مستقبل ما بعد العنصرية

مستقبل ما بعد العنصرية

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل التاسع من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

يتناول هذا الفصل محاولات تجاوز العنصرية والإثنية نحو ما بعد العنصرية وما بعد الإثنية. وينطلق من حدث مركزي هام في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو انتخاب رئيس أمريكي أسود. وهو الحدث الذي اعتبره البعض مرحلة لتجاوز العنصرية العرقية والإثنية. ويشير هذا الفصل إلى التشكيك في تلك المصطلحات. فانتخاب رئيس أمريكي أسود لم يمنع أحداث العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولم يقض على الصراعات الإثنية والعرقية عبر العالم. ويسمح الفصل للقارئ بأن يتبنى موقفه الخاص لتلك المفاهيم التي قد تثار حولها العديد من الشكوك. ويبدو أننا لن نتجاوز أبدًا مفاهيم العرقية والعنصرية رغم أنها مفاهيم ليست طبيعية ولا أولية.

ويشير الفصل كذلك إلى القائمة التي تضم أعلى عشرين دولة تتعرض فيها الأقليات لخطر التهديد. ويركز على حالتين من العشرين حالة، وهما: الصومال وميانمار (بورما). وتتعرض الأقليات في هاتين الدولتين لأشد حالات التنكيل العرقي والإثني. وتبدو الصورة القاتمة التي يعرضها هذا الفصل عن وضع الأقليات في هاتين الدولتين حائلاً أمام أدنى تفاؤل ممكن تجاه عالم ما بعد عرقي وما بعد عنصري.

والسؤال الآن كيف يمكن لنا أن نفهم العرقية والإثنية في عالم “ما بعد الحقوق المدنية”، عالم “ما بعد التمييز العرقي”، و”ما بعد الاستعمار”، و”ما بعد القومية”، و”ما بعد العنصرية”؟

ما بعد التفكير Post-thinking

هناك نقاش متزايد داخل أوساط السياسة الدولية والعلوم الاجتماعية حول النطاق الذي نتحرك فيه نحو عالم “ما بعد عنصري Post – racial” جديد. فانتخاب رئيس أمريكي أسود، وزيادة التعقيدات في تعبئة الهويات، وتسارع عمليات الهجرة، وخلق مجتمعات شديدة التباين والاختلاف، يُنظر إليها جميعها على أنها تغيرات عالمية في الديناميات العرقية والإثنية.

وقد “قدم سانت لويس 2002 St Louis ” دراسة مبكرة استشرف فيها آفاق علم اجتماع ما بعد عرقي، وسياسة ما بعد عنصرية. وركز في دراسته على شخصيتين أساسيتين على طرفي نقيض فيما يتعلق بهذا الشأن، وهما “ديفيد جولدبرج David Goldberg” (2002 – 2008، وراجع أيضًا الفصل الخامس)، و”بول جيلروي Paul Gilroy” (2000- 2004). فمن ناحية، أكد جولدبرج على أن مفهوم “العرق” يظل “محدد وصفي أولي” توصف به الأفراد والجماعات، وأنه يُستخدم لإضفاء الشرعية على ممارسات التمييز العرقي والتهميش والعنف. ومن ناحية أخرى، أكد “جيلروي” أن “العرق” ليست له أية أسس بيولوجية، وأن تلك الفكرة السخيفة يجب القضاء عليها تمامًا. وأكد على أن العلوم الاجتماعية يجب أن تعمل دون ذلك التكريس السهل لأشكال العنصرية في عمليات الوصف والتفسير، وأن “ما بعد العرقية” يجب أن تفسح مجالاً لإنسانية كلية وشاملة (St Louis, 2002). ولابد من ابتكار أنماط أخرى من التفكير وتنظيم المواقف بعيدًا عن المقولات والتصنيفات العرقية الحالية. ورغم أن كلا الموقفين متعارضان، إلا أن كليهما يهدف إلى نقد الاعتراف الأصيل بالعرقية والإثنية في عالمنا المعاصر.

وقد قدمنا ازدواجية مفهوم “العرق” وصياغاته في أنساق واستراتيجيات الهيمنة في الفصل الأول من هذه الدراسة. وأكدنا على أن الأفكار عن “العرق” قد اتخذت العديد من الصياغات المختلفة في مواضع مختلفة. وقد تم استخدام تلك الأفكار لتعزيز سبل الهيمنة والسيطرة الأمبريالية، وأيضًا في سبيل تعزيز سرديات التحرير والتحرر. وقد تعرضنا للتطور الذي حدث في مجال الدراسات عن “العرق”. وتعرضنا كذلك لأصول العنصرية وأسلافها الاصطلاحية، والتمييزات المدركة بين الجماعات البشرية. وأشرنا كذلك للمصادر المبكرة لما قبل الرأسمالية والتراث الفكري وسياقات التفكير العنصري، والتي تشمل جميعها أشكالاً مختلفة من التصنيفات العنصرية من قبيل الأبيض، والأسود، والأصفر، والإسلامي، والسامي، والغجري. وتناولنا هذا في الشرق (الصين واليابان على سبيل المثال)، وفي الغرب أيضًا على حد سواء. ووضحنا الروابط الأساسية بين الاستعمار والتطهير العرقي والرأسمالية التجارية والعبودية الزراعية. وأشرنا إلى التداخل بين كل من العنصرية، والتوسع الإمبريالي، وظهور مفهوم الدول القومية، وصياغة الحداثة العنصرية، ومخططات التطهير العرقي في إفريقيا واستراليا. ولقد ساعدت القوى المتنامية لمفهوم “العرق” في تعبئة الجماعات في سياقات مختلفة من الكفاح والمقاومة في سبيل التحرر أو التحرر، ويشمل ذلك حركات معارضة العبودية، و”القومية الإفريقية African nationalism”، وحركة “وحدة الأفارقة Pan Africanism”، و”الحركة الزنجية Negritude”. وقد لعبت إسهامات كل من “إدوارد بلايدين Edward Blyden”، و”وليم إدوارد دي بويه W.E.B. Du Bois”، و”فرانتز فانون Frantz Fanon” دورًا أساسيًا في هذه النقاشات.

وتتضمن الأسس والخلفيات التاريخية لمفهوم “العرق” تعقيدات بالغة، وتتضمن كذلك كونه ملهم أو باعث لعنف العامة ومقاومتهم أيضًا على حد سواء. ولذلك فإن تجاوز مفهوم العرق يتضمن رفض سرديات تحرر الهوية السوداء على سبيل المثال، ورفض أشكال أخرى عديدة مناهضة للعنصرية، مع تحول أوسع نحو سرديات حقوق الإنسان بشكل عام.

وقد مثلت سلسلة الأفكار الفلسفية والنظريات المستمرة التي نجدها في أعمال أكاديميين من أمثال “هومي بهابها Homi Bhabha” و”جوديث بوتلر Judith Butler” و”جاك دريدا” و”بول جليروي” دلالة جديدة على ظهور نمط ما بعد العنصرية (Nayak 2006). ويكون التركيز الأساسي في تلك النظريات والأفكار على لغة التداخل العرقي وعلى تجاوز القوميات كوسائل لفهم الطبيعة المتغيرة للوجود العرقي ما بعد الاستعماري. وهي لغة تحجب جذور العنصرية عن دون قصد. وتضعف بشكل جذري من رسوخ العنصرية وتجذرها في الحياة الاجتماعية اليومية في عالمنا المعاصر (Lentin 2004: 315, Huggan and Law 2009). وقد أدى الخلط بين “عنصرية ما بعد الاستعمار” و”ما بعد العنصرية” إلى معارضة شديدة من جانب الكثيرين على نحو ما ترى عالمة الاجتماع “آلانا لينتين” وآخرون غيرها. وقد لفتت الانتقادات الانتباه إلى ضرورة إعطاء أهمية كافية للظروف المادية التي تحيط بالعنصريين سواء في الماضي أو الحاضر. ووفقًا لـ”لينتين” فإنه قد تم التعامل مع هذه الظروف على أكمل وجه في عمل المفكرين المبكرين المناهضين لحركة الاستعمار بداية من “فرانتز فانون” الذي عانى شخصيًا من واقع كونه أسود البشرة، وحتى التحليلات الرائعة لـ “إيمي سيزار Aimé Cesaire” عن الماكينة العنصرية لأنظمة الحكم الإمبريالية والاستعمارية (Lentin 2004: 316—17; see Chapter 1). وفي دراسة أكثر تجريبية، قام الاتحاد الأفريقي عام 2003 م بدراسة تصورات وخبرات الأطفال الذين ينشئون في عائلات مختلطة الأعراق ومتداخلة الإثنيات. وأكدت الدراسة على ضرورة التفكير فيما بعد العرقية (كبديل لما بعد العنصرية)، وأكدت كذلك على ضرورة إدراك الاختلاط العرقي والزعم بهويات مختلطة.

وينطوي ما بعد التفكير على كارثة تلي أو تحل محل العلاقات والأيديولوجيات السابقة. ولنا أن نسأل، متى بدأت ما بعد العنصرية؟ يمكن القول أن تحدي الفاشية الألمانية، والانحلال التدريجي للاستعمارية الأوربية، وبيان بطلان الصيغ العلمية والهيراركية (التراتبية) للتبريرات العنصرية، كلها كان لها تأثير كبير على طبيعة العنصرية ذاتها. وكما أكد “ميلز Miles”: ’’لقد بدأت القوة المسيطرة للعنصرية في الاضمحلال في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن العشرين‘‘(Miles 1993: 214). وبالفعل، فإن نجاح مناهضة العنصرية قد أدى إلى بعث خطاب عنصري ولكنه غير هيراركي ومشفر. وتتم تسمية هذا الخطاب بتسميات عديدة منها “الخطاب الجديد”، “الخطاب الثقافي”، “الخطاب المحايد”. والسمة الأساسية لتلك الخطابات أنها تتضمن استراتيجيات الإنكار باستمرار، على سبيل المثال (أنا لست عنصري، ولكن ….). وتحليل تلك الاستراتيجيات الخطابية في هذه الحجج العنصرية له قيمة خاصة في طريقة عمل العنصرية وتأثيراتها. ويكفي هنا أن نقول أن هذه الإنكارات تعمل كإستراتيجية للدفاع عبر تمثيل إيجابي للذات. وبالتالي تسهل تلك الاستراتيجيات من الهجمات المضادة ضد مناهضة العنصرية. وإنكار عنصريتنا وصلتها بقدرتنا على العدوان هو رد فعل منتشر سواء تم التعبير عنه بأشكال عنف أو بأشكال محايدة، وهو دفاع انفعالي قوي ضد الاعتراف بالمعرفة المحزنة والمؤلمة بالذات الإنسانية (Pajaczkowska and Young 1992).

ويعتبر مصطلح “ما بعد الاستعمار” مصطلح فضفاض ويثار حوله الكثير من الجدل في حد ذاته. وينطوي المصطلح على بعض الاعتراف بأن الدافع إلى إنهاء الاستعمار يتضمن بالضرورة آثار من صميم العمليات الاستعمارية والإمبريالية نفسها، ويتمنى لو أنه يستطيع التنصل منها(Gikandi 1996). ويمكن أن تكون عنصرية ما بعد الاستعمار هي عنصرية رد الفعل المؤسس على تهديد الهويات الثقافية والاجتماعية التقليدية. ويمكن أن تكون هي عنصرية الاحترام “الباطل” المؤسس على التوجه الأساسي لليبراليين ورغبتهم الحثيثة في خلق ثقافات متباينة لكنها ليست متصادمة. ومعظم عنصريات ما بعد الاستعمار هي عنصرية “مراقبة Surveillanceعلى الأقل في سياق أوروبا المعاصرة. وهي العنصرية المؤسسة على ما يسميه “إتين باليبار Etienne Balibar” التحول الاستراتيجي لمشروع الاستيعاب داخل مشروع الاستبعاد. وهو التحول الذي يصبح فيه الأجانب “غرباء”، وتخفي الحماية ورائها “تفضيل”، وينزلق فيه الاختلاف الثقافي داخل “وصمة العار العنصرية”، وكل ذلك يحقق منافع للأوربيين، الذين هم كيان مختلف تمامًا عن سكان أوروبا ككل (Balibar 2003: 122). ويزعم “باليبار” بشكل مثير للجدل أنه في قلب هذه العملية تكمن بنية العنصرية الأوربية، والتي تتمحور حول كل من المعاملة الرسمية والتصور غير الرسمي عن العمال المهاجرين من أفريقيا وآسيا، ومن أجزاء أخرى في أوروبا تعاني اقتصاديًا (Balibar 2003; see also Dainotto 2007). وهؤلاء العمال الذين يعيشون حياتهم على جانب من الحدود، وينتجون على الجانب الآخر. هم ليسوا بالداخل ولا بالخارج. فبدلاً من ذلك هم:

 يعاملون بالداخل رسميًا وكأنهم بالخارج. ووضعهم غير المستقر هذا يؤدي إلى زيادة مطردة في التحكمات الأمنية وعنفها، والتي تنتشر في كل مكان في المجتمع، وتقتسم الحدود في إقليم أوروبا كله، جامعين بين التقنيات الحديثة في عمليات التسجيل وتحديد الهوية من جانب، والتنميط العنصري الجيد والقديم من جانب آخر (Balibar 2003: 123).

وقد أصبح الدفاع عن ما بعد القومية العالمية موضوعًا للنقاش المعاصر، باعتبار أنها تحرر من الروابط والعلاقات المزعجة في الإثنية والقومية والمحلية (Habermas 1998, May et al. 2004). وسوف نشير فيما يلي إلى الجانب المظلم في العولمة والديمقراطية العالمية في موقفهما من جماعات الأقليات في العالم. فهما يتحكمان في حالة تلك الأقليات. وتشمل سياسة ما بعد القومية مجموعة من العناصر الأساسية مثل الهويات المختلطة، والمجتمعات المتباينة، والاستفتاءات الدولية، والمواطنة العالمية، وتجاوز مفهوم الدولة القومية. وتتضمن سياسة ما بعد القومية كذلك تقليل إمكانية التشارك في سياسة عالمية تتسم بتعدد القوميات. وتحط من قيمة الانتماء لدى الناس. وتهمش سياسة ما بعد القومية أيضًا من الروابط الأساسية التي يعتمد عليها الناس، مثل روابط العائلة أو الجماعة أو الطائفة أو الصحبة، باعتبار أن تلك الروابط والعلاقات تشكل حجر الزاوية في الصراعات من جانب من يشعرون بأنهم أقل تميزًا (Calhoun 2004).

والطريقة التي تعمل بها هذه العملية تتزامن وتتداخل مع الطموحات والسرديات العالمية التي تعمل جنبًا إلى جنب مع الدفاع عن العنصرية وصناعة المأساة، وقد تم الكشف عن ذلك في دراسة حديث أجريت عن لندن ما بعد الاستعمارية (Keith 2005). وهنا يمكن أن نقول أن الطرق الأزلية في إعادة إنتاج الكراهية العنصرية وقوى الانغلاق العرقي والإثني وعنصرية الحياة اليومية تعمل جنبًا إلى جنب مع ما يمكن أن نسميه “التعددية الثقافية في الحياة اليومية” وصور الحوار ولحظات من التواصل والتلاقي الثقافي.

وقد أكد “كيث Keith” أن هذه الخطابات المتصارعة توجد بشكل منفصل في مناطق مختلفة من لندن، وكان ذلك بالاعتماد على البحث في منطقتين من المدينة. المنطقة الأولى هي المنطقة المعروفة باسم “Isle of Dogs” والتي يصورها السكان المحليون بأنها موقع للصراع العنصري. والمنطقة الثانية هي “ديبتفورد Deptford” التي تُصور على أنها موقع التناغم والتعاون بين الجيران على اختلاف أعراقهم. وبالنسبة لكيث فإن سطحية هذين الموقفين تتكشف عند إجراء البحث مع الشباب، حيث يكشف البحث مع هؤلاء أن الحياة الاجتماعية معقدة. ويكشف أن هذين الموقفين يتصلان بشكل كامل في الشبكات الاجتماعية غير الرسمية داخل المحليات والجماعات مع تنوع صور الاتصال، والاستهلاك، واستخدام المكان لعبور الحدود العرقية والمكانية، وتعزيز الخطر العنصري.

وبعيدا عن الجدل الأكاديمي بين الباحثين، حدث جدل آخر أوسع من النقاشات وردود الأفعال الشعبية بعد انتخاب أول رئيس أمريكي ذو بشرة سوداء:

في ليلة الانتخابات.. بدا لي أن بعض من مشكلاتنا – إن لم تكن جميعها – قد تم حلها، حتى ولو كان انتخاب الرئيس ينبهنا بأن الجزء الأصعب لم نواجهه بعد. ألم نبدأ بالفعل في سماع أن ترشيح “أوباما” حدث في مجتمع ما بعد عنصري؟ أليس من الممكن أن المبادئ التي أكدها هذا الحدث التاريخي مثل الديمقراطية والتشارك وتعدد الثقافات ربما تلهم بقية العالم ليمارس قدرًا أكبر من التسامح والتعاطف؟.. ولكن في نفس الليلة، ضرب بعض الصبية البيض شابا أمريكيا من أصل أفريقي في نيويورك وهم ينشدون “أوباما”، وتم حرق كنيسة للسود في “سبرينج فيلد” في ماساتشوستش. وعندما فتحنا صفحات الجرائد في اليوم التالي وجدنا أن الحروب الطائفية لا زالت مستعرة في بؤر التوتر والنزاع حول العالم (Prose 2008).

هل انتهت العنصرية؟ لقد أصبح هدف النظرية النقدية لمفهوم العرق هو وجود حركة ملموسة تتجاوز التقسيمات العرقية خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظهرت هيئة من الأكاديميين القانونيين الأمريكيين في السبعينيات على خلفية نجاحات وإخفاقات حركة الحقوق المدنية (Matsuda et al. 1993, Bell 2008, Marable 2000, Hatch 2008). وقد أضافت على مشروع آنا كوبر Anna Cooper الذي أشرنا إليه في الفصل الثالث. وقد ركزت على دراسة التداخل الطائفي والروابط المتداخلة في النوع والجنس والقومية في سياق إعادة إنتاج أنساق الهيمنة العنصرية (Collins 2005).

ويُنظر إلى البحث في التطور العرقي في عصر ما بعد الحقوق المدنية على أنه يحجب إجحاف عنصري راسخ. ويسمى هذا الأمر (العنصرية المصابة بعمى الألوان)، والتي فيها يفترض أن عدم المساواة العنصرية هي نتاج للاختلافات الثقافية والطبيعية والاقتصادية بين الجماعات. ويُفترض فيها أن رفض فكرة العرق هو ضرورة لنهاية العنصرية (Hatch 2008). فالكفاح من أجل المساواة العرقية لا يزال غير مكتمل. وهذا الكم من العمل الضخم في الأبحاث المتعلقة بالعنصرية يرتبط بمدى استنارة القوى العنصرية، وكذلك يرتبط بالعنصرية المتخفية تحت الخطابة في الديمقراطية الليبرالية، والاستحقاق، والنزعة الفردية، والتقدم.

وهناك العديد من الدول التي حاولت أن تقض على العنصرية، وتعد كوبا واحدة من تلك الدول. فقد سنت تشريعات بعد الثورة الكوبية عام 1959م للقضاء على العنصرية. والجدير بالذكر أن العبودية قد انتهت في كوبا عام 1886م. واستمر العبيد من أصول أفريقية من رجال ونساء في العمل داخل كوبا لكن كأحرار. ومع ذلك كانوا يعيشون في ظروف معيشية صعبة للغاية سواء فيما يتعلق بالسكن والتعليم وغيرها حتى وقت الثورة. وكان يُمنع على السود الدخول إلى الفنادق والشواطئ والمدارس والوظائف التي تتبع القطاع الخاص. وقد نادت الحكومة الكوبية الثورية بـ “عدالة شاملة ومطلقة” كما أشار كاسترو مؤخرًا (Castro 2007). ورغم مرور خمسين عامًا من الالتزام السياسي بتحقيق هذا الهدف إلا أن الحكومة قد فشلت في استئصال التمييز العنصري والظلم الناتج عنه في كوبا.

إن كوبا بلد عالمي مختلط ومتعدد الثقافات إلى حد بعيد. وهي في نفس الوقت تعاني من عدم المساواة العنصرية والتمييز العرقي. وذلك واضح عن دراسة تكوين كل من النخب السياسية والعسكرية والحكومية من جانب، وأولئك الموجودين في السجون أو في شبكات الدعارة أو من يعانون الفقر من جانب آخر.

إن الصراع العرقي في أفريقيا الوسطى، والعنصرية ضد غجر الروما في أوروبا، وقمع الشعوب الأصلية والأقليات في مناطق عديدة في العالم، وكذلك الارتفاع الملحوظ في مستويات العنف والصراع والإبادة العرقية، كل هذه الأحداث لا تشير بأي شكل من الأشكال أننا نتجه نحو عالم ما بعد عرقي أو ما بعد عنصري. وتدل أحداث الشغب العنصري ضد غجر الروما في أسبانيا وإيطاليا، وكذلك الحوادث العنصرية ضد غجر الروما في رومانيا وإيطاليا وفنلندا عام 2008، على خطورة الحركة المناهضة للغجر في أوروبا (ERIO 2009).

وتنتشر العنصرية في العديد من الأقاليم والأمم والسياقات المحلية والوطنية. والأمر المشترك بينها هو إنكار تلك العنصرية أو إعلان رفضها. وتعد التقسيمات العنصرية والإثنية على درجة كبيرة من الأهمية لكنها تقسيمات مرنة ومتشظية. وقد اُنتقدت فكرة العرق في حد ذاتها بشكل متزايد، ومع ذلك ظلت مستمرة في علوم الوراثة والجينات (راجع الفصل الثاني). وقد ازدادت محاولات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وازداد كذلك استخدام القانون الدولي والوطني لتحدي التمييز العرقي، وزادت أيضًا مستويات معرفة وفهم العنصرية والإثنية والهجرة. ومع ذلك لا يمكن إنكار البنى الاجتماعية العالمية التي تدعم العنصرية، والتي تزداد الشكوك والتساؤلات حول شرعيتها. وقد تمت الإشارة إلى طبيعة ونطاق تلك المفارقات خاصة فيما يتعلق  بالأزمات العنصرية في أوروبا في الفصول: الثاني والسادس والسابع من هذه الدراسة.

ويخاطر “وينانت Winant 2006: 999” بالتنبؤ بقدوم “أزمة عنصرية عالمية”، ويؤكد أنه من المحتمل أن نشهد نظرية أفضل وفهم أعمق للهوية العرقية وما يتصل بها من “خراب الإنسانية” من ناحية، والعنصرية البنيوية العميقة وغزارة التبرير العنصري من ناحية أخرى. ويوضح أن هذا هو مكمن التناقض الرئيس في وجهة نظره. وسوف نثير بعض التساؤلات لاحقًا في هذا الفصل. ومنها، التساؤل عن مدى ملائمة مفهوم الأزمة العنصرية؟ وما الشكل الذي يمكن أن تتخذه تلك الأزمة؟ وكيف يتم التعامل مع الجماعات التي تطالب بالاعتراف أو الحقوق الأخرى من جانب الدول الوطنية؟ وما هي التوقعات فيما يتعلق بتجاوز العنصرية والإثنية في المجتمع المعاصر.

إن حرية الانتقال للسكان والهجرة الدولية سوف يؤديان إلى تنوع ثقافي أكبر للمواطنين في الدول الوطنية غير الآمنة أو التي تعاني من الظلم العالمي. وسوف تؤدي التكنولوجيات الحديثة والأنماط المتغيرة في الاستهلاك إلى تركيب إقليمي أوسع وإلى ثقافات عالمية. وسوف تثير تلك القوى العالمية هي أيضًا صورًا جديدة من مواقف العدائية الإثنية ومعاداة المهاجرين. كما هو واضح في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تجاه أقليات تضرب بجذورها في المجتمع، مثل التطور الحادث في حركات معاداة السامية، أو كما هو واضح في الخطاب العدائي ضد الأقليات في روسيا.

وبالرغم من التدخلات الدولية والإعلانات العالمية والسياسات الوطنية الخلاقة والتداخل الإثني والعرقي لا يزال هناك احتمال قوى بأن يستمر الصراع العرقي والعنصري. وذلك لأن الانتماءات العرقية والإثنية تلعب دورًا هامًا في حياة العديد من الناس. فهي تضفي معنى على الحياة بالنسبة لهم، ولها دور عملي في حياتهم سواء في الأزمان القديمة أو الحديثة أو المعاصرة. ولكن السؤال: ما هي الأقليات الأكثر عرضة لخطر الفناء والتطهير العرقي في وقتنا الحاضر؟ وما الدور الذي تلعبه الإثنية في ظهور تلك الصراعات؟ وإلى أي مدى تساهم الخلافات الإثنية المتزايدة في التهديد بصراع مهلك؟

وهنا نبحث تلك التساؤلات، إضافة إلى المعنى المقصود بسياسة حقوق الأقلية في سبيل تقييم النطاق الذي تمثل فيه الأجندات المقترحة حلاً ملائمًا وقابلاً للتطبيق لتكوين مجتمعات قابلة للتطبيق محليًا وقوميًا وإقليميًا.

لقد أشرنا في الفصل الخامس من هذا الكتاب للتصنيفات المختلفة للأقاليم العنصرية حول العالم. وأوضحنا أن تلك الأقاليم تتشابه وتتداخل فيما بينها في التاريخ والظروف والتفاصيل الخاصة بالتمييز العرقي أو العنصرية. وفي أوروبا تختلف العنصرية الفرنسية عن العنصرية البريطانية أو المجرية خاصة فيما يتعلق بالتفاصيل. والعنصرية الأوربية تختلف عن العنصريات الإقليمية الأخرى في روسيا والصين ودول شرق آسيا على سبيل المثال، خاصة في التفاصيل والأهداف والتأثيرات. وفي القسم التالي من هذا الفصل سوف ننظر بشكل أوسع إلى الصراعات الإثنية والعرقية حول العالم. وسوف نركز على المناطق التي تتعرض فيها الأقليات العرقية لتهديد وخطر داهم من جانب الجماهير لنلفت الانتباه إلى القوة المعاصرة لنماذج سيطرة الأقلية، وخاصة في تلك المواقف التي تكون فيها الظروف واضحة الفساد.

الأقليات

إن تجدد الصراع، وقهر الأقليات، والقتل العشوائي، وخلق موجات من اللاجئين، هي بعض التوجهات الأساسية التي تحدد عالمنا المعاصر، وعالمنا المستقبلي. تزداد وتيرة الصراع في القرن الأفريقي، وأفريقيا الوسطى، والشرق الأوسط، وغرب آسيا منذ عام 2007. وتزداد الانقسامات الإثنية والدينية، والصراع المصاحب لها، والقتل في تلك الأقاليم سواء بداخلها أو عبر الحدود. وتنتقل الصراعات الإثنية إلى عدد سكان أكبر في العديد من الحالات ومنها أثيوبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد. فهناك عوامل محددة تبين أنها تصدر الصراع الإثني والعرقي للسكان ذوي الصلة والقرابة عبر الحدود (Lattimer 2008: 45). فبدلا من تصدير الديمقراطية تم تصدير الصراع عبر الحدود الأفغانية، والحدود الإسرائيلية الفلسطينية، والحدود الباكستانية، وأيضًا في الحالة التي سوف نتوقف عندها وهي الصومال.

جماعات عرضة للخطر

ليس لمستويات الاختلاف الإثني والثقافي في مجتمع ما أي تأثير يُذكر في احتمال نشوء صراع إثني أو عرقي يترتب عليه عنف أو تطهير عرقي (Lattimer 2008). وتستند تلك الفكرة على تحليل كمي طويل لسلسلة من الفروض السببية (Harff 2003). وتقدم مراجعة نقدية خاصة للخطاب السياسي الوطني الذي يسعي إما للحد من الهجرة، أو رفض خلق مجتمعات متعددة الإثنيات ومتعددة الثقافات بذريعة الحد من الصراعات العرقية والإثنية. بينما هناك عوامل أخرى مثل التعود على العنف غير المشروع من جانب القوات المسلحة أو قوات الأمن، والإفلات من العقوبات بعد انتهاكات حقوق الإنسان، والتسامح الرسمي مع لغة الكراهية بل والتشجيع عليها ضد جماعات خاصة، وفي بعض الحالات المتطرفة، هناك الخبرة السابقة بالقتل الجماعي. وكلها عوامل تزيد من احتمال ارتكاب العنف والأعمال الوحشية. وقد أحصت جماعة حقوق الأقليات عام 2008 أعلى عشرين إقليم في العالم من حيث تعرض الأقليات فيها للتهديد، مع التركيز بشكل خاص على الجماعات الأكثر فقرًا وتهميشًا. وتُعرف الأقليات على أنها جماعات إثنية ودينية ولغوية غير مسيطرة، وهي ليست بالضرورة أقليات من حيث العدد، وتشمل جماعات من أهل الإقليم أو جماعات رُحل، وتشمل أيضًا جماعات مهاجرة أو لاجئين.

أعلى عشرين دولة من حيث تهديد الأقليات

1– الصومال: (“داروود” – “هوي” – “قبائل الإسحاق”) وعشائر أخرى مثل “الأوجادين” و”البانتو” و”جابوي” (ميدجان) وجماعات مغلقة أخرى.

2- العراق: “الشيعة” و”السنة” و”الأكراد” و”التركمان” و”المسيحيين” و”الصابئة المندائيين” و”اليزيديين” و”أكراد الفيلية” و”الشبك” و”البهائيين” و”الفلسطينيين”.

3- السودان: “الفور” و”الزغاوة” و”المساليت” وقبائل أخرى في دارفور “الدنكا” و”النوير” وجماعات وقبائل أخرى في الجنوب “النوبة” و”البجا”.

4- أفغانستان: “الهزارا” و”البشتون” و”الطاجيك” و”الأوزبك” و”التركمان” و”البلوش”.

5- مينامار / بورما: “كوشين” و”كاريني” و”كارين” و”مونس” و”راخيني” و”روهينغا” و”شان” و”شين” (زوميس) و”وا”.

6- جمهورية الكونغو: “هيما” و”ليندو” و”هوندي” و”هوتو” و”لوبا” و”لوندا” و”توتسي/بانيامولينجي” و”توا/مبوتي”

7- باكستان: “أماديا” و”البلوش” و”الهندوس” و”المهاجرين” و”البشتون” و”السنديين” وأقليات دينية أخرى.

8- نيجيريا: “إبو” و”جاو” و”أوجوني” و”يوروبا” و”هاوسا (مسلمين) ومسيحيين في الشمال.

9- أثيوبيا: “أنواكا” و”أفراس” و”أورومو” و”الصوماليين” وأقليات أخرى أصغر.

10 – تشاد: جماعات “الأفارقة السود” و”العرب” و”الجنوبيين”

11- سيريلانكا: “التاميل” و”المسلمين”

12- إيران: “العرب” و”الأذر” و”البهائيين” و”البلوش” و”الأكراد” و”التركمان”.

13- جمهورية أفريقيا الوسطى: “كابا” (سارا)، و”مابوم” و”موبورو” و”آكا”.

14- لبنان: “الدروز” و”المسيحيون الموارنة” و”الفلسطينيين” و الشيعة والسنة.

15- ساحل العاج: “ماندي الشمالية” (ديولا)، و”سينوفو” و”بيتا” وجماعات أخرى حديثة.

16- أوغندا: “أشتولي” و”كاراموجونج”

17- أنجولا: “باكونجو” و”كابينداس” و”أوفيمبوندو” و”الباستروليين” و”سان” و”كويسي”

18 – الفلبين: المهمشون و”المورو” (مسلمون) والصينيون.

19- بوروندي: “الهوتو” و”التوتسي” و”التوا”

20- هايتي: جماعات سياسية واجتماعية.

الصومال: أزمات وصراع العشائر

لقد تأسس النظام الاجتماعي في الصومال على العرقية والوضع الاجتماعي والطبقي واللغة للعشيرة التي ينتمي لها الفرد (Bestman 1999). قرون من الاضطهاد العرقي والظلم في الصومال قامت فيها العشائر الأكبر باضطهاد العشائر الأصغر وأقليات أخرى، وما زال الأمر مستمر. والعنف بين العشائر في الصومال مشابه في طبيعته للصراع الإثني أو الطائفي في أجزاء أخرى من العالم؛ حيث يتم استهداف الناس العاديين فقط بسبب هويتهم العشائرية، أو يتم استهدافهم عشوائيًا. كما يحدث في مقديشيو على سبيل المثال. وقد خلقت موجات اللاجئين كارثة إنسانية لما يزيد عن مليون شخص لقوا حتفهم بسبب الحرب أو العنف أو المرض (World Bank 2005, Lattimer 2008, BBC News 2009b). وثلث السكان في حاجة لمعونات غذائية، وقد تم تشريد ما يزيد على مليون شخص. ولم تعد هناك حكومة فاعلة منذ 1991م. والتركيز العالمي كان فقط على هجمات القراصنة الصوماليين.

 وعلى الرغم من وجود أقليات متعددة فإن المجتمع الصومالي هو مجتمع متجانس نسبيًا من الناحية اللغوية (يتحدث اللغة الصومالية)، ومن الناحية الدينية (الإسلام). وتنحدر القبائل والعشائر من عائلات رئيسة هي الداروود والدير واسحاق وهوي وراهانوين. وليس هناك اتفاق على بنية أو تركيب العشيرة. وفيما بين الصوماليين أنفسهم هناك نزاع على الانتساب للعشائر. ويتعقد الأمر أكثر بسبب سيولة هوية الانتماءات العشائرية. والعشيرة الأقوى تزعم أنها تملك أراضي العشائر الأضعف والناس المهمشين، وغالبًا ما يتم تشريدهم، وفي بعض الحالات يتم استعبادهم. وقد غيرت المنافسة حول مصادر القوة من حدود العشيرة بشكل ملحوظ في أجزاء عديدة من البلاد، مع وجود عشائر جديدة توحد صفوفها للدفاع عن الأرض أو لشغل أرض الغير. وينتج ذلك أشكالاً جديدة للصراع.

ويوضح تاريخ الصومال أن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى الصراع المسلح. وقد لعبت تلك العوامل دورًا كبيرًا في إدارة الحرب أو نهايتها أو منعها. ومن تلك العوامل على سبيل المثال، النعرة العشائرية، والانقسام داخل القبيلة أو العشيرة الذي استخدم لتقسيم الصومال، والتصادمات والعنف للسيطرة على الموارد والسلطة، وحشد ميليشيات مسلحة، وعرقلة محاولات المصالحة. ويلعب قادة العشائر أيضًا دورا أساسيا في هذا الصراع، فضلاً عن القانون العرفي للعشائر والذي يستخدم كأساس لمفاوضات التسوية والتصالح، ويعمل دفع الدية كعائق أمام نهاية العنف المسلح. باختصار، أصبح الصومال مجتمعا مسلحا بات فيه العنف هو المعيار، والسلاح هو الشكل المألوف في مشهد الصراع. وخلفية هذا السياق الحالي هو تاريخ الاستعمار الغربي في الإقليم والصراع على الأرض والسلطة السياسية.

وقد استقل الصومال بعد الاستعمار والوصاية الفرنسية والإيطالية والبريطانية عام 1960م. وقد أدت الصراعات على مناطق الأقليات إلى حرب أوجادين في 1977-1978م مع أثيوبيا. وتدخلت القوات الصومالية لدعم المتمردين الصوماليين بدعوى تحرير إقليم أوجادين الذي يسكنه الصوماليون. وخسر الصومال الحرب التي راح ضحيتها ما يقرب من خمسة وعشرين ألف شخص. أما الحرب الكبرى الثانية التي شهدها الصومال فكانت الحرب الأهلية بين الجيش الصومالي والحركة الوطنية الصومالية للسيطرة على شمال غرب الصومال. وقد تأسست الحركة الوطنية الصومالية في عام 1981م. وكانت تضم أعضاء قبيلة الإسحاق الذين خاضوا حرب أوجادين. ومبرر تلك القبيلة هو ما حدث في الثمانينات عندما وضع نظام الحكم آنذاك الشمال الغربي الصومالي تحت السيادة العسكرية. وقد عمدت الإدارة العسكرية إلى تجريد القبيلة من ممتلكاتها وأعمالها. وقد أعلنت الحركة الوطنية الصومالية الحرب الأهلية في مايو 1988م. وخلَّفت الحرب العديد من الكوارث. وقد ارتكبت القوات الحكومية فظائع ضد المدنيين. ويقدر عدد الضحايا في تلك الحرب ما بين خمسين إلى ستين ألفًا معظمهم من قبيلة الإسحاق التي كانت المكون الرئيس للحركة الوطنية الصومالية. وقد دكت القذائف مدينة “هيرجيسا” وأجبرت أربعمائة ألف صومالي على عبور الحدود الإثيوبية كلاجئين. وتم تشريد أربعمائة ألف آخرين داخل الصومال. وقد أدت الفظائع المرتكبة في حق قبيلة الإسحاق إلى أن تعلن الأخيرة نفسها دولة داخل الأراضي الصومالية في “صومالي لاند” (أرض الصومال) عام 1991م. وظهرت صراعات عديدة بين القوات الحكومية وعدد متزايد من الجماعات والحركات التي طالبت بالتحرر. وشملت تلك الحركات “المجلس الصومالي المتحد” (قبيلة الهوي)، و”الحركة النضالية الصومالية” (قبيلة الأوجادين)، و”حركة الخلاص الوطني الصومالي” (قبيلة ماجيرتين) (World Bank 2005).

ميانمار (بورما)

تعيش هذه الدولة تحت قيادة مجلس عسكري يقمع المعارضين، ويستمر في انتهاك حقوق الإنسان، ويستخدم السخرة في العمل بشكل واسع حتى بالنسبة للأطفال. وأيضًا تعتبر ظروف الاحتجاز أو الاعتقال السياسي بالنسبة للمساجين السياسيين ظروفا مرعبة، وقد تم انتقاد هذا الأمر بشكل متكرر (UN 2008).

وتعتبر سيطرة البورميين على أقليات كارين وشان وراخين ومون وشين وكاشين وأقليات أخرى سببا رئيسا في التوترات الإثنية التي تجسدت في محاولات للانفصال. وقد أدت الهجمات التي شنها الجيش على جماعات إثنية في عام 2005 إلى موجات واسعة من التشريد القسري، كما حدث في ولاية كاين ومناطق أخرى من ميانمار الشرقية مثل مون وشان وكايا. وفي ولاية راخين الشمالية تم حرق ما يزيد على 2800 قرية من قرى المون والشان والكايا ما بين عامي 1996 – 2005، وتم تهجير أهلها وأنشئ مكانها معسكرات للجيش. ويقدر عدد الذين تم تشريدهم في ميانمار الشرقية بما يزيد على ثمانية عشر ألف شخص عبر منهم ثلاثة آلاف الحدود إلى تايلاند منذ عام 2006 بسبب معسكرات الجيش في ولاية كاين.

وتشير التقارير إلى أن هناك ما يقرب من حوالي 540 ألف مشرد في ميانمار الشرقية دون أمل في العودة إلى ديارهم (UN 2006). وتنفي الحكومة الاعتراف بوجود هؤلاء المشردين داخل الدولة وتمنع محاولات الأمم المتحدة وهيئات إنسانية أخرى من الوصول إليهم. وتعتقد منظمة حقوق الإنسان أن هناك أطفالاً تم تجنيدهم لقمع ثورات الأقلية الإثنية وعمرهم 12 عامًا. وتقدر منظمة “هيومان رايتس ووتش” (HRW) (2002) أنه ربما يكون هناك ما يزيد على سبعين ألف طفل مجندين في الجيش. وهم في الغالب مخطوفين أثناء عودتهم من المدرسة دون علم آبائهم. ويتم تأهيلهم جسديًا ونفسيًا ليصبحوا وحوشًا قبل أن يخوضوا القتال في مناطق الأقليات الإثنية. ويتم استغلال الجنود الأطفال في انتهاكات حقوق الإنسان كأن يقوموا بحرق القرى أو يستخدموا المدنيين في أعمال السخرة. ومن يحاول من هؤلاء الأطفال الهرب أو ترك الخدمة العسكرية فإنه يتم ضربه و إعادة تجنيده أو يُسجن حتى الموت (HRW 15 Oct. 2002).

ويواجه ما يقرب من سبعة ملايين شخص من إثنية الكارين في بورما تمييز عرقي متأصل في مؤسسات الدولة مثل المدارس ومؤسسات التعليم على سبيل المثال في مناطق الكارين حتى ولو مثلوا الغالبية العظمى من السكان. وهناك استخدام حصري للغة البورمية في المكاتب الحكومية والرسمية. وليست هناك أية فرصة لتقديم خدمات حكومية بلغة الكارين. والوظائف الحكومية في مناطق الكارين محفوظة للبورميين أو الإثنية البورمية. ويواجه ما يقرب من ثمانية ملايين شخص من “المون” في بورما الهجمات المستمرة من جانب الجيش الذي يمارس السخرة والتشريد والاغتصاب والقتل ومصادرة الأراضي بشكل واسع ضد تلك الجماعة الإثنية. وكنتيجة لذلك كان هناك نزوح جماعي من جماعة المون إلى تايلاند. وعن جماعة “الشين” فهم أيضًا جماعة أخرى عانت نفس الظروف على يد الجيش البورمي (HRW 2009).

وتعتبر جماعة “الروهينغا” من أكثر الجماعات المضطهدة في العالم. وهم أقلية مسلمة يعيشون في ولاية راخين الشمالية. ويعبر وضعهم عن مدى الاضطهاد في تلك البلد. ويتم التنكيل بهم من جانب قوات الشرطة، ويجبرون على العمل القسري دون أجر، ويتم سجنهم لأتفه الأسباب، بل وحتى دون أسباب، وليست لهم أية حقوق قانونية، وممنوعون من المواطنة، ولا تشملهم الخدمات التعليمية والصحية، وممنوعون من الزواج أو السفر دون إذن، وليس لهم حق في تملك الأراضي أو أية ملكيات أخرى. ومن حاول منهم الهرب من تلك الظروف البشعة انتهي به الأمر في معسكرات اللاجئين لعقود، يعيشون بشكل غير قانوني في المناطق المحيطة أو على ضفاف الشواطئ التايلاندية والبنجلاديشية والاندونيسية، ويتخذون من القوارب منازل لهم. وقد أفاد تقرير حديث في تايلاند (BBC News 2009a). أن المهاجرين واللاجئين الذين أعيدوا مرة أخرى إلى الشواطئ قد أرسلوا إليها في قوارب بدون محركات، وقد تم تقييد أيديهم بالحبال متروكين للأقدار، وأن معظم هؤلاء كانوا من “الروهينغيا” من بورما. وقد قال أحد الرجال من شعب الروهينغا مؤخرًا ’’ليس لدينا أي شيء في بورما، نحن معاقون مثل العبيد. لا نستطيع العمل لأنه تم تقطيع أيدينا وأرجلنا. وليس لدينا تصريح بالسفر، نحن بالفعل عبيد في وطننا‘‘(Thompson 2006).

  نماذج معاصرة في السيطرة والتعبئة

إن مستقبل السيطرة الإثنية والعرقية على الأقليات عبر مناطق عديدة في العالم هو أمر مؤكد. ويمكن أن نرى مدى تطور قوة القومية الإثنية في دول آسيا الوسطى من خلال اللغة الوطنية والزي الرسمي، كما في تركمنستان على سبيل المثال. ويؤدي هذا إلى تهميش الأقليات الإثنية، كما هو الحال بالنسبة لجماعة الأوزبك في كازخستان، وبالنسبة للطاجيك والقرغيز أيضًا. فتتمثل السيطرة الأوزبكية في سيادة اللغة الأوزبكستانية التي تمثل عائقًا أمام الطاجيك في الحصول على فرص التعليم العالي أو الوظائف الحكومية. وهناك عامل مشترك يمكن تلمسه في كل دول آسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة تقريبًا، ويتمثل هذا العامل في الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالجماعات الدينية الأخرى، وخاصة المسيحية التي يظهر أنها تعاني من الاضطهاد والعنف في كل دول الإقليم تقريبًا (Eastwood and Mihiar 2008).

وقد استمرت الأقليات في الأمريكتين في مواجهة نماذج السيطرة الناتجة عن النماذج الاجتماعية والاقتصادية خلال فترة الاستعمار. وتعتبر الجماعات ذات الأصول الأفريقية والسكان الأصليين هي أكثر الجماعات التي عانت من الحرمان والتهميش والاستبعاد. ويعاني هؤلاء من التهميش الاجتماعي والاقتصادي فضلاً عن مختلف أشكال التمييز العرقي الأخرى. هذا بالإضافة إلى مشاركتهم المحدودة جدًا في عمليات صنع القرار، وعدم كفاية الخدمات الأساسية، والفرص المحدودة أو المعدومة في حق تقرير المصير (Bryan 2008).

وفي أوروبا حدد “إريك ويت Eric Witte” معايير الأزمة الإثنية والعرقية، وأكد ما يلي:

’’في أوروبا يتم انتقاد ومراجعة عمليات التهميش المستمرة لجماعات الأقليات الإثنية واللغوية والدينية من جانب شبكات حقوقية عديدة تتبع منظمات مختلفة، وآليات للمراقبة، وبنية قانونية في كل مكان في القارة (Witte 2008: 132)‘‘.

ويدل فشل هذه المؤسسات وتلك الآليات في مواجهة الهيمنة والتمييز الواسع ضد الأقليات والمهاجرين – مثلما يحدث مع غجر الروما – على عمق التحدي الذي يواجه تلك الجماعات في حياتهم اليومية وكفاحهم من أجل التعبئة السياسية.

وأخيرًا تم الاعتراف رسميًا من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة بحقوق الشعوب الأصلية مثل شعب سامي Sami في فنلندا في عام 2007م. وقد تبنى إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية هذا الأمر. وصوتت أربع دول ضد هذا الإعلان، وهي استراليا، وكندا، ونيوزلندا، والولايات المتحدة الأمريكية. وقد رأت تلك الدول أن هذا الإعلان يخول تلك الجماعات قدرًا من السلطة والتحكم في الأنشطة والعمليات التي تتم على أقاليمهم التقليدية وتشمل: الأرض، والموارد، والملكية الفكرية، التعويض، واسترداد الملكية، والموافقة الرسمية على الإجراءات. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الإعلان بالإضافة لتحركات أخرى قد أدت إلى تعبئة الجماعات الأصلية في الأمريكتين وفي أماكن أخرى للسعي نحو الاعتراف بهويتهم، ومن أجل إحداث التغير السياسي والمادي المنشود. وقد شكلت هذه العمليات مفتاحًا أساسيًا للنجاح الانتخابي للمرشحين المساندين لتلك الحقوق أو من بين أبناء الأقليات، وقد حدث هذا في بوليفيا، والبرازيل، والإكوادور، وفنزويلا.

وقد زادت مجموعات السكان الأصليين الذين ينادون بحقوقهم، في آلاسكا والأرجنتين واستراليا، وحتى مجموعات السكان الأصليين الذين تم ترويدهم سابقًا مثل “المابوتشي” في جنوب شيلي و”جوراني” في البرازيل. وقد نادى هؤلاء بضرورة استرداد أرض الأجداد التي ما زالت تحت سيطرة الحكومة والقطاع الخاص وما زالوا يستفيدون منها (Bryan 2008). وقد أدت احتجاجات السكان الأصليين في أستراليا ومطالبتهم بالتعويضات إلى نجاح ملحوظ بما تضمنه من تشريعات متعلقة بالحقوق في الأراضي، وسند الملكية الأصلي الذي يتضمن الاعتراف بأن هناك “فائدة قانونية مستمرة” في أراضي الأستراليين الأصليين، والذي قوبل بطلب إثبات صحة سندات الملكية للسكان الأصليين من جانب السلطة الملكية.

الأقليات ما بين الحقوق والخضوع في الصين واليابان

أشرنا في بداية هذا الكتاب أنه يجب تلمس بداية الصياغة العالمية للعرقية في هذين الموقعين، الصين، واليابان. وقد تناولنا بالتفصيل حالة جماعة البوراكومين في اليابان، وكذلك حالة إقليم التبت. وتنتشر الطبقية الإثنية والعرقية في هذه المناطق مع وجود أقليات مختلفة تتبع أشكالاً معينة من الخضوع والتبعية. ورغم أن اليابان تزعم أنها مجتمع متجانس إثنيًا بشكل تقليدي إلا أن المنظمات الدولية غير الحكومية تشير إلى أن الأقليات تواجه تمييزًا عرقيًا، وأنهم محرومون من ثقافتهم المميزة (Eastwood and Farar 2008).

وقد شمل نشاط المنظمات غير الحكومية جمع الأدلة في مسح تفصيلي من ائتلاف “آينو” و”بوراكو” ونساء الأقلية الكورية الذين عملوا معًا في البحث في مجالات التعليم والتوظيف والرعاية الاجتماعية والحالة الصحية والتعرض للعنف، وما صاحب هذا الائتلاف من حملات.

وقد تم ترسيخ مبادئ حقوق الأقليات من جانب الأمم المتحدة. وتشمل تلك الحقوق الأساسية المطالبة بحماية الدولة للأقليات وتعزيز هويتهم الوطنية والعرقية والثقافية والدينية واللغوية. وكذلك الاعتراف بحقهم في ممارسة ثقافاتهم الخاصة، واعتقادهم الديني وما يترتب عليه من ممارسة للطقوس أو الشعائر، وأيضًا حقهم في استخدام لغتهم الخاصة. هذا فضلاً عن حقهم في المشاركة السياسية خارج حدود الجماعة الإثنية، وتشكيل جمعيات داخل الجماعة، بالإضافة لحق التواصل بين أعضاءها. ولابد من تعزيز الممارسات الثقافية لتلك الأقليات إذا لم تمثل انتهاكًا للقانون الوطني أو تتعارض مع المعايير الدولية. ولابد أيضًا أن تكون هناك فرص كافية لتعليم لغتهم الأم، ومعرفة المزيد فيما يتعلق بتاريخ الجماعة وتقاليدها ولغتها وثقافتها. وتم تأكيد كل ذلك باعتباره يمثل أهدافًا رئيسية عند التعامل مع الأقليات. ونهج حقوق الأقليات في تركيزه على الاعتراف الشعبي والسياسي بثقافة الاختلاف قابل للمقارنة على نحو واسع مع أشكال التعددية الثقافية التي روج لها منظرون مثل “ويل كيمليكا Will Kymlicka” و”جوزيف راز Joseph Raz” و”جوديث سكلار Judith Sklar” (Preece 2005).

وفي الصين هناك أكثر من مائة مليون شخص ينتمون إلى العديد من الأقليات العرقية المختلفة. ويتم تصدير تفوق عرق “الهان” على الأقليات ولغتهم وقيمهم وهويتهم عبر التعليم. وقد قاومت الحكومة الصينية بشدة مشاركة الأقليات في الحياة السياسية مشاركة حقيقية وكاملة. وكانت هناك انتقادات دولية واسعة إزاء هذا التعصب من جانب الحكومة الصينية. فضلاً عن القلق إزاء الانتهاكات المستمرة للحقوق الدينية لأهل التبت ومسلمي الأويغور، وكذلك للحقوق الثقافية للمنغوليين (Eastwood and Farar 2008).

الأزمة العنصرية العالمية

لقد سبق وأشرنا إلى مفهوم الأزمة العنصرية العالمية في ثنايا هذا الكتاب. وسوف يعرض هذا القسم لما وراء تحليل الحجج الرئيسية التي تم تقديمها. وسوف يوضح ما تتضمنه تلك الحجج لعالم المستقبل.

ويوضح العلم هذه الأزمة كما أشرنا في الفصل الثاني. فقد كان العلم ساحة أساسية للمناهج العنصرية التي أفرطت في رسم التراتبيات والتصنيفات العرقية، كما حدث في اختراع مفهوم “الحقائق” العرقية وتعزيزها على سبيل المثال. وكان العلم أيضًا من أكثر الساحات التي عززت ودفعت من فكرة العرقية والمناهج المتصلة بها، وكذلك العنف العنصري، كما حدث في ألمانيا النازية على سبيل المثال. وقد ظهرت مناهج التصنيف العرقي في سياقات علمية وانطباعات سياسية أثرت على العلم العرقي الوليد. وقد أدت النقاشات الدائرة في أمريكا وإنجلترا حول صحة فكرة العرق في حد ذاتها إلى خلاف وصراع حول ما إذا كان يجب نبذ هذا العلم أو الاستمرار فيه.

وتوضح علوم الوراثة والجينات أن هناك تقدمًا ملحوظًا في معرفتنا وفهمنا للتنوع الإنساني. ولكنها توضح أيضًا عدم القدرة على تجاوز التصنيف العنصري رغم أنه من الواضح أن الصراعات العرقية والإثنية ليست طبيعية ولا أصيلة. فالجماعات الإثنية والعرقية هي جماعات ثقافية وليست جماعات بيولوجية تحددها علوم الوراثة والجينات. وتشير علوم الجينات إلى الأصول التاريخية المختلطة للجماعات السكانية وتتحدى المفاهيم الوهمية عن الأصل البيولوجي المتوارث، وهذا الأمر يجعل من زعم “النقاء العرقي” – في صياغة حماية الهوية الثقافية والإثنية والعرقية – أمرا ليس له أي أساس علمي.

وقد قدم الفهم الأساسي للإثنية من جانب “ماكس فيبر” أساسًا للتحول نحو النقاشات المعاصرة ونهج البحث عن أدلة. وبالنسبة لـ “فيبر” فإن الجماعات الإثنية هي تلك الجماعات التي تعتقد في انحدارها من أصل مشترك. وينشأ هذا الاعتقاد من ذكرى جمعية عن الاستعمار والهجرة، أو العادات الجمعية، أو التشابهات الفيزيائية، أو الثلاثة مجتمعين. وتتحدد الجماعات الإثنية أيضًا بمجموعة من الامتدادات مثل اللغة المشتركة أو نظام الطقوس في الجماعة أو المعتقدات الدينية لها.

وتعتبر الإثنية والصراع المتصل بها في العالم على قدر كبير من الأهمية الاجتماعية، فهي المصدر الرئيس للعنف في الشئون الدولية (Esman 2004: 26). وفيما يتعلق بـ “حالة الفن” في بحث الإثنية فإنه من الواضح أنه ما زال لدينا الكثير لنتعلمه، خاصة فيما يتعلق بالتحليلات المقارنة للسياقات الوطنية والإقليمية. وقد تطورت الأنماط المنفصلة للإثنية وموجات الهجرة بعد الحروب والعنصرية الإقليمية في هذا الجانب من العلوم الاجتماعية، وتتفاوت أهمية تلك العمليات بالنسبة للعلوم الاجتماعية. وهناك نطاق مقبول لتوحيد تلك المناهج في منهج عالمي موحد.

إن القوى المرعبة المعاصرة لهذه العمليات واضحة في العالم. وقد تمت دراسة الرابط بين الهجرة غير الشرعية ونماذج العبودية كما حدث في أستراليا، واليابان، والصين، والتي استخدمت كأمثلة لتوضيح تجارة البشر. ويعبر تزايد مستويات الكراهية بين الإسرائيليين والفلسطينيين بالتركيز على قطاع غزة التحول من النظام الكوكبي المعقد إلى جماعات منفصلة ومعزولة تعاني من الإبعاد والطرد وسلب الملكية.

وإذا كانت التطلعات نحو سلام شامل وعادل لدولة فلسطينية خالية من التمييز العنصري فرصها ضعيفة، فإن تلك التطلعات فيما يخص إحياء دولة إقليم التبت وتحريرها من التمييز العنصري الصيني تبدو فرصها أضعف. فالشعور بتأثير الأيديولوجيات الصينية عن القومية والسمو العرقي واضح بقوة في إقليم التبت. وتستخدم الهجرة والاستيطان والتمكين كأسلحة للسيادة العنصرية، بالإضافة للكراهية الإثنية والثقافية واللغوية والدينية. ومن الضروري أن نفهم الأهمية المركزية للروابط بين الإثنية والهجرة والعنصرية حتى ولو مرت عقود على التأكيد على تلك الأهمية. وقد تضمنت المشكلات التي لا زالت إنجلترا تواجهها – لمدة أربعين عامًا بعد أول تشريع عن العلاقات العرقية – مستويات عالية من الظلم العرقي والإثني والإبعاد، وازدهار تيار اليمين المتطرف، وأدلة جماهيرية عامة على الكراهية العنصرية والعنف المصاحب لها.

إننا نعيش في عالم تنتشر فيه الصراعات والاختلافات المعقدة في سياقات متعددة. وهناك تأكيد على أن بنية وتركيب الكراهية الإثنية والعرقية والقومية والثقافية، هي بنية ديناميكية ومعقدة، بما تشمله من تعبير عن العنصرية وكراهية الأجانب وعدم التسامح والتمييز العرقي والصراع والعنف. وأيضًا، يؤدي التغير الثقافي المتسارع – الناتج عن موجات الهجرة المتزايدة، وعن السعي نحو الاعتراف بالهويات الإثنية والثقافية، وعن شبكات المعلومات الموسعة للإنتاج والاستهلاك – إلى سياقات شديدة التباين تزدهر فيها تلك الصراعات.

وقد تبين أن الأقليات في أوروبا تعيش في ظروف معيشية سيئة بشكل عام، مما يساهم في ترسيخ أنماط الظلم الاجتماعي والاقتصادي. ويخضعون أيضًا لأشكال عديدة فادحة من التمييز العرقي والإثني داخل الدولة. والموقف معقد ومتنامي في حدود الحي والولاية أو داخل الأقلية الإثنية. وتتحرك مساكن بعض جماعات الأقليات نحو تخوم المدن والمناطق الريفية، ولا تزال الأقليات الأكثر فقرًا متمركزة داخل المدن بل وتزداد. وهناك اختلافات جوهرية بين جماعات الهجرة والجماعات الإثنية فيما يتعلق بظروف السكن وأنماط التملك ونطاق التمييز والكراهية. ولكن على الرغم من ذلك فإن ظروف السكن الصعبة والقاسية منتشرة بين الاثنين. وتمارس أنماط التمييز العنصري بما تتضمنه من خطورة في المدارس ضد غجر الروما خاصة في أوروبا الوسطى والشرقية. والحرمان الكامل من التعليم للعديد من أطفال غجر الروما ومعدلات هروبهم من التعليم تكشف عن فشل مؤسسات الدولة في مواجهة المستويات العالية من العنصرية المنتشرة ضد غجر الروما.. وفي استجابة على الإقصاء والاضطهاد الذي يتعرض له العديد من جماعات الروما والغجر والرُحل أدت عمليات التعبئة السياسية لتلك الجماعات ومن يؤيدوهم إلى نجاحات ملحوظة في هذا الخصوص داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد تمت الإشارة إلى التوجهات المتناقضة الواضحة للإعلام في الفصل الثامن. وتمت دراسة تصورات الأقليات الإثنية عن المحتوى الإخباري الملائم تمامًا لتعريف العنصرية المؤسساتية في إنجلترا في بحث ستيفين لورانس. ويشمل هذا الأمر تصورات عن التحيز العرقي والعنصري ضد الأقليات الإثنية والعرقية، والإجحاف، والجهل، وانعدام التفكير، والقولبة العنصرية التي تشوه صورة الأقليات الإثنية في الإعلام. ومن المهم جدًا أن ندرك الطرق التي يمكن أن تشارك فيها الأخبار الإعلامية في توسيع نطاق معاداة العنصرية وتدعيم الشمولية والمشروع الإنساني. وهناك دليل على انحسار الكراهية الإعلامية والسياسية والاجتماعية لكل من المهمشين والأقليات الإثنية وجماعات المهاجرين الجدد. ويمكن أن يوفر هذا الانحسار مناخًا جيدًا لخلق جسور ثقة عن طريق فتح نقاش وحوار حول القضايا الحساسة التي تعاني منها الأقليات. وهذه المساحات التي يمكن أن يتوافر فيها خلق الثقة إنما تخضع لتحولات تذكر رسائل الكراهية أو ترسيخها أو إعادة إنتاجها من جديد كما حدث في روسيا وأمريكا وأوروبا في العقد الأول من هذا القرن.

ولا يجب أبداً الاستهانة بصلابة ثقافة الكراهية الإثنية وأشكال التمييز العرقي والتعصب العنصري من جانب القومية السياسية، وتبقي الروابط القوية والمتكررة بين العنف والجريمة والعرق والهجرة من أكثر المظاهر سوءًا في مجال التغطية الإعلامية. وتبدو المناهج العالمية في الإعلام داعمة للنزعة القومية والأساطير السياسية القديمة عن الخوف من الآخر بدلاً من أن تساهم في تنوير الوعي العام (Brinks et al. 2006). ويعد التركيز على الأساطير السياسية ونظريات المؤامرة واستخدام الإعلام لتعزيز تلك الأشياء هو أحد التوجهات الأساسية في هذا الخصوص. وهذا يتضمن أن مواجهة وتحدي الممارسات الإعلامية والإخبارية التي تدعم كراهية الأجانب والعداء والأساطير القومية أمرا حيويا، ومهمة ملحة.

بيت الجغرافيا

2020-02-28T23:10:27+02:00 ترجمات|

اكتب تعليقًا