة أدلة عديدة من نتائج أبحاث مشروع الجينوم البشري The Human Genome Project، وبصمة الحامض النووى DNA ، والطب الشرعي Forensic، وعلم الأنساب، وعلم الجينات، وأبحاث الطب الحيوي. وعلى الرغم من الإيضاحات المتكررة التى قدمتها الجمعيات العلمية المختلفة فى السنوات الأخيرة بشأن أن مفهوم السلالة ليس مدعوماً بأبحاث حالية، فقد أظهرت أعمال بوضوح أن هذه ليست القضية، اعتماداً على عمل تجريبي مع باحثين ضالعين فى  بناء قواعد البيانات الوراثية للشعوب.

السلالة والعلم فى المملكة المتحدة: قواعد البيانات الحالية

ساهم السعي للاستخدام النفعي للسلالة فى الطب واقتفاء أثر الأسلاف إلي النهوض مؤخراً بالاهتمام بعلم السلالة. فقد أعلن عن حدوث إنجاز غير مسبوق للطب السلالى عندما أثبتت الإدارة الفدرالية لمكافحة المخدرات منحها الصلاحية بالولايات المتحدة لاستخدام عقار “بيدBid ” فى علاج الأزمات القلبية للأمريكيين السود. وفى عام 2006 عقد منتدى للخبراء بالمملكة المتحدة، نظم بمعرفة مجلس البحث الاقتصادى والاجتماعي بغرض مناقشة الصلة بين استخدام التصنيف السلالي والانتماء العرقي فى مجال الطب (www.genomicsforum.ac.uk).

وفى هذا الملتقي توسع جوزيف جريفز Joseph Graves  فى عمله وذهب إلى أنه ليس بمقدورنا بناء سلالات باستخدام علم الوراثة، إذ أن هناك العديد من التباينات فى الملامح الطبيعية داخل الأقاليم الجغرافية والحضارية المختلفة. فعلي سبيل المثال تبين أن التباين فى شكل الجمجمة يبلغ نحو 85%، ومن ثم فإن الطريق الذى ننشده يعتمد إلى حد كبير على اعتبار الجينات عوامل بيئية مثل الكثافة الشمسية، الحمية (النظام الغذائى) ونمط المرض. ويذهب جريفز إلى أن معظم الأنواع البشرية قضت فترات تطورها فى شمال شرق أفريقيا وما تلى ذلك من هجرات، فقد أكد التدفق الجينى أن هناك تبانا وراثيا كبيراً عبر المجموعات البشرية التى تعيش داخل أقاليم مختلفة. كما ذهب جريفز إلى أن “الكيفية التى اخترناها لتعريف أنفسنا ليست مرتبطة بالضرورة بخطوط الأسلاف الجينية تلك”.

 وبالإشارة إلي دراسة سينهاتال  Sinahetal (2006)وغيرها من المصادر وجد أن 94 % من أولئك الذين يعرفون أنفسهم بأنهم أمريكيين من أصول أفريقية لا يمتلكون فى غالبية علاماتهم الجينية ما يشير إلي أصلهم الأفريقي، ويتكرر الأمر نفسه مع من يعرفون أنفسهم بأنهم أمريكيين أصليين، كما أن 7% ممن يعرفون أنفسهم بأنهم “بيض” لا يمتلكون خلفية وراثية أوروبية بالدرجة الأولي، وأن 96% ممن يعرفون أنفسهم بأنهم “سود” لا يمتلكون خلفية وراثية إفريقية بالدرجة الأولي.

السلالة والعلم فى الولايات المتحدة: قواعد البيانات الحالية

لقد استضاف مجلس البحوث العلمية بالولايات المتحدة الامريكية مؤخراً منتدى علي شبكة الإنترنت تحت عنوان “هل السلالة حقيقة؟ وذلك فى أعقاب ما ذهب إليه  أرماند ليروي Armand Leroi (وهو عالم فى مجال البيولوجيا التطورية بالكلية الإمبراطورية في لندن) من أن الاختلافات السلالية يمكن تمييزها جينياً. وقد ذهب ليروي إلى أن تعريف السلالة سوف يحسن العناية الطبية، كما أنه سوف يساعدنا فى إدراك وتقدير وحماية البشر من غموض المخزون السلالي القديم كما هو الحال بسكان جزر آندمان Andaman  (الهند). وقد أشار ليروي إلي إمكانيات علماء المزج الوراثى فى عمل تقنيات تخطيطية تمكنهم من “كتابة الوصفة الجينية للشعر المسترسل الذى يتمتع به النرويجيون، والبشرة الأرجوانية السمراء التى تميز سكان جزيرة سولومون، والوجه المسطح لشعب الإنويت lnuit (الإسكيمو)، والجفن المقوس الذى يميز الهان الصينين (Leroi 2006). كما ذهب ليروي أيضاً أن تحليلات التشابه بين بضعة مئات من الجينات من شأنها أن تكشف عن تصنيف للناس وفق خمس مجموعات مخزنة عبر الحاسب الآلي وهى “السلالات الكبرى المعروفة فى الأنثروبولوجيا التقليدية” فى أوروبا، وأفريقيا، وشرق آسيا، وأمريكا، وأستراليا والجزر المحيطة بها.

وهناك ورقة أخرى بهذا الملتقى عبر شبكة الانترنت قدمها تروي داستر Troy Duster (2005)  يقترح فيها أننا نواجه احتمالية توالى ما يعرف بالأثار المتداعية Cascading Effect نتيجة للممارسة البحثية الحالية وهى التى سوف “تعيد تسجيل تصنيفات السلالة وفق مجموعة كبيرة من الممارسات والمجالات العلمية”. إن التسميات السلالية للعينات المخزنة ومجموعات البيانات، والتى عرفها توتون من أيضا، يمكن أن تفضى إلى إضفاء الطابع المادي Reification على السلالة بما لديها من ملامح وراثية مميزة.

الاستعمارية البيولوجية والسكان الأصليون

ثمة جدل مثار حول الاستعمارية البيولوجية، تمارس فيه الدول المهيمنة فى العالم السيطرة على الموارد البيولوجية للآخرين. وقد اهتم بهذا الجدل والنقاش مجلس السكان الأصليين المعنى بالاستعمار البيولوجى (انظر www.ipcb.org/). فقد سلط هذا المجلس الضوء على القدر الهائل من الانتقادات التى تعرض لها مشروع تنوع الجينوم البشري وذلك بسبب تعامل المشروع مع السكان الأصليين بوصفهم مادة بحثية، دون استشارتهم، ودون اعتناء واحترام لحياتهم فضلاً عن تلك الانتقادات التى وجهت للمشروع بسبب فشله الذريع فى التصدى للكثير من القضايا الأخلاقية. هذا وقد وظفت دراسة التباين الجينى لأنماط بعينها من البشر المهاجرين فى أشكال مختلفة للطعن فى أحقية السكان الأصليين فى الأرض والموارد وتقرير المصير. فعلى مستوى العالم، قامت الدول بتوظيف نماذج الجينوم الأولية  Genomic Archytypes لتسوية مطالب الأسلاف والصراعات على الأراضي، كما هو الحال بين كل من سكان التبت والصينيين، والأرمن والأذر، وبين الصرب والكروات.

وتم تحديد مجموعه أخرى من الاهتمامات تضمنت  التمييز الجينى، والحرب البيولوجية الجينية. وهناك ما يشير الى عمليات الاستغلال الجينى للقيمة الاقتصادية لدماء السكان الأصليين، وقد أشير لذلك عبر سلسلة من طلبات براءات الاختراع نتجت عن هذا العمل.

كما تجرى دراسات أخرى تتضمن مشروع التصوير الجينى Genographic Project والذى يهدف لتأسيس قاعدة بيانات عن الحامض النووى للأنثروبولوجيا الوراثية، وتم هيكلة أخذ العينات من كل من شرق آسيا، الهند، الشرق الأوسط، أمريكا الشمالية، أوراسيا الشمالية، وأفريقيا جنوب الصحراء. ويزعم هذا المشروع أنه يسعى للمساعدة فى إعادة تنشيط السكان الأصليين والمشروعات الحضارية التقليدية مثل العمل على إنقاذ اللغات المهددة بالاندثار، وذلك خلال قيامه بجمع بيانات الحمض النووى من تلك المجموعات البشرية.

ومن هنا، فإن فوائد الأنثروبولوجية الجينية قد تتضمن تسليط الضوء علي الأصل المشترك، وزيادة الفهم لقضية الهجرة، وتأثير الحضارة على التباينات الجينية البشرية وأنماط التنوع الجيني وإمكانية استخدام ذلك فى مجال الأبحاث الطبية لانتاج لقاحات للأمراض الوراثية.

وقد أثيرت قضايا أخلاقية وغيرها من الموضوعات المثيرة للجدل تضمنت تجسيد المجموعات العرقية من خلال قاعدة بيانات التصنيفات الوراثية، وحقوق المشاركين من حيث القبول وملكية المواد الوراثية، وكيفية معالجة القرصنة الوراثية، وإيقاف الاستغلال الأجنبى للمواد الجينية البيولوجية من السكان الأصليين. وبمعرفتنا من وصل أولاً من أسلاف الشعوب إلى منطقة ما، ربما يؤثر ذلك على القرارات الحكومية المتعلقة بحقوق ملكية الأراضي. وهذا يثير على نطاق أوسع السؤال الأكبر، كيف تؤثر هذه الدراسات فى وجهات النظر عن السلالة، والعرقية، والأقليات داخل المجتمع الأكبر؟

ومؤخراً أعلن منتدى الأمم المتحدة الدائم لقضايا السكان الأصليين (UNPFII) عن توصيته بالإيقاف الفوري لمشروع الوصف الجينى وضرورة الحصول على استئذان السكان الأصليين فى الموافقة المسبقة والحرة لأية نشاطات جارية أو مخطط لها” وذلك بعد أن تم جمع عينات الحامض النووى لنحو 100.000 من السكان الأصليين علي مستوى العالم.

رسم خرائط للسلالات

هناك مشروع آخر اسمه “خريطة النمط الفردي The HapMapيتم فيه فهرسة المتغيرات الجينية المشتركة الموجودة فى الأجناس البشرية. ويصف هذا المشروع ماهية تلك المتغيرات، وأين توجد فى أحماضنا النووية، وكيف تتوزع فيما بين الناس داخل الشعوب، وبين الناس فى أجزاء مختلفة من العالم. وفيما يلى أحد الأمثلة المستخدمة فى تصنيف الشعوب المختلفة فى العالم فى عمل خرائط للنمط الفردي:

تصنيف الشعوب على أساس النمط الفردي

  • ألاسكاى: شعوب الإنيوت فى ألاسكا
  • أثابسكان : شعوب تتحدث اللغه الأثاباسكانيه فى غرب أمريكا الشمالية
  • هنود حمر: السكان الأصليون بشمال شرق أمريكا الشمالية
  • ساليشان: شعوب تتحدث الساليشية فى ساحل المحيط الهادئ بشمال غرب الولايات المتحدة
  • هنود حمر جنوبيون: السكان الأصليون بأمريكا الجنوبية
  • مستيزو: الأمريكيون الأصليون اختلطوا بالأوروبيين والأفارقة
  • عرب: شبه الجزيرة العربية
  • سكان آسيا الصغري: شرق البحر المتوسط والأناضول حتى حوض تاريم
  • شماليو أفريقيا: شمال أفريقيا
  • شماليو الهند: شمال الهند
  • جنوبيو الهند: جنوب الهند
  • سكان أفريقيا جنوب الصحراء: أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى
  • أوروبيون شرقيون: الأقليم الناطق باللغة السلافية بشرق أوروبا
  • باسك: الشعوب الناطقة بلغة الباسك بأوروبا الغربية
  • فينو أوجريان (الفنلنديون):الاقليم الناطق باللغة الأورالية بشمال شرق أوروبا
  • سكان بحر متوسط: الشعوب الناطقة باللغة الرومنسية بحنوب أوروبا
  • أوربيو الشمال الغربي: الشعوب الناطقة باللغات السلتية والجرمانية بشمال غرب أوروبا
  • أستراليون: سكان أستراليا الأصليين
  • صينيون: الإقليم الصينى بشرق آسيا
  • يابانيون: الأرخبيل اليابانى
  • بولونيزيون: الجزر البولنيزية
  • سكان جنوب شرق آسيا: جنوب شرق آسيا وأرخبيل الملايو
  • سكان التبت: جبال الهيمالايا وهضبة التبت

هذا وقد استخدمت البيانات الحديثة المستخرجه من النمط الفردي haplotype الدولي لترجح أن السلالات البشرية فى أجزاء مختلفة من العالم قد أصبحت أكثر تحديدا من الوجهة الوراثية، مع التعقيب بفقرة إضافية مفادها أن هذا الأمر يميل الى الانقلاب فى المستقبل حين تصبح الشعوب أكثر اختلاطاً. ولقد اضطلع بهذه الدراسة جون هواكس John Hawks عالم الأنثروبولوجيا من جامعة ويسكنسون، وصدر عنها تقرير فى وقائع أكاديمية العلوم الوطنية، واستخدمت علامات وراثية لأربعة مجموعات: شعب هان الصيني، اليابانيين، شعب يوروبا الأفريقي، وسكان شمال شرق أوروبا. وقد طرح فى دراسته أن الاختلافات التطورية تتسارع وقد أمكن التعرف علي ذلك فى حالات مثل، البشرة الأفتح والعيون الزرقاء فى شمالي أوروبا والمقاومة الجزئية للملاريا فى أفريقيا.

إن التمثيل الرمزي للشعوب بوصفهم أربعة سلالات لونية مختلفة قد تجسد فى تمثيلهم على هيئة أربعة نماذج بشرية عملاقة بلغ وزنها 38 طنا من البلاستيك وذلك فى استعراض افتتاح منافسات كأس العالم بباريس عام 1998. وقد منح هذا الأمر رسالة تذكير للمشاهدين عبر العالم عن الحالة الطبيعية عن تلك التصورات كما شاهدها الجمهور الضخم عبر محطات التليفزيون وهى تقعقع ببطء فى شوارع العاصمة الفرنسية.

الأسلاف العرقية والهوية

تم تسويق استخدام النماذج الفردية haplotypes، التى هى مجموعة من الأليلات Allels، بكونها طريقة لتكتشف بها سلفك السلالي وكذلك تظهر استمرار إضفاء الطابع المادي للسلالة فى تطبيقات الجينوم (انظر الإعلان الموجود بالأسفل عن الحامض النووى للأسلاف). إذ يظهر مشروع الأسلاف الأفريقي النداء العاطفي لمثل تلك التطبيقات.

الأصل الأفريقي: اقتفاء أثر جذور الحامض النووي

لقد أدرك دكتور ريك كيتلز Rick Kittles، وهو أمريكي من أصل أفريقى، أن الأساليب التقليدية للبحث فى أصل الأنساب بغرض اكتشاف شجرة عائلة المرء ليس بمقدورها أن توفر معلومات أكثر تحديدا من إطار القارة. وبوصفه عالما فى مجال علم الوراثة الجزيئية Molecular Genetic، فقد كان كيتلز فى موقع يمكنه من استخدام أحدث تقنيات الحامض النووى ليطرح سؤالا لم يكن متاحاً من قبل. فالعمل اليومى لكيتلز هو المشاركة فى إدارة المركز الوطنى للجينوم البشرى بجامعة هوارد بواشنطن. وبحثا عن المزيد من المعلومات عن أصل والدته فإنه قام بفحص الحمض النووي الموجود في الميتوكوندريا Mitochondrial DNA وهو الذى يعد نوعا خاصا من المادة الوراثية تورث حصريا فى خط الأم بشجرة عائلته. وبمعنى آخر، أن أصله لم يتغير تقريبا من أمهات أمهات أمه، بالرجوع إلى مئات من الأجيال. ومن وقت لآخر تحدث طفرات صغيرة فى الحامض النووى.

فالناس الذين يمتلكون نفس الطفرة لهم نفس الأم الأولي foremother  فى مكان ما فى أسلافهم، وللمقارنة فإن كيتلز قام بتجميع بيانات وراثية من دراسات منشورة وقام بجمع عينات من الحامض النووى من أفريقيا. فهو يقول: “إن الخط الأنثوى لى يعود إلي شمال نيجيريا، أرض قبيلة الهوسا” ولذا ذهبتُ إلى نيجيريا وتحدثت مع الناس وتعلمت القليل عن ثقافة وتقاليد الهوسا. مما أعطانى إحساسا عن من أكون. وبطريقة ما، فإن ذلك ردنى إلي جذورى. “ويقول كيتلز ضاحكا قابلت هناك اثنين من الناس يشبهون أبناء عمى. فهم يتصرفون مثلهم تماما!” وهو كغيره من عدد من علماء الجينات قرر فى نهاية الأمر أن ينطلق إلى تحقيق جانب ربحي يساعد الناس فى معرفة المزيد عن أنسابهم.

ويعد هيس His  أول من تخصص فى خدمة الشتات الأفريقي، فمقابل 349$ تقوم شركته بتتبع الخطوط الذكورية أو الأنثوية لاقتفاء أثر الأصول الإفريقية. فالخط الذكورى هو المسار الأدنى الذى اتخذه الاسم الذى تحمله، فالاختبار بغرض الوصول الى معرفة من أين جاء آباء والد والدك إنما يعتمد علي كرومزوم الذكورة Y وبذلك فإنه يطبق فقط فى حالة الرجال. أما النساء اللواتى يرغبن فى تتبع مسار موروث الخط الذكورى يمكنهم أن يكون لديهن قريب ذكر من جانب آبائهن يجرى عليه اختبار الكرموزوم Y.

هذا وترسل لك شركة “الأسلاف الأفريقية” من يحصل منك على العينة المطلوبة على توصيل الطلبات الليلية الى معمل الشركة. وهناك، ستخضع العينات للمقارنة مع الميزة التنافسية للأسلاف الأفريقية، أي قاعدة بيانات الأنساب الأفريقية الحصرية. ويتضمن هذا خريطة الحامض النووى لتسعة آلاف فرد أفريقي  من 82 مجموعة سكانية اختيروا عبر كل الأقاليم التى تعرضت لتجارة الرقيق عبر الأطلسي، من السنغال بشمال غرب أفريقيا حتى موزمبيق  بالجنوب الشرقي.

وقد فضل العديد من العملاء الاتصال العاطفي المباشر الذى شعروا به تجاه أفراد من السلف الذى توصلوا إليه عبر تلك العملية. فالأسلاف الأصليون لكل البشر ربما كانوا يعيشون فى القارة الأفريقية، إلا أنه منذ نهاية العصر الجليدى من 12.000 عام وصولاً حتى عصر الكشوف الجغرافية الذى بدأ فى القرن الخامس عشر، فقد كان هناك انعزال نسبي فصل بين كل من الأوروبيين والأفارقة بأفريقيا جنوب الصحراء. وخلال تلك الآلاف من السنوات، ظهرت بعض العلامات الوراثية المنفصلة بكل قارة. لذلك، فإن علماء الوراثة ليست لديهم مشكلة كبيرة فى تمييز الأسلاف الأفريقية والأوروبية.

ويمكن لاختبار الكرموزوم الذى قدمه كيتلز أن يطرح قضية ربما تكون حساسة لبعض العملاء الذين يرغبون فى أن يكونوا على اتصال بأسلاف أبائهم  الأفارقة. فالاختبار قد يكشف عن أسلاف بيض بدلا من ذلك.  ويمكن لهذا أن ينقطع اذا كان لأحدهم سلف أنثوى أسود. والسؤال الآن ما مقدار شيوع ذلك؟ وفقاً لشريفر Shriver ، فإنه من أولائك الآلاف العديدة الذين درسهم ممن يعرفون أنفسهم بأنهم أمريكيين من أصل أفريقي، فإن نحو 90% منهم على الأقل ذوي أصول وراثية نصفها أسود. وفى المتوسط فإن ما بين 82 إلى 83% من الجينات التى وجدت فى الأمريكيين من أصل أفريقي كانت فى الواقع من أفريقيا. ومع ذلك فيظل الأمر غير المتسق هنا هو أن اختبار الكرموزوم Y  يجد سلفا أوربيا.

وقد لاحظ كيتلس أن نحو 30% من كرموزومات Y للأمريكيين الأفارقة توجد أصولها فى أوروبا، ولدى كيتلس نفسه كروموزومY  الشائع فى ألمانيا، وليس فى أفريقيا. وفى ذلك يقول كيتلز: “لقد أخبرنى أبي لوقت طويل أن لي سلف أبيض فى خطنا الأبوي، لذلك فقد أكد الاختبار أن هذا السلف يعود إلي ألمانيا ” وعلي النقيض من ذلك فإن نحو 5 % فقط من الأمريكيين ذوى الأصول الأفريقية يأتى الحامض النووي الميتوكوندريي الخاص بهم من أوروبا، مما جعل اختبار خط الأمهات رهانا أكثر رسوخاً وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بأصولهم السوداء.

على هذا النحو بدت الإمكانات المثيرة لمراجعة كل من السلالة والأصل السلالي وما يتعلق بفهم أفضل للأنساب واعدة بأبحاث وراثية معاصرة كمؤشرات فى مشروع الأسلاف الأفريقي، واستخداماتها فى  البرنامج الحوارى الذى تقدمه المذيعة السوداء الشهيرة أوبرا وينفرى Oprah Winfery ” لتوصيلها بقبيلتها  فى ليبريا.

وقد اتبع منهج مماثل لاقتفاء أثر أسلاف الأمريكيين الأصليين عبر علماء جينات يسوّقون لاختبار تحديد العلاقات القبلية وهوية الأمريكي الأصلي. وقد نال ذلك نصيبا كبيراً من الجدل. وقد زاد التظاهر بالعضوية القبلية بشكل واضح مع احتمال توزيع أموال كبيرة بين أبناء العمومة المنتمين لبعض القبائل في الولايات المتحدة. وقد وصف حسم الجدل بشأن تلك الإدعاءات بأنه “هدف زائف ومستحيل” فإعطاء تلك العضوية القبلية هو حالة سياسية وهو أيضا نتاج للمزج بين السكان.

فحتى الآن لم يتم الاعتراف بأية قبيلة فى أمريكا الشمالية بالنظر الى اختبار الحامض النووى كدليل على الانتماء للقبيلة، وتستند الشرعية الأكبر علي أسماء الأجداد المستخدمة فى تعداد سكان الأمريكيين الأصليين.

العلم السلالي والجريمة

تتمثل أكثر التطورات أهمية فى علم الجريمة  فى تدشين قاعدة بيانات قومية لعينات الحامض النووى. فقاعدة البيانات القومية الخاصة بعينات الحامض النووى بكل من انجلترا وويلز تضم 2.3 مليون عينة من الأفراد، و230.000 عينة من آثار مشهد الجريمة، وهو الانجاز الأكبر والأكثر نجاحاً على مستوى العالم. وتعتمد الطريقة المنهجية لبصمات الحامض النووى علي تحليل أنماط توارد العينات المتكررة للحامض النووى للأطوال الموجية المختلفة، والتى تختلف من فرد لآخر. وتم اليوم تطوير طرق أكثر تعقيدا للتحليل الجينى تستخدم أنماطاً أخرى من تكرارات  الحامض  النووى. هذه الأنماط قد ترتبط بجنس الفرد (الكرموزوم Y فى حالات تهمة الاغتصاب) أو بأنسابهم العرقية المختلطة، أو بإلحاح أكثر، السمات البدنية (النمط الظاهرى). وهنا يمكن استخدام الحامض النووي الميتوكوندريي الذى يورث من قبل الأم فى عينات منخفضة جدا من الحامض النووى. وهناك تقنية أخرى، نالت اهتماما متزايدا، تقوم على التعدد الشكلي لأحد النيوكليوتيدات Polymorphisms  Single Nucleotide (SNP تنطق “SNIP”)

ويمكن حين يتغير أساس واحد فى سلسلة الحامض النووى أن يتم تمثيله خرائطياً ومقارنة التباينات بين الأفراد. مرة ثانية فإن هذه الطريقة تناسب العينات ذات المستوى المنخفض. وقد مثل التعدد الشكلي لأحد النيوكليوتيدات خرائطياً باستخدام قواعد بيانات الحامض النووى المتوفرة لدى أجهزة الشرطة، وهى نفسها التى يجد فيها رجال الشرطة أدلة تعكس الطبقة، الجنس، والتحيز العنصري، وتولد علاقات ارتباطية بين كل من السمات الجينية والأنماط المختلفة من المجرمين (Carter 2007) وهذا بدوره يؤدى إلى مناقشات جدليه حول الأمن العام، وعن إمكانية الحد من الجريمة والأفكار الخاصة بـ”المشتبه بهم” التى تسود الممارسات الروتينية للشرطة.

التصنيف والهوية والتسمية

يعد بناء وتحديد الهوية ملمحاً رئيساً للحياة الإنسانية وتطور استراتيجيات مركبة لنعلم من نحن، وقد شهد هذا تعريفاً واضحاً فى علم الجينات المعاصر. إن التأكيد على من نكون نحن، والتعريف الذاتى الارتدادي، يمكن النظر إليه على أنه “مظهر عالمي لكينونة البشرية” (Jenkins 2004). فقد لقيت التصنيفات الخارجية لكل من السلالة والانتماء العرقي اهتماما مختلفا من قبل الدول
والبيروقراطيات والعلماء ممن سعوا لإيجاد نظام للعمليات القائمة بين الذوات الداخلية للهوية الإنسانية.

لقد كان التأكيد على “الهوية السياسية” كثيرا ما يثير كثير من الاهتمام بقضايا الصراع السلالي والانتماء العرقي، ومن هنا تأتى أهمية الطرق الدقيقة التى تأسست وعبئت من خلالها كل من الهويات السلالية والعرقية والقومية.

كما أنه فى صنع السلالة فى العالم الحديث فإن مراجعة وتقييم ما هو مطروح من تصنيف مفتعل غالبا ما يمثل دفعة نبض واضحة فى نبضات معارضة ومقاومة السياق العام. وقد أصبح التأكيد على الاشتراك فى الإنسانية أمراً رئيسيا فى كل من الكفاح ضد العبودية ومعارضة الترتيب الهرمى السلالي فى العلم.

الإصرار على التصنيف السلالي

تستخدم الأنثروبولوجيا الوراثية حاليا للإجابة عن السؤال “من أين جئنا وكيف وصلنا الى هنا” ويشير دليل الحامض النووى الى أن كل البشر يشتركون فى سلف أنثوى لأم عاشت فى أفريقيا منذ نحو 140.000سنة، وأن كل الرجال يشتركون فى سلف ذكورى لأب عاش فى أفريقيا منذ  60.000 سنة، وأن ذلك أيضاً قد فصل أنواعا ثانوية (سلالات) قابلة للتصنيف لا توجد داخل الأجناس البشرية الحديثة (Human Genome Project 2007).

وقد جعل التدفق الجينى للمجموعات البشرية وتشابهها عبر الأنواع البشرية من عمليات التصنيف والقياس العرقي أمراً محل شك. وعلى أية حال فإن الخطوط الإرشادية التى طرحتها الهيئة البريطانية لاستخدام التصنيفات السلالية والانتماءات العرقية ESRC  تفرض علينا ضرورة تطوير إجراءات تحدد للعلماء مدى تطبيق واتخاذ القرار بشأن استخدام تلك التصنيفات. وفى هذا الصدد طُرحت اقتراحات ترى أنه يمكن استخدام التصنيفات السلالية والانتماءات العرقية فى ظل ثلاثة شروط. أولا، حين يكون ممكنا إجراء قياسات  لتصنيفات سلالية/عرقية موثوق فيها، وذلك عندما يكون ممكنا تنقية التصنيفات والمجتمع المأخوذ منه العينة. ثانياً، حين تكون السلالة/الانتماء العرقي محل استخدام لتقييم الخطر أو تأثير التمييز العنصري، وذلك عندما تكون السلالة/الانتماء العرقي الممثل الموثوق فيه بالنسبة للمتغيرات الأخرى محل الاهتمام، وعندما لا يكون هناك متغيرات أخرى كثيرة موثوق بها، أو أن تكون تلك المتغيرات أقل استمرارية وتمثيلاً من السلالة/الانتماء العرقي القابل للقياس. وثالثا عندما تفوق فوائد استخدام السلالة/الانتماء العرقي أية سلبيات. واتسم مثل هذا المنهج بأنه “استسلام للإشكالية العلمية الاختزالية” بينما تم تصميم القضايا القيمية والأخلاقية عبر نظام من الإجراءات المؤسسية (St Louis 2005).

تصنيف غجر الروما

لا تتسم كل من الهويات والتصنيفات السلالية والعرقية بالثبات، إذ أن تلك التصنيفات هى نتاج لأحداث تاريخية وصراعات بعينها، ولتعريفات ملتبسة، والانتماءات، وترسيم الحدود، والتخيل وكذلك نتيجة لأشكال من التنظيم.

إن السؤال “من هو الأفريقي” يبدو أنه قد لاقى إجابة قاطعة عبر الجينات: نحن جميعاً ذوى أصول إفريقية. وعلى أية حال فإن السؤال عن ماهية الأمريكى ذو الأصل الأفريقي أو البريطاني الأسود يمكن أن يجد صياغة أفضل من خلال مجموعة من الظروف الحديثة فى عمرها التاريخي. وفى حالات كثيرة، فإن كلاً من السلالة والانتماء العرقي والأمة تجمعها مكونات مشتركة، تكمن فى سعيهم جميعا إلى الوقوف على أصل الإنسان (Fenton 2003) وقد تم فى الفصل الأول مناقشة العداء للغجر، ولكن من هم الغجر ولماذا يستخدم المصطلح فى الوقت الراهن للإشارة الى أكبر الأقليات عدداً وأكثرها اضطهادا في أوربا؟

من هم غجر الروما؟

هناك ثلاثة أشكال متنافسة لفهم واستيعاب هوية غجر الروما، عالجتها مؤخرا دراسة (Vemeersch 2006) فأولاً هناك الشتات التاريخى، والتأكيد على وحدة الأصل والنسب لمجموعة من الناس من الطبقة العسكرية فى الهند يشتركون فى لغة روماوية، ويتناثرون الآن عبر القارة الأوروبية. وفى هذا الصدد ثمة “تلفيق متعمد” من الباحثين فى شئون الغجر، والعلماء النازيين والأكاديميين المعاصرين ممن اعترضوا على الأصول المجلوبة المختلطة لغجر الروما (Oakley 1983،Vermeersch:14)

ثانياً: هناك من جادل بأنه يمكن التعرف على الغجر عبر نمط حياتهم الذى يتسم بالميل للسفر والترحال، وكونهم مهمشين فى السياقات القومية بالدول التى يعيشون فيها وأن لهم عادات خاصة وموسيقى تقليدية. غير أن ذلك مردود عليه بأن الحركة والهجرة  تميز البشرية جميعا كما أن معظم الغجر بوسط أوروبا يعيشون فى جماعات مستقرة أكثر منها مرتحله.

ثالثاً: يرى آخرون  أن الغجر مترابطين من الناحية الوراثية وأنهم ذوى قرابة من الناحية  البيولوجية. ومؤخراً شهدت بلدة نورويتش  Norwich بالمملكة المتحدة حالة وثيقة الصلة بالموضوع الأخير، حيث جرت محاولات للتعرف على الجينات الغجرية التى ربما تمثل مصدرا للعلم فى وضع أنماط حاكمة للأصول البشرية.

الخبراء يتوصلون لحامض نووى نادر

أدى الكشف الحديث عن الحامض النووى الغجرى فى هيكل عظمي لشخص أنجلو ساكسونى  إلى دفع الخبراء لإعادة التفكير فى طبيعة سكان المستوطنين الأوائل بمدينة نورويتش. فالخبراء من وحدة نورفولك  Norfolk الأركيولوجية والتى تتخذ من قلعة نوروتش مقراً لها اكتشفوا شكلاً نادراً من الحامض النووي الميتوكوندريي، والذى تم ارجاعة لأصل غجرى، وذلك فى كشف لهيكل عظمى خلال عمليات التنقيب فى منطقة واسعة فى نورويتش أثناء عملية توسعة المركز التجارى القديم للقلعة. فالحامض النووى الذى تم العثور عليه كان بهيكل عظمى لرجل يافع يعود للقرن الحادى عشر. ومع تحديد زمن وصول هذا الجين الغجرى إلى تلك المنطقة أصبحت 500 سنه من التاريخ الحديث فى حاجة لإعادة التفكير فى الخليط العرقي للسكان الأوائل الذين عاشوا بالمدينة. وتمثل عملية استخلاص الحامض النووى من العظام أمراً غاية فى التعقيد تشمل نقل الحامض النووى من لب الأسنان الذى تحتفظ به مينا الأسنان الصلبة. وهذه الأشكال من أشكال الحامض النووى الميتوكوندرية قد مرت عبر الخط الأنثوى وأن الجين الذى تم تحديده يوجد فقط فى أحفاد الغجريين. ووفقاً لتسجيلات الحامض النووى، فإن أول جين غجرى تم تسجيله قد وجد فى انجلترا وكان ذلك فى القرن السادس عشر.  (Norwich City Council Sarah Morkey 12 May 2006).

وبخصوص تحديد عدد السكان الغجر فإن هناك اختلافات كبيرة بين التقديرات وأرقام التعداد وبين التقديرات الذاتية للأصل العرقي والتقديرات التصنيفية الخارجية من ناحيه ثانية. ورغم الاختلافات الكبيرة للهوية الغجرية والتصنيف الغجري، هناك اتفاق على بناء هوية للمجموعة الغجرية من نطاق واسع من مجموعات ذات هويات مختلفة عبر القارة الأوروبية.

وهناك العديد من المجموعات المميزة مثل الجيبسى Gypsie والتسيجانى Tsigane  وأسماء لمجموعات فرعية مثل فلاتش Vclah، وسنتو Sinto، وكالارادش Kalderash، وبياش Beash (Vermeesh 2006). وفى سلوفاكيا فإن بعض المدارس تعزل الأطفال، مقسمة إياهم الى “السود”(أى غجر الروما) و”البيض” من غير الغجر. (Guardian2007) ويواجه الحشد السياسي لهذه المجموعات عبر أوروبا وتصنيفها جميعا فى فئه “الغجر” اعتراضات جمة فى أوساط المجتمعات المختلفة كاستجابة لشيوع أنماط الاستبعاد والعنف والعزل. وقد حققت هذه الاعتراضات نجاحاً متزايدا فى نيل الاعتراف والتدخل، وسيما على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي وحكومات دوله فى تطوير البرامج الخاصة بالغجر استجابة لتلك المطالب الداعية إلى وقف التمييز، وهو ما قد يوفر فرصة للتحسين المادى لهذ المجموعة، ولكنها بالتأكيد سوف تؤدى بالمثل إلى صياغة نظم مؤسسية وتصنيفيىة أكبر  للهوية  الغجرية (أنظر مناقشة أكثر تفصيلاً فى الفصل السابع) وفي هذا الصدد ثمة أهمية لقضايا الهوية والتصنيف والمسميات، والتى تمثل بدورها عناصر محورية فى الكفاح من أجل نيل الحقوق الأساسية لغجر الروما.

تصنيف السكان الأصليين

بالتوازى مع بزوغ الغجر بوصفهم هوية سياسية أوروبية، كان بزوغ مفهوم “السكان الأصليين” بوصفهم هوية جماعية عالمية وفئة معترف بها قانونياً من خلال منظمة العمل الدولية والأمم المتحدة (Niezen 2003). فمطالب هذه الشعوب من أجل الاعتراف الدولي بهم كضحايا لكل من العنصرية والاستعمارية والعولمة قد تأكدت من الناحية الرسمية فى المؤتمر الدولى لمناهضة العنصرية في جنوب أفريقيا فى عام 2001.

ولكن ما هى تلك المجموعات من السكان الأصليين وكيف بنيت وصنفت وتشكلت هويتها، فأصالة السكان Indigenism هى اصطلاح استخدمه نيازن Niezen (2003) لوصف الحركة الدولية التى سعت لتعزيز حقوق “أول شعوب” العالم. إذ قدر أن نحو ثلاثة ملايين من البشر من مجتمعات عدة مختلفة عاشوا فى “أماكن برية” وغالباً ما كان يشار إليهم سابقا باسم “البدائين. وكما ذكر سابقاُ وأخذا فى الاعتبار نمط الهجرة والاستيطان المتنقل، والقواسم الوراثية المشتركة، فإن المناداة بوضع مميز لـ ” الشعوب الأولى ” فى بقعة مكانية بعينها قد أصبح عرضه للشك والجدال.

وتتسم فكرة ما هو بدائى أو برى بتغير كبير عبر سياقات جغرافية واجتماعية مختلفة. وعلى الرغم من هذا، فإنه بالنسبة لهذه المجموعة من البشر، فإن الأفكار الخاصة بـ”السلف الذى لم ينقطع” والارتباط النفسي بالأرض يتزامن مع الهويات التاريخية الذى اشتق من خبرات السياسات المعادية التى عانتها تلك الجماعات على أيدى المستعمرين خاصه من خلال “الإبادة الجماعية الرسمية، والاستيطان الإجبارى، والتهجير، والتهميش السياسي، والجهود الرسمية للتدمير الثقافي”(Niezen 2003:5) كما أن تحديد هوية هذه المجموعات بالإشارة إلي نمط الحياة “التقليدية” وأنماط من النشاط الاقتصادى هو أيضاً أمر غير مرض على الإطلاق، حيث أن السكان الأصليين يبتعدون عن تلك المجالات “التقليدية” بينما لا يتوقفون عن المطالبة بالهوية الأصلية. ولقد قدم خوسية كوبورJose Martinez Cobo وهو المقرر الخاص للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تعريفا شهيراً عن عناصر تمييز السكان الأصليين وأهميتها ذهب فيه إلى ما يلى:

إن مجتمعات الشعوب الأصلية هي تلك التي لديها استمرارية تاريخية بمجتمعات ما قبل الغزو والاحتلال، ويعتبرون أنفسهم مميزين عن قطاعات أخرى (وافدة) من المجتمع تسيطر حاليا على أراضيهم أو أجزاء منها. ويشكلون فى الوقت الراهن قطاعات غير مهيمنة في المجتمع، وهم مصممون على الحفاظ على هويتهم وتطويرها وتوصيلها لأجيال المستقبل وأن يسلموا هذه الأجيال أراضي أسلافهم فضلاً عن هويتهم العرقية، كقاعدة لاستمرار وجودهم كشعوب بموجب أنماطهم الحضارية التى تخصهم وكذلك المؤسسات الاجتماعية والنظم القانونية التى تربط وجودهم.

هذا وينظر مبدئيا إلي هوية الانتماء العرقي على أنها تخص من لديهم هموم مشتركة، وبصفة خاصة أفكار على شاكلة: الوطن المشترك، الثقافة، والذاكرة التاريخية الجمعية. فمجموعة السكان الأصليين لا يقصد بها مجرد هوية عرقية، فهى فئة متجمعة  للعديد من الناس الذين يشتركون فى معاناة أحداث تاريخية متشابهة من الظلم والاستغلال. ومن ثم فأصاله السكان ليست مجرد وطن أو ثقافة أو مجرد الاحتفاظ بسمات مميزة الى حد كبير فى نمط الأزياء، والأساطير، واللغة. فعلي سبيل المثال، فإن مثل هذه الاختلافات توجد بين الطوارق بشمال أفريقيا وجماعات الكري Crees بشمال كندا، والساميsami  بفنلندا والهيريرو Herero بناميبيا، وكل منها يطالب بهوية مشتركة للسكان الأصليين.

الهوية والتصنيف والتسمية فى جواتيمالا

ينحدر السكان الأصليون فى جواتيمالا من نسل أصحاب الأرض قبل وصول الاحتلال الأسباني، ولاسيما تلك المجموعات التى تنحدر من حضارة المايا وشعوب الزنكا Xinca. فجماعات جاريفونا Garifuna  السوداء بجواتيمالا غالبا ما ينظر إليها على أنها تنتمي إلى جماعات “السكان الأصليين”، وينظر إلى هذه الشعوب غير البيضاء وغير المهيمنة بعين الاعتبار فى قضايا البحث عن الهوية. وقد حظيت مهمة إيجاد معايير “موضوعية”  تسمح للمرء بإعطاء هوية السكان الأصلين باهتمام كبير من الباحثين والمؤسسات التى تقوم بإجراء التعداد على حد سواء. ومن المهم أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين من علامات الثقافية الحضارية للهوية فى جواتيمالا، ارتداء أزياء السكان الأصليين، والتحدث بلغة السكان الأصليين. هاتان العلامتان تستخدمان منذ فترة طويلة للانتساب الى هوية الانتماء العرقي، وكان ذلك يتضمن فى التعداد الرسمي للسكان.

ولدرجة ما، لا تزال هاتان العلامتان من علامات الهوية، بمعنى أن الأفراد الذين يرتدون  الثياب التقليدية للسكان الأصليين، وأولئك الذين تمثل لغة السكان الأصليين لغتهم الأولي فإنهم فى كثير من الأحيان  يمنحون أنفسهم هوية السكان الأصليين، بينما العكس ليس صحيحاً؛ فالأفراد الذين توقفوا عن التحدث بلغات السكان الأصليين، أو توقفوا عن إرتداء الملابس التقليدية، ما يزالون مع ذلك يعتبرون أنفسهم من السكان الأصليين.

فالقليل بل والنادر من السكان الأصليين (ولاسيما الرجال) ما يزال يرتدي ملابس السكان الأصليين التقليدية بصورة يومية، على الأقل بسبب التكاليف الباهظة التى يتكبدونها فى توفير هذه النوعيات من الملابس. وبصورة مشابهة، فاللغة أمر مهم بالنسبة للهوية الثقافية للسكان الأصليين إلا أن فقد لغة السكان الأصليين لا تقود بالضرورة الى فقد هوية السكان الأصليين.

وتشمل “مجموعات السكان الأصليين” من شعب المايا أطيافا متنوعة تختلف فى أصولها اللغوية ويميل سكانها الى التركز فى مناطق جغرافية بعينها. فالمجموعات العرقية /اللغوية الأصلية بجواتيمالا (ويقصد بها تلك المجموعات الرئيسية التى ينتمي إليها 100 ألف نسمة من السكان فأكثر) تشمل لغة الكيتشى K’ichee (يتحدث بها أكثر من مليون نسمة)  ولغة مان Man (نحو ثلاثة أرباع مليون ناطق بها) ولغة كالكتشكل Kaklchikel (أكثر من 400.000 متحدث بها) ولغة كيكتشي Q’eqchi (نحو 400.000 ناطق بها). ومن ثم فإنه من الضرورى الاعتراف بالتماسك الذى يجمع “السكان الأصليين” فضلاً عن هوية المايا Mayan التى ترتبط جذريا بالتاريخ المشترك ومستوى الصلات الثقافية، وأيضاَ التنوع داخل فئة السكان الأصليين التى تحول دون تكون حركة اتحادية وقيادية مبنية على كينونة السكان الأصليين.

وعلاوة على الجماعات السابقة، هناك فئة لادينو ladino وهى أيضاً جماعة مركبة، وقد تغير معنى كلمة لادينو بشدة منذ القرن التاسع عشر. فحتى ذلك الوقت كانت فئة لادينو مرتبطة بالمولدين المستيزو (نتاج اختلاط الأجداد من الهنود والأسبان) ومن ثم كان التعريف ذو نغمات عرقية خفيه. وباتجاه نهاية القرن التاسع عشر، بدأت جماعة لادينو بالتدريج “تستوعب” سكان أصليين من أولئك الذين تبنوا ارتداء الأزياء الغربية وتحدث اللغة الأسبانية. وكان هذا الأمر الأخير يعكس حقيقة مفادها أن بلوغ السكان الأصليين رتبة اللادينو لم يكن أمراً سهلا بالنسبة للكثيرين، ولكنه يفترض الوصول الى اللغة (الأسبانية) أو التعليم  مع درجة من التفاعل مع عالم اللادينو. وبمرور الزمن فإن معنى “لادينو” قد تطور تدريجيا من كونه مفهوم عرقي إلى مفهوم جديد يستند على الطبقة وعلى مشاعر مناهضة السكان الأصليين. ولكى تكون من اللادينو اليوم فإن ذلك يعنى هو ألا تكون لك هوية “غير أصلية”.

فالمجموعات التى كان يسهل تمييزها عن كل من المستيزو والسكان الأصليين كما هو الحال بالنسبة لجماعة نخبة الكريللو Criollo البيضاء (المنحدرين من أصل أوربي أبيض) لا تستند الآن على مقاييس عرقية إلا بالكاد. فهذه المجموعة،التى لا تفضل أن تحدد هويتها الذاتية على أنها لادينو، تسعي لأن توصف تلقائيا بهوية تعود إلى واقع منزلتهم التى لا تنتمى إلى السكان الأصليين.

وعلى أية حال فإنه ينبغي الإشارة إلى أنه خلال العقد الماضي ظهرت تصدعات مهمة فى النموذج الجواتيمالي ثنائي القطب. فالعديد من حركات ومنظمات السكان الأصليين قد أقصت نفسها بعيداً عن فئة السكان الأصليين بتضميناتها الانتقاصية والاستعمارية، واختارت بدلاً عن ذلك الانتساب إلى فئة المايا الأكثر إيجابية. وعلى الجانب الآخر فإن العديد من الأفراد لا يشعرون بالراحة كثيراً بالإنتساب إلى شعار “لادينو” إذ يرون أن ذلك يرتبط بتضمينات سلبية تتصل بالعنصرية والعنف والاستغلال، ويختارون بديلاً عن ذلك فئة المستيزو الأكثر إيجابية. فالمظهر البدنى، ولون البشرة، وإقليم الأصول الثقافة، والطبقة، ونمط الحياة، تلعب كلها دوراً فى عمليات تعريف الهوية الذاتية.

بيت الجغرافيا