نحو فهم الإثنية

2020-02-28T20:57:37+02:00 ترجمات|

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الرابع من كتاب “العنصرية والتعصب العرقي” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف : إيان لوو 

ترجمة: عاطف معتمد، كرم عباس، عادل عبد الحميد

العنصرية والتعصب العرقي

يحاول هذا الفصل أن يخوض في غمار الإشكالات الإصطلاحية التي تدور حول مصطلح الإثنية. ماذا تعني الإثنية؟ وما هي أنماطها وأشكالها المختلفة؟ وكيف يمكن تصنيف نماذج العلاقات الإثنية؟ وكيف يمكن تقييم ودراسة المناهج المختلفة التي تتناول موضوع الإثنية؟ ويعرض الفصل بشكل شبه تفصيلي للأقليات الإثنية الموجودة في بريطانيا. ويحاول أن يعقد مقارنة بين تلك الأقليات المختلفة فيما يخص ظروف الحياة والمكونات الثقافية والتعليم والمواطنة وغيرها. ونقدم هنا أيضًا عرضًا تحليليًا لأهم الدراسات الأكاديمية عن الإثنية في بريطانيا. فقد أصبحت الإثنية موضوعًا ملحًا بشكل كبير خاصة في الآونة الأخيرة مع ازدياد مشكلات الأقليات والحاجة لحلول مبدعة وخلاقة لمواجهتها.

كنا قد قدمنا في الفصل السابق الفهم الأساسي للإثنية كما عبر عنه “ماكس فيبر”. وهو ذلك الفهم الذي شكل حجر الزاوية في الانتقال نحو المناقشات والجدالات المعاصرة التي نتعرض لها في هذا الفصل. وبالنسبة لـ “فيبر” فإن الجماعات الإثنية هي تلك الجماعات التي لديها اعتقاد بأصل مشترك ناتج عن ذكريات جمعية عن الاستعمار والهجرة، أو تقاليد وعادات مشتركة، أو تشابهات طبيعية، أو الثلاثة مجتمعين. وتتحدد الجماعات الإثنية أيضًا عن طريق سلسلة من الامتدادات الإثنية التي تشمل اللغة، والطقوس المنظمة للحياة، والتشارك في المعتقدات الدينية. وقضية الإثنية وما يتصل بها من صراع عبر العالم هي على قدر كبير من الأهمية باعتبارها “مصدرا أساسيا” من مصادر الصراع العنف في الشئون الدولية‘‘(Esman 2004: 26).

ونقوم بداية في هذا الفصل بمحاولة فهم الإطار المفهومي للإثنية، فضلاً عن معرفة المناهج النظرية والاجتماعية لها، وطبيعة العلاقات فيها. وثانيًا، نركز على الإثنية في بريطانيا من أجل ترسيخ تلك الحجج. وفي هذا الجزء ندرس تطور الاختلاف الإثني الحاد بالإضافة لطرق قياس ومسوح الإثنية وكيفية تطور الهويات الإثنية وتغيرها. وأخيرًا، نحاول أن نتأمل مشاريع بحث الإثنية في إنجلترا، وأن نعرف ما الذي أنجزناه وما الذي علينا معرفته واكتشافه.

الإثنية .. كيف ولماذا؟

في سبيل تجسيد الطرق التي تصبح فيها الإثنية موضوعًا هامًا فإننا في حاجة لأن ننظر عن قرب إلى سياقات اجتماعية محددة (Jenkins 1997). فالإثنية تصبح موضوعًا مركزيًا في العديد من السياقات مثل فترات الحروب، والسياسات التنظيمية، وعلاقات السوق، وأيضًا في البنى التنظيمية للهيمنة والسيطرة. وبعيدا عن تلك السياقات الرسمية فربما تكون الإثنية على قدر كبير من الأهمية في السياقات الاجتماعية غير الرسمية مثل:

التنشئة الاجتماعية في السنوات الأولى من العمر: تتضمن البنية الاجتماعية لتنشئة الأطفال وتكوين هوياتهم وتعزيزها، وتعليمهم عن أنفسهم.. من نكون؟ وقد يتورط الآخرون في استخدام العلامات الإثنية والتصنيفات العرقية بجانب الهويات الأساسية الأخرى للنوع والذاتية الفردية والإنسانية.

التفاعل اليومي بين الناس: ربما تساعد التصنيفات غير الرسمية في تنظيم وتأويل التفاعل الاجتماعي. وتمثل الدلالات اللفظية وغير اللفظية – مثل الملبس واللغة والنكات والإساءة اللفظية وغيرها – مصدرًا للتعبير عن التعبئة للهويات الإثنية وروابط الجماعة: من يعد جزء من جماعتي؟ ومن هو ليس كذلك؟ ويؤدي الجهل الثقافي في الحياة اليومية وسوء التواصل وإنكار الآخر إلى الصراع الإثني والعنف. فعندما يلتقي شخصان ينتميان إلى جماعتين عرقيتين مختلفتين فإنهما يتواجهان بقيم وتوقعات وعادات لفظية وفعلية مختلفة. ويؤثر ذلك في تواصلهما الاجتماعي. وقد يتبنيان مواقف دفاعية متعصبة تفتقر إلى الاحترام المتبادل. وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى أشكال من الصراع والعنف الإثني.

العلاقات الجنسية والزواج: تمثل العلاقات الجنسية بين الجماعات الإثنية موضعًا للعنف والصراع كما حدث في فترة الشغب في بريطانيا ما بين عامي 1919م إلى 1948م. وأيضًا تؤثر مظاهر السلطة الذكورية بحيث تتحكم الجماعات الإثنية في تلك العلاقات وتحرص على أن يتم الزواج من داخل الجماعة الإثنية نفسها. وعلى سبيل المثال، إذا سافرت امرأة إنجليزية وتزوجت من خارج الجماعة فربما يتم نبذها واستبعادها. وبناء على ذلك، فإن النطاق الذي يمكن أن نقول فيه إن الإثنية موضوعًا هامًا هو نطاق متغير، يعتمد على المجتمع والزمن والسياق. ويمكن القول بتحفظ أن الإثنية هي “مظهر كلي وأساسي للمخزون الثقافي الإنساني” (Jenkins 1997: 77).

الإثنية: التصورات والمناهج والعلاقات.

التصورات والمفاهيم

تشير الإثنية إلى ذلك الاختلاف الناتج عبر التفاعل الاجتماعي بين جماعات من الناس لها أصل واحد ومعاني ثقافية وذكريات جمعية مشتركة. ويشير مصطلح ethnos/ethniks في اللغة اليونانية قديمًا للإشارة إلى جماعة تشترك في سمات ثقافية أو بيولوجية، مثل القبائل والجماعات البشرية. ومن هو غير يوناني فهو أجنبي ومغاير. وهو أيضًا بربري وأقل تحضرا. وينطبق هذا التمييز الإثني على “الآخرين”، أما “نحن” فلسنا مميزين إثنيًا. وقد ظل هذا الاستخدام الشعبي حتى الوقت المعاصر بالإشارة إلى الزي الإثني وكذلك الطعام. وهناك تنوع كبير في الأبحاث الاجتماعية عن الإثنية. وتسير تلك الأبحاث كلها نحو كسر الروابط بين الإثنية و”الآخر” في تأكيدها على أننا جميعًا موسومين بالإثنية في ذاتيتنا وهويتنا المتشكلة عبر التاريخ واللغة والأصل والثقافة.

وغالبًا ما يتم التمييز بين الجماعات الإثنية على أساس معيار له خمسة أركان:

أولاً: فكرة “الموطن” أو مكان الجماعة الأصلي. ويعد هذا ركنًا أساسيًا في تمييز الجماعة إثنيًا أو عرقيًا. ويرتبط بفكرة الشتات حين تهاجر جماعة عرقية من مكانها لتتمركز في مكان آخر يتماهى أو يتطابق مع مكانها الأصلي.

ثانيًا: تمثل اللغة المشتركة الركن الثاني من أركان التمييز الإثني للجماعة. وقد تكون اللغة مميزة في ذاتها (قاصرة على استخدام الجماعة لها) أو مشتركة بين جماعات مختلفة. وتلعب اللغة دورًا مركزيًا في تشارك الذكريات واللمسات الانفعالية والعاطفية للجماعة.

ثالثًا: يعد الاعتقاد الديني ملمحًا رئيسيًا يميز العديد من الجماعات الإثنية. وقد تؤمن الجماعة بدين خاص بها مثل ديانة “السيخ”. وقد تؤمن بدين تشترك فيه مع جماعات أخرى.

رابعًا: الثقافة العامة بما تشمله من سلوك وتنظيمات اجتماعية مميزة للجماعة. وكذلك التراث المشترك والتقاليد والعادات مثل تلك المتبعة في النظام الغذائي واللبس وغيرها من الملامح المميزة للجماعة الإثنية.

خامسًا: التاريخ الجمعي للجماعة هو أيضًا ركن أساسي في تمييز الجماعة الإثنية.

وتزداد الأقليات ترابطًا وتماسكًا عبر الزمان والمكان. ويمكن أن تتشكل من خلال روابط جديدة داخل السياقات الاجتماعية. ففي الهجرة على سبيل المثال تتشكل نظرة إثنية جديدة تربط بين الموطن والمهجر، مثل الآسيويين البريطانيين أو الأسبان الأمريكيين. ويمكن للترابط الإثني أن يوفر شعورًا بالأمن جسديًا ونفسيًا. ويسمح للفرد أن يتماهي في هدف مشترك لتراث طويل وعظيم لمجموعة من الناس. ولو كانت المعتقدات المشتركة تتخفي وراء الاختلاف الإثني فإن روابط الجماعات الإثنية لن تكون واضحة حتمًا، وسيكون الحذر مطلوبا عند تقييمنا للمدى الذي تعكس فيه التصنيفات الخارجية المعاني والقواعد والمظالم الاجتماعية بدقة. ولن تكون هناك ملائمة مقبولة بين الدولة وبين البنى البيروقراطية للتصنيفات الإثنية والأشكال الدينامية للهوية الإثنية التي يعتقد فيها الناس والجماعات الإثنية نفسها.

مناهج اجتماعية

يمكن تصنيف المناهج الاجتماعية في دراسة الإثنية إلى معسكرين أساسيين. أولهما المناهج الأساسية التي بدأت مع “إدوارد شيلس Edward Shils” عام 1957م. وتنظر تلك المناهج إلى الروابط العرقية والإثنية كالأصل واللغة والإقليم والتقاليد على أنها أمور أساسية لا يمكن الفكاك منها. فأنت ولدت في إطار مجموعة إثنية معينة، ولا يمكنك الفكاك أو تغيير هويتك. وقد تعرضت تلك المناهج لكثير من الانتقادات منها أن المنهج ثابت ولا يستطيع أن يفسر تلك الحالات التي تتغير فيها الهوية مثلما يحدث عند الهجرة. فعند الهجرة إلى بلد آخر تصبح الهوية مزدوجة، مثل الأمريكيين من أصل أفريقي أو الآسيويين البريطانيين. ويؤدي تكوين عائلات جديدة في المهجر (عن طريق الزواج من إثنيات مختلفة) إلى تكوين أجيال جديدة مختلطة العرق. وتلك الأجيال ستكون مزدوجة الهوية أيضًا. وقد يؤدي ذلك في النهاية لتكوين إثنيات جديدة. وهو ما لا تراعيه المناهج الأساسية. أما المعسكر الثاني من المناهج فهو المناهج الأداتية instrumentalist. والتي تبناها “مايكل بانتون Michael Banton ” في عمله عن المنافسة الإثنية عام 1993م. ويُنظر إلى الإثنية في تلك المناهج على أنها مصدر اجتماعي وسياسي يمكن استخدامه في تعزيز المنافسة وتحفيز الصراع. ويمكن انتقاد تلك المناهج لأنها تهمش قوة الهويات الإثنية غير المتغيرة عبر الزمان والمكان، وتهمش من الطرق التي تحافظ فيها بعض الإثنيات على تماسكها وشخصيتها عبر السنين على الرغم من الهجوم الحاد في بعض الأحيان ومحاولات الاستيعاب، كما حدث مع غجر الروما في مرحلة ما بعد الشيوعية في أوروبا الشرقية والوسطى، أو ما حدث مع الأبورجيناليين (السكان الأصليين) في أستراليا.

ويمكن اعتبار التمييز بين الثقافة والإثنية أمرًا مفيدًا من الناحية التحليلية أكثر من النظر إلى المفهومين باعتبارهما قابلين للتبادل. ويعد النموذج التفاعلي الذي دافع عنه “فريدريك بارت Fredrik Barth 1969” إسهامًا حيويًا بهذا الخصوص. فقد أكد على أن محددات الجماعة الإثنية ليست هي الأمور الثقافية التي تميز الجماعة. فالجماعات الإثنية ليست مجرد كيانات ثقافية محكمة الانغلاق بل إن الحدود الثقافية حدود مرنة وقابلة للتغير. فالحدود الإثنية تترسخ عبر التفاعل الاجتماعي، وربما تصبح ثابتة وغير قابلة للتغير. أما النماذج الثقافية داخل تلك الحدود فربما تتحول بشكل سريع، فعلى سبيل المثال إذا نظرنا إلى شباب التاميل السيرلانكيين الذين يعيشون في إنجلترا فإنهم ربما يمارسون نفس النمط الثقافي للشباب البريطاني في الملبس والموضة والموسيقى …الخ، ولكنهم في نفس الوقت يحتفظون بشعور قوي بالانتماء لهذه الجماعة الإثنية. وبناء على ذلك فإن دراسة الجماعات الإثنية ودراسة الديناميات الثقافية بداخلها يبدوان أمرين مختلفين.

توضيح دور الإثنية في الإبادة العرقية: روانــدا

الإبادة العرقية في رواندا هي مذبحة ممنهجة تعرض لها 800 ألف من قبائل التوتسي والمعتدلين من قبائل الهوتو في مائة يوم فقط. وقبل الدخول في تفاصيل النظريات عن الإثنية وفهمنا لها ربما ترغب في مطالعة الموقع الالكتروني www.rwanda-genocide.org/. ويمكنك من خلاله مشاهدة الأفلام والوثائق الخاصة بالموضوع. ويمكنك أيضًا الرجوع إلى تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش” لعام 1999 لمراجعة الأحداث الرئيسة وأزمانها وخلفيتها التاريخية. ومؤخرًا وجهت لجنة رواندية الاتهام إلى فرنسا باعتبار أنها لعبت دورًا فعالاً في هذه الإبادة العرقية من خلال القوات الفرنسية التي مارست قتلاً مباشرًا وساعدت في تدريب ونقل ميلشيات قبيلة الهوتو المسئولين عن تلك الأحداث (BBC News, 5 August 2008). ويقدم الاقتباس التالي هذه المجموعة المرعبة من الأحداث:

لا تترك أحدًا يروي القصة: الإبادة العرقية في رواندا

قال أحد الناجيين (وكان مختبئًا أثناء الإبادة) ’’عندما خرجت لم تكن هناك طيور، كانت الشمس مشرقة .. ورائحة الموت الكريهة في كل مكان”. نتجت تلك الرائحة عن تراكم الجثث بعد أن شنقت في مناطق عديدة في رواندا في يوليو 1994م.

انتشرت الجثث والجماجم والعظام والملابس الممزقة وبقايا الأوراق في غابات تل “نيانزا” المطل على العاصمة كيجالي. وفي “نياماتا” كانت الجثث ترقد منتفخة على مقاعد وأرضية إحدى الكنائس. وفي “نياربيا” شرق رواندا كانت هناك جثة سليمة لفتاة صغيرة ملقاة على طريق أمام أحد الكنائس، لكن الجثة سطحت وباتت أشبه بالورقة نتيجة لتكرار دهس السيارات لها. وعلى شواطئ بحيرة “كيفو” في غرب رواندا كانت هناك بقايا بشرية ملقاة من أعلى التل. وفي “نياكيزو” جنوب رواندا كانت الشمس قد خلطت العظام برمال فناء أحد المدارس. وعلى تل قريب كان هناك معطف أحمر ملتصق بالقفص الصدري لطفل مذبوح.

في ثلاثة عشر أسبوعا تلت يوم السادس من إبريل 1994م قتل نحو نصف مليون من السكان وربما ثلاثة أرباع قبيلة التوتسي خلال عملية الإبادة العرقية في رواندا. وفي نفس الوقت أيضًا قُتل الآلاف من قبيلة الهوتو نتيجة لمعارضتهم لحملة القتل الوحشية التي تديرها مليشيات قبيلتهم. ولقد ضرب القتلة بسرعة وبقوة عنيفة وكأن قوة مريعة من قوى الطبيعة تفعل ذلك. وقد قال بعض المراقبين “لقد جُن الناس”. وقال آخرون: “دورة أخرى من العنف القبلي”.

وتشمل الأمة الرواندية التي تتكون من سبعة ملايين نسمة ثلاث جماعات إثنية: جماعة “التوا Twa” وهي جماعة صغيرة العدد ولا يمكنها أن تلعب أي دور سياسي. ولذلك تركت ساحة الصراع لقبائل الهوتو والتوتسي ليواجه كل منهما الآخر دون وسطاء. وتمثل قبيلة الهوتو أغلبية ساحقة من حيث عدد السكان. ولا زالوا يتذكرون نظام الحكم الاستبدادي لقبائل التوتسي. ولم يكن العديد منهم يحقد على قبائل التوتسي فحسب بل يخاف منهم رغم أنهم أقلية. وقد دخلت الحكومة الرسمية المتشكلة من الهوتو في حرب مع ثوار الجبهة الوطنية التوتسيين. وبالإضافة لذلك فإن رواندا كانت آنذاك من أفقر الأمم في العالم بل وتزداد فقرًا خاصة مع مساحة الأرض الصغيرة التي يسكنها عدد كبير من الناس، وأيضًا بالإضافة لتدني أسعار منتجاتها بشكل كبير في الأسواق العالمية وتقلص إنتاجها الغذائي بشكل كبير بسبب الجفاف من ناحية ومشكلات الحروب من ناحية أخرى. وأشارت الإحصاءات في عام 1994م أن هناك ما يقارب ثمانمائة ألف نسمة في حاجة شديدة لمعونات غذائية كي يبقوا على قيد الحياة.

إن الإبادة العرقية التي حدثت في رواندا لم تكن ثورة غضب لا يمكن التحكم فيها من قبل شعب استهلكته العداءات القبلية القديمة. ولم تكن نتيجة للفقر والزيادة السكانية. ولكنها كانت خيارًا للنخبة الحديثة التي تبنت الخوف والكراهية ودعمت منهما لتحافظ على مقاعد السلطة. هذه الجماعة الصغيرة المميزة التي هي النخبة وضعت الأغلبية في مقابل الأقلية حتى تستطيع مواجهة المعارضة السياسية المتنامية داخل رواندا. ومن ثم تستطيع تحقيق النجاح في المواجهات العسكرية مع الجبهة الوطنية ومن بعد ذلك على مائدة المفاوضات. وقد حولت تلك الجماعة الصغيرة المتحكمة في مقاليد الحكم سياسة التمييز العنصري إلى إبادة جماعية. واعتقدوا أن الإبادة العرقية من شأنها أن توحد الهوتو تحت قيادتهم وبالتالي يكسبون المعركة، أو في أسوأ الظروف الدخول إلى التفاوض بفرص سلام ملائم لهم. وقد استخدموا الدولة وآلياتها وسلطاتها لأجل تنفيذ مذابحهم. وكان صناع القرار في فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة وكذلك الأمم المتحدة جميعهم على دراية بالتحضيرات لتلك المذبحة الهائلة وفشلوا في اتخاذ أية خطوات للحيلولة دون وقوعها.

وقد قام “سينيشا ماليشيفتش 2004 Sinisa Malesevic” بتصنيف ناجح للنظرات الاجتماعية المتنافسة في مجال التنظير للإثنية. وأوضح “ماليشيفتش” كيف يمكن استخدام أية نظرية من تلك النظريات في تفسير الإبادة العرقية التي حدثت في رواندا وإلقاء الضوء على التوترات المعرفية الأساسية الخاصة بها. وتلك المناهج والنظريات الاجتماعي هي: علم الاجتماع التقليدي – الماركسية الجديدة – النظرية الوظيفية – التفاعلية الرمزية – الاجتماعية الحيوية (سوسيوبيولوجي) – نظرية الاختيار العقلي – نظرية النخبة – المناهج الفيبرية الجديدة (نسبة إلى ماكس فيبر) – والمواقف المناهضة للتأسيسية.

وتتبنى المناهج المختلفة مداخل وعوامل متباينة في تفسير نفس الظاهرة. ويوضح هذا صعوبة تطبيق أطر نظرية في الدراسات عن حالة خاصة. ويوضح أيضًا عدم كفاية التأليف البسيط بين المناهج، وما زال التحليل مستمرًا للحالة الرواندية. ويوضح الجدول التالي العوامل الرئيسة التي تبنتها كل نظرية اجتماعية من النظريات السابقة في تفسير ما حدث في رواندا، وكذلك أوجه النقد الرئيسية التي تعرضت لها كل واحدة من تلك النظريات. ويفضل ماليشيفتش الربط بين المنهج الكلي التاريخي للفيبرية الجديدة ونظرية النخبة. ويقدم لنا هذا الربط فهمًا تاريخيًا كليًا ومتماسكًا بجانب التركيز على دور النخبة في إثارة وتحفيز العداوات العرقية. وقد استخلص “مان Mann 2005” أربع نتائج أساسية فيما يخص دراسة هذا الموضوع:

أولاً: أن الصراع الإثني العميق بين هاتين الجماعتين مبني على عداوة عرقية قديمة وتحفيز معاصر لهذه العداوة بالتركيز على تكوين ولايات خاصة لهاتين الجماعتين في نفس الإقليم. وكان هذا أمرًا رئيسيًا في حدوث كارثة التطهير العرقي.

ثانيًا: أنه تم استخدام القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية لإعادة تركيز اللاوعي في الغضب الإثني على الاستغلال والفقر اعتمادًا على المشاعر الانفعالية مثل الولاء للأقارب والنضال والمفاهيم الذكورية.

ثالثًا: لم تكن الدولة متماسكة أو تخضع لحكم شمولي لكنها كانت دولة فئوية إلى أقصى حد. وكان المتطرفون يقتلون المعتدلين ثم يتحولون لقتل الآخرين دفاعًا عن سلطتهم.

رابعًا: تنوعت دوافع المعتدين بشكل كبير. وكانت تخلط بين الجرائم المادية، والأهداف الأيديولوجية، ومشاعر الناس العاديين المنضمين لمليشيات عسكرية، ولاجئين حانقين، وجنود سابقين، وشباب وديمقراطيين حداثيين منظمين بشكل جيد، ولم يكونوا (سطحيين أو متخلفين). (وقد قدمنا في الفصل السادس دراسة عن دوافع الجناة في أحداث العنف العنصري في أوروبا وفقًا للأنماط التي وضعها مان).

التفسيرات الاجتماعية للإبادة العرقية في رواندا

النظرية

العوامل التفسيرية الرئيسة

المشكلات النظرية الأساسية

الماركسية الجديدة

التقسيم الاستعماري الألماني والبلجيكي وسياسات التمييز بين الهوتو (طبقة البروليتاريا) والتوتسي (البرجوازية)، إضافة إلى انهيار الاقتصاد الرواندي الذي أتى على الأخضر واليابس.

لا يوجد تلازم ضروري بين الظروف الاقتصادية والكراهية العرقية.

الوظيفية

ضعف الهوية القومية الرواندية ونظام الثقافة السائد الناتج عن وضع التمييز العنصري في إطار مؤسسي عندما استخدم الاستعمار البلجيكي منذ 1933 نظام بطاقات الهوية التي تصنف البالغين على أنه من التوتسي (صاحب امتياز) أو من الهوتو أو التوا.

تجاهل نظام التراتب الاجتماعي بين الطبقات الإثنية. وعدم القدرة على تفسير التعبئة للجماعات الإثنية.

التفاعلية الرمزية

تصارع التصورات الفردية والجماعية في سياق التعامل الواقعي بين المجموعات. فقد كان الهوتو ينظرون إلى التوتسي على أنهم حشرات خطرة ومتعطشة للدماء.

الفشل في تفسير السياق الاجتماعي الأوسع.

النظرية السوسيوبيولوجية

الجماعات الإثنية هي جماعات قرابة تسعى للبقاء وفرض الهيمنة والسلطة وزيادة الأعداد عن طريق اغتصاب وقتل الآخرين.

تجعل من الصراع الإثني شيئًا طبيعيًا متأصلاً في الجينات الوراثية للطبيعة الإنسانية ومن ثم يستحيل تجنبه.

نظرية الاختيار العقلي

المصالح الشخصية: الحصول على الطعام والشراب والكحول والسجائر والسكن والأرض للمشردين والفقراء وشباب الهوتو الجائع.

لا تنظر بعين الاعتبار إلى متانة وصلابة الروابط العرقية.

نظرية النخبة

دوافع نخبة الهوتو ورغبتهم في المزيد من الهيمنة باستخدام الإعلام والإذاعة والأسلحة والسلطة لأجل تعبئة عرقية ضد التوتسي.

تنطوي على تصور هش عن الجماهير. وضعف الاهتمام بالسياق التاريخي.

الفيبرية الجديدة

التمييز في المنزلة الاجتماعية بين التوتسي (الأرستقراط) والهوتو (المزارعين). وهذا التمييز مشتق من الأنماط الإقطاعية غير العادلة في التبادل الاقتصادي. استمرار تميز التوتسي على الهوتو في فترة الاستعمار وما قبلها وانعكاس تلك الحالة في فترة ما بعد الاستعمار.

التأليف الناقص بين الأبعاد التاريخية العامة والأفعال الخاصة داخل الواقع الاجتماعي.

مناهضة التأسيسية

الرغبة الاستعمارية الأوربية في فرض وإثارة الصراع (الفوضى) من خلال تمييز التوتسي على الهوتو. واستخدام وسائل الحداثة لتطبيق الإبادة الجماعية.

الفشل في الإقرار بالنسبية الثقافية، والاعتماد على المركزية الأوربية، وضعف التصور عن الهوية.

أنماط التعامل السياسي مع الجماعات الإثنية

تتنوع العلاقات الإثنية بشكل كبير على مستوى العالم. وتتنوع كذلك صور العلاقات الاجتماعية في ارتباطها بالاختلاف الثقافي. وقد قدم “ميلتون إيسمان Milton Esman 2004” تحليلاً مفيدًا لفئات العلاقات الإثنية كما يلي:

الهيمنة الاقصائية Exclusionary: وتتضمن تحفيز التباين الإثني في الحقوق والمنزلة الاجتماعية والفرص. وكان هذا أمرًا شائعًا في كافة المجتمعات التي وقعت تحت الاستعمار الأوروبي، وفي دولة جنوب أفريقيا العنصرية، وفي الحالات شديدة التطرف التي ذكرناها آنفًا.

الهيمنة الاستيعابية Inclusionary: وتتضمن تفكيك الثقافات واللغات الإثنية وما يرتبط بها من عملية تبادل ثقافي بين الإثنيات. ويعد نموذج الجمهورية الفرنسية مثالا فادحا على الهيمنة الاستيعابية، وكذلك حكومة تايلاند في تعاملها مع الأقلية الصينية، والحكومة التركية في تعاملها مع الأقلية الكردية كبيرة العدد، وهما مثالان آخران على الهيمنة الاستيعابية.

منح حقوق الأقلية: ويمكن أن يدعم هذا من السيطرة. فلقد تم منح حقوق محدودة للمواطنين الفلسطينيين من عرب إسرائيل إلا أن ذلك يعد تأكيدًا على كونهم في منزلة من الدرجة الثانية. ولا زالوا يجاهدون للوصول إلى المساواة في الحقوق مع الإسرائيليين. وفي ماليزيا ترسخت السيادة بمنح حقوق هامة للأقليات الصينية والهندية ولكنها حقوق لا تتساوى مع حقوق المواطن الماليزي.

حلول التشارك في السلطة: وقد تم تطويرها في العديد من السياقات الوطنية التي لم تؤد فيها الانقسامات الإثنية إلى صراعات أو فصل عنصري. وتعتبر كل من بلجيكا والهند وسويسرا نماذج لهذا النمط. فقد تم تطوير الاتحادية والفيدرالية التي أدت لدول متعددة الإثنيات. وهذا النهج يدعم من التعددية الإثنية بالرغم أن النهج التالي والأخير يتنبأ بنهاية هذا النمط في ظل التقدم التدريجي للتماسك الاجتماعي والثقافي.

التكامل: وهو على النقيض من الاستيعاب. وهو أولوية سياسية في كل الدول الأوربية من الناحية الافتراضية. وتفترض سياسات التكامل أن الأقليات الإثنية هي جماعات مختلفة ثقافيًا يمكن أن يحدث تبادل وتلاقح ثقافي فيما بينها. والآمال المتصلة بهذا التصور المعياري البسيط لا تزال غير متحققة. وقد تم الدفاع عن سياسات التكامل بشدة في بريطانيا حيث تم تبني التعددية الثقافية من الناحية الرسمية. وينظر إلى التكامل على أنه يتضمن أهداف المساواة العرقية والتفاعل العرقي مع اهتمام كبير بالجماعات الإثنية، وذلك كله يؤدي إلى فقدان الحياة الاجتماعية الموازية أو المنفصلة. وقد تمت مناقشة السياقات والسياسات الخاصة بالهجرة والعنصرية والإثنية بشكل كامل في الفصل الخامس من هذا الكتاب.

مصادر الصراع الإثني: وجهة نظر أوربية

لقد أكد إعلان حوار الحضارات ومنع الصراع (مؤتمر لوزراء الثقافة الأوربيين عام 2003م) على أن الأشكال الجديدة من الصراع تزيد صعوبة إقامة حوار بين الحضارات. وأن هذا الأمر تديره مجموعات لها أهداف غير معلنة في إثارة العداء وكراهية الأجانب والمواجهة بين الجماعات المختلفة. وقد تم التأكيد على أن الإفقار والتهميش من ناحية، والإجحاف والتجاهل من ناحية أخرى، بمثابة الأسباب الرئيسة المسئولة عن العنف وعن سيادة أنماط معينة عن الآخرين. ولذلك فإن الصراع يبدأ بخلاف (حقيقي أو مزيف) يتزايد لأن يتحول إلى سلوك عنيف أو ظلم قد يتوج في النهاية بعنف مدمر لا يمكن السيطرة عليه.

ويعد الصراع الإثني نتاج لرفض الاعتراف بثقافة الاختلاف والتعدد والتنوع الحضاري والانفتاح الديمقراطي في العالم الذي نعيش فيه. وتعتبر أسباب الصراع بين الحضارات أسبابًا معقدة وفي تزايد مستمر، خاصة مع التنوع السياسي والاجتماعي بين تلك الحضارات. ويواجه المشروع الأوربي تساؤلاً مركزيًا وهو كيف يمكن أن تنفتح وتتلاقي الهويات الدينية والإقليمية والثقافية والوطنية في نسيج واحد؟ (Beck 2006: 134).

أسباب الصراع الإثني

تتمحور أسباب الصراع الإثني والثقافي في الغالب حول التنازع والسيطرة على الأرض كما في أيرلندا الشمالية وبلجيكا والضفة الغربية على سبيل المثال. بجانب الصراع على الموارد الاقتصادية، وكذلك النزاع حول فرص التعليم والتوظيف الحكومي، والعقود المدنية والعسكرية، والصراع حول رأس المال. وهذا يطرح تساؤلا حول العدالة الملائمة في تحديد وتخصيص الموارد. ويمكن للتدهور الاقتصادي أن يصعد العداء بين الثقافات المختلفة عندما يرتبط بالبطالة وتقليص الثروات. ويمكن أن تلعب سياسات الهجرة الاقتصادية دورًا كبيرًا في هذا الصراع أيضًا. وهي تلك السياسات التي تفتح البلدان أمام الأبواب الخلفية لدوائر رأس المال غير الرشيد والذي يؤدي إلى انعدام الفرص أمام ما أسماه “ساسين Sassen 2005” بالطبقة العالمية الجديدة من العمال المتعطلين والذين يضمون جماعات وأسر من المهاجرين. ويمكن لهذا أن يقدم سياقًا بنيويًا رئيسيًا للصراع.

وتلعب عدم العدالة الاقتصادية دورًا كبيرًا في تحفيز الصراع الإثني. وينتج عن عدم العدالة تلك إحياء المزاعم القديمة وكذلك خلق مزاعم حديثة عن التعويضات وإعادة توزيع الثروات. أما الأسباب الثقافية للصراع فغالبًا ما تتمحور حول اللغة والعقيدة. ما اللغة التي يجب أن تستخدم في التعليم والمدارس والجامعات؟ وما اللغة التي يجب أن تستخدم في المؤسسات الحكومية والأوامر العسكرية وفي آليات التواصل الحكومية؟ وتمثل مشكلة اللغة علاقة غير متوازنة بين السلطة والمجموعات الثقافية الإثنية. وتشكل الهوية مشكلة رئيسية في هذا الخصوص. فقد صارت الهوية الإثنية مصدرًا أساسيًا من مصادر النزاع والعنف بين المجموعات الإثنية في العديد من بلدان العالم لفترة طويلة.

شرارات الصراع الإثني

تتعايش مجموعات عديدة مختلفة ثقافيًا وإثنيًا بشكل سلمي فيما بينها، ومع ذلك فإنه عند نقاط معينة سيتفجر الصراع. وقد حدد إيسمان Esman 2004 ثلاثة عوامل رئيسة يمكن أن تسبب الصراع:

 أولاً: الإهانة المكشوفة لكرامة وشرف الجماعة الإثنية أو الثقافية مثلما حدث عند نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد عام 2005م، والتي أغضبت أعدادا هائلة من المسلمين في العالم. وكذلك ما حدث في فرنسا من خلاف حول الحجاب عام 2004م. وهناك مثال آخر من سيريلانكا حيث أمرت الحكومة بأن تكون اللغة السينهالية هي اللغة الرسمية في جميع الاختبارات الخاصة بالوظائف الحكومية وكذلك للالتحاق بالجامعة. وهو الأمر الذي رأت فيه جماعة “التاميل” عدم احترام ثقافي وشكل من أشكال التمييز الاقتصادي والتعليمي.

ثانيًا: التهديدات الملموسة للمصالح الحيوية لمجموعة إثنية أو ثقافية. ففي القارة الأوربية يري الكثيرون من الطبقة العاملة أن المهاجرين غير البيض أو غير الأوربيين بشكل عام يشكلون تهديدًا لمنازلهم وأحيائهم السكنية ووظائفهم ومدارسهم وأمنهم الشخصي والعائلي. ويؤدي ذلك إلى هجوم وعنف وتتزايد المطالب بضرورة التحكم والتنظيم والاستبعاد. ومثال آخر على هذا الأمر هو الاستيطان اليهودي للأراضي الفلسطينية التي يعتبرها الفلسطينيون حقًا لهم.

ثالثًا: فرص الحصول على مزايا أو تعويضات أو مزاعم للسيطرة خاصة في حالة تفكك الدول بعد أن تصبح العلاقات الاقتصادية والسياسية عرضة للتدخل مثلما حدث عقب انهيار الاتحاد السوفيتي والانتقال لمرحلة ما بعد الاتحاد.

وتؤدي التقنيات الحديثة وكذلك الاختلاف في أنماط الاستهلاك إلى ظهور ثقافات إقليمية وعالمية أوسع. وقد أدت تلك القوى والأنماط إلى خلق أشكال جديدة من الظلم والكراهية العرقية تجاه المهاجرين أو الدفاع عنهم. ويحدث ذلك ضد أقليات راسخة في المجتمع منذ فترات طويلة كما في الولايات المتحدة على سبيل المثال، والتي يظهر فيها تطور حركات معاداة الصهيونية أو تطور خطاب الكراهية ضد الروس. لقد فشل علم الاجتماع في التنبؤ بنهاية التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا كما يذكرنا كل من “جون ستون John Stone” و”روتلدج دينيس Rutledge Dennis” (2003). ويدلنا ذلك على أهمية الفهم والتنظير لإمكانية الرؤية الصراعية الشاملة والدور الذي تلعبه الإثنية في الصراعات. وسوف ننتقل الآن لدراسة الإثنية في بريطانيا بشكل أكثر تفصيلاً.

الإثنية في إنجلترا : التعصب للعرق الإنجليزي Englishness

إن الهويات الإثنية هي هويات اجتماعية وليست طبيعية تنشأ في الغالب عبر التعبئة السياسية للجماعات اعتمادًا على أسطورة الأصل المشترك، والأسلاف، والتشارك في الزمان والمكان، والذكريات التاريخية عن الماضي، والارتباط الرمزي بأرض الأجداد، وكذلك اسم موحد مشترك للجماعة.

 ويجب فهم تلك الخصائص للإثنية (Hutchinson and smith 1996) حتى يمكن معرفة ما المقصود بالتعصب للعرق الإنجليزي. وقد كان هناك اهتمام ملحوظ بدراسة الأقليات في إنجلترا. فما الذي يعنيه أن تكون أسودا أو مسلما في بلد كهذه؟ ورغم ذلك فإنه من النادر أن يتم تعريف التعصب للعرق الإنجليزي بأنه شكل من أشكال الإثنية. وقد أدت نهاية الإمبراطورية وازدياد ما يعرف بالأوربية وكذلك انحلال السلطة في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية وويلز إلى التشكيك فى معنى أن يكون المرء إنجليزيًا، وما تعنيه الإثنية الإنجليزية بالضبط. وكان هناك جدال كبير في العديد من المجالات السياسية والثقافية عن هذا المفهوم الذي يرتبط بمفاهيم أخرى أساسية مثل القومية والإمبريالية والعنصرية (Hall 1996: 170).

وقد حاول أحد المنظرين الثقافيين وهو “روبرت يونج Robert Yong 2008” الإجابة عن سؤال: ما المقصود بالتعصب للعرق الإنجليزي؟ ويبدأ يونج في فحص أساطير الأصل الإنجليزي الواحد. ورأى أنه لا يمكن التعرف على مجموعة واحدة من البشر تنتمي بشكل خالص للعرق الإنجليزي من خلال الدراسات التاريخية والآثرية، غير أننا نجد سلسلة من الأساطير المهيمنة والمشهورة في هذا الصدد. وما تخبره لنا الدراسات هو أن الإنجليز هم مجموعات شديدة التباين وصلت إلى بريطانيا عند نهاية الحكم الروماني، وشكلوا سويًا مجموعة واحدة من البشر تتكلم الإنجليزية وتسكن بريطانيا. ويشار إلى هؤلاء في الغالب على أنهم الأنجلو ساكسونيين الذين قدموا من أراضي ساحلية في شمال أوروبا تشمل الألب والمصبات الغربية ويوتلاند وشيلزفيج وهولستين وفريسلاند والمنطقة الممتدة ما بين الساحل الشمالي ونهر الراين بالإضافة لبعض الفرانكيين وآخرين يشملون قبائل السيوبي (Todd 2008). وقد وصل هؤلاء السكان إلى إنجلترا في صورة مجموعات مختلطة ولم يشكلوا جماعات إثنية مميزة. ويبدأ تحليل يونج لأساطير التعصب الإنجليزي بالتركيز على الساكسونية.

 لقد تطورت الساكسونية في نهاية القرن السابع عشر. وينظر إلى الإنجليز على أنهم ساكسونيين أو من (التيوتون Teutons) الذين لهم هوية في جذور القومية الألمانية مختلفة عن الهوية الأصلية القديمة للبريتون Britons أو السلتيين Celts وهم الذين تم ترحيلهم إلى أطراف اسكتلندا وويلز وأيرلندا فضلا عن كورنوال Cornwall  (في أقصى جنوب غرب إنجلترا). ولذلك فإنه يمكن القول أن العنف الإثني كان أساسيًا في تشكيل ما يعرف بالأمة الإنجليزية. ويُنظر إلى الساكسونيين على أنهم قدموا إلى بريطانيا منذ عام 440م وما بعده. وقد تجسدوا في شخص الملك ألفريد عام 870م. ويعد المؤلفون والمؤرخون والكتاب والروائيون مسئولين بشكل أساسي عن ربط الهوية الإنجليزية بالساكسونية التي تم توسيعها في العصر الفيكتوري لتصبح أنجلو سكسونية.

وقد ارتبطت عولمة التعصب الإنجليزي بحركة الاستعمار والإمبريالية وتوسع نطاق التجارة والهجرة في القرن التاسع عشر. وتجاوزت تلك الإثنية الأنجلوساكسونية حدودها بقيمها المبهمة ومؤسساتها ولغتها المشتركة لتشمل تنوعات ثقافية كبيرة. ويوضح هذا ما وصفه “يونج” بأنه “خواء محير للتعصب الإنجليزي” ينبع من التنوعات الكبيرة لتلك المواقف المتعصبة في سياقات أممية مختلفة مثل كندا وأستراليا على سبيل المثال. وهناك خلاف في القرن العشرين حول المدى الذي تغيرت فيه الأمة الإنجليزية حين تحولت من المذهب السكسوني المتفوق عرقيًا إلى كونها مظلة مرنة وشاملة تشمل مجتمعات الأقليات المتوافقة كما أشار “بيلي براج Billy Bragg” في كتابه الذي صدر حديثًا.

من التمايز إلى التمييز

تتصف انجلترا بتنوع الانتماء الإثني لسكانها عبر تاريخ معقد من أشكال الهجرة وفترات الصراع والغزو وتكوين الدولة والإمبراطورية والتحرر من الاستعمار. وهناك حركات أخرى لها صلة وثيقة بهذا الموضوع مثل تلك الحركات المتعلقة بالهجرة الداخلية للغجر وحركات جلب العبيد والخدم الأفارقة منذ القرن السادس عشر وما بعده، وكذلك الهجرة الكبرى للأيرلنديين واليهود خلال القرن التاسع عشر، والهجرة الاقتصادية للبريطانيين من منطقة الكاريبي في فترة ما بعد الحرب، ومن جنوب شبه القارة الآسيوية ومن الصين وأفريقيا ” Shallon 1977, Okely 1983, Holmes 1988″. وفي فترة ما بعد الحرب كانت هناك زيادة في الخلط ما بين تمايز الجماعات الإثنية من جانب وتميز وتفوق بعضها من جانب آخر ” Vertovee 2006″، وقد أدى هذا الأمر إلى خلق مجتمع معقد من الناحية الإثنية. وقد مرت بريطانيا بالفعل بتغير كبير على المستوى الاجتماعي والثقافي نتيجة للعولمة والأوربة وتفويض السلطة ونهاية الإمبراطورية والتعددية الاجتماعية وتسارع أنماط الهجرة (Parekh 2000, Loury et al 2005). ويشير “أولريخ بيك Ulrich Beck” إلى أن التطور المتزايد لعلاقات التداخل الثقافي والإثني في المجتمعات الحديثة قد حدده عدد من المفكرين والأكاديميين من أمثال إيمانويل كانط ويوهان ولفجانج وكارل ماركس وجورج سيميل. وقد نظروا جميعهم إلى العصر الحديث على أنه نتاج للتحول من المجتمعات التي تعتمد على القرابة المباشرة إلى مجتمعات “العصور الكونية Universal eras”.

وقد تمثلت الدوامة الناتجة عن التغير الاجتماعي في موقفين متعارضين. فمن ناحية، تؤكد الكونية (الكوزمبوليتانية cosmopolitanism ) على الانفتاح على الآخر والاعتراف والقبول بالاختلاف. وتؤكد أيضًا على أن الجميع متساوون رغم هذا الاختلاف. ومن ناحية أخرى هناك معاداة للكونية في كل المعسكرات السياسية والمنظمات والدول  التي تؤكد على رفض الاختلافات الثقافية واللغوية، وتروج لتهميش وإبعاد مجموعات إثنية وثقافية مختلفة، فهؤلاء في وجهة نظرهم يمثلون دومًا خطرا محتملا.

وهناك دور تلعبه وسائل الإعلام في مناهضة الكونية. وهو ما نشير إليه في الفصل الثامن من هذا الكتاب حيث نتناول خطاب الكراهية في الصحافة الروسية. وفي بريطانيا تعرضت الجماعات المهاجرة إلى أشكال عديدة من العنصرية والكراهية والعنف وممارسات من التهميش والإقصاء (Hilmes 1991, Panayi 1993) كما أنهم قد تعرضوا أيضًا لمستويات متباينة من الاعتراف السياسي والثقافي والقبول من الإثنيات الأخرى، واستطاعوا أن يندمجوا داخل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ويُنظر إلى فترة الحرب على أنها نقطة البداية في الهجرة إلى الداخل من دول الكومنولوث السابق بغرض الإمداد بالعمالة. فالهجرة من دول الكاريبي تبعتها هجرات أخرى من الهند وباكستان وبنجلادش. وكانت الهجرة من تلك الدول الأخيرة معظمها من الذكور، ثم تلحق بهم أسرهم فيما بعد فيما يعرف بلم شمل الأسرة (والذي يشمل أيضًا الهجرة المعتمدة على الأقارب الموجودين بالدولة). ولم يكن هذا هو الحال في الهجرة من دول الكاريبي حيث هاجر عدد كبير من النساء منذ البداية للعمل في مجال الخدمة الصحية على سبيل المثال. وكانت تلك الجماعات قد أتت من مستعمرات بريطانية سابقة. وكان هؤلاء في بداية الأمر يتمتعون بأولوية الدخول ثم خضع الأمر لقيود خلال فترة ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين حتى اقتصر الأمر على عائلات المستوطنين. وصارت المواطنة وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية واجتماعية تحت سيطرة نظم ما بعد الاستعمارية (Hansen and Weil 2001).

وهناك اختلاف واضح بين الجماعات الإثنية في إنجلترا فيما يخص الأوضاع الاقتصادية وتاريخ الهجرة والمشاركة السياسية وكذلك التصورات عن المواطنة. وقد أصبحت تلك الأمور أكثر وضوحًا في الفترات الأخيرة. وسلطت المناقشات الأخيرة الضوء على مشكلة التميز أو التفوق العرقي حيث يواجه المسئولون معضلات كبيرة في مواجهة احتياجات المجتمعات المعقدة ثقافيًا، كما في مجال التعليم على سبيل المثال (أنظر الفصل السابع). وبناء على ذلك فإن فهم ومراعاة ما يتعلق بالتنوع العرقي والثقافي إنما يمثل تحديًا متزايدًا. ويرى “فيتروفيتش Vetrovic” أن السياق الجديد للتميز العرقي في بريطانيا منذ التسعينيات إنما يعود لمجموعة من العوامل، وهي:

  • بلد الوطن الأم: (وتشكل مجموعة الصفات المتنوعة الممكنة للجماعات مثل الإثنية واللغة).
  • التراث الديني والهويات الإقليمية والمحلية ومنظومة القيم والممارسات الثقافية.
  • قناة الهجرة (وغالبًا ما ترتبط بتدفقات نوعية وشبكات اجتماعية معينة).
  • الحالة القانونية (وتحدد استحقاق الحقوق).
  • رأس المال البشري للمهاجر (وخاصة الخلفية التعليمية).
  • الحصول على وظيفة (وهو ما قد يتحقق للمهاجر أو لا يتحقق).
  • المحلية (وترتبط بصفة خاصة بالظروف المادية وأيضًا بطبيعة ونطاق الأقليات المهاجرة الآخرى).
  • الانتقال والتحول (وتتعلق بكيفية معيشة المهاجرين وخاصة فيما يتعلق بالأماكن).
  • الاستجابات غير المتساوية من قبل السلطات المحلية ومزودو الخدمات والسكان (والتي تعمل وفقًا لفرضيات مبنية على خبرة التجارب السابقة في التعامل مع المهاجرين والأقليات الإثنية).

الأقليات في بريطانيا: مسارات وتواريخ متباينة.

نقدم هنا نظرة عامة ومقارنة بين ثلاثة مجموعات من الأقليات الإثنية التي تعيش في بريطانيا، وهم: الغجر والرحل، والكاريبيين السود، والبنجلاديشيين (البنغال) مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف النسبي في موقع كل من تلك الأقليات. وقد استقرت هذه المجموعات الثلاث داخل بريطانيا عبر فترات زمنية مختلفة. وقد اخترناهم هنا لتوضيح أنه رغم طبيعة التجربة المشتركة بينهم إلا أن هناك اختلافات مميزة فيما يتعلق بعمليات الهجرة والاستيطان والاندماج. فقد وصل الغجر والرحل إلى إنجلترا منذ القرن السادس عشر إلا أنهم يعيشون في أكثر المناطق تهميشًا، في حين أن المجموعتين الأخريين قد جاءوا في فترة ما بعد الحرب وعايشوا أشكالاً مختلفة من الإندماج أو الإقصاء. ويغلب على الكاريبيين السود الحرمان من الناحية الاقتصادية. وهم مستوعبون اجتماعيًا من ناحية التعايش وأنماط الزواج. وكذلك فيما يخص الاندماج السياسي بشكل واضح. أما عن البنجلاديشيين فهم الأقرب إلى الفقر والتهميش الاقتصادي، ويُمارس ضدهم تمييز اجتماعي بشكل أكبر. ويعود هذا إلى حد ما إلى الانغلاق الاجتماعي وعدم اندماجهم سياسيًا (Peach 2005, Modood 2005b). ولهاتين المجموعتين الحق في الاستيطان واكتساب صفة المواطنة والمشاركة في الانتخابات نظرًا للعلاقة والالتزامات بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة (Robinson and Valeny 2005). ويبدو أن جماعات الغجر والرحل هم الأكثر ضعفًا من الناحية الاقتصادية والتهميش الاجتماعي والسياسي عن أية مجموعة أخرى رغم قلة البيانات عنهم (Cemlyn and Clark 2005).

الغجر – الروما – الرحل

يُعتقد أن الغجر قد قدموا إلى بريطانيا قادمين من أوروبا منذ القرن السادس عشر. وأنهم أصبحوا جالية واضحة المعالم تعيش حول تخوم لندن بحلول القرن التاسع عشر. وهم يخضعون في الغالب لأوضاع تشريد سيئة. وقد كان هناك صراع طويل بين الدولة وبين الغجر خاصة فيما يتعلق بتنفيذ المشروعات ومحاولات السيطرة على الأرض مما كان له تأثير كبير على رحلات العائلات وتنقلها (Morris and Clements 1999).

ويعد الحصول على الرفاهة من الأمور النادرة بين هذه الجماعة (Cemlyn and Clark 2005). وترتفع نسبة وفيات الأطفال بينهم بشكل كبير، فضلاً عن أن معدلات العمر منخفضة جدًا إذا ما قورنت بأي من الجماعات الأخرى وذلك لصعوبة حصولهم على الخدمات الصحية (Morris and Clements 2001). ويقل معدل العمر سواء بالنسبة للرجال أو النساء بعشر سنوات عن المعدل القومي. وتزداد معدلات الميلاد حيث تلد الغجريات والأيرلنديات الرحل بمعدل أزيد عشرين مرة من باقي الأمهات في البلاد. وذلك نظرًا لاكتسابهن خبرة التعويض عن حالات الوفيات التي يتعرض لها أطفالهن (Van cleemput et al 2004).

وفيما يتعلق بالتعليم فإن تلك الجماعات هي الأقل حظًا في هذا المجال (2008 CDFC). وترفض بعض المدارس قبول أطفال تلك الجماعات. وتفرض شروطًا تمييزية على الالتحاق أو تؤخر عملية التسجيل في المدارس (Clarck 2004a). وقد خلصت إحدى الدراسات الحديثة أن نصف من يلتحقون بتلك المدارس من الغجر في إنجلترا وويلز يتسربون منها في سن ما بين الثامنة والسادسة عشر. وأظهرت الدراسة أيضًا أن هناك نسبًا عالية جدًا من الإقصاء والإبعاد (CDFC 2005). وهناك أدلة واضحة على الفشل الكلي بالنسبة لهذه الجماعات في الحصول على فرص التعليم العالي (Clark 2004a).

ويقدر عدد تلك الجماعات ما بين 200 إلى 250 ألف نسمة. وتشهد تنوعًا كبيرًا فيما بينها. فهناك الأيرلنديون الرحل، والاستكتلنديون الرحل، والغجر الولزيين، والغجر الإنجليزيين بالإضافة لآخرين. وهناك أيضًا الرحل الذين يقدمون عروض المسرح، وسكان المراكب، والرحل الذين يعملون بالسيرك. وتختلف الانتماءات الإثنية المتمثلة في اللغة والهوية والأعراف والتقاليد فيما بين تلك الجماعات. وهناك منهم من يخفي انتماءاته الإثنية حيث يصعب تمييزهم من خلال الشكل الخارجي. ولذلك هم على هامش المشهد العرقي غير أنه يمكن تحديدهم بوضوح اجتماعيًا وإثنيًا خاصة فيما يتعلق بالتاريخ المشترك ومشاعر التمييز عن سائر المجموعات، وكذلك ذكرياتهم الخاصة المتعلقة بتمكن الجماعة من البقاء على قيد الحياة، إضافة إلى تقاليدهم الثقافية والتي تشمل العادات العائلية والسلوك الاجتماعي. وتُحسب تلك الجماعات ضمن العرق الأبيض في التعداد السكاني الذي يُجرى كل عشر سنوات.

ويتم تعريف جماعات الغجر والروما والرحل التي لها تراث أيرلندي على أنها جماعات عرقية تحكمها علاقات العرق. وهي جماعات معترف بها على أنها أقليات إثنية شرعية. فقد تم الاعتراف بالغجر والروما كجماعة عرقية منذ عام 1988م (CRE I v Dutton). ونال الرحل الأيرلنديون الاعتراف الشرعي في القانون بوصفهم جماعة إثنية عام 2000م (O’leary v Allied Domecq). وقد تعرضت جماعات الغجر والروما والرحل لأشكال عديدة من التمييز والإبعاد بشكل متكرر والذي يمكن اعتباره تمييزًا مقصودًا أو غير مقصود، وفقًا لما إذا كان مرتكب الفعل يعرف أن الشخص المرتكب في حقه ذلك التمييز ينتمي لتلك الجماعات أم لا. ومنذ عام 2003م أصبحت جماعات الغجر والروما والرحل مجموعات محددة ومصنفة في التعدادات المدرسية. ويتم تعريف هاتين المجموعتين كما يلي:

الغجر/ الروما: وتشمل هذه الفئة مجموعة التلاميذ الذين يعرفون أنفسهم على أنهم من الغجر أو من الروما، أو من الرحل، أو المرتحلين التقليدين، أو من رومانيا، أو غجر رومانيا، أو الغجر الولزيين/ غجر كالي، والرحل والغجر والروما الاسكتلنديين.

الرحل من التراث الأيرلندي: وتشمل هذه الجماعة نطاقا واسعا ممن لهم ميراث أيرلندي. وتلك الجماعة إما تصنف نفسها أو يتم تصنيفها على أنها تشمل: قبائل الرحل، المرتحلين، والمتنقلين، والرحل من التراث الأيرلندي. ويتحدث رحل التراث الأيرلندي لغة خاصة وهي لغة “الجامون Gammon” ويطلق عليها أحيانًا لغة “الكانت Cant” وهي اللغة التي تضم العديد من الكلمات المستعارة من اللغة الرومانية غير أنها تختلف عن اللغة الرومانية بطبيعة الحال.

ولا يتضمن التصنيف المدرسي أطفال ساحات العروض، ولا الأطفال الذين يرتحلون مع السيرك، أو أبناء الرحالة الجدد، أو أبناء من يعيشون في المجاري المائية، ما لم يكونوا بالطبع مندرجين تحت الإثنيات المذكورة سابقًا. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء الناس لهم حقوق المواطنة الكاملة إلا أن الغجر والروما يشملون أيضًا مهاجرين وطالبي لجوء وعمالة مهاجرة من دول الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا. وقد تعرضت المجموعة الأخيرة من الروما التي وصلت إلى بريطانيا لحملة من العداء الإعلامي الواضح (Craske 2000).

الكاريبيون السود

هناك دليل تاريخي دامغ على أن السود قد أتوا إلى بريطانيا بداية من القرن السابع عشر وتمركزوا في مناطق معينة أصبحت فيما بعد نقاط تمركز لذوي الأصول الأفريقية في بريطانيا على مدى قرون تالية (Walvin 1973, Law 1981). وهناك أدلة تاريخية دامغة أيضًا على انتشار وعمق العنصرية ضد السود في بريطانيا وما يرتبط بها من عنف وتمييز وكراهية. وهناك أيضًا أشكال إيجابية من التفاعل الاجتماعي تشمل الزواج بين الأعراق المختلفة والتعايش مع البيض مما نتج عنه عدد كبير من مختلطي الأعراق بشكل سريع.

والكاريبيون السود هم من أصل أفريقي ولدوا في منطقة الكاريبي أو ينتمون لعائلات تضم أناس ولدوا في إحدى جزر الكاريبي. وقد وصل هؤلاء إلى بريطانيا في فترة ما بعد الحرب خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين قدومًا من جاميكا وجزر أخرى مثل باربادوس وجرينادا وترينداد وتوباجو بسبب الحاجة إلى الأيدي العاملة وعمليات إعادة الإعمار في بريطانيا بعد الحرب، وأيضًا بسبب النمو الاقتصادي (Peach 1996, Robinson and Valeny 2005).

وقد جاء هؤلاء إلى بريطانيا في شكل عائلات. وقبل حلول عام 2001م كانوا يشكلون نسبة 1% من عدد السكان (نصف مليون نسمة تقريبًا 566 ألفًا). والكاريبيون السود الآن هم من مواليد بريطانيا ويعتنقون المسيحية. وعند مقارنتهم بالبيض فإن شكلهم يبدو أصغر سنًا في الغالب ويتشابهون معهم في المظهر الاجتماعي والاقتصادي ولكن يحصل الرجال بينهم على نصيب أقل من النساء في فرص التعليم والتوظيف (ONS 2006).

وفي التعداد السكاني لعام 2001م تم الاعتراف بتزايد الاختلاط بين مجموعات إثنية معينة وشمل التعداد أربعة مجموعات إثنية جديدة نشأت نتيجة التزاوج بين إثنيات مختلفة. ونشأت إحدى هذه المجموعات الأربع نتيجة لاختلاط الكاريبيين بالبيض. وكانت هذه المجموعة هي الأكبر بين الفئات مختلطة الأعراق حيث بلغ تعدادها حوالي 237 ألف نسمة، ونسبة من وُلد منهم في بريطانيا هي 94%. وهي أيضًا المجموعة الأكثر شباباً بين المجموعات المختلطة الأخرى حيث أن 58% منهم يتراوح عمرهم ما دون السادسة عشر. وهي واحدة من أقل الجماعات من حيث المظهر الاقتصادي والاجتماعي ومستوى البطالة والمستوي التعليمي المتدني. ويبلغ معدل البطالة بشكل عام في هذه الجماعة 16%. ومعدل البطالة بين الشباب فيها 25% وقد تبين أن نفس النسبة تقريبًا (25%) لم تنل أي قسط من التعليم (Bardford 2006). ويخضع الشباب الكاريبي الأسود أو الناتج عن الاختلاط بين الأبيض والأسود لاستقطاب اجتماعي واقتصادي داخلي حيث يمكن أن يكونوا من ذوي أعلى الدخول، أو ممن يعانون من البطالة طويلة الأجل (Bardford 1999).

النبجلادشيون (البنغال)

وتعد هذه الجماعة هي أحدث الجماعات استقراراً في بريطانيا. وقد بدأت هجرتها في الخمسينيات من القرن العشرين. فقد أتى الرجال بحثًا عن الرزق من بنجلادش (التي كانت تعرف باسم باكستان الشرقية قبل أن تنفصل عن باكستان الغربية وتشكل “بنجلادش” في 1971م) بأعداد متزايدة في الستينيات والسبعينيات من القرض الماضي. وقد ازدادت الأعداد بشدة بسبب لم شمل الأسرة منذ الثمانينات. وفي 1985 كان هناك ما يقارب من 100 ألف بنغالي في بريطانيا. ويعاني هؤلاء من ثلاثة مشكلات أساسية: وصولهم حديثًا من مجتمع ريفي يقلل فرص حصولهم على عمل يدر دخلاً مقبولاً. وسوء مستواهم في الإنجليزية. والتمييز العنصري في المسكن والوظيفة (لجنة شئوون الإسكان 1986م).

 وكان 74% من البنغال ممن يبلغ عمرهم خمسة عشر عامًا آنذاك لا يتحدثون الإنجليزية بسهولة. وقد وصفوا بأنهم كارثة تعليمية واجتماعية واضحة للغاية. وهناك أسباب عديدة متداخلة أدت لذلك التدني في المستوي التعليمي والكراهية العنصرية في المدارس، والسياقات الاجتماعية المختلفة، والحرمان من الخلفية الوطنية، وسوء التعليم في بنجلادش، وعدم الحصول على فرصة للتعليم في إنجلترا. وتمثل الاختلافات الثقافية مشكلات كبيرة للمدارس منها ما يتعلق بأمور مثل الطعام الحلال، التربية الجنسية، التربية الدينية والأزياء الموحدة. وتوصف منظمات الخدمات الاجتماعية بأنها عدائية وغير عادلة. بما يؤدي إلى حدوث الأمراض بين البنغاليين. وقد حدث تطور كبير للبنغاليين في بعض مظاهر الحياة في العقدين الأخيرين. فقد تحسنت نسبة الالتحاق بالتعليم وتراجعت البطالة رغم أن مشكلات السكن والفقر والأجور قد تفاوتت داخل الجماعة بشكل كبير.

وقد شكلت هذه الجماعة 0.5% من جملة السكان في بريطانيا بعدد يبلغ نحو 283 ألف. وقد ولد أكثر من نصفهم في المملكة المتحدة. والغالب في هذه الجماعة أن 90 % منها من المسلمين. وفي بريطانيا هناك طوائف كبيرة منهم تنتمي للديانة الهندوسية. وتتسم تلك الجماعة بأنها الأكثر ارتفاعًا في معدل الشباب مع ارتفاع كبير في نسبة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عامًا (38%). ويزيد معدل الأسر لدى البنغاليين، حيث تبلغ الأسرة البنغالية في المتوسط حوالي 4.5 فرد (مقارنة بـ 2.3) للكاريبيين السود والأسر البريطانية. ويميل البنغاليون لسكنى المناطق الفقيرة والمزدحمة، ويعيش حوالي 10% منهم في أسر ممتدة. وقد يكون هذا هو سبب الزحام. وتعيش نسبة 44% منهم بهذه المناطق مقارنة بـ 18% للسود الكاريبيين و6% للبيض البريطانيين.

وقد ازداد معدل نمو الأقلية البنغالية عن الأقليات الأخرى بمعدل 74% ما بين عامي 1991 إلى عام 2001 نظرا لارتفاع نسبة المواليد والهجرة. وتتميز الجماعة البنغالية أيضًا بالاختلاف اللغوي الشديد. ويتحدث التلاميذ البنغاليون لغتي “البنغالية” و”سيلهيتي Sylheti”. ويمثل هؤلاء العدد الأكبر في التعليم الثانوي بين مجموعات الأقليات؛ حيث يوجد نحو 40 ألفًا ممن يتحدثون تلك اللغات بين تلاميذ لندن. ويتميز البنجلادشيون بارتفاع نسبة البطالة خاصة بالنسبة للنساء. وتبلغ نسبة البطالة بينهن 22%. وتعتبر النساء البنغاليات الأقل حظا من حيث التوظيف بين كل الأقليات كما تشير الإحصائيات في 2001. وفي الفترة 1991 إلى 2001 حدث الانخفاض الأكبر في نسبة البطالة بين الرجال فانخفضت النسبة من 31 إلى 19% وتحسنت حالتهم الاقتصادية بشكل كبير ولكن هذا لا يعود إلى الجماعة الإثنية نفسها بقدر ما يعود إلى الدورة الاقتصادية للبلد ككل. وقد ازدادت مستويات التعليم بين النساء في هذه الجماعة. وتراجعت مستويات ومعدلات الإنجاب بشكل ملحوظ. فتراجعت نسبة الأمومة بين المراهقات من 61 ألف حالة في منتصف الثمانينات إلى 38 ألف في منتصف تسعينيات القرن العشرين. وتناقص حجم الأسرة بشكل كبير. وهناك مؤشرات على اقتراب تطابقها مع أسر البيض (Berthoud 2005).

التعبئة السياسية للأقلية العرقية

اتسمت التعبئة السياسية للأقليات العرقية في بريطانيا بأنها “ليس لها نظير في أوروبا” (Modood 2005a : 471) وذلك نتيجة لقوتها الأيديولوجية، وأهميتها، وتأثيرها المدني كذلك. وهناك مجموعة من العناصر المتفاعلة التي أدت إلى ذلك، ومنها قوة العلاقات الاستعمارية والتوسعية بين بريطانيا ومستعمراتها القديمة بحيث يصبح للمهاجرين حقوق المواطنة البريطانية بشكل آلي بالإضافة للحقوق السياسية عند انتقاله إلى بريطانيا. وبالإضافة لذلك كانت هناك محاكاة قوية لمكافحة التمييز العرقي والعنصري في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا. فقد نظر الكاريبيون السود (الهنود الغربيون سابقًا) إلى أنفسهم على أنهم بريطانيين. وكانوا في طليعة الأقليات التي كافحت العنصرية مستندة على أفكار ما بعد الاستعمارية والأفكار الأمريكية. وساهمت في تشكيل العلاقات العرقية في بريطانيا، والتي تحدثنا عنها آنفًا.

وكان هؤلاء نشطين من الناحية السياسية بشكل كبير. وكانت لهم مكانتهم في ثقافة الشارع البريطاني (Hall 1998:40). وأثبتوا أنفسهم في مختلف المجالات الاجتماعية بما في ذلك الرياضة والترفيه والإعلام. وكانت تعبئة الكاريبيين في الأساس على أساس لون البشرة. وهذا بخلاف الآسيويين الجنوبيين (الهنود والباكستانيين والبنغال) الذين تتم تعبئتهم في الغالب على أساس الهوية الدينية والقومية والعرقية. ولذلك فإنه من الواضح أن الأقليات الإثنية في بريطانيا لم تتحد حول هوية واحدة. وتجدر الإشارة أن هناك تحالفات في بعض الأوقات بين الأقليات غير أنها تكون هشة إلى حد بعيد. فقد قامت منظمات إسلامية مثل المجلس الإسلامي في بريطانيا، ومنتدي مناهضة الإسلاموفوبيا ومناهضة العنصرية، جميعها قامت بحملات مشتركة مع جمعيات مثل الجمعية الوطنية للسود وغيرها للتنديد بالعنصرية على اختلاف أشكالها.

وقد استمر ظهور جماعات الدفاع عن الهوية العرقية والجاليات الضاغطة وأشكال التعبئة المحلية داخل بريطانيا. وأكدت مؤسسة الأقليات الإثنية أن هناك 6285 منظمة مستقلة تمثل الأقليات الإثننية في بريطانيا. وقد أكد مجلس المنظمات المتطوعة للدفاع عن الأقليات الإثنية “سيمفو CEMVO” على عدم قدرة العديد من تلك الجمعيات والمنظمات على إحداث أي تغيير يُذكر على المستوى القومي. ويرجع هذا إلى حد ما إلى نقص التغطية المحلية وقلة الموارد. وعلى أية حال فإن هذه المنظمات تقدم مساهمات مهمة فيما يخص الرفاهة لجاليات الأقليات العرقية. وغالباً ما ينبني ذلك فيما بعد على موارد الحكومة المركزية والمحلية.

وقد ترافق ظهور “المنظمة السياسية الإسلامية” ومواجهتها وتحديها للتعددية الثقافية البريطانية مع المتطلبات الإسلامية للسياق القومي ووجود تسويات قانونية وتأسيسية في حكم وإدارة بريطانيا. وتعد الحاجة للمدارس الإسلامية مثالا على ذلك. وهو ما كان يتم السعي له خلال ثمانينات لتسعينيات القرن الماضي. وتمت الموافقة عليه أخيرًا في السياسة الحكومية عام 1997م. والطعام الحلال هو مثال آخر على ذلك حيث يُقدم في الوجبات المدرسية رغم معارضة بعض الآباء (Times Online 9 Jan .2008). وهو ما يدل على أن السياسة الحكومية في مجال التعليم فيما يخص الأقليات قد تمت مراجعتها. وقد أكد “طارق مودود Tariq Modood” أن هذا الأمر يعد “اتزانا عادلا داخل التعددية الثقافية” (2008a). وأكد على أهمية هذا الأمر بوصفه عملية تدريجية في تلبية احتياجات المسلمين في بريطانيا عبر المفاوضات والاجتماعات رغم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأحداث السابع من يوليو 2005.  وهناك عدد من المنظمات الفاعلة على المستوى القومي وتتضمن مجلس المساجد الإسلامية واتحاد المنظمات الإسلامية في بريطانيا، والمجلس الأكثر نشاطًا هو المجلس الإسلامي الأعلي (MCB) الذي نجح في تشكيل جماعة ضغط على المستوى القومي منذ انحسار البرلمان الإسلامي شديد الرجعية (Garbin 2005). وهناك منظمات شبابية فاعلة مثل منظمة “الشباب الإسلامي YMO” التي انضمت لمنتدى أوروبا الإسلامي (IFE) بالإضافة لانتشار عدد من المجموعات الإسلامية الرسمية.

وتمارس تلك المنظمات بعض الأنشطة المحلية الخاصة بالمسلمين. وفي بعض المناطق المحلية مثل برادفورد وأولدهام وبرمنجهام ولندن تقام المبادرات واللقاءات مثلما حدث في تنسيق العمل بين المساجد كما هو الحال بالنسبة لمجلس مساجد برادفورد، وكذلك بالنسبة لحملة الطعام الحلال في المدارس، أو في موضوعات أخرى مثل الصراع في الشرق الأوسط والعراق والشيشان وأفغانستان (Garbin 2005).

البحث في الإثنية

علم الاجتماع البريطاني والتحول نحو الإثنية.

لقد أشرنا في الفصل الثالث من هذه الدراسة إلى أن التطور الذي حدث في علم الاجتماع البريطاني كان منصبًا على التمييز بين الأبيض والأسود في المجتمع البريطاني، وعلى أنماط الصراع والتمييز بين الأعراق. وكما أكدنا سابقًا فإن فهم وتحليل الاختلافات الإثنية هو أمر بالغ الأهمية في هذا الخصوص. وفي دراسة أجريت حديثًا عن الانتماء الإثني والسياسة العامة للدولة فإن “بيتش Peach 2005” قد حدد التحول إلى الإثنية في العمل الأكاديمي في بريطانيا ببعض الاهتمامات الفكرية الأساسية بجانب العمل على علم اجتماع العلاقات العرقية الذي انطوى على استبعاد تاريخي للفرق بين الجنسين. وفشل في اكتشاف المزيج والوجود المتداخل بين السلالة والعرق والإثنية والثقافة.

وتعد الإثنية موضوعا قديما في علم الاجتماع في بريطانيا. وعلى الرغم من ذلك فقد ظل موضوعًا هامشيًا منذ ستينيات القرن الماضي. وقد أدت بعض الأحداث في السنوات الأخيرة إلى تسليط الضوء على التصنيفات العرقية والإثنية. ومن بين تلك الأحداث تقرير “ماكفيرسون Mackpherson” بخصوص التحقيق في مقتل “ستيفن لورانس”، والاضطرابات التي حدثت في عامي 2001 – 2005م، وكذلك الجدال والخلاف المتزايد حول طالبي اللجوء واللاجئين. وقد جلبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والسابع من يوليو الكثير من التوترات على السطح. وكانت تلك التوترات متعلقة بالجالية الإسلامية. وسلطت الضوء في نفس الوقت على التفاعل مع قضايا عالمية ومحلية مما كان له أثر كبير في الاهتمام بموضوع التعددية الإثنية في بريطانيا (Mason 2003).

 الستة برامج البحثية الأكثر تقدمًا عن الإثنية داخل بريطانيا

  ما الذي يشكل المرحلة الأكثر تقدمًا في هذا المجال؟ ومن الذي يمولها؟ وكيف يمكن لنا أن نكتشف ما يحدث؟

في سبيل التعرف على البحث الأكاديمي الخاص بالإثنية في بريطانيا فإن هذا القسم يقدم ستة من أكثر البرامج أهمية في هذا الخصوص تُجرى حاليًا في بريطانيا. وسوف يتم الإشارة لبعض البرامج كنماذج. وهناك ثروة هائلة من المادة العلمية والمخرجات التي تتيحها تلك البرامج. ويصعب علينا أن نتناولها هنا (للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة المواقع الالكترونية المتعلقة بالموضوع). وبالرغم من اتساع نطاق تلك البرامج وأهميتها فإنه لا تزال هناك بعض المشكلات الأساسية في فهمنا للكيفية التي تعمل فيها الإثنية. ونتناول فيما يلي تلك البرامج:

  • ساحة البحث الأدبي والعلوم الإنسانية: برنامج الشتات والهجرة والهوية (2005-2009). ويهتم هذا البرنامج بتطوير معرفتنا التاريخية والثقافية عن جوانب الشتات والهجرة والهوية، والتي تشمل جوانب اللغة والدين والأدب والثقافة المادية والفنون البصرية أو الأدائية. وفي هذه الحالة تكون هناك حاجة لاكتشاف أشكال ومراحل الهجرة ودورها في تشكيل التاريخ البشري. وكذلك اكتشاف التداخلات الانتقالية والتقاطعات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الهوية والذاتية. وأيضًا تمثل وأداء هذه التقاطعات ونقاط الاتصال. وأحد دراسات الحالة التي تناولها البرنامج هي عن خبرة الانتماء ومكان الشتات للأطفال من جنوب آسيا في شرق لندن. والذين ظلت عائلاتهم على اتصال وثيق بموطنهم الأصلي. وقد أوضح البرنامج كيف أن هؤلاء الأطفال (8-13 سنة) يختبرون ويتمثلون حياة انتقالية سواء بسفرهم إلى الوطن الأم أو لكونهم جزء من عائلات يسافر أفرادها باستمرار إلى الموطن الأصلي. ويسعي هذا البرنامج إلى تأصيل التحليلات الخاصة بالتهجين الثقافي ويتضمن تعاونًا وثيقًا مع الجاليات المحلية وجماعات الفن.
  • مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية: برنامج الهويات والعمل الاجتماعي (2004 – 2008). وقد قام البرنامج بتدعيم خمسة وعشرين مشروعًا لدراسة بناء الهوية والعلاقات بين الهويات والعزل الاجتماعي والصراع. ويحاول البرنامج أن يكتشف وجهة نظرنا عن كينونتنا وكيف أن الهوية تحدد من يتحاورون معنا، ومن نجعلهم بمنأى عنا، ومن نرتبط بهم، ومن نهمشهم، ومن نستوعبهم أو من نقصيهم. وشمل هذا البرنامج على دراسة حالة نموذجية قامت بدراسة الهويات في المجال التعليمي فيما يتعلق بالطبقة الوسطى من البيض ومقارنتها بالأقليات الأخرى. وقد اكتشفت الدراسة أن هناك إصرارا على الفصل العنصري داخل المدارس الثانوية المختلفة بين أطفال الطبقة الوسطى من البيض (الذين يصنفون على أنهم جماعة القمة) وغيرهم من الأطفال. ويستفيد هؤلاء من برامج الموهوبين والنابهين في الدراسة ونادرًا ما يتفاعلون مع الأطفال ذوي الخلفيات المغايرة. ونادرًا ما يكون هؤلاء الأطفال صداقات داخل الفصل. وإذا كونوا صداقات فإنها تكون من نفس الطبقة. وقد بدا من الواضح أن هناك مؤشرات قليلة على التفاعل الاجتماعي بالرغم من أن الطبيعة العامة للمدارس توحي بهذا الاختلاط. ويدل هذا الأمر على استمرار مضامين العنصرية والتصنيفات العرقية في المدارس.
  • جمعية “ليفيرهولم” الخيرية trust leverhulme: البرنامج البحثي عن الهجرة والمواطنة (2003-2008). والذي أسسه طارق مودوود. ويتكون البرنامج من ثمانية مشاريع. ويهتم بدراسة إدارة حركات الهجرة المتنوعة والمعقدة، وكذلك إدارة الاختلافات الحضارية والعرقية والدينية والسلالية. وهناك مشروع كامل يدرس التمييز الإثني والعنصري مع تركيز خاص على مجال التعليم. وقد أدى الفصل السكني للأقليات الإثنية إلى فصل تعليمي. ويسعي هذا المشروع لدراسة الأداء التعليمي لطلاب الأقليات، ومعرفة ما إذا كان الفصل التعليمي يعزز أو يقلل من نسب تحصيل هؤلاء الطلاب، خاصة وأن التعليم هو البوابة الرئيسية للتوظيف.
  • مشروع النواتج المحايدة النوعية والاجتماعية والرأسمالية، والذي هو جزء من برنامج جمعية ليفرهولم الخيرية عن الهجرة والمواطنة (2003- 2008). ويبحث هذا المشروع في كيف أن المجموعات المهاجرة التي تتشابه من النواحي التعليمية والثقافية قد تحقق نتائج مختلفة. وقد بحث هذا المشروع جماعتين باكستانيتين في “مانينجهام” في برادفورد. وقد سار المشروع في ثلاثة طرق: قام المشروع بتبني فكرة رأس المال الاجتماعي من أجل توضيح كيف أن بنية وقيم ومعايير الجماعة الإثنية تحدد ما الذي يمكن أن تحققه تلك الجماعة من خلال التعبئة الاجتماعية. ويطرح المشروع أيضًا أسئلة عن رأس المال الاجتماعي من خلال التحليلات عن النوع والجيل. ويبحث في كيفية الاختلاف بين الرجال والنساء في تمثل قيم الجماعة.
  • مجموعة البحث الرأسمالية الاجتماعية والأسرية (2002 – 2006م). وقد تمت دراسة العلاقة بين الانتماء الإثني ورأس المال الاجتماعي في جامعة “ساوث بانك” في لندن. وقد تبين أن الأقليات الإثنية تعتمد على رأس المال الاجتماعي فيما يخص عائلاتها وتجمعاتها. فعلى سبيل المثال تنتشر مظاهر الترابط برأس المال الاجتماعي عند الشباب الكاريبي الأسود كرد فعل على عملية الإقصاء الاجتماعي.
  • هناك تزايد في الأبحاث التي ترفض وتنتقد النمط التقليدي في التصنيف العرقي. وذلك من خلال اكتشاف التنوع داخل الأقليات الإثنية وإدراك أن المجتمعات قد أصبحت أكثر تنوعًا بسبب أنماط الهجرة والعولمة. وقد عملت سلسلة الدراسات الحديثة عن الأقليات – التي تمت من خلال صندوق رونيميد الخيري Runnymede trust الذي له تراث طويل في علم الاجتماع البريطاني – على دراسة حياة المهاجرين البوليفيين والإكوادوريين، والجنوب أفريقيين، والكاميرونيين، والفيتناميين، والنيباليين، والتايلانديين، والرومانيين في بريطانيا. وقد سلطت تلك الدراسات الضوء على التجارب المختلفة والسياقات التي تتم فيها تلك التجارب بالنسبة للأقليات، ولكن لم يتم الانتقال إلى مرحلة ما بعد تحليل نتائج تلك الدراسات حتى الآن. وقد سلطت تقارير تلك الدراسات الضوء على التجارب المختلفة والأنماط المتباينة الخاصة بالهجرة إلى بريطانيا. وتناولت تأسيس شبكات العمل الرسمية وغير الرسمية الخاصة، وتجارب سوق العمالة الخاص بالأقليات. فعلى سبيل المثال هناك تقرير أشار إلى التمييز العنصري ضد الكاميرونيين وصعوبة اعتراف أرباب العمل بالمؤهلات التي حصل عليها هؤلاء. وبالتالي يجبرونهم على أن يبدءوا المراحل التعليمية مرة أخرى. وهناك العديد من التقارير التي تناولت تفصيليًا خبرة جماعات الأقلية في لندن.

الإثنية: أربع فئات من أسئلة البحث.

يقدم هذا القسم مجموعة من أجندات البحث وبعض المشكلات والقضايا البحثية إضافة إلى سلسلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها حتى الآن. ومن المهم جدا أن نعرف ما الذي لا نعرفه، وأيضًا أن نعرف ما الذي نعرفه. ويقدم هذا القسم أربع فئات من الأسئلة البحثية فيما يتعلق بالإثنية في الحياة اليومية، والهويات الاجتماعية، والمواطنة ونظام الحكم، والمقارنات بين القوميات.

أهمية الإثنية في السياقات اليومية المختلفة (البيت والعمل والمدرسة على سبيل المثال).

كيف تعمل صفات الإثنية للأفراد والمؤسسات في الحياة اليومية؟ وما الذي يحكم مزاعم وتوجهات الإثنية؟ ما أهمية تصنيفنا المتأصل ووممارستنا القياسية؟ كيف تتشكل وتتكون جماعة إثنية معينة؟ وما هي العوامل والظروف التي تساهم في ذلك؟ وكيف تتصل هذه الجماعة بجماعات دينية أو عقائدية؟ كيف يحاول اللاجئ إعادة الترابط مع الأصول الإثنية للتغلب على الوضع الاجتماعي المؤلم؟ وبالمثل هناك أنماط جديدة من الانتماء والاندماج الثقافي مرتبطة بأجيال من الهجين العرقي تقدم حلولاً مبدعة وخلاقة، أو تقوم بمظاهرات للتضامن من أجل مناهضة العنصرية. وتؤمن بشمولية التعددية الثقافية للجميع. ومع ذلك فإن ما هو معروف عن نماذج التغير والتحول الاجتماعي الملائم حتى الآن قليل للغاية.

أهمية الانتماء العرقي للهويات الاجتماعية.

إلى أي مدى تعد الهويات العرقية ذات أهمية أولية حين تكون الاختلافات الإثنية حاضرة؟ إلى أي مدى تتحدد خيارات الهوية بعملية الإقصاء والسلالية وربما مناهج القياس التي صممت لقياس خطاب الإقصاء؟ لم تتحدد بعض الاختلافات على أنها إثنية في حين لا ينسحب ذلك على اختلافات أخرى؟ ما المضامين التي تنطوي عليها تعريفات تعبر عن فهمنا لإثنيات الأغلبية؟ كيف ترتبط الإثنية بالسلالة؟ هل تساعدنا الإجابات على بلورة مفهوم “الأبيض” وتفكيكه؟ كيف نقوم بتحليل مكان الجماعات القومية مثل الاسكتلنديين والولزيين والأيرلنديين؟ ما الذي يمكن أن نكتشفه عن تلك الأمور من خلال التحليل المقارن مع جماعات في أماكن أخرى من العالم مثل البلقان؟

أهمية الانتماء العرقي بالنسبة لنظام الحكم والمواطنة.

ما مضامين تلك القضايا بالنسبة لنظام الحكم والحكومة؟ وما علاقتها بالبعد القانوني للمواطنة والمشاركة الاجتماعية؟ ويركز معظم التحليلات الخاصة بالمواطنة في سياق الإثنية على سياق حرمان الأقليات من حقوق المواطنة الكاملة سواء أكان ذلك من الناحية الشكلية أو في المضمون الفعلي. وبالرغم من ذلك ينظر إلى المواطنة كتجسيد معقد للحقوق والواجبات من الناحية السياسية والقانونية. ما مضامين الاستبعاد الاختياري (من الخدمة في الجيش على سبيل المثال) بالنسبة لنموذج المواطنة الذي يؤكد على الحقوق والواجبات؟ ولماذا ينظر إلى هذا الأمر على أنه مشكلة بالنسبة للأقلية في حين أنه قد يكون أمرًا عاديًا بالنسبة للأغلبية؟ وبالتالي إلى أي مدى تعد المفاهيم القانونية والسياسية عن المواطنة هي مفاهيم مدركة وممثلة بشكل صريح؟ وما هو المستوى المعياري والقيمي داخل المجتمع متعدد الأعراق ليكون متسقًا مع الحد الأدنى للحديث عن التماسك الضروري بالنسبة للمجتمع ككل؟ أي كيف يمكن أن نتحدث عن جماعة وطنية كلية في مجتمع متعدد الأعراق؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه مفهوم حقوق الإنسان في التوسط والمصالحة بين الإثنيات؟ وكيف يمكن لحقوق الإنسان والقوانين الخاصة بالأعراق ولجان المساواة والعدالة على المستوى القومي أو الدولي في أن يمارسوا تأثيرًا في العدالة بين الجماعات الإثنية والدينية؟ كيف لنا أن نخطو خطوات صحيحة على مسار التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية والمساواة العرقية والتعديلات اللازمة في السياسة الحكومية (Mirza , 2000,Mason 2003).

العنصرية والإثنية في سياقات عالمية ومقارنة

إن أخذ الطبيعة العميقة للعنصرية مأخذ الجد في الفكر الاجتماعي والبحث عن السبل التي تكون فيها تلك الأفكار هامة من الناحية الاجتماعية والثفافية والسياسية في أماكن وأزمان مختلفة هو أمر يمثل مهمة أساسية بكل تأكيد. وكما اقترح العديد من الباحثين فإن هناك صعوبة في اكتشاف السبل والوسائل التي تعمل فيها تلك الأفكار (Modood 2005a) وبدلاً من مجرد طرح نظرية عامة في الكيفية التي تعمل بها هذه الأفكار فإنه يفترض أن مثل هذه النظرية تتطلب نظرة كلية شاملة تتجنب مخاطر التعميم من وجهات النظر الإقليمية والقومية. وقد تطورت هذه القضايا والمناهج والطرق التي تتناولها بشكل كبير في هذا المجال.

بيت الجغرافيا